مستقبل الصراع في إفريقيا الوسطى 7ابريل 2014 – 05:10

31 أوت 2014

د. بدر حسن شافعي (*)
صاعدت وتيرة الأحداث في جمهورية إفريقيا الوسطى بصورة كبيرة خلال الآونة الأخيرة، وتحول الصراع من صراع سياسي إلى صراع ديني؛ حيث شهدت البلاد أعمال تصفية جسدية من قبل قوات ميليشيات الدفاع الذاتي المسيحية المعروفة باسم: “مناهضو السواطير” “أنتي بلاكا”، والتي تضم جنودًا وأفرادًا تابعين للرئيس المخلوع فرانسوا بوزيزيه، ضد المسلمين في البلاد وكذلك ضد قوات تحالف سيليكا(1) الداعمة للرئيس المستقيل محمد ضحية المعروف باسم: ميشال جوتوديا، بالرغم من أن ضحية قام بحل السيليكا في سبتمبر/أيلول الماضي.

هذا التصاعد دفع مجلس الأمن إلى استصدار قرار أوائل ديسمبر/كانون الأول الماضي يتيح للقوات الفرنسية مضاعفة عددها، وتنسيق الجهود مع القوات الإفريقية الموجودة هناك منذ عام 2008، كما فرض المجلس حظر السلاح على الأطراف المتحاربة. وبالفعل بدأت فرنسا في مضاعفة عدد قواتها من 600 جندي الى 1400 جندي، كما زعمت باريس أن مدة العملية ستتراوح بين أربعة وستة أشهر، وأن الهدف منها استعادة الأمن في العاصمة بانجي والمدن المحيطة بها، تمهيدًا لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها من ناحية، وتهيئة الأجواء للانتخابات المقررة العام القادم. وإن كانت الجمعية الوطنية الفرنسية، واستشعارًا للحرج، قررت في الخامس والعشرين من فبراير/شباط زيادة عدد القوات بمقدار 400 جندي لتصبح ألفي جندي، مع تمديد مدة بقائها أربعة أشهر أخرى.

طبيعة الصراع

اختلفت الرؤى بخصوص طبيعة الصراع: هل هو صراع ديني بالأساس، أم صراع سياسي، أم أنه صراع متعدد الأبعاد؟ فهناك فريق من الباحثين يرى أن الصراع طائفي بين الأغلبية المسيحية، والأقلية المسلمة التي لا تشكّل سوى 15% من حجم السكان لاسيما بعد نجاح حركة سيليكا في الانقلاب على بوزيزي في مارس/آذار 2013؛ وهو ما ترتب عليه ظهور ميليشيات الدفاع المدني المسيحية من العناصر التابعة للرئيس المخلوع. ويدلّل هؤلاء بتعرض الكثير من المواطنين المسلمين الى أعمال ذبح بالسواطير وغيرها من قبل الميليشيات المسلحة التي تزعم أن هذه التصرفات تأتي كرد فعل على ممارسات السيليكا، كما يدللون أيضًا بوجود حالة من الحقد بين الأغلبية المسيحية الفقيرة التي تعمل في مجال الزراعة، على الأقلية المسلمة الغنية التي تعمل في مجال الرعي والتجارة خاصة تجارة الماشية، كما أن تجارة الذهب والألماس التي تشكّل 80% من حجم اقتصاد البلاد في أيدي المسلمين.

وربما سعى القس السابق بوزيزيه إلى إكساب الصراع هذه الهوية الطائفية للهروب من الاستحقاقات السياسية والاقتصادية التي قطعها على نفسه مع السيليكا التي دعمته حتى وصل للحكم عام 2003؛ فقد استعان بالسيليكا، ثم تنصل منهم بعد الوصول للحكم، بل قام باضطهادهم؛ حيث رفض الاعتراف بحقوق المسلمين وحرمهم من المشاركة في السلطة أو الثروة وأهمل مناطقهم في الشمال، كما عمل علي إثارة الفتن بين قبيلتين مسلمتين كبيرتين في الشمال الشرقي للبلاد، هما: رونجا وقولا، وكلتاهما كان لهما دور كبير في وصوله للحكم، كما كان لهما كوادرهما في السلطة لكن بوزيزي عمل على إثارة الخلافات بينهما من أجل شغلهما عن مطالبهما الخاصة بتقاسم الثروة، والمشاركة السياسية في الحكم، والتنمية؛ مما أشعل بينهما صراعًا دمويًا، راح ضحيته عشرات الآلاف من القبيلتين، لكنهما اتحدتا بعد ذلك في مواجهته، كما قامت إحداهما بالتوقيع على اتفاق معه يتضمن تسديد الحكومة المستحقات المالية للجنود التابعين للحركات المعارضة، ودمج هؤلاء الجنود في الجيش الوطني، وإطلاق سراح المعتقلين من العسكريين وغيرهم، لكن بوزيزي لم يلتزم بتنفيذ بنود الاتفاق، بل ساهم في تأجيج الصراع الديني من خلال قيام قواته بالاعتداء على ممتلكات المسلمين، ولعل أشهر تلك الحوادث ما جرى عام 2010، وراح ضحيته المئات من المسلمين وغيرهم.(2) ولقد دفعهم هذا إلى توحيد صفوفهم من أجل الإطاحة به، وتوجههم صوب العاصمة، إلا أن الجهود الإقليمية والدولية دفعت إلى التوصل إلى اتفاق ليبرفيل “الجابون” 11 يناير/كانون الثاني 2013، والذي كان من أهم بنوده:

قيام المعارضة بتشكيل الحكومة برئاسة نيكولا تشانغاي رئيس أكبر الأحزاب المعارضة في البلاد، مع تعيين وزير الدفاع من المعارضة أيضًا، على أن تكون حكومة تضم كل الأطياف، وتستمر لمدة عام مقابل تخلي المعارضة عن طلب تنحي بوزيزي.

حل الجمعية الوطنية، على أن تقوم الحكومة المؤقتة بمهامها، مع إجراء الانتخابات البرلمانية خلال عام.

عودة القوى الأجنبية إلى بلادها “في إشارة إلى قوات جنوب إفريقيا الداعمة له”.

إطلاق سراح كل المحبوسين سياسيًا خلال الصراع.(3)

هذا، وقد رفض بوزيزي اقتراحات أخرى بخصوص المسلمين، منها: أن يكون للإسلام مكانة حقيقية بين الأديان المعترف بها في الدولة، وأن يُحتفل رسميًا بعيدي: الأضحى والفطر على أن يتم إدراجهما ضمن أعياد الدولة الرسمية، وعدم التعرض أو اضطهاد المسلمين، خصوصًا في ما يتعلق بالأوراق الثبوتية.

ومرة ثانية لم ينفذ بوزيزي الاتفاق، بل عمل على إثارة النعرات القبلية ثانية؛ مما جعل القبيلتين تتحدان في “السيليكا” أي: التحالف بلغة “السانجو”، وانضمت إليها مجموعات أخرى غير مسلمة. كما حظي السيليكا بدعم كل من المتمردين في جنوب السودان وتشاد، مقابل مساعدتهما بعد الوصول للحكم.

ثم بعد الإطاحة به عام 2013 من قبل السيليكا قام بتشكيل “مناهضو السواطير” أو “أنتي بلاكا” من أجل الإطاحة بهم.

أما الفريق الثاني من الباحثين فيرى أن هذا البعد الديني قد يكون مهمًا، لكنه ليس الأساس في الصراع، لاسيما أن ممارسات العنف ليست ممنهجة، كما أن السلطة الحاكمة لم تكن تدعمها؛ فالبلاد حكمتها أنظمة مسيحية منذ الاستقلال عن فرنسا أوائل ستينات القرن الماضي، ولم يحكمها أغلبية مسلمة إلا منذ مارس/آذار الماضي. ويُلاحَظ أن ممارسات هذه الأنظمة المتعاقبة تشير إلى أن الصراع كان سياسيًا واقتصاديًا بالأساس؛ “حيث تمتلك البلاد موارد طبيعية هائلة؛ فهي تعد مركزًا تجاريًا عالميًا للألماس، وتمثل صادرات الألماس نحو 60% من الدخل القومي لهذا البلد، وتحتل بهذه النسبة موقع الريادة إفريقيًا في هذه التجارة”. لذا حرصت هذه الأنظمة المتعاقبة على الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها من ناحية، والحفاظ على مصالحها الاقتصادية عبر نهب موارد البلاد من خلال صفقات مع الشركات الأجنبية ومع بعض رجال الأعمال المحليين من ناحية ثانية؛ ففي عهد بوزيزي برزت طبقة جديدة من رجال الأعمال درج الناس على تسمية أصحابها بـ”الألماسيين” أو “الأثرياء الجدد”، وحدث تزاوج بين رجال السلطة ورجال الأعمال، وكان الشعب هو الضحية. وقد مارست هذه الأنظمة المتعاقبة عمليات القمع ضد المسلمين والمسيحيين على حد سواء، بل إن البلاد شهدت خمسة انقلابات كان أبطالها شخصيات مسيحية باستثناء الانقلاب الأخير.

ويدلل هذا الفريق على أن الصراع سياسي واقتصادي -وليس دينيًا بالأساس- استنادًا لعدة أمور:

أن فرنسا الدولة المستعمرة الأم هي التي دعمت وصول السيليكا إلى الحكم في مارس/آذار الماضي بعدما رفضت تقديم العون الى حليفها السابق بوزيزي، بل وأصدرت تعليماتها إلى دول الجوار خاصة تشاد بعدم التدخل لمساندته، علمًا بأن تشاد كانت إحدى الدول الداعمة لوصوله للحكم عام 2003 بعد الإطاحة بالرئيس أنج فيليكس باتاسي عام 2003، كما أنها تدخلت عام 2010 لمنع الانقلاب ضده. وبالتالي قد يكون من غير المنطقي أن تقوم باريس بدعم حركات إسلامية أصولية تعادي المصالح الفرنسية، بل إن موقفها الداعم لدوجوتا يرجع إلى اعتبارات سياسية واقتصادية، لاسيما بعدما أقدم بوزيزي على منح عقود للتنقيب عن النفط لشركات صينية وجنوب إفريقية على حساب الشركات الفرنسية. لذا كان أول تصريح لدوجوتا بعد وصوله للحكم أن حكومته ستراجع عقود التعدين والنفط التي وُقّعت في عهد الحكومة السابقة.

التوجهات العلمانية للرئيس المسلم دوجوتا، والذي أعلن بعد توليه الحكم أن “إفريقيا الوسطى دولة علمانية؛ يعيش المسيحيون والمسلمون في دولة علمانية. صحيح أنني مسلم لكن من واجبي خدمة وطني، وخدمة جميع مواطني إفريقيا الوسطى”.

التداخل والتسامح بين أبناء الديانات في البلاد، بل والتداخل بين الأسر في هذا الشأن؛ حيث يمكن أن تضم الأسر بروتستانت وكاثوليك ومسلمين في آن واحد.

أن سلوكيات جنود السيليكا لا تشير الى التزامهم الديني؛ حيث إنهم كانوا يقومون بأعمال قتل وتعذيب، فضلا عن الاغتصاب واحتساء الخمور..

المطالب السياسية للسيليكا لم تكن تتضمن أية إشارة إلى البعد الديني؛ حيث كان جُلّ تركيزهم الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية بعد حالة التهميش التي عانتها البلاد في ظل حكم بوزيزي، بل إن تمردهم عليه كان نتيجة لعدم التزامه بالاتفاقيات الموقعة في هذا الشأن، والتي كانت تنص على تشكيل حكومة وطنية تضم المعارضة، لحين إجراء الانتخابات في البلاد.

وإذا حاولنا الجمع بين وجهتي النظر هاتين، فيمكن القول بأن الصراع أساسه سياسي اقتصادي، وأن بوزيزي عمل على إضفاء الصبغة الدينية الطائفية عليه لأغراض سياسية. وبالتالي تحول الصراع من كونه سياسيًا بالأساس إلى كونه طائفيًا في الآونة الأخيرة. وربما يتضح هذا الموقف عند الحديث عن التآمر الداخلي والخارجي -الفرنسي تحديدًا- للإطاحة بدوجوتا.

مؤامرة الإطاحة بدوجوتا

أثار وصول السيليكا للحكم، وتشكيل حكومة من 28 وزيرًا نصفهم من المسلمين، حفيظة بعض القوى الداخلية المحلية “المسيحية”، وكذلك القوى الإقليمية كالكاميرون، وجنوب السودان”، فضلاً عن فرنسا؛ لذا كان التخطيط للإطاحة به وبالسيليكا عبر محاولة انقلابية بدأت في الخامس من ديسمبر/كانون الأول الماضي -تاريخ تفجر الصراع الذي أطاح بدوجوتا- عندما قامت عناصر من الأنتي بلاكا بدعم من الكنيسة وبتأييد فرنسي-كاميروني-جنوب إفريقي، بعملية قتل المسلمين في حي بوينغ تضليلاً للجيش الوطني للتحرك بعيدًا عن مقاره حول القصر، وإفساح المجال أمام هذه الميليشيات والمرتزقة لاقتحام القصر والإذاعة والتليفزيون، وإعلان الانقلاب مباشرة بتغيير الحكومة، لتأتي القوات الفرنسية لاستكمال اللازم وفرض الأمر الواقع. على أن يتزامن ذلك مع قيام مجلس الأمن باستصدار قرار دولي بتدخل قوات فرنسية لتحقيق الاستقرار في البلاد. ويُلاحَظ أن القوات الفرنسية قد وصلت إلى إفريقيا الوسطى قبل موافقة المجلس، وركزت تواجدها في مدينتي: بوار، وبربرتي الغنيتين بالألماس والذهب، وعندما أدركت باريس فشل محاولتها الانقلابية بدأت تعلن أن هناك حربًا أهلية تجري بين المسلمين والمسيحيين، وأنها ما جاءت إلا لوقف هذا الاحتراب، وأن على المجتمع الدولي دعمها في هذه الجهود. وفي 9 ديسمبر/كانون الأول 2013 أقدمت القوات الفرنسية بالتعاون مع القوات الإفريقية الموجودة في البلاد على نزع أسلحة أكثر من سبعة آلاف من مقاتلي سيليكا، ووضعهم في ثكنات مختلفة بالعاصمة، وهو إجراء أغضب المسلمين، باعتبار أن هذه القوات كانت تمثل لهم شيئًا من الحماية في مواجهة الميليشيات المسيحية التي لم يتم نزع سلاحها؛ لذلك نظّم المسلمون احتجاجات في بعض شوارع العاصمة، منددين بالانحياز الفرنسي لصالح المسيحيين، وأقاموا المتاريس بالإطارات والحجارة، احتجاجًا على انتشار القوات الفرنسية، وقالوا إن هذا الأمر يترك المسلمين عزلاً من دون حماية من ميليشيا “أنتي بلاكا”.(4) وقد كانت هذه التصرفات بمثابة نقطة النهاية للرئيس دوجوتا الذي أُجبر على الاستقالة في يناير/كانون الثاني الماضي، أي: بعد حوالي شهر من اندلاع الأحداث. وهنا يثور السؤال حول دوافع التدخل الفرنسي!

دوافع التدخل الفرنسي في إفريقيا الوسطى

تعد إفريقيا الوسطى إحدى مناطق النفوذ الفرنسي، وكان لباريس حتى وقت قريب قاعدة عسكرية بها، لكنها قامت بغلقها ترشيدًا للنفقات، والاكتفاء بوجود 250 جنديًا لتوفير الحماية للجالية الفرنسية هناك. وبالرغم من هذا الانسحاب، إلا أن باريس هي صاحبة اليد الطولى في مجريات الوضع الداخلي في البلاد، ولا يقع أي انقلاب إلا بدعم منها؛ فهي التي ساعدت بوزيزي على الوصول للحكم -عبر تشاد- عام 2003، وهي التي أصدرت أوامرها لانجامينا، وكذلك ياوندي “الكاميرون” بعدم التدخل لمساندته في مواجة السيليكا في مارس/آذار الماضي، معتبرة ما يحدث في البلاد شأنًا داخليًا. وقد تزامن ذلك مع تدخل فرنسا العسكري السريع في مالي من أجل دعم الحكومة في مواجهة تمرد الطوارق ذوي الهوية الإسلامية بعدما باتوا يسيطرون على شمال البلاد؛ وهو نفس ما حدث في تدخلها في ساحل العاج للإطاحة بحليفها السابق جباجبو لصالح الحسن واتارا. إذن ما يحكم باريس هو مدى محافظة النظم على المصالح الفرنسية من ناحية، ومدى استمرار التبعية السياسية لها من ناحية ثانية.

لذا فإن التدخل الفرنسي في إفريقيا الوسطى استهدف تحقيق عدة أهداف:

الحيلولة دون استتباب الأوضاع لصالح دوجوتا في ظل الضغوط الداخلية “الكنيسة”، والإقليمية “الكاميرون، جنوب السودان، أوغندا” لعدم وجود نظام إسلامي في البلاد يؤثر على هذه الدول، ناهيك عن إمكانية دعمه لقوى المعارضة بهما خاصة بعدما تردد عن وجود جوزيف كوني زعيم ميليشيا جيش الرب الأوغندية في إفريقيا الوسطى، فضلاً عن إمكانية رد الجميل لمتمردي جنوب السودان، وتشاد.

حماية مصالح الشركات الفرنسية العاملة هناك؛ حيث تعمل مجموعة «أريفا» الفرنسية في مجال الطاقة النووية من خلال استخراج اليورانيوم في منطقة باكوما، “وهي أكبر المصالح التجارية لفرنسا في مستعمرتها السابقة”.

مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني وجنوب الإفريقي؛ فقد حصلت مؤسسة البترول الوطنية الصينية وشريكتها السودانية علي امتياز التنقيب عن النفط في شمال شرقي البلاد حيث مناطق المسلمين، وكانت النتائج مثمرة، وفي المقابل اضطرت شركة أميركية إلى وقف عمليات البحث عن النفط، إثر تعرضها لهجمات مسلحة في شمال البلاد. ورغم تمتع فرنسا بامتيازات وافرة لشركاتها، خاصة في مجال الطاقة والنقل والاتصالات وكونها أكبر مستثمر في البلاد، إلا أن الشركات الصينية دخلت في مختلف القطاعات، خاصة في مجال الطاقة والبناء والاتصالات. لذا فإن أحد أبعاد التدخل الفرنسي هو انتزاع هذه السيطرة الصينية، والإشراف على آبار البترول واليورانيوم.

الخوف من التداعيات الإقليمية للصراع على دول الجوار الخاضعة للهيمنة الفرنسية خاصة تشاد والكاميرون.(5)

ومن هنا، يمكن فهم أسباب التأييد الدولي لهذا التدخل؛ فمجلس الأمن أصدر قرارًا وفقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يخوّل القوات الإفريقية والفرنسية الحق في استخدام القوة لاستعادة الأمن وتحقيق السلام، كما فرض حظر سلاح على الفرقاء المحليين، وفي المقابل أعلنت واشنطن عزمها تقديم مساعدات تقدر بأربعين مليون دولار في صورة معدات وتدريب ودعم لوجيستي للقوات الإفريقية المتمركزة هناك.

ملاحظات ختامية

هناك عدة ملاحظات ينبغي الإشارة إليها، بل والتأكيد عليها قبل الحديث عن مستقبل الصراع، أبرزها ما يلي:

أن الصراع، وإن لم يكن دينيًا “طائفيًا” في الأساس بل وتم توظيفه من قبل بوزيزي تحديدًا، إلا أنه تحول إلى صراع ديني قابل للتصعيد بسبب مشاعر العداء والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. ولعل خطورة الصراع تكمن في بروز بعض المطالب الانفصالية لدى الطرف المسلم، لاسيما بعد عملية التهجير القسري لهم إلى دول الجوار؛ وهو ما جعل الأمم المتحدة تحذر من خطورة تصاعد الموقف، خاصة بعدما أعلنت أنتي بلاكا أن إفريقيا الوسطى دولة مسيحية، وهو ما دفع في المقابل بعض قيادات المسلمين إلى تشكيل كيان جديد يُعرف باسم «قوى المقاومة الجديدة» برئاسة أبي بكر سابون يهدف إلى انفصال المسلمين في شمال البلاد، فضلاً عن التهديد الأخير لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب بإلحاق الأضرار بفرنسا بسبب ممارساتها في إفريقيا الوسطى.

أن الوضع الأمني في إفريقيا الوسطى كان أقل خطورة من نظيره في مالي التي شهدت محاولة انفصالية من حركات الطوارق المسلحة في الشمال، ومع ذلك نجحت فرنسا في احتواء هذه الحركات والقضاء عليها بصورة سريعة غير متوقعة، لكنها في المقابل -ووفق المعايير الأمنية- فشلت في إنهاء الصراع في إفريقيا الوسطى بسبب عدم رغبتها في إنهائه من ناحية، ولرغبتها في إحكام السيطرة على مناطق الذهب واليورانيوم الواقعة في النطاق الجغرافي للمسلمين من ناحية ثانية.

أن استمرار عملية التطهير العرقي “على أساس ديني” وفق ما صرّحت به هيومان رايتس ووتش، يطرح عدة تساؤلات عن جدوى القوات الإفريقية والفرنسية، فضلاً عن إمكانية تحقيق التعايش الوطني ثانية، ثم ماذا عن تحالف السيليكا، هل ستتم عودته من جديد أم ماذا؟ وفي المقابل، هل سيعود بوزيزي أيضًا للساحة من جديد باعتباره الداعم الرئيسي للسيليكا؟

أن الرئيسة الحالية سامبا بانزا والتي لعبت دورا مهمًا في قيادة ونجاح الحوار الوطني بعد انقلاب بوزيزي 2003 لكونها مستقلة غير حزبية، فضلاً عن كونها شخصية توافقية، تدرك حقيقة الصراع، وكيف أنه تم تسييس الدين لصالح رجال السياسة، كما أنها حظيت بتأييد كل من البلاكا والسيليكا في عملية ترشيحها للرئاسة بالرغم من كونها مسيحية؛ وبالتالي فهي مطالبة باستغلال شخصيتها، وكل هذا الدعم لتحقيق عدة أمور لعل من أبرزها الحرب ضد البلاكا لنزع أسلحتهم من ناحية، وتحقيق المصالحة الوطنية وتهيئة الأجواء للانتخابات التي ستُجرى العام القادم من ناحية ثانية؛ وذلك من خلال جمع قادة الجانبين على مائدة واحدة. فهل ستكرر نفس إنجاز 2003 خاصة في ظل وجود تأييد فرنسي لها؟

أن المشكلة معقدة من مختلف الجوانب، وقد يكون من الخطأ الاعتقاد بأنها يمكن أن تنتهي بإجراء الانتخابات؛ وهنا يبرز دور المجتمع الدولي في عملية التسوية لاسيما الولايات المتحدة فيما يتعلق بإمكانية زيادة القوات الدولية من ناحية وزيادة المساعدات الإنسانية من ناحية ثانية.

يرتبط بما سبق الأوضاع الاقتصادية السيئة في ظل هروب السكان خاصة التجار المسلمين من البلاد، ناهيك عن المزارعين؛ وهو ما قد يصيب قطاع الزراعة العماد الأساسي للاقتصاد بضرر بالغ لاسيما مع قرب موسم الزراعة، وخشية المزارعين من العودة لعدم توفر الأمان من ناحية، ولعدم وجود الأدوات اللازمة من ناحية ثانية، ناهيك عن أن هذه المنتجات تحتاج إلى عملية تسويق، ومعروف تاريخيًا أن التجار المسلمين هم الذين يقومون بذلك. وبالتالي، في حالة عدم العودة السريعة لهؤلاء، فإن البلاد ستواجه مشكلة غذائية من ناحية، فضلاً عن زيادة أسعار السلع الغذائية من ناحية ثانية.(6)

دور دول الجوار المنضوية في إطار الجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا “إيكاس” في إجبار دوجوتا على الاستقالة السريعة في قمة الجماعة المنعقدة في 10 يناير/كانون الثاني، بل وقيام تشاد بنقل أعضاء البرلمان المؤقت في إفريقيا الوسطى بالطائرة للموافقة على استقالة الرئيس وتعديل الدستور المؤقت، يشير إلى حجم الضغوط الدولية بل والإقليمية التي مُورست عليه ودفعته للاستقالة بعد أقل من عشرة أشهر.

أن الحكومة الجديدة والتي يرأسها شخصية اقتصادية هي: André Nzapayeke، والتي تتشكّل من 20 وزيرًا ويغلب عليها التكنوقراط تضم ثلاثة من السيليكا، وواحدًا من البلاكا، مطالبة بتحقيق عدة أمور على مختلف الأصعدة الاقتصادية والأمنية والسياسية؛ حيث “70% من السكان تحت خط الفقر، وترتفع النسبة بالمناطق الريفية إلى 80%”.

مستقبل الصراع

لكي يعود الاستقرار إلى البلاد من جديد فلابد من عدة أمور:

انسحاب القوات الفرنسية بسبب تحيزها السافر ضد المسلمين -أو أن يُعهد بالقيادة الدولية للقوات الأوروبية المعروفة باسم يوفور-إفريقيا الوسطى- والتي ستتشكّل من قرابة 900 جندي، ويُفترض أن يكون مقر قيادتها في اليونان، أو أن يتم تشكيل قوات دولية بموجب قرار من مجلس الأمن تندرج تحتها القوات الإفريقية التي ثبت عدم فاعليتها منذ انتشارها عام 2008. وربما تكون تهديدات القاعدة الأخيرة بالنيل من فرنسا بسبب هذه الممارسات عاملاً مهمًا في انسحاب القوات الفرنسية، كما أن تصريحات قائد القوات الفرنسية بشأن عدم معرفة حقيقة أنتي بلاكا أو قائدهم تدعو للدهشة من ناحية، وتجعل بقاء وفاعلية هذه القوات أمرًا غير ذي جدوى من ناحية ثانية.

نزع سلاح ميليشيا أنتي بلاكا أسوة بالسيليكا، مع محاولة دمج عناصرهما في جيش وطني موحد بسبب غياب دور الجيش في الآونة الأخيرة لأن استمرارها في حمل السلاح مقابل السيليكا منزوعة السلاح قد يدفع الأخيرة إلى البحث عن تسليح جديد وبالتالي اندلاع الحرب ثانية. كما قد يتطلب الأمر فرض عقوبات على البلاكا في حالة رفضها ذلك. وهنا، فإن الولايات المتحدة مطالبة بتنفيذ تهديدات وزير خارجيتها جون كيري للمتمردين في 26 يناير/كانون الثاني الماضي بشأن توقيع عقوبات عليهم ما لم يتوقفوا عن أعمال القمع بحق المسلمين.

تشكيل لجنة تقصي حقائق فورية، وتقديم المتهمين للعدالة، وربما يكون تفعيل المحكمة الجنائية أمرًا مطلوبًا في هذا الشأن لاسيما في ظل توثيق هيومان رايتس ووتش للمجازر؛ لأن بدون المحاكمات العادلة قد تبرز الرغبة في الانتقام.

تشكيل حكومة وحدة وطنية من كل الأطياف السياسية يكون الهدف منها التمهيد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة العام القادم.

إن الصراع في البلاد قابل إما للتسوية، أو التصعيد الطائفي، والأمر يتوقف ليس فقط على رغبة الأطراف الداخلية في ذلك، بل على الرغبة الدولية تحديدًا؛ تلك الرغبة التي تعبّر عن ذاتها من خلال دول الجوار التي تعد الأداة التنفيذية لتلك الرغبة والأهداف، وما لم يتم التحرك السريع لاحتواء الصراع، قد تكون العواقب وخيمة ليس على الداخل فحسب، وإنما على دول الجوار أيضًا، ناهيك عن إمكانية تعرض مصالح الدول الكبرى للخطر.

الهوامش والإحالات:

(*) د. بدر حسن شافعي – خبير الشؤون الإفريقية – جامعة القاهرة.

1- تعني السيليكا بلغة سانغو، وهي اللغة المشتركة في البلاد، “التحالف”، وهي حركة تضم أحزابًا سياسية، بينها: اتحاد القوى الديمقراطية من أجل التجمع بقيادة ميشيل دجوتوديا، ومعاهدة الوطنيين من أجل العدالة والسلام، والمعاهدة الديمقراطية لخلاص كوردو. وقد وقعت هذه الأحزاب معاهدة مشتركة في ديسمبر/كانون الأول 2012 وشكّلت جناحًا عسكريًا يتكون من مجموعات من المتمردين هم مجمل منتسبي أحزابها.

2- حول هذا البعد، انظر: رأفت صلاح الدين، ماذا يحدث في إفريقيا الوسطى؟، الجزيرة نت:

http://www.aljazeera.net/opinions/pages/c7cc390a-e10c-44b3-8dd9-e441267b587a

3- حول هذه الاتفاقية، انظر:

Central African Republic conflict (2012–present),

http://en.wikipedia.org/wiki/Central_African_Republic_conflict_(2012%E2%80%93present)

4- رأفت صلاح الدين، مرجع سابق.

5- لمزيد من التفاصيل، انظر: د. بدر حسن شافعي، الصراع في إفريقيا الوسطى.. دوافع اقتصادية وأبعاد طائفية، وكالة أنباء الأناضول، ديسمبر/كانون الأول 2013.

6- لمزيد من التفاصيل، انظر:

Six Questions on the Crisis in the Central African Republic,

http://www.brookings.edu/blogs/africa-in-focus/posts/2014/02/14-crisis-central-africa-republic-sy

المصدر : الجزيرة نت


لماذا يتعاظم الاهتمام الغربي بالصومال؟

31 أوت 2014

علي جبريل الكتبي (*)
منذ انعقاد “مؤتمر لندن حول الصومال” في 23 من فبراير/ شباط 2012 تكاد الدبلوماسية الغربية تتجه نحو الصومال فيما سيطر الفتور على العلاقة الغربية مع حلفائها التقليديين في المنطقة، مثل: كينيا وإثيوبيا اللتين كانتا تشكّلان منذ أمد بعيد حليفًا استراتيجيًا للغرب؛ الأمر الذي يلقي بظلاله على كاهل العلاقة المتينة بين الغرب وحلفائه نتيجة طغيان الأول والعزوف النسبي الذي سيطر في السياسة الخارجية بالنسبة للأخيرين. وقد أُثير بعض الأسئلة المهمة حول هذا الاهتمام الغربي والأميركي خصوصًا بالصومال. ونحاول في هذه الورقة أن نسلط الضوء على طبيعة العلاقات الغربية مع الدول المحورية في المنطقة (كينيا، أوغندا، إثيوبيا)، وما هو مسار تلك العلاقات مع الاعتبار الخاص للوضع الكيني إلى جانب فهم طبيعة الاهتمام الغربي بالصومال؛ وذلك من خلال طرحه وتحليله عبر المحاور التالية:

أولاً: خلفية عن العلاقات الغربية مع حلفائها في المنطقة

احتلت كينيا مكانة مرموقة إقليميًا ودوليًا أضحت بموجبها مُلهمة الإعلام الغربي وساحرة السياسة الدولية، وذلك بدورها ووزنها في المحيط الإقليمي والدولي؛ حيث أصبحت شريكًا دبلوماسيًا كبيرًا مع الغرب في تسوية الخلافات في دول المنطقة، لاسيما المارقة منها كـــ”السودان والصومال”. وتعوّل واشنطن ولندن على نيروبي كحائط صد في مواجهة تهديدات تتخوفان منها، وخاصة المد الإسلامي القادم من هذا الجزء في القارة السمراء. وقد برهنت كينيا على أنها تابع مخلص للسيد الغربي ومحافظ جيد على أمنه ومصالحه، كما تُعتبر مصالح الدول الكبرى مع كينيا ذات أهمية كبيرة في ظل وجود القاعدة البريطانية، والأسطول السادس الأميركي في المياه الإقليمية لنيروبي، بالإضافة إلى وجود المنظمات الأجنبية والمحلية التي يمولها الغرب لصالحه.

تنظر أميركا والدول الغربية منذ زمن بعيد إلى كينيا بوصفها إحدى الدول المحورية حيث تعد حكومة نيروبي مفتاح الاستقرار -لدى الغرب- وآفاق التنمية الاقتصادية في القارة الإفريقية، بل إن كينيا شريك مهم في مكافحة الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة منذ تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام في عام 1998.

أما على صعيد العلاقات الغربية مع إثيوبيا، فيمكن وصفها بالوثيقة حيث أقامت الولايات المتحدة علاقات وطيدة وداعمة لإثيوبيا منذ تولي الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية بإثيوبيا الحكم عام 1991، وكانت الإدارة الأميركية تنظر إلى رئيس الوزراء الإثيوبي السابق “ميليس زيناوي” باعتباره أحد الأعضاء المبشرين للجيل الجديد من القادة، وبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 ظهرت آفاق جديدة للتعاون بين واشنطن وأديس أبابا متمثلة في الحرب ضد الإرهاب، خاصة بعد ظهور ما كان يُعرف بــ”اتحاد” الإسلامية في الصومال عام 2006. وفي إطار علاقتهما الأمنية المتنامية، أمدت واشنطن أديس أبابا بمساعدات عسكرية وتدريب ودعم اقتصادي. ولم يقتصر الأمر على واشنطن؛ حيث تحظى إثيوبيا بالتأييد من قبل الجهات المانحة الأخرى مثل بريطانيا. وعلى هذا أصبح النفوذ الإثيوبي يتنامى بشكل كبير حتى استطاعت أن تستميل جاراتها في الشرق الإفريقي.

أما العلاقات الغربية-الأوغندية فيمكن وصفها بالودية والحميمة؛ إذ إن الولايات المتحدة هي واحدة من أكبر الدول المانحة للمساعدات لأوغندا، كما قام الأميركيون بإرسال عدد من جنودهم إلى أوغندا لمساعدة القوات الأوغندية في قتال متمردي جيش الرب عام 2011. لقد كانت شراكة أوغندا مع حملة الغرب لمكافحة الإرهاب في شرق إفريقيا ونشرهم قواتهم في الصومال شراكة قوية سمحت لأوغندا بأن تصبح من أوائل الدول المستفيدة من الدعم العالمي. فأوغندا حليف استراتيجي و”دولة محورية” عندما يتعلق الأمر بمسألة الحرب ضد التسلح الإسلامي السياسي، كما أن الغرب ساعد أوغندا في مواجهة التمرد المسلح في شمال البلاد الذي يقوده “جيش الرب” مما أدى إلى توقيف كبار قادة جيش الرب بتهمة الإبادة الجماعية لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

ومقابل ذلك شهدت العلاقات الصومالية-الغربية تجاذبات وتوترات كثيرة منذ سقوط النظام العسكري بقيادة سياد بري في عام 1991؛ ولم تكن الإدارة الأميركية والدول الغربية تتعامل منذ ذلك مع الحكومات الانتقالية المتعاقبة بطريقة رسمية، وإنما كانت تتعامل معها بالطرق الأمنية، أي: عبر مؤسساتها الأمنية بفروعها المختلفة على ما يخدم مصالحها القومية الاستراتيجية في الصومال وفي محيطها الإقليمي، ولعل ما يوضح ذلك هو دعم الولايات المتحدة الأميركية لما عُرف بــــ”التحالف من أجل استعادة السلام ومكافحة الإرهاب” ضد المحاكم الإسلامية في نهاية عام 2006؛ فقد تأكد تمويل المخابرات الأميركية للتحالف المذكور لمحاربة المحاكم. وفي هذا الوقت ازداد اهتمام الدراسات الغربية بدور المحاكم ومستقبلها في الصومال؛ حيث لم يغب في التقارير التي كانت تصدرها المخابرات الغربية الحديث المتوجس عن دور المحاكم الإسلامية وإمكانية اتخاذ الإسلاميين من هذه المحاكم مطية للوصول إلى الحكم.(1)

ثانيًا: مسار العلاقات

في إطار العلاقات المتوترة بين الغرب وحلفائه التقليديين في المنطقة فقد اتخذ الغرب عدة خطوات في السنوات الماضية في تعامله مع الدول المحورية -كينيا، إثيوبيا، أوغندا- يُعتقَد أنها موجهة ضد الأنظمة الحاكمة، فيما قادت تلك الدول -وكرد فعل طبيعي- تمردًا سياسيًا واقتصاديًا ضد الدول الغربية أو مصالحها.

اعتبر البعض تلك الخطوات بين الجانبين على أنها تغير جديد طرأ في مسار العلاقات الغربية مع حلفائها التقليديين في المنطقة بدافع الرغبة في التحكم والاستحواذ بالنسبة للأولى، وهروبًا من السيطرة والبحث عن مخرج من النمطية السابقة التي سادت علاقتها مع الغرب بالنسبة للثانية. وتتجلى تلك الخطوات من خلال الآتي:

اختتم الرئيس الأميركي باراك أوباما جولته الإفريقية في العام الماضي بدولة تنزانيا متجاهلاً الجارة القريبة (كينيا) مسقط رأس والده وموطن كثير من أقاربه. وفي خطاب ألقاه “أوباما” في تنزانيا أكد أن تنزانيا تملك من الإمكانيات ما يجعلها قادرة على تغيير المنطقة، وقال إنه يريد “نموذجًا جديدًا” للتنمية في إفريقيا. فُسّر هذا الأمر بأن الرئيس أوباما تجاهل كينيا التي طالما استدل الغرب بها باعتبارها واحة الديمقراطية والاستقرار في المنطقة. وقد قام السفير الأميركي بنيروبي أيضًا بتقليل عدد أفراد طاقم سفارته، وذلك بسبب ما وصفه بـ”تزايد التهديدات الإرهابية” في كينيا.

وعلى نفس المنوال فقد أغلقت بريطانيا -المستعمِرة السابقة لكينيا- قنصليتها بمدينة ممباسا الساحلية في يونيو/حزيران الماضي،كما قامت بإجلاء رعاياها من المنتجعات الساحلية في المدينة إثر ورود تحذيرات من الخارجية البريطانية عن إمكانية وقوع هجمات إرهابية في العديد من المناطق الساحلية ما أضرّ كثيرًا بقطاع السياحة والذي هو بمثابة ركيزة أساسية للاقتصاد الكيني.

وردًا على الخطوات الغربية فقد اتخذت كل من كينيا وإثيوبيا وأوغندا موقفًا مناهضًا للسياسات الغربية مقابل سعيها للتقارب مع الصين أولاً والتحرر من القيود الغربية ثانيًا، وهو أمر يبدو أنه عصيان جماعي أو تحالف إقليمي مناهض للقوى الغربية.

فقد وقّعت كينيا اتفاقًا نفطيًا مع الصين تقوم بموجبه الأخيرة بالتنقيب عن النفط في 12 موقعًا محتملا.(2) إلا أنه لم يتم الكشف عن كامل تفاصيل الاتفاق غير أن الصين ستتحمل تكلفة التنقيب عن النفط مع الخسائر إذا لم تجد النفط، أما إذا وجدت مخزونات كافية فسيتم إبرام اتفاقية شراكة لاستخراج النفط. وربما يأتي هذا التعاون في إطار استراتيجية كينيا للحصول على استثمارات ومساعدات من الصين التي تقدم المساعدات المالية دون ربطها بمطالب بحسن الإدارة على عكس المؤسسات الدولية والمانحين الغربيين.

من الواضح أيضًا أن زيارة الرئيس “أوهورو كينياتا” لبكين العاصمة الصينية في العام الماضي شكّلت منعطفًا كبيرًا في السياسة الخارجية الكينية فيما ظلّ النظام الحاكم “اليوبيل” في كينيا في مواجهة مريرة مع الدول الغربية منذ وصوله إلى السلطة في 4 من مارس/آذار 2013.

ومع أن هذه المواجهة بين الجانبين ظهرت إلى السطح منذ وصول الرئيس الكيني السابق كيباكي في نهاية عام 2002 إلى سدة الحكم بسب توجهاته نحو الشرق إلا أنها وصلت ذروتها مع فوز الرئيس “كينياتا” بالانتخابات في عام 2013؛ مما فتح الباب على مصراعيه لوجود أزمة دبلوماسية جعلت كلاً منهما ينتقد الآخر عبر وسائل الإعلام؛ لذا فقد كانت زيارة الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” لبكين محاولة أخرى جاءت في إطار الرد الكيني على ما تراه نيروبي استفزازًا غربيًا طال عليها منذ الاستقلال.

لكن كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات الكينية-الغربية زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني لكيينا في مايو/أيار الماضي؛ حيث وقّعت كينيا في 11 مايو/أيار الماضي اتفاقًا بقيمة 3.8 مليارات دولار (331 مليار شلن)، مع الصين لبناء سكة حديد تربط بين مرفأ مومباسا ونيروبي، كمرحلة أولى لبناء خط حديدي يهدف في نهاية المطاف إلى الربط بين أوغندا ورواندا وبوروندي وجنوب السودان.

لم تكتف كينيا بالبحث عن شريك بديل للغرب بل ظلت القيادة الكينية تهاجم السياسة الغربية بشكل واضح، وفي خطاب ألقاه الرئيس الكيني أثناء زيارة الرئيس الصيني لكينيا اتهم “كينياتا” الغرب عدة مرات بأنه يتآمر على استقرار بلاده، كما نشرت جريدة الشعب الكينية -وهي جريدة تملكها عائلة الرئيس- في عددها الصادر في 22 يونيو/حزيران الماضي في صفحتها الأولى تحقيقًا صحفيًا عنونته بـ”أسلحة بريطانية تقع في أيدي حركة الشباب الصومالية”. وتتوزع هذه الأسلحة -حسب الصحيفة- إلى أسلحة خفيفة وأخرى متوسطة أوتوماتيكية، منها: 10 آلاف مسدس، و10 آلاف قنبلة يدوية، و15 ألف كلاشنكوف، و10 آلاف سلاح أتوماتيكي. ويستند التقرير في هذا الأمر إلى أن مجلس الشعب البريطاني كان قد أكّد في وقت سابق من العام الماضي أن هناك 44 ألف قطعة سلاح مفقودة من خزينة السلاح البريطانية يُعتقد أنها ذهبت إلى دول في منطقة شرق إفريقيا من بينها الصومال وكينيا. ويؤكد التقرير أن تلك الأسلحة هي التي تم استخدامها في الهجوم على مدينة “مبيكيتوني” في الساحل الكيني في يونيو/حزيران الماضي، والذي اتهمت فيه الحكومة الكينية أطرافًا سياسية تقف وراءها.

إلى جانب ذلك، ترى الحكومة الكينية أن الأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة في كينيا حاليًا تأتي في سياق سعي الغرب الدؤوب لزعزعة أمن بلادها، وأن الغرب هو الذي يغذي المظاهرات التي نظمتها المعارضة في الشهور الماضية؛ فمنذ عودة رئيس التحالف من أجل الإصلاح والديمقراطية المعارض “رايلا أودينغا” في يونيو/حزيران 2014 من زيارته التي استغرقت ثلاثة أشهر في الولايات المتحدة الأميركية يبدو أن المشهد السياسي الكيني يتجه نحو التصعيد وهو ما جعل المتابعين يشككون في مصداقية المظاهرات التي تنظمها المعارضة خاصة وأنها جاءت بعد عودة زعيم المعارضة من الولايات المتحدة الأميركية.

وإلى جانب تأزم العلاقات الكينية-الغربية يبدو أن العلاقات الأوغندية-الغربية أصبحت اليوم على المحك حيث دخلت أوغندا حلبة الصراع الغربي-الصيني علي ثروات القارة، فللمرة الأولي ينتقد سفير الاتحاد الأوروبي دولة أوغندا ويتهمها بالفساد مما اعتبرته أوغندا إساءة للشعب والدولة والقيادة، وذلك إثر تصاعد الخلافات بين أوغندا والغرب بعد قطع الأخير للمساعدات التي كان يقدمها لأوغندا بل سحبت الدول الغربية المانحة مساعداتها بحجة وجود شبهات فساد في إدارة تلك المساعدات تمثلت في اتهامات لموظفين بمكتب رئيس الوزراء الأوغندي بالاستيلاء على 13 مليون دولار من المساعدات.

لكن في الواقع يبدو أن القضية أكبر من مجرد فساد مع ما عُرف من فساد واستبداد في السجل الأوغندي وربما يرجع هذا الأمر إلى إخفاق شركات غربية في الحصول على صفقات أوغندية وذلك إثر صدور قرار من المحكمة الأوغندية العليا بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يمنح شركة الصين للماء والكهرباء مشروع بناء سد “كاروما” أحد روافد النيل في أوغندا بتكلفة تصل 1.2 مليارات دولار أميركي. واستبعدت المحكمة كل الشركات الغربية الأخرى المنافسة للشركة الصينية خاصة الشركة النرويجية التي كانت تضغط لكي يرسو عليها بناء السد من خلال الشركة البريطانية التابعة لها والتي اتُهمت بدفع رشاوى عبر إطلاقها مجموعة افتراءات إعلامية وتسريبات بقصد التشكيك في قدرة الصين على الانفراد بأعمال المشروع وحدها.(3) كما أرجأ البنك الدولي قرضًا بقيمة 90 مليون دولار لأوغندا بسبب قوانينها الصارمة ضد المثليين، والتي لاقت انتقادات شديدة حول العالم وذلك بعد أن وقّع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني على قانون أقره البرلمان الأوغندي يُفضي إلى “تجريم المثليين”؛ مما أدى إلى تأزم علاقته مع الولايات المتحدة الأميركية حيث وصف الرئيس الأميركي “أوباما” القانون بــــ “البغيض”، إلا أن رد الرئيس الأوغندي “موسيفيني” كان نوعًا من العيار الثقيل حيث قال موسيفيني: “إن الغرب يجب أن لا يفرض معتقداته على الأوغنديين”، وأن يحترم المجتمعات الإفريقية وقيمها”. وأضاف: “دعنا ندير مجتمعنا، ثم نرى بعدها. إذا كنّا مخطئين، فإننا سندرك ذلك بأنفسنا، بنفس الطريقة التي لا نتدخل فيها بشؤونكم.”

وإثيوبيًّا، وافقت الصين خلال زيارة وزير خارجيتها الأخيرة في 20 مارس/آذار الماضي على مشروعات تنموية بمقدار 6.1 مليارات دولار في البنى التحتية وتوسعة لمطارات إثيوبيا. ويعد هذا الاتفاق ضمن مشروع يبلغ إجمالى تكلفته 16.7 مليارات دولار ويشارك في تنفيذه شركة “زد تي إي” الصينية، التي تعد ثاني أكبر شركة مصنِّعة لمعدلات الاتصالات في الصين، وكذلك شركة “هواوي تكنولوجيز” الصينية والتي وقّعت اتفاقًا بهذا الشأن مع الحكومة الإثيوبية في شهر يوليو/تموز الماضي.

وعلى إثر هذه التطورات السلبية في العلاقات الغربية مع حلفائها التقليديين في المنطقة تزايد الاهتمام الغربي بالصومال؛ حيث أصبح الغرب يتعاطى مع الملف الصومالي بشكل لافت للنظر ومختلف تمامًا عن سياسات التدمير التي انتهجها الغرب في العقود الماضية تجاه الصومال، وهو ما جعل المتابعين في العلاقات الدولية يؤكدون وجود مؤشرات قوية بأن الدبلوماسية الغربية تتجه نحو الصومال على حساب حلفائها السابقين في إفريقيا الشرقية.

ولعل ما قامت به الدول الغربية في السنتين الأخيرتين في إطار تعزيز دبلوماسيتها مع الصومال لأمر يوحي بوجود اهتمام غربي حثيث؛ إذ دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا خارطة الطريق التي تمخض عنها مؤتمر لندن لإنهاء المرحلة الانتقالية، وحذرتا أثناء هذه المرحلة القادة الصوماليين من عدم تنفيذ خارطة الطريق، وهددتا بفرض عقوبات على الجهات التي تحاول عرقلة العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة إقليمية أو محلية.

فقد قامت المملكة المتحدة بافتتاح أول سفارة لها في مقديشو العاصمة الصومالية منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 1991؛ وبذلك خطت الدولة البريطانية خطوة جريئة غير مسبوقة، وقامت بنقلة نوعية في العلاقات البريطانية-الصومالية لتكون أول دولة غربية على الإطلاق تعيد فتح سفارتها كدليل على عزمها تقوية العلاقات مع الصومال، فيما أعاد الصومال فتح سفارته في لندن بعد انتهاء مؤتمر لندن.

استرجعت الولايات المتحدة الأميركية علاقاتها الدبلوماسية مع الصومال بُعيْد انتخاب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أغسطس/آب 2012 بعد انقطاع دام أكثر من 22 عامًا، أي: بعد سقوط النظام العسكري في الصومال 1991. وذلك حينما ظهرت كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مع الرئيس حسن شيخ محمود في مؤتمر صحفي يوم 17 يناير/كانون الثاني 2013 عقداه معًا في وزارة الخارجية الأميركية. لم يقف الاهتمام الأميركي بالصومال عند ذلك الاعتراف، بل أعلنت الولايات المتحدة الأميركية نيتها فتح سفارتها في الصومال وذلك لأول مرة منذ اندلاع الحرب الأهلية هناك قبل أكثر من 20 سنة. كما أن واشنطن اعتمدت أوراق السفير الصومالي الجديد في بلادها، قبل أيام. يضاف إلى ذلك أن عدد السفارات الغربية في الصومال يصل إلى أكثر من 15 سفارة غربية، منها: كندا والسويد والنرويج، وبعضها يقيم سفراؤه في نيروبي، بالإضافة إلى سفارات أخرى لدول عربية وإسلامية يقال إنها حليفة للغرب، مثل: ليبيا واليمن وجيبوتي والإمارات العربية المتحدة وتركيا، وغير ذلك من الدول.

كما أن الدور التركي المتصاعد في الصومال والذي تزامن مع المضاعفات السلبية لموجات الجفاف التي تأثرت بها الصومال في عام 2011 له أبعاد ودلالات ربما تشكّل تمهيدًا للاهتمام الغربي أو تكميلاً له بسبب الهاجس الصومالي من القوى الغربية. وما يعزز ذلك هو أن الدور التركي تصاعد بشكل لافت مع انعقاد مؤتمر لندن حول الصومال مع ما يقال من أن الدول الغربية تتوجس وخاصة دول الاتحاد الأوروبي من الدور التركي في الصومال.

لماذا التوجه نحو الصومال؟

كان يُنظر لشرق إفريقيا في السابق على أنه منطقة متأخرة في مجال صناعة النفط، خصوصًا إذا قورنت بشمال إفريقيا وغربها الذاخريْن بموارد نفط وغاز كبرى. غير أن تلك النظرة تغيرت في السنوات الماضية؛ إذ بدأ عمالقة النفط الغربيون إلى جانب الصينيين في عمليات التنقيب والتنافس على الفوز بتراخيص في آخر جبهة نفطية بقارة إفريقيا. والصومال واحدة من الدول التي تتمتع باحتياطي نفطي كبير.

وعلى الرغم من أن الاهتمام الغربي بالصومال يعود إلى فترة الحرب الباردة عام 1979 حيث كانت الولايات المتحدة تدعم نظام زياد بري قبل أن يسقط في عام 1991 بعد أن وقّع أربع شركات نفط أميركية اتفاقيات مع نظام بري المخلوع حصلت من خلالها على امتيازات للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي واستخراجه إلا أن اندلاع الحرب الأهلية في 1991 حال دون تنفيذ تلك الاتفاقيات. ولم ينقطع الاهتمام الغربي منذ ذلك الوقت إلا أنه وصل ذروته مع بداية “المؤتمر الدولي حول الصومال” الذي عُقِد في لندن في منتصف عام 2012؛ حيث وعدت فيه القوى الغربية بتأمين مساعدات مالية ووسائل لازمة لتنمية البلاد ومكافحة الإرهاب، وهو ما طرح عدة علامات استفهام مبهمة حول الاهتمام الغربي كان من بينها احتمال الحصول على النفط مما جعل أسال لعاب الشركات الغربية بغية الحصول على البترول في الصومال مستقبلاً.

فقد كشفت صحيفة “أوبزرفر” البريطانية أن بريطانيا منخرطة في مساع سرية عالية المخاطر لاستخراج النفط في الصومال، من خلال عرض مساعدات إنسانية وأمنية على الصوماليين للحصول على حصة من قطاع صناعة النفط في المستقبل.(4) ولعل ما أكدته إدارة المعلومات حول الطاقة في الولايات المتحدة -وهي وكالة رسمية معنية بجمع المعلومات حول الطاقة في كل أنحاء العالم- بوجود 200 مليار قدم مكعب من الاحتياطي المثبت من الغاز الطبيعي في الصومال يوضح رغبة أميركا في التفرد بموارد الطاقة في الصومال.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الاهتمام بالصومال مع أن جُلّ الدول في المنطقة يوجد فيها كنوز نفطية مثل أوغندا التي تتمتع باحتياطات قد توازي تلك التي في دول الخليج العربي بناء على نتائج سلسلة من الاختبارات التي أُجريت على عينات أُخذت من الآبار المحفورة، وكذلك كينيا التي أعلنت عن اكتشاف النفط تحديدًا في إقليم (تركانا) إضافة إلى إثيوبيا التي تعج بهذه المادة السحرية؟

وللإجابة على السؤال نحاول أن نستشرف الاهتمام الغربي من خلال عدة عوامل ربما أسهمت في تزايد ذلك الاهتمام الغربي بالصومال مقابل تخليه أو تحفظه على حلفائه التقليديين في المنطقة:

1- فقدان السيطرة: يبدو أن الغرب فقدَ سيطرته على تلك الدول نظرًا لتعدد اللاعبين في ظل التنافس الدولي في المنطقة بعد أن كان الغرب متحكمًا في جميع خيوط اللعبة بتلك الدول. خاصة وأنها كانت في الغالب صنيعة الغرب نفسه منذ الاستقلال السياسي الرسمي الذي نالته تلك الدول في منتصف القرن التاسع عشر كنظيراتها في القارة السمراء، لكن مع دخول الصين على الخط لم تستطع القوى الغربية أن تصمد أمام الصين التي وجهت بوصلة دبلوماسيتها تجاه هذه الدول خلال الأعوام الماضية لتحقيق أهدافها، حيث تزاحم الصين الغرب منذ ذلك الوقت في مستعمراته السابقة كدولة صاعدة في النظام الدولي لتكون القوة القطبية الثانية في مواجهة الولايات المتحدة والغرب أجمع. وهذا ما يقلق الولايات المتحدة بل هو من أشد بواعث القلق في واشنطن. فقد أقامت الشركة الوطنية الصينية العاملة للبترول CNOOC التي تملكها الحكومة الصينية مشاريع استكشاف وتنقيب عن النفط والغاز في كل من تنزانيا وكينيا ومدغشقر وإثيوبيا. ولذلك فإن التحركات الصينية والانسجام التام من قبل تلك الدول جعل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لا تعوّل عليها لسببين رئيسيين، أولهما: التحرك الصيني الجديد والذي يعتمد على فكرة “التغيير الناعم” مع حلفاء الغرب التقليديين. وثانيهما: أن دول المنطقة تفضل التناغم مع الصين في ظل تغليب لغة المصلحة المتبادلة والاحترام والمساواة دون التدخل في شؤون الآخرين مع تبني منطق مختلف عن السياسة المالية الغربية في التعامل مع الدول. ولذلك فإن اهتمام الغرب بالصومال يأتي في إطار البحث عن بديل مناسب خال من أية منافسة من شأنها أن تهدد مصالحه المستقبلية.

2- الخوف من سيناريو الصومال: هناك خوف متزايد من أن معظم الدول الحليفة للغرب في المنطقة في طريقها إلى حروب أهلية ونزاعات سياسية، وأنها ستمرّ بما مرّت به الصومال حيث يتخوف الجميع من حدوث صراع عِرقي في كينيا لاسيما وأن الأحداث التي أعقبت الانتخابات 2007 ما زالت ماثلة في الأذهان، وكذلك إثيوبيا التي يعيش فيها أكثر من 100 قومية عرقية فهي مرشحة أيضا لحرب أهلية. وفي ظل القبلية المتزايدة والحساسيات الطائفية في تلك الدول يبقى التنافس الإثني كامنًا تحت السطح وينتظر اللحظة المناسبة للانفجار؛ ولذلك فإن الغرب، وفي هذ الظرف تحديدًا، لا يريد أن يجازف بمصالحه في بلاد تتساوى فيها حسابات الربح والخسارة إذا ما جاء مكروه، وبالتالي فإنه يراهن على الصومال الذي يراه في طريقه للتعافي من تداعيات تلك المرحلة القاتمة التي قد تكون على موعد مع حلفائه التقليديين عاجلاً أو آجلاً.

3- اهتمام استباقي: وبما أن الساحة الصومالية جزء لا يتجزأ من التنافس الغربي-الصيني على القارة الإفريقية فإن الغرب يريد أن يسبق المارد الصيني في الاستحواذ على امتيازات التنقيب عن النفط واستثمار الثروات الطبيعية في الصومال.

4- التعامل مع مصدر المشاكل: يرى الغرب أن الإرهاب والجماعات المتطرفة قادمان من الصومال، مع ما يسيطر على الغرب من مخاوف من الابتعاد عن الصومال بما يمثله من ثقل لموقعه الاستراتيجي المتفرد في منطقة القرن الإفريقي الذي أصبح في الآونة الأخيرة ملاذًا آمنًا للجماعات المتطرفة التي تشكّل تهديدًا لمصالحه في المنطقة ولمصالح (إسرائيل) المتمثلة في التعاون مع دول المنبع بهدف التحكم بروافد النيل أولاً وبغرض الضغط على الأمن المائي المصري والسوداني ثانيًا.

ولذلك، فإن الغرب أدرك أنه لا يمكن حماية هذه المصالح من تهديدات حركة الشباب الصومالية إلا بوجود حكومة صومالية قادرة على السيطرة على الأوضاع في الصومال والتعامل مباشرة مع مقديشو، والتخلي عن مبدأ الاعتماد على الوكلاء (إثيوبيا وكينيا) بعد أن كانتا الوكيل الغربي في الشؤون الصومالية حتى أصبحتا من أكثر دول الجوار تأثيرًا على المشهد السياسي الصومالي برمته.

وربما أدرك الغرب أيضًا أن الاعتماد على قوات هاتين الدولتين بالوكالة في الصومال أمر له تداعياته وتأثيراته السياسية وقد يخلق أخطارًا كبيرة تنعكس سلبًا على الجهود الدولية بإحلال السلام في الصومال من جهة، وأنهما (إثيوبيا وكينيا) لا يقدران على حماية أمنهما من حركة الشباب ناهيك عن حماية المصالح الغربية، لاسيما وأن الأخيرة أصبحت منغلقة بمشاكل أمنية منذ الهجوم الذي شنّته حركة الشباب في 21 من سبتمبر/أيلول 2013 على أكبر وأهم المجمعات التجارية في كينيا “ويست غيت”. وهو ما استدعى عدم إفراط الغرب في الثقة في الحلفاء مقابل دعمه للجهود الصومالية-الصومالية، حتى يتمكن من الحفاظ على هذه المصالح.

في محصلة الأمر، يمكن أن نقول: إن التمثيل الدبلوماسي والانفتاح الدولي وتزايد البعثات الدبلوماسية، والاهتمام الغربي المفرِط بالصومال منذ “مؤتمر لندن” عام 2012 لحد تلويح بريطانيا بتأثر العالم ككل بمشاكل الصومال وضعف أمنه، فضلاً عن تهديدات أميركا بفرض عقوبات -منذ تلك الفترة- ضد كل من يعرقل العملية السياسية لأمر يعطي دليلاً واضحًا على أن الصومال خضع لمعايير ومعطيات حددتها الولايات المتحدة والغرب للوصول إلى إحكام السيطرة على هذا البلد من خلال إقامة علاقات قوية مع الحكومة الصومالية ومن ثم الاستفادة من خيرات الصومال.

الهوامش والإحالات:

(*) باحث في شؤون إفريقيا الشرقية والبحيرات العظمى

1 – عبد الرحمن محمد حسين، الاعتراف الأميركي بالحكومة الصومالية وتأثيراته السياسية في المنطقة، مركز الجزيرة للدراسات.:


“الجنائية الدولية ” هل أصبحت أداة لمحاكمة الدول الإفريقية فقط ..؟

31 أوت 2014

خاص بقراءات إفريقية – محمد جمال عرفة
عندما نشأت المحكمة الجنائية الدولية The International Criminal Court ICC بموجب اتفاقية روما 17 يوليو 1998 عام وبدأت عملها في أول يوليه 2002 كأول محكمة جزاء دولية (دائمة) بدلا من قيام مجلس الأمن بتشكيل محاكم خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في العالم ، استبشر بها الضعفاء في عالم اليوم خيرا وظنوا أنها ستعوضهم عن ظلم الدول الكبرى وتعيد التوازن للعالم .

وشجع المستضعفين في العالم علي هذه النية الحسنة في “الجنائية الدولية” مزاياها مثل :

1-أنه سيكون في مقدور هذه المحكمة أن تتقبل دعاوى أفراد ودول وجماعات ضد دول أو أشخاص آخرين متهمين بجرائم حرب أو إبادة جماعية أو عدوان بشرط أن تكون هذه الجرائم تمت بعد الأول من يوليه 2002 وليس بأثر رجعي .

2-أن عدم توقيع أي دولة علي المعاهدة لا يعفي مسئوليها من المحاكمة؛ إذ يمكن محاكمة أشخاص من أمريكا أو إسرائيل أو دول أخرى رفضت التوقيع على المعاهدة في أي قضية إذا ما كانت الدولة التي وقعت فيها الجرائم صدقت على المعاهدة (فلسطين تسعي للتوقيع بعد قبولها كدولة من الجمعية العامة للأمم المتحدة).

3-أن وجود المحكمة – بعد تعطيل إنشائها منذ معاهدة فرساى 1919- سوف يردع علي الأقل العديد من الأشخاص والدول معتادة الإجرام والقتل الجماعي خوفا من محاكمة قادتها أو مسئوليها مما يتوقع معه تقلص لعدد هذه الجرائم نسبيا .

4-أن الفارق بين هذه المحكمة الجنائية الدولية الجديدة وبين محكمة جرائم الحرب القديمة في لاهاي بهولندا أن الثانية (محكمة لاهاي) تحاكم (دول) ، في حين أن الأولي (الجنائية الدولية) سوف تحاكم (الأفراد) المتهمين بجرائم والذين ترفض حكوماتهم أو تتغاضي عن محاكمتهم عن هذه الجرائم التي قد تكون في حق أفراد من دول أخري .

ولكن شيئا فشيئا ظهرت عيوب هذه المحكمة الجديدة التي لم تنظر منذ نشأتها سوي في تسع قضايا في دول إفريقية فقط هي : أوغندا – إفريقيا الوسطى – الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) – دارفور (السودان) – ليبيا – ساحل العاج (كوت دي فوار) – مالي – كينيا – إفريقيا الوسطي)، حتى سخر منها الأفارقة وقالوا أنها مخصصة لمحاكمة الأفارقة فقط .

فهي رفضت طلبات قدمت لها من منظمات حقوقية ودول لمحاكمة مجرمي الحرب من الدول الكبرى مثل أمريكا عن جرائم جنودها في أفغانستان والعراق، ورفضت طلبات لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين عن جرائهم في العدوان علي غزة عام 2008 واستخدام أسلحة محرمة كالفسفور واليورانيوم المشع وقنابل الأعماق وغيرها لقتل أطفال ونساء وشيوخ غزة، كما رفضت التحقيق في جرائم قتل في مصر أكدتها منظمات دولية مثل هيومان رايتس وواتش .

وفي كل مرة كان يصدر فيها قرار من الجنائية الدولية برفض التحقيق في جرائم أمريكية أو إسرائيلية أو أوروبية، وبالمقابل قبول التحقيق مع دول إفريقيا فقط كانت الحجج متهافتة، وكانت ازدواجية المعايير واضحة.

وفي (الحالة العراقية) جاء رفض التحقيق في جرائم الولايات المتحدة الأمريكية عن استخدام اليورانيوم المشع بدعوي أن أمريكا ليست عضوا في المحكمة، ورد أمني عام المحكمة حينئذ “اوكامبو” في وثيقة رسمية معتذرا عن التحقيق في هذه الجرائم بدعوي أنه مكبل بنظام المحكمة الجنائية الذي يجعل مسئوليته تنحصر فقط في “إجراء المرحلة الأولى من جمع المعلومات والنتائج الأولية وتبني المبادرة للدعوة للتحقيق فقط لو توفرت المعلومات التي تفي المعايير الأساسية حسب ما جاءت بالميثاق ” ، فضلا عن تحججه بأن المتهمين هم أفراد (أمريكان) دولهم ليست عضوا في المحكمة الجنائية!.

بل وقال بوضوح في الوثيقة – التي كان يرد فيها علي قرابة 40 طلبا قدمت له من منظمات حقوقية عربية ودولية للتحقيق في جرائم حرب العراق – أن مسئوليته محدودة وشروط أذن ميثاق المحكمة الجنائية له بإجراء تحقيق في جرائم الحرب غير مستوفاة.

وعلي العكس تماما في (الحالة السودانية) جاءت المفاجأة حينما تبني أوكامبو سياسية مختلفة تماما – رغم أنها مثل العراق ليست هي طرفا أو عضوا في ميثاق روما – عندما قبل التحقيق بعدما أحال له مجلس الأمن قرار التحقيق فيما سمي جرائم حرب و”إبادة جماعية” في دارفور ، ليخالف (أوكامبو السوداني) نظيرة (أوكامبو العراقي).

ولم يكتفي أوكامبو بخرق ومخالفة ما قاله هو بنفسه من مبررات عن حدود دوره كمدعي عام في حالة جرائم العراق فيما يخص التحقيق في حالة السودان ، بل وتجاوز دوره لإعلان نتائج تحقيقاته في وسائل الإعلام وطالب علانية باعتقال البشير بدلا من أن يقدم توصياته للمحكمة الجنائية ويصمت كما حدد هو دوره في حالة العراق.

والمقارنة بين ما كتبه أوكامبو بنفسه في حالة العراق وبين ما صدر عنه في حالة السودان تكشف عن تناقضات خطيرة في الحالتين وأن هناك حالة “تسيس” واضحة في نص خطاب (أوكامبو السوداني) فيما يخص حالة الرئيس البشير وبين حالة جرائم الحرب في العراق الموثقة والمعروفة بعكس الحالة في دارفور .

فالمقارنة لا تكشف فقط أن أوكامبو خالف ميثاق المحكمة – وخالف نفسه – بقصر دوره علي تسليم رأي قانوني فيما يخص اتهام السودان للمحكمة الجنائية ، عندما أعلن الأمر علي الملاء أمام وسائل الإعلام وطالب باعتقال البشير ، ولكن تكشف أيضا عن “تسيس” واضح للقضية السودانية بعدما كشفت وزارة الخارجية الأمريكية طلبه اعتقال البشير قبل أن يعلنه هو رسميا بثلاثة أيام .

الأمر نفسه ظهر في قبول التحقيق في حالات كينيا ومالي وليبيا وباقي الدول الإفريقية، حيث كانت الاحالة للمحكمة الجنائية يسيره وسهله بينما في حالات الدول الأخري الكبري عسيرة ما يسير تساؤلات حول تخصيص المحكمة لإفريقيا منذ نشأتها قبل 12 عاما دون نظر أي قضايا أي من أي قارة غير إفريقيا!.

أداة لعقاب الدول الإفريقية

بعدما أتضح أن المحاكمات الجنائية لا تعقد سوي للدول الصغيرة الإفريقية كسلاح في يد الدول الكبرى ضدها، والقرارات أو الأحكام التي قد تصدر نادرا في حق الدول المستكبرة أو الغاشمة التي تستند للقوة والنفوذ الغربي لا تنفذ ، كما في حالة إسرائيل وأمريكا ، بات واضحا أن الدول المهددة بسيف هذه المحاكم هي الدول الإفريقية ومنها تلك التي تعارض الهيمنة الغربية كالسودان.

بعبارة أخري لم تعد هذه المحاكم الدولية ملاذا للضعفاء بقدر ما تحولت لعصا غليظة في يد القوي الكبرى تستخدمها كأداة لمعاقبة “الدول المارقة” الرافضة للسير في ركابها ، ووسيلة قانونية بديل عن نهج التدخل العسكري في شئون الدول الأخرى.

ولم يجدوا أمامهم سوي الدول الإفريقية الضعيفة لمحاكمتها أمام المحكمة الجنائية، في حين تغافلوا عن محاكمة أمريكا وإسرائيل عن جرائمهم وفي كل مرة كان يجري صراع قانوني ومحاولات للوي عنق مواد إنشاء المحكمة بما يعفي الكبار والمستكبرين ويقتص من المستضعفين.

وحتى جريمة الإبادة التي ارتكبت بحق المدنيين الصوماليين بشهادة مندوب الاتحاد الأوروبي في كينيا، والتي قام بها المسئولون الإثيوبيون المدعومون من الولايات المتحدة، جري التعتيم عليها لأن أثيوبيا تحركت بطلب أمريكي، ولو كانت تحركت بدون رضا أمريكا فربما كان تم عقابها وتحويلها للمحكمة الجنائية مع أن جرائم القوات الإثيوبية في الصومال هي هي سواء جاء التدخل برغبة أمريكية أم لا !.

لقد تحولت حتى محاكم العدل والجزاء الدولية لأداة في يد الغرب لعقاب خصومهم ولم تعد أداة عادلة وفسدت المعايير تمام وانهار الأمل في العدالة الدولية ، ولم يتبق أمام الأفارقة والمستضعفين عموما سوي أن يغيروا هذه المعايير المزدوجة المقلوبة في عالم اليوم سواء بالنهوض وتغيير الموازين الدولية وفرض العدالة الحقيقة وهو لن يتحقق إلا عندما يتحقق للقارة الإفريقية الوجود بقوة في المحافل الدولية والتقدم وأخذ موقع متقدم بين بلدان العالم يمكنهم من التأثير في العدالة الازدواجية الموجودة في عالم اليوم.


خمس خطوات نحو صناعة الطغيان – وثائقي مترجم – Five Steps To Tyranny

24 ماي 2014


حسام أبو البخاري: يلخص وظيفة عسكر مصر في 10 نقاط

6 ماي 2014

لخص الناشط الإسلامي حسام ابو البخاري على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وظيفة عسكر مصر الحقيقة في 10 نقاط، بعيدا عن وصلات التغييب التي ضربت على أذهان المصريين طوال العقود الماضية والتي كانت عن طريق مسلسلات وافلام تمجد في المخابرات والقوات المسلحة.

وقال “أبو البخاري” بعيدا عن جو رأفت الهجان وأغانى شادية وعبد الحليم وكليبات الشئون المعنوية و أفلام بدور وهذه التى لا تزال فى جيبى!

وظيفة عسكر مصر هي تلك العشر:

1 – الحفاظ على علمانية الدولة واستخدام الدين كأداة من أدوات العلمانية المؤسسية وإستدعائه حين اللزوم واعتباره – أي الدين – حالة فلكلورية شعبوية فى المناسبات.

2- الابقاء على العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة و حلفاءها فى المنطقة و استمرار الدور المنوط بهم فى تنفيذ الارادة الدولية فى المنطقة.

3 – الحفاظ على معاهدة السلام – كامب ديفيد – مع اسرائيل وحماية الحدود معها.

4 – بقاء نظام مبارك كما هو مع تغيير فى الأسماء وبقاء المحددات الرئيسية والمرتكزات الأساسية .

5- القضاء على الثورة وفكرتها وتدويرها وتفريغها من مضمونها.

6 – إحكام القبضة على الارادة الشعبية وتطويعها طبقا لرؤية النظام أو ازاحتها بالكلية.

7- الحفاظ على كل الامتيازات الاقتصادية والسياسية للمؤسسة العسكرية وبقاء سطوتها المعنوية والمادية على الدولة وعلى الجماهير.

8 – إدارة عمليات انتقال رؤوس الاموال وسياسات السوق وسطوة الشركات العملاقة على البنية الاقتصادية للدولة المصرية وإبقاء الدولة فى حالة من التدهور الاقتصادى لا تمكنها من إحداث أي نقلة نوعية نهضوية.

9 – إستمرار القدرة على السطو على المجتمع على المستوى الدينى والقيمى والأخلاقى والتعليمى لتثبيت وتجميد الحالة المصرية على مستوى معين من الجهل العلمى والدينى والحضارى .

10 – القضاء على الاسلاميين – لاعتبارات كثيرة – على مستوى الفكرة والمجتمع والسلطة.

فى النهاية يجب أن ندرك ادراكا كاملا أن العسكر هم البناء السياسي للدولة المصرية والباقى ديكور ؛ و أن العسكر هم وظيفة الثورة الرئيسية!


مصـر بين القبطيـة السياسية والسلفية البدويــة “2-5” المصدر: الأهرام الإقتصادى بقلم: نصر محمد عارف

3 ماي 2014

د. نصر محمد عارف

حركتان متعاكستان في الاتجاه، متضادتان في العقيدة، متفقتان في الغاية، متشابهتان في الوسيلة، السلفية المستوردة والمدعومة ماليا من وراء البحر الأحمر، والقبطية السياسية المرتبطة بتوجهات رأس الكنيسة هاتان الحركتان ظهرتا في لحظة تاريخية واحدة، وبدأت كل واحدة منهما تمارس مع الأخري لعبة “شد الحبل” وكان الحبل هو المجتمع، كل واحدة تشده في اتجاهها حتي بدأ الحبل يتفتت، ولكنه لم ينقطع، ولم تستطع أي منها أن تأخذ كل الحبل إلي جهتها؛ لأنه حبل متين، مصنوع من عرجون النخيل، مفتول بيد فلاح، صنعت الفأس من يديه قطعة من حجر الصوان، منقوع في مياه السواقي التي تسبح بحمد ربها من طلعة الفجر، لذلك لم تستطع أن تنال منها أفكار بدوية ولا طموحات كاهن.
السلفية البدوية والقبطية السياسية حركتان داخل مجتمع مصر الكبير بمسيحييه ومسلميه، وتقديم المسيحيين هنا ليس بمجاملة، بل هي حقيقة تاريخية، فهم الأسبق في الوجود و الأكرم في الاستقبال، والأقدر علي الاستمرار والبقاء، أو ليست أربعة عشر قرناً من الاستمرار في سلام دليل علي ذلك.
هاتان الحركتان يجب أن نخضعهما للتحليل العلمي المعمق، وألا يمنعنا من ذلك حساسية لحظة تاريخية، ولا مجاملات، ولا مراعاة أحاسيس عاطفية، فالموقف الذي يمر به الوطن لا يحتاج إلي تفكير عاطفي أو فكر غرائزي.
مصر قبطية في أصلها عاش فيها المسلمون كأقلية لما يقارب الثلاثة قرون الأولي بعد دخول الإسلام، وعاش فيها المسيحيون والمسلمون دون أن يرد علي ذهنهم مفهوم الأقلية والأغلبية ما بقي من الزمن، إلي أن جاء الفيلسوف، الحاد الذكاء، الذي بدأ حياته مع الدومينيكان الكاثوليك الذين ورثوا بعضاً من مفاهيم الحروب الصليبية، وكانوا هم نتاجها، المعجب بشخصية حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، فاستطاع أن يأخذ الكنيسة القبطية بكل تاريخها، لتكون جزءا من مشروعه وطموحه، وأن يضعها في مواجهة مع الدولة والمجتمع، ثم نجح بعد ذلك في وضعها فوق الدولة وعلي رقبة المجتمع، استطاع أن يزرع في نفوس وعقول من يحلو له أن يسميهم “شعبة” حالة من الانفصال النفسي عن المجتمع، والمظلومية التاريخية تجاه الدولة، تلك المظلومية التي لا يماثلها إلا مظلومية المتباكين علي قتل الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما.
استطاع أن يحول الكنيسة القبطية إلي مؤسسة سياسية بامتياز، بعيدة عن التربية الروحية المسيحية التي تسعي لنشر المحبة والسلام حتي مع الأعداء، استطاع أن يجعل من الكنيسة القبطية حزباً سياسياً اقوي من جميع أحزاب مصر، سواء المعارضة الكرتونية الافتراضية أو الوطني الفاسد، أصبحت معه الكنيسة القبطية لاعبا سياسيا يمارس الضغط الدائم علي الدولة وأحياناً يقوم بدور الدولة ويستخدمها.
وفي نفس التوقيت مع بداية المشروع السياسي للكنيسة هبت علي مصر رياح شرقية محملة بدخان النفط، جاءت إلي أرض الكنانة في أضعف لحظاتها التاريخية؛ حين كان يحكمها أكثر سادات العالم أناقة، من أخرج مصر العروبة من إطار أمتها؛ حتي يضع نفسه في إطار غلاف مجلة التايمز والنيوزويك، من تنازل طواعية عن دورها التاريخي وقيادتها للمنطقة؛ حتي يعظم من دوره في العيون الزرقاء، التي كان يشعر أمامها بعقدة نقص، وحالة ضعف وهزال، لم يعرفه تاريخها، حطم مجدها حتي يبني مجده الشخصي كصانع للحرب والسلام، في هذه اللحظة جاءت تلك الرياح لتعصف بمؤسسات مصر التاريخية وتحول مصر من منارة للعلم الشرعي، ومركز إشعاع للفكر الإسلامي، ومرجعية للسنة والشيعة، إلي بلد يستورد من البدوي الذي لا يكاد يبين، ولا يعرف كيف ينطق جملة صحيحة، يستورد منه الأذان وقراءة القرآن، ويستورد منه العلم الشرعي، وحتي اللباس والرمز الذي يميز به العالم الشرعي عن غيره من العوام.
ووقعت مصر بين فكي الرحي، بين سلفي بدوي ساذج، ذي تفكير غرائزي، غاية همه أن يشبع شهواته في الزواج من أربع، وفي النيل من المخالفين في الدين كالمسيحيين، أو في المذهب كالصوفية، لأنه توهم أن دوره في الحياة يكمن في القضاء علي من لا يؤمن بعقيدته؛ حتي ولو كان مسلماً صوفياً، والشق الآخر من الرحي وهو الشق الأعلي الدوار المتحرك فهو ذلك العبقري، الحاد الذكاء، الدارس الفلسفة، والمتعمق فيها الذي يستحق بحق لقب الفيلسوف أكثر من الألقاب اللاهوتية الأخري، صاحب الوجه السياسي، الذي وجد اللحظة التاريخية السانحة له، فاستفاد منها، واستطاع أن يحقق أحلاماً لم يكن يفكر فيها سابقوه، ولكن تلك الأحلام كانت ذات طبيعة سياسية، والسياسة دائماً وقتية ومؤقتة زمنياً علي عكس التاريخ.
وهنا تم طحن مصر بين شقي الرحي وقاسي أبناؤها مسلمين ومسيحيين الأمرين علي مدي ثلاثة عقود ويزيد، لذلك فإن مستقبل مسيحيي مصر ومسلميها يكمن في القدرة علي تجاوز هذين المشروعين وما يحركهما ويكمن خلفهما من ثقافتين أو طريقتين في التفكير حتي وإن بقي دعاتهما يصرخون ليل نهار، فالمهم ليس في الدعاة بل في من يشتري بضاعتهم.
– الكنيسة القبطية والدولة المصرية
حرصت المؤسسات الدينية في مصر علي أن تحافظ علي مسافة مع الدولة، لا تنافسها ولا تتدخل في شئونها، وفي نفس الوقت لا تسمح للدولة بأن تستخدمها وتوظفها في السياسة الداخلية لمصر، وكانت هذه التقاليد المستمرة لقرون سبباً في استمرار المؤسسات الدينية الأساسية: الأزهر الشريف والكرازة المرقصية، تؤدي وظيفتها التعليمية والاجتماعية والإصلاحية العامة، ولا يعني هذا أن الدولة ممثلة في قيادتها كانت حريصة، بنفس الدرجة، علي عدم التدخل في الشأن الديني وتحويل المؤسسات الدينية إلي أداة إدارية، أو أمنية، أو سياسية بالمعني الضيق للسياسة، وهو مواجهة الخصوم المحليين، بل علي العكس من ذلك كانت الدولة المصرية، وفي عصور متعددة تسعي إلي استخدام المؤسسات الدينية، ولكن كانت هناك مقاومة حكيمة من قبل المؤسسات الدينية لا تضعها في موقع العصيان، وفي نفس الوقت لا تقزمها وتحولها إلي أداة أو وسيلة سياسية.
هذه التقاليد المصرية الخاصة التي لم تتكرر في كثير من دول العالم، هي التي جعلت من مصر مرجعية إسلامية للعالم الإسلامي، وفي نفس الوقت مركزاً دينياً رائداً ومحترماً للعالم الأرثوذكسي.
وهنا ينبغي أن نؤكد أن العلاقة مع الدولة لم تكن بصورة مستمرة متوازنة، إذ حرصت حكومات متعددة، وعهود مختلفة علي تحجيم دور المؤسسات الدينية، والنيل من استقلالها، أو من دورها، وتقليص نفوذها، إما خوفاً من المنافسة علي قيادة المجتمع، أو رغبة في سد باب النقد والتقويم، وتكميم أفواه المدافعين عن حرمة المجتمع وحقوقه. وقد دفعت المؤسسات الدينية سواء الأزهر الشريف أو الكنيسة القبطية ثمناً باهظاً في سبيل الدفاع عن الاستقلالية والاستمرارية، وكان القاسم المشترك هو الرضاء بالتحجيم، أو تقليص الدور والفعالية والرفض المطلق للاستخدام في تسويغ الباطل أو تمرير الظلم والعدوان علي حقوق الشعب.
وظل ذلك ديدن الأزهر والكنيسة القبطية إلي أن جاء السادات وسيدته الأولي، وتم الضغط بقوة علي المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية لتمرير قوانين وقرارات وسلوكيات، وتوظيف الدين كأحد أدوات السياسة الداخلية للدولة المصرية، وكانت المقاومة واضحة وجلية دفع ثمنها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود من صحته وحياته فمات، ودفع ثمنها قداسة البابا شنودة الثالث من حريته فدخل السجن.
وكانت نتيجة هذه المعادلة أن تحول الأزهر إلي إحدي أدوات الدولة ووسائلها، وصارت مؤسسة الأزهر تخضع لكل أجهزة الدولة بما فيها جهاز أمن الدولة، وما هو دونه، ففتح ذلك الباب أمام التيارات الدينية غير المؤهلة علمياً أو أخلاقيا أو تربويا التي لا تعرف من الدين إلا بعض المعلومات المتناقضة، التي لا تنير طريقاً ولا تنتج حكمة، فكان أن خرجت من عباءة الإسلام، إلي جانب حركة الإخوان كحركة نشأت خارج الأزهر منافسةً، إن لم تكن معادية له، حركات أخري جاءت مرجعيتها من بوادٍ لا تعرف من مخلوقات الله إلا أصحاب مذهب واحد، وشكل واحد، وأسماء واحدة، فلا تعددية ثقافية، ولا تنوع اجتماعي، ولا جيران من أديان سماوية أخري. أو من مذاهب ومدارس إسلامية أخري، فأصبحت النظرة الأحادية هي السائدة بل هي الدين ذاته.
وعلي الجانب الآخر تحولت الكنيسة القبطية من الدور الروحي والتربوي والتعليمي والاجتماعي إلي العمل السياسي المباشر من خلال الدفاع عن شعب الكنيسة، الذي هو شعب داخل الشعب المصري أو معه أو عليه، وأصبحت الكنيسة من خلال قيادتها، بارعة الذكاء والحنكة والمهارة، تتحول تدريجيا إلي دويلة داخل الدولة. لا تخضع لسلطان الدولة إلا علي مستوي التصريحات الصحفية، وتحولت الكنائس إلي ما يشبه السفارات من حيث كونها أرضا خارج إطار السيادة، تحرسها من الخارج أجهزة الأمن المصري، ولكن لا يستطيع أحد أن يعرف ما يدور بداخلها حتي ولو معه أمر من النيابة.
هذا الدور السياسي للكنيسة القبطية جعل من رأس الكنيسة رأس دولة، له زياراته الخارجية وممثلوه في جميع دول العالم، وله رعيته في دول متعددة، يقومون بدور سياسي أحياناً يدخل في إطار الإضرار بمصالح الدولة المصرية، بل ويحاربها.
هذا الوضع جعل علاقة الكنيسة بالدولة المصرية علاقة في غاية التعقيد إلي الحد الذي دفع قيادة الكنيسة القبطية إلي الدعوة إلي عزل المواطنين الأقباط عن إخوانهم المواطنين المسلمين في بداية ثورة 25 يناير 2011، من خلال دعوة رأس الكنيسة إلي عدم التظاهر ضد الصديق مبارك، وإن كان دورها الديني والروحي والتعليمي والاجتماعي لم ينل نفس الرعاية من مبارك، فظلت القوانين الهمايونية كما هي، إما للتغطية علي الدور السياسي، أو كنوع من النفاق للمجتمع العام المسلم. وقد رضي الطرفان بهذه الصفقة حتي آخر لحظة، ان تكون الكنيسة مؤسسة سياسية بامتياز وتعطي من الصلاحيات ما يتجاوز سلطة الدولة، وفي نفس الوقت تظل حقوق الأقباط تدور في نفس السياسات القديمة الظالمة.
ومن هنا فإن علاقة الكنيسة بالدولة تحتاج إلي مراجعة جذرية تحفظ حقوق المواطنة وتصون سيادة الدولة وتحقق التوازن الاجتماعي العادل بين الأقباط وإخوانهم المسلمين.
مصر بين القبطية السياسية والسلفية البدوية “5-6”
الفتنة الطائفية وجذور الأزمة
دبى. اقتناص فرص العولمة
الدائرة الجبرية: نهاية الإسلاموية الحداثية للإخوان المسلمين
المخابرات الأمريكية فى الثمانينات
قراءة في العهدة المحمدية
الاعتبارات الإستراتيجية للسياسة السوفيتية تجاه الشرق الأوسط
لكى تعود مصر إلى مكانها ومكانتها (2)
المعادلات الجديدة: مستقبل الدولة في العالم العربي
مصـر بين القبطيـة السياسية والسلفية البدويــة “2-5”
.


ابريل 2014 6 لكى تعود مصر إلى مكانها ومكانتها (1) نصر محمد عارف

3 ماي 2014

د. نصر محمد عارف

مصر دولة غير عادية، مرت فى العقود الاربعة الماضية بظروف غير عادية، عانت بسببها من أزمات ومشكلات فوق اعتيادية، لذلك تحتاج الى حلول غير تقليدية، وأفكار من خارج الصندوق، وهذه الخطة المقترحة من المحتمل أن تحمل افكارا جديدة وغير اعتيادية.
أولا: محور التنمية البشرية الشاملة: القيام بعملية تغيير شاملة، تعيد تشكيل الانسان المصري، ليكون إنسانا يبنى الحضارة، وليس إنسانا همه ان يعيش يومه ذاهلا عن غده، هذه الثورة تحتاج إلى أن يتم تصفية وتنقية الثقافة المصرية من كل القيم السلبية المعيقة للبناء والتقدم والاستقرار والسلام الاجتماعى وذلك من خلال:
– إعادة نظر جذرية فى هيكل وبنية ومناهج المنظومة التعليمية من الروضة وحتى الجامعة، وذلك من خلال الاستفادة من تجارب الدول الناجحة تعليميا مثل: فنلندا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، هذه المراجعة ينبغى أن تعيد بناء نظام تعليمى يحقق اهدافا ثلاثة هي، القيم، الهوية، التنمية. وعملية المراجعة هذه سوف تنتج نظاما تعليميا مختلفا، يقوم على التركيز على التعليم الفنى بعد المرحلة الأساسية التى تقوم على ضم الابتدائية والإعدادية فى مرحلة واحدة، وكذلك على منظومة كليات تخصصية فنية، مثل كليات المجتمع فى امريكا وكندا، أو كليات التقنية العليا فى دولة الامارات، كذلك سيتم ربط التعليم بخطط التنمية واحتياجات المجتمع والتخلص من نظام التعليم العبثى الموجود حاليا الذى يعطى رخصا للبطالة وعدم الكفاءة وقلة الإنتاجية.
– نشر الثقافة المهنية من خلال إلزام جميع اصحاب المهن والحرف الفنية بكل انواعها بالحصول على رخصة من معاهد معتمدة تقوم على تدريبهم على المهارات الحديثة، التى تؤهل صاحب المهنة وتنقل فكره نقلة نوعية، وتجعله قادرا على متابعة الجديد فى مجاله، وقادرا ايضا على المنافسة فى سوق العمل الدولية، بحيث يصبح الترخيص وإعادة الترخيص أمرا دوريا، وإلا فلن يحق لأى صاحب مهنة أن يمارسها.
– تنظيم جميع المهن والحرف فى اتحادات ونقابات، تلتزم بدور ووظيفة النقابة: وهى تنظيم المهنة، وتحديد معايير ادائها وسعرها، وضمان جودتها، وحماية المجتمع من الممارسات السلبية من المنتمين لهذه المهنة، وحماية أهل المهنة من عوائد الزمان، بحيث تكون هناك نقابة او اتحاد لكل المهن من السباك الى الطبيب.
– التربية الشعبية الشاملة والدائمة، وذلك من خلال توظيف جميع وسائل الاتصال الجماهيرى من تليفزيون، وسينما، وإذاعة، وصحف، وانترنت، ومسجد، وكنيسة، وإعلانات فى الشوارع، والأماكن العامة، تقوم هذه العملية على إحياء وتجديد وغرس القيم الأساسية التى يحتاجها الانسان، لكى يكون إنسانا ومواطنا يستطيع أن يعيش العصر ويحقق التنمية ويبنى مجتمع السلام والتجانس والسعادة، وهذه القيم تبدأ من قيمة النظافة الشخصية والعامة الى قيمة الابداع والابتكار.
– إعادة النظر فى البرنامج اليومى للإنسان المصري، من خلال تغيير مواعيد العمل ووضع ضوابط على مواعيد فتح وغلق الأماكن العامة، ووسائل الاعلام خصوصا التليفزيون، وهنا يستفاد من النظم الموجودة فى الولايات المتحدة وفى الدول الاخرى.
ثانيا: التنمية الاقتصادية الناجزه: جربت مصر كل برامج الاصلاح والتطوير الاقتصادى المعروفة، ولكن الأزمات لم تزل كما هي، بل تتفاقم مع مرور الزمن وتزداد تعقيدا، وتكتسب مناعة ذاتية تجعلها تستعصى على الحل، لذلك لابد من أفكار جريئة جديدة:
1 – تكوين جيش التنمية. الجيش فى مصر مدرسة للتنشئة الاجتماعية، وللتدريب على الحياة العملية، يكتسب اهميته من غياب المؤسسات الاخرى كالأحزاب، والنوادي، وجماعات الرفاق، وضعف دور الاسرة لانشغالها بالأعباء الاقتصادية، وفكرة جيش التنمية تقوم علي: تجنيد كل من ليس لديه وظيفة ثابتة دائمة ما بين سن العشرين والثلاثين، أو من لديه وظيفة ويرغب فى الانضمام. يتم توزيعهم الى مجموعات طبقا لرغباتهم فى المهن التى يحبون ان يعملوا فيها فى المستقبل وطبقا لقدراتهم وميولهم. ويتم تقسيم كل مجموعة الى فصائل حسب المناطق التى جاءوا منها، بحيث يكون ابناء كل قرية أو منطقة فى مجموعة واحدة. كذلك يتم تدريبهم لمدة اربعين يوما على الانضباط والجدية والعمل بروح الفريق، والتخطيط والمبادرة، ويتم تثقيفهم من خلال محاضرات موحدة عبر الشاشة التليفزيونية المغلقة. وتكون كل مجموعة نواة لشركة مساهمة قابلة للتوسع من خلال انضمام اعضاء جدد يستثمرون أوقاتهم. ورأسمال هذه الشركات هو الوقت والطاقة البشرية، اما المعدات فهى قروض او ديون تسدد عند الانتاج.
وتعمل كل مجموعة او شركة فى مجال معين من مجالات التنمية كثيفة اليد العاملة، ابتداء من النظافة، الى استصلاح الاراضي، الى شق الطرق والصناعات الغذائية.الخ. ويملك كل شاب سهما فى الشركة حسب جهده، وما قدمه من وقت، بحيث إنه عند انتهاء المشروع يستطيع الاستمرار فى العمل فيه كمساهم، ويتحول المشروع ايا كان الى ادارة ذاتية كشركة مساهمة. وتنقطع علاقة الجيش بالمشروع بمجرد بداية الانتاج، ويكون شريكا فى الربح حتى يحصل على النفقات الرأسمالية التى تم ضخها أثناء الانشاء.
2 – منظومة التنمية المتكاملة فى كل محافظة: للخروج من حالة العشوائية التنموية التى عاشتها مصر فى العقود السابقة يقترح ان تتحول كل منطقة او محافظة الى وحدة اقتصادية متكاملة، للقضاء على الخلل الهائل فى التنمية بين مناطق ومحافظات مصر. ويحدث هذا من خلال اعتبار ان الزراعة والموارد الاولية هى منطلق عملية التنمية، ويتم بعد ذلك ايجاد الصناعات المناسبة لما هو موجود فعلا من محاصيل زراعية، وموارد أولية، وذلك على النحو التالي:
يتم من خلال البحوث والتجارب الزراعية تحديد افضل المناطق فى مصر لزراعة كل محصول من المحاصيل التى تصلح للزراعة فى مصر. ويتم تشجيع الفلاح من خلال اعادة نظام الدورة الزراعية مصحوبا بنظام تسعير عادل للمحاصيل. ويتم بناء مصانع فى الظهير الصحراوى او فى اية اراض غير صالحة للزراعة تقوم على تصنيع هذه المحاصيل. كما يتم تخصيص كل منطقة لإنتاج عدد محدد من المحاصيل مثل التشجيع على زراعة البصل فى سوهاج والتوسع فى انشاء مصانع تجفيف البصل وتصديره. ويتم أيضا بناء مصانع لتصنيع المواد الخام مثل الفوسفات فى نفس مناطق الانتاج.
3 – بنية تحتية لقرن جديد: إن البنية التحتية فى معظمها قد مضى على انشائها اكثر من قرن من الزمان، لذلك يقترح ان يتم تجديد البنية التحتية، والخدمات الاساسية بمنهج ومعايير حديثة، ومن خلال رؤية طويلة المدى تخطط للمائة عام المقبلة، وذلك من خلال الاستفادة من تجربة الامارات العربية المتحدة فى التصميم والمعايير.
4 – تحويل التراب الى تبر: وذلك من خلال انشاء وزارة او هيئة عامة للخردة، وذلك لتحويل ثروة قومية كبيرة من كونها مصدرا للقبح والفوضى وشغل المساحات والتعطيل، الى مصدر للإنتاج والمواد الاولية، وينطبق ذلك على الهيئات الحكومية والأفراد بحيث لا يبقى أى شيء غير مستخدم عند المواطنين، أو عند مؤسسات ووزارات الدولة، فكم الحديد والنحاس الموجود فى المخازن والساحات الخلفية لمؤسسات الدولة يكفى لحل مشكلات عديدة.
5 – النظافة والجمال أساس التنمية: قد يظن البعض ان النظافة والجمال هما من ثمار التنمية، ولكن الحقيقة أنهما أساس ومنطلق التنمية لذلك لابد من إطلاق مشروع قومى لتنظيف وتجميل مصر تقوم به الشركات الكبرى من خلال تخصيص نصف ميزانية الدعاية والإعلان لكل شركة او مؤسسة اقتصادية أو انتاجية للدعاية والإعلان الواقعي، وذلك من خلال المساهمة فى تجميل وتنظيف مصر بصورة حقيقية وليست شكلية، بحيث يتم تجميل المدن والقرى، وتنظيف الاسطح وزراعتها بوسائل حديثة، لان النظافة والجمال من اهم اسباب زيادة الانتاج وارتفاع انتاجية الانسان.
6 – اعادة توزيع السكان: يتم اطلاق مشروع قومى لإعادة توزيع السكان بحيث يتم نقل نصف سكان الوادى القديم الى الوادى الجديد وسيناء ومطروح، من خلال خطة زراعية صناعية تغطى هذه الاماكن وتلتزم المعايير الآتية: يتم حصر الاراضى القابلة للزراعة خارج الوادي، وأعدادها للزراعة من خلال جيش التنمية السابق الإشارة إليه. ويتم إيجاد قرى فى الاراضى المستصلحة تحمل أسماء القرى القديمة الموجودة فى الوادي، والتى سوف يأتى منها من سيتم توزيع الأراضى الجديدة عليهم، ويتم اخذ البعد الاجتماعى فى إيجاد مجتمعات جديدة، بحيث لا يتم نقل أسرة واحدة وإنما يتم نقل عائلة كبيرة او مجموعة أسر متعارفة من نجع أو كفر.
7 – تحويل منتجعات الاسترخاء إلى قلاع للإنتاج: وذلك من خلال تحويل الساحل الشمالى إلى وادى للعلوم والتكنولوجيا والجامعات ومراكز البحوث والصناعات الاليكترونية، وذلك بالاعتماد على الشاليهات الحالية كمساكن وتخصيص منطقة جنوب الطريق الدولى ليتم انشاء كل المصانع والمراكز والجامعات فيها، بحيث تتحول المنطقة من الاسكندرية إلى السلوم إلى وادى السليكون المصري.
8 – تعمير سيناء وقناة السويس: من خلال خطة تقوم على نموذج التنمية المتكاملة الزراعية الصناعية التجارية أو تحويل المواد الاولية الى سلع صناعية وتصديرها، ويقترح أن تكون أول مشروعات جيش التنمية.
9 – التوسع فى استخدام الطاقة البديلة: وذلك من خلال استخدام الطاقة الشمسية فى إنارة الشوارع، والمصالح الحكومية التى تعمل نهارا، وطاقة الرياح فى استخراج المياه الجوفية.الخ
10 – إعادة القداسة الى النيل: من خلال تنظيفه وتحريره من الاحتكار أو الاستيلاء وإزالة كل التعديات على شاطئه وتحويله الى أكبر مزرعة أسماك فى العالم. (للحديث بقية)


اكتوبر 2011 1 المعادلات الجديدة: مستقبل الدولة في العالم العربي.. نصر محمد عارف

3 ماي 2014

تطرح التطورات المتسارعة في العالم العربي تحديا نظريا وعمليا في الوقت نفسه، يتعلق بشكل الدولة، ووظائفها، وإطار حركتها، وعلاقاتها مع المجتمع من ناحية، ومع العالم الخارجي من ناحية أخري.
فلو أن التغيرات الجذرية التي تشهدها العديد من الدول العربية كانت نتيجة لانقلابات عسكرية، أو انقلابات قصور، لكان من السهل التنبؤ بمستقبل تلك الدول.
ولكن الجديد كل الجدة أن هذه التغيرات جاءت- ولأول مرة في التاريخ العربي المكتوب- من الشعب، أو من المجتمع بكل قواه وفعالياته التلقائية غير المسيسة، وغير المنظمة والتي لا تحمل مشروعا سياسيا أو أيديولوجيا، ولا يؤطرها حزب أو تنظيم سياسي يمكن، من خلال تحليل أفكاره وخبرته السابقة، أن نستشرف مستقبل الدولة، في ظل حكمه، أو علي الأقل يمكن تلمس ذلك المستقبل، ولو في أبعاده العامة.
وهذا لا يعني أن استشراف المستقبل أمر مستحيل، أو خارج قدرات التحليل السياسي، وإنما يحتاج إلي رؤية أكثر شمولا، وأبعد عمقا، تمزج السياسة بالتاريخ بالاجتماع، وتضع الجميع في إطار من الصيرورة الحضارية العامة، أو الرؤية التاريخية الفلسفية التي تتعامل مع المستقبل في سياق زماني أوسع قد يمتد إلي الوراء قرونا، حتي يستطيع الباحث أن يمد البصر إلي الأمام عقودا.
وفي هذا السياق، سوف نقارب مستقبل الدولة في العالم العربي من خلال المحاور الآتية:
أولا- اكتمال دائرة تطور العلاقة بين الدولة والمجتمع:
قبل قرنين من اليوم، بدأت دورة جديدة من العلاقة بين الدولة والمجتمع، لم تعرفها المجتمعات العربية الإسلامية طوال تاريخها، وذلك حين قام محمد علي باشا باستيراد نموذج الدولة الأوروبية، وفرضه علي المجتمع المصري. وقد أدي هذا النموذج إلي إفقاد المجتمع كل قوته لمصلحة الدولة، بل إنه قام بإفلاس المجتمع بصورة كاملة لحساب الدولة، من خلال القضاء علي جميع الفعاليات والقوي الاجتماعية، مثل: النقابات، والطوائف، والأعيان، والتجار، والمماليك، والأشراف، والصوفية، كل تلك القوي التي كانت تمثل حصانة للمجتمع في مواجهة الدولة، تحول دون توحش الدولة وتعديها علي حقوق الأفراد.
استطاع محمد علي- في سبيل بنائه الدولة الحديثة- أن يخلق نموذجا جديدا في العالمين العربي والإسلامي، يكون فيه المجتمع ضعيفا جدا، وتكون الدولة قوية جدا. وقد استمر هذا النموذج ينمو ويتطور، حتي أصبح المجتمع كيانا عاجزا، مشلولا، عالة علي الدولة، لا يملك من أمره شيئا، حتي جاءت الثورات العربية في بداية عام 2011 لتعيد الاعتبار للمجتمع، وتعيد إحياء مؤسساته، وقواه الفاعلة من مجتمع مدني ونقابات وتجمعات تلقائية. وغيرها.
وبذلك، تكون الدولة العربية قد أكملت دورة كاملة من التطور: من الضعف إلي القوة إلي الضعف مرة أخري، أو بعبارة أخري من نموذج المجتمع القوي والدولة الضعيفة، إلي نموذج المجتمع الضعيف والدولة القوية، إلي نموذج المجتمع القوي والدولة القوية، الذي يتوقع أن يكون هو النموذج السائد في المجتمعات العربية بعد ثورات 2011.
ثانيا- تراجع قوة الدولة أمام قوة المجتمع:
إن التحليل المستقبلي لحالة الدولة العربية يخلص إلي أن هذه الدولة قد تخلت طواعية عن معظم وظائفها وأدوارها لمصلحة القطاع الخاص والرأسمالية الوطنية والعالمية، ولم تحتفظ إلا بأدوات القهر والسيطرة والتحكم، ثم جاءت الثورات العربية لتنتزع منها تلك الأدوات، وتضعف قدراتها علي القهر والسيطرة والتحكم، ومن ثم تفقدها آخر ما تبقي من أدوارها ومصادر قوتها.
ولكن، لا ينبغي السير مع هذا التحليل إلي نهايته. إذ إن طبيعة العصر وأدواته، وتعقد علاقاته، وتعدد الفاعلين فيه سياسيا واقتصاديا وثقافيا، سواء علي المستوي الداخلي أو علي المستوي الخارجي، تجعل الدولة ضرورة مجتمعية لا يستطيع المجتمع أن يبالغ في إضعافها، أو أن يعود إلي النماذج التقليدية للمجتمعات القوية والدول الضعيفة.
وعلي الرغم من اعتبار “جول ماجدال”- صاحب نظرية العلاقة بين الدولة والمجتمع- النموذج الأمريكي نموذجا للدولة الضعيفة والمجتمع القوي، فإن الواقع التاريخي في بداية القرن الحادي والعشرين قد أثبت حاجة المجتمع الأمريكي للدولة، حين فشلت اليد الخفية للرأسمالية في أن تعالج أزماتها، وأن تحافظ علي المجتمع ومصالحه.
وسوف تؤدي حالة الدولة العربية وتاريخها، وطبيعة المجتمعات العربية وثقافتها وتركيبتها، إلي بروز نموذج للدولة القوية والمجتمع القوي، وذلك بعد أن كان النموذج السائد هو نموذج المجتمع الضعيف جدا والدولة القوية جدا. ولعل نموذج العلاقة بين الدولة، متمثلة في أدوات القهر والسيطرة والمجتمع، في دولة مثل مصر، يبين وجهة التطور المستقبلي للدولة. فالعلاقة بين الشرطة والشعب تمثل مقياسا نستطيع من خلاله التدليل علي هذا النموذج. فعلي الرغم من سعي المجتمع لإضعاف جهاز الشرطة بعد ثورة 25 يناير 2011، لأنه كان يمثل جبروت واستبداد الدولة، وإهدارها لكرامة المجتمع، فإن المجتمع ذاته لم يستطع الاستمرار بدون جهاز شرطة قوي. لذلك، فإن النموذج المستقبلي للدولة العربية سيكون بالقياس نموذجا للدولة القوية والمجتمع القوي، ومن ثم يحدث التوازن والاستقرار، ويتم الحفاظ علي مصالح المجتمع وكرامة الإنسان.
ثالثا- تعاظم دور المصادر الداخلية للشرعية في مقابل المصادر الخارجية:
منذ بداية الانفراد الأمريكي بالعالم العربي بعد حرب 1973، تعتمد الدولة العربية بصورة أساسية علي رضاء العالم الخارجي كمصدر أساسي، وأحيانا وحيد للشرعية. فرضاء القوي الكبري ومساندتها وتأييدها هي الضمان الوحيد لبقاء النظام السياسي وأحيانا لبقاء الدولة ذاتها. لذلك، تجاهلت معظم النظم السياسية في العالم العربي مطالب شعوبها واحتياجاتها، وأحيانا لم تلق بالا لمآسيها وكوارثها، لأنها لا قيمة لها في ميزان شرعية الدولة، أو شرعية النظام، أو شرعية الحاكم. فالمصدر الوحيد لهذه الشرعيات الثلاث خارجي يأتي من وراء الحدود أو من وراء البحار. وتأسيسا علي ذلك، كانت أجهزة الدعاية والإعلام، والتسميم السياسي التابعة للنظم الساقطة، تبالغ في وصف المكانة الدولية للرئيس أو النظام، وكان الرئيس نفسه-مبارك مثالا- مشغولا طوال ثلثي فترة حكمه بالقضايا الخارجية، ويتجاهل بصورة عمدية حاجات شعبه وأزماته ومشاكله.
هذا النموذج لمصادر الشرعية الخارجية سقط مع اندلاع الثورات العربية، وأصبح الجميع يسعي لتجديد مصادر الشرعية الداخلية، من خلال وسائل الترضية، وأساليب الاستمالة، أو من خلال نتائج الثورات ذاتها، وما ترتب عليها من وضوح الرؤية عند الشعوب، وأنها لن تسمح بأن تكون نظمها معتمدة علي الخارج في صورة تتجاوز حدود التبعية الاقتصادية والسياسية إلي مصادر الشرعية ذاتها، التي هي حق أصيل للشعوب، تمنحه لمن يحقق أهدافها ويحافظ علي مصالحها، وتنزعه عمن يفشل في ذلك، من خلال عملية ديمقراطية، وسيلتها صناديق الاقتراع.
رابعا- التشكيك في شرعية وجود الدولة ذاته:
بغض النظر عن الأصول التاريخية للدولة العربية، وكيف أنها قد ولدت ناقصة الشرعية أو فاقدة لها، فإن من أهم نتائج الثورات العربية إعادة السؤال حول شرعية الدولة، وجودا أو حدودا. وهنا، لا ينبغي أن نقفز إلي خلاصة سريعة، مفادها أن الدولة العربية في طريقها إلي التفكك أو الزوال. فالحقيقة أن سؤال شرعية الدولة أو إشكالية شرعية الدولة سوف يأخذ مسارين متعاكسين، هما:
1- الاتجاه نحو تجاوز الدولة لمصلحة كيانات أكبر من الدولة ومتجاوزة لها، وذلك من خلال إنشاء اتحادات، أو تجمعات أو دول كونفيدرالية أو فيدرالية. فالقوي التي شاركت في الثورات العربية، وكان لها دور أساسي أو محوري فيها، لا يؤمن معظمها بالدولة القطرية، ويسعي إلي تأسيس كيانات تتجاوز الدولة وتعلو فوقها. فالإخوان المسلمون، والسلفيون، والقوميون، والناصريون، والاشتراكيون، والشيوعيون، جميعهم لا يؤمنون بشرعية الدولة القطرية العربية، ويحلمون بكيانات أكبر تتجاوز حدود الدولة الحالية.
ولن يكون غريبا أن تظهر تلك الكيانات في المستقبل، خصوصا في ظل التشابه بين القوي الفاعلة في الثورات العربية في العديد من الدول.
ومن ناحية أخري، تسعي بعض النخب الحاكمة في دول لم تشهد ثورات بعد إلي تجاوز الدولة القطرية الحالية إلي كيانات أكبر، سواء لمواجهة أخطار الثورات العربية، أو لمواجهة أخطار خارجية تعاظم تهديدها في ظل الثورات العربية كإيران مثلا. فدعوة دول مجلس التعاون الخليجي لانضمام الأردن والمغرب ثم مصر إليها هو نموذج واضح لمواجهة الخطرين معا: خطر إيران، وخطر الثورات العربية.
2- الاتجاه نحو تجاوز الدولة لمصلحة كيانات أصغر: عرقية أو دينية أو إقليمية. وهذا الاتجاه سبق قليلا الثورات العربية في حالة السودان، ولا تزال يعتمل في العراق، والعديد من الدول العربية مهددة بالدخول في هذا الاتجاه، ما لم تستطع أن تتحرك للتوحد في كيان أكبر، أو صياغة نموذج للحكم يكون أقرب إلي الفيدرالية.
في كلتا الحالتين، فإن شرعية الدولة بكيانها وحدودها أصبحت موضع شك وتشكيك، إن لم نقل إنها قد فقدت أو في طريقها للفقدان. وتبين متابعة الخطاب السياسي في ليبيا وسوريا واليمن عمق هذه الإشكالية، ومدي الخوف من تفجر هذه الدول إلي كيانات سياسية صغيرة علي أسس إقليمية أو مذهبية أو عرقية.
خامسا- التطور التاريخي المعكوس. من الدولة الموحدة إلي الدولة الفيدرالية أو الكونفيدرالية:
سوف تسير الدولة العربية في المستقبل المنظور عكس حركة التاريخ. فإذا كانت الدول جميعها انتقلت من الاتحاد الكونفيدرالي إلي الدولة الفيدرالية، ثم أخيرا إلي الدولة الموحدة أو القومية، فإن الدولة العربية سوف تأخذ الاتجاه المعاكس، وتنتقل من الحالة الموحدة أو البسيطة إلي الحالة الفيدرالية أو الكونفيدرالية.
وتنفرد الدولة العربية بهذه الخصوصية، لأنها ظهرت للوجود بطريقة مصطنعة وغير طبيعية، و رسمت حدودها القوي الاستعمارية بصورة لا تراعي الإنسان أو المجتمع، ولا تحترم خصوصية الجماعات البشرية وثقافاتها، وحدود وجودها وأنماط معيشتها. بل علي العكس من ذلك، تم تمزيق العديد من الجماعات البشرية بين أكثر من دولة، مثل حالة الأكراد في العراق، وسوريا، وإيران، وتركيا، والنوبيين بين مصر والسودان، ناهيك عن القبائل العربية الواحدة التي توزعت بين أكثر من دولة.
والحال هكذا، فإن رفع غطاء الدولة المستبدة القاهرة أو ضعف قبضتها، وبداية تحرك المجتمع وحصوله علي درجة من القوة والاستقلالية، سوف يؤدي إلي تفكك الدولة، أو إعادة صياغة كيانها بصورة تراعي خصوصية المجتمعات.
وعلي الرغم من أن هذه الحالة سابقة علي الثورات العربية، كما في حالة العراق الذي دفعه الاستعمار الأمريكي 2003 إلي حالة من الفيدرالية الواقعية، ثم القانونية فيما بعد، فقد بدأت تنفصل المكونات الثلاثة للدولة، شعوريا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وإقليميا، وتعالت الدعوات إلي الفيدرالية أو الكونفيدرالية.
كذلك، كانت حالة السودان التي دعت إلي الفيدرالية ولم تحصل عليها، وكان الانفصال هو المصير المحتوم لجنوب السودان، من خلال عملية اختيار حر لشعب الجنوب، تثبت بما لا يدع مجالا للشك درجة الفشل التي وصل إليها النظام السياسي السوداني، ومن ورائه الدولة والمجتمع.
وقد لا نبالغ إذا قلنا إن المستقبل القريب سوف يشهد حالات تكون فيها الفيدرالية الحلم أو الحل الأمثل لبقاء الدولة متماسكة، وإن كان بصورة رخوة، بدلا من تفككها وانقسامها. ولعل نموذج اليمن سيكون هو الأول في سلسلة من الدول العربية التي بدأت ثوراتها الآن، أو سوف تبدأ في المستقبل القريب.
ومن جانب آخر، قد تكون الفيدرالية هي طوق النجاة لبعض الدول مثل السودان، الذي سوف يشهد متوالية من الانقسامات والانفصال والتفكك، ما لم يدخل في اتحاد فيدرالي مع مصر، يحافظ علي بقاء الشمال، وقد ينجح في إعادة الجنوب إلي ذلك الاتحاد.
وسوف تلجأ بعض الدول العربية إلي الدخول في خيار الفيدرالية لأغراض وظيفية، مثل تحقيق الأمن، والمحافظة علي الكيان، كما في حالة دول مجلس التعاون، أو تحقيق التنمية والازدهار الحضاري، مثل حالة مصر وليبيا والسودان، أو ليبيا وتونس.
وفي كل تلك الحالات، فإن الدولة العربية الموحدة قد لا تستمر طويلا في المستقبل، المنظور، بل قد تدخل في إطار التاريخ أسرع مما يتصور الكثير من علماء السياسة، والمراقبين لتطورات الشأن العربي.
سادسا- الدولة العربية من المركزية إلي اللامركزية:
تعاني الدولة العربية خللا هيكليا، أدي إلي تفجر ثورات وسقوط نظم، ذلك الخلل الذي تمثل في تركز التنمية في مناطق وإقاليم معينة تتمحور حول العاصمة كبؤرة تركز سياسي واقتصادي، أو بعض المدن والأقاليم الجاذبة لقطاعات اقتصادية معينة كالسياحة أو التجارة الخارجية. أما باقي أقاليم الدولة، فإنها قد تركت تعاني الفقر، والجهل، والتهميش، الذي أدي- وسوف يؤدي- إلي الانفجار الاجتماعي والسياسي.
في ظل هذه الوضعية من الخلل الهيكلي في خطط التنمية، سوف تجد الدولة العربية نفسها مضطرة للأخذ بنظام اللامركزية في الإدارة المحلية وفي التنمية، حتي تستطيع النهوض بالمناطق الفقيرة والمهمشة. ولعل لجوء الحكومة الانتقالية في مصر إلي إنشاء هيئات خاصة لتنمية سيناء أو منطقة النوبة لهو خطوة أولي في طريق تحقيق اللامركزية في الإدارة والحكم المحلي، وفي خطط التنمية كذلك.
وعلي الرغم من أن بعض الدول العربية قد أخذت بنظام اللامركزية في فترات تاريخية سابقة، مثل حالة مصر، فإن التجربة المتوقع حدوثها مستقبلا سوف تكون مختلفة عن التجارب التاريخية في هذا المجال، حيث إنها ستكون لامركزية في التخطيط والتنفيذ، وليست لامركزية شكلية فاقدة للجوهر والمضمون. إذ سوف يشهد نموذج اللامركزية المستقبلية درجات من التمييز الإيجابي لمصلحة المناطق الفقيرة والمهمشة، وسيدفع المجتمع في هذا الاتجاه، حتي وإن تقاعست الدولة.
سابعا- من دولة الأحزاب إلي الدولة الكوربراتية:
يبدو غريبا الهوس الذي تعانيه النخبة المصرية بالأحزاب وأهميتها والتعويل عليها، في عصر بدأت تتراجع فيه الأحزاب دورا ووجودا ووظيفة وفعالية. فانتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية شكل بداية لنهاية مفهوم الحزب كمؤسسة وسيطة، تقوم بتجميع المصالح والمطالب من المواطنين، وتعبر عنها أمام الدولة، وتمارس الرقابة السياسية علي الحكومات، وتقدم بديلا للحكم القائم. فقد استطاع المرشح باراك أوباما أن يتجاوز كل مؤسسة الحزب وقيودها وضوابطها، وأن يتواصل مباشرة مع المواطنين عبر شبكة الإنترنت، وأن يقوم بحشد أكبر ميزانية انتخابية في تاريخ الولايات المتحدة من خلال تبرعات عبر الإنترنت، وأن يفقد القوي الحزبية المسيطرة، وما وراءها من المصالح الاقتصادية للمركب الصناعي العسكري، قدرتها علي التحكم والهيمنة علي العملية السياسية، كل ذلك مثل بداية لنهاية دور مؤسسة الحزب.
ولكن للأسف، فقد ضيع العديد من القوي السياسية في مصر قيمة الثورة وأهدافها، وأفسدت روحها، من خلال السعي لتأسيس أحزاب، في زمن يتجاوز فيه العالم الأحزاب إلي مؤسسات المجتمع المدني من ناحية، وإلي المؤسسات الكوربراتية من ناحية أخري.
والكوربراتية نموذج لتنظيم الدولة وعلاقتها بالمجتمع، يشهد أفضل تطبيقاته في دول أمريكا الجنوبية، حيث تعتمد الدولة علي الكيانات الرأسية وليس الأفقية كالأحزاب وجماعات المصالح. والكيانات الرأسية هي النقابات، والطوائف، والحرف، وجميع الكيانات التي تتمايز عن غيرها وظيفيا، ويكون أعضاؤها منضوين تحتها بصورة لا إرادية، إما لانتمائهم لطائفة معينة، أو حرفة معينة. وهذه الجماعات تمثل أعضاءها أمام الدولة، وهي منظمة بصورة هيراركية تعبر عن مصالح الأعضاء، ولا تسعي للوصول إلي السلطة.
والناظر في حالة الدول العربية التي شهدت ثورات حتي الآن يخلص إلي أن المستقبل سيكون للتكوينات الكوربراتية، لما لها من قدرة تمثيلية، ومن عمق اجتماعي، ومن عضوية كثيفة قد لا تستطيع الحصول علي جزء منها الأحزاب الافتراضية الموجودة في الدول العربية، خصوصا في مصر، والتي لا تستطيع أن توجد لها قاعدة اجتماعية خارج العاصمة.
ثامنا- تصاعد التوظيف السياسي للدين:
بداية، لابد من إقرار أن الدين والدولة لا ينفصلان إلا علي المستوي الافتراضي أو التحليلي، فجميع دول العالم الديمقراطية للدين فيها دور سياسي محدد. فملكة بريطانيا تترأس الكنيسة، ورئيس الولايات المتحدة لابد أن يؤدي بصورة علنية صلاة الأحد في الكاتدرائية الكبري بواشنطن، والأحزاب المسيحية جزء من الديمقراطية الغربية، حتي الهند أكبر أحزابها حزب هندوسي متطرف، واليمين المسيحي جزء من العمل السياسي الغربي.
ولكن كل تلك الممارسات والنماذج يقدم فيها الدين القيم والغايات، فهو مصدر للقيم التي تسعي إليها الأحزاب، أو هو مصدر للهوية، أو هو مقياس للالتزام بقيم الآباء المؤسسين، كما في الولايات المتحدة. ولكن لا يتدخل الدين في الصراع السياسي، ولا يتم توظيفه لتبرير أو تسويغ سياسات معينة، ولا يعد معيارا للفرز السياسي بين الأشخاص، كذلك لا يمكن تصور أن يكون وسيلة للدعاية الانتخابية، أو لحرمان أبناء دين آخر من حقوقهم السياسية.
أما في الواقع العربي المعاصر، وما سوف تفرزه الثورات العربية، فإن الدين سوف يكون له شأن آخر يقترب من مفاهيم “الكهنوت السياسي”، كما مارسته الكنيسة في عصور مختلفة، وكما تمارسه بعض القيادات الدينية المعاصرة، المسيحية والمسلمة، في لبنان ومصر والعراق والسعودية.
هنا، يكون توظيف الدين من قبل جماعات تمارس العمل السياسي انتهازيا وذرائعيا، حيث يتم احتكاره من خلال فهم وتفسير معين لمصلحة رؤية معينة، وبصوره تنزع هذا الحق من الآخرين.
لذلك، ستدخل الدولة العربية في المستقبل القريب في عملية صراع مع هذا التوظيف للدين في الصراع السياسي، إلي أن يتم إنضاج التجربة الديمقراطية في الدول العربية التي مرت بثورات خلال عام 2011 وما بعدها، بصورة تؤدي إلي درجة من الرشادة والعقلانية في التعامل مع هذه الظاهرة الطارئة، والناتجة عن عقود من الاضطهاد لهذه الجماعات الدينية، سواء إسلامية أو مسيحية، وعزلها أو تهميشها، وإبعادها عن العمل السياسي المباشر والعلني.
والخلاصة أن الدولة العربية سوف تمر بالعديد من التحولات في المستقبل المنظور، تتوقف نتائج هذه التحولات علي مدي نضج النخبة المثقفة وقدرتها علي قيادة هذا التحول، وتوجيهه الوجهة السليمة، وعدم ترك تداعيات الواقع تتحرك بصورة تلقائية عفوية، قد تقود إلي انهيار الدولة أو فشلها بصورة كاملة. ولعل نماذج الصومال والعراق وأفغانستان ليست بعيدة عن أذهان الدارسين للنظم السياسية، أو المتابعين للتطورات في المنطقة.
ودور النخبة المثقفة هنا لا ينبغي أن يكون مقصورا علي الرصد والمتابعة والتحليل، بل ينبغي أن يركز علي رسم الطريق، وتحديد التوجهات والسيناريوهات المستقبلية، وتوجيهها الوجهة التي تحقق مصالح المجتمع وتحميها.
الاعتبارات الإستراتيجية للسياسة السوفيتية تجاه الشرق الأوسط
الدائرة الجبرية: نهاية الإسلاموية الحداثية للإخوان المسلمين
3- أفكار متقابلة: تصادم الشرعيات بين التقليدية والحركية
لكى تعود مصر إلى مكانها ومكانتها (2)
لكى تعود مصر إلى مكانها ومكانتها (1)
التنمية من منظور متجدد: التحيز، الهولمة، ما بعد الحداثة.
المعادلات الجديدة: مستقبل الدولة في العالم العربي
العقوبات والمعونات – دراسة فى عمليات إعاقة التنمية
دبى. اقتناص فرص العولمة
مصر بين القبطية السياسية والسلفية البدوية “5-6”


التيارات الفكرية المعاصرة وآثارها فى الشرق المسلم ج1

16 أفريل 2014


التيارات الفكرية المعاصرة وآثارها فى الشرق المسلم ج5

16 أفريل 2014


تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ