قضية فلسطين ومنطق رفع “وصاية” الأمة محمد شعبان صوان

6 أغسطس 2016

 

 

يقولون: “دعوا الشعب الفلسطيني يحل مشكلته بنفسه دون وصاية عروبية وإسلامية”.

هذا القول هو ما يروجه دعاة الواقعية والعقلانية بعيداً عما يسموه “الأيديولوجيات” التي لم تجلب لنا سوى الخسارة، ولكن هل يمكن للشعب الفلسطيني أن يحل مشكلته بنفسه؟

إن هذا الكلام يخالف الفطرة والواقع فضلاً عن مسلمات العقل والدين وهو يتخذ من بؤس الواقع منطلقاً لزيادة أمراضه وليس لعلاجه وهو منطق متهاو ولا سند له إلا إساءة قراءة الواقع المهترئ والمؤقت، ولكن تعاقب الأيام وسيرة التاريخ تخبرنا أن دوام الحال من المحال.

منطق التجزئة يريد اختراع عقيدة جديدة له تناسب وتبرر عجزه، وهو يتهم الأيديولوجيات الظلامية ويعمى عن المجرم الحقيقي الذي هجم علينا ودمر حياتنا، وفشل الضحية في رد العدوان ليس مبرراً للاستسلام وترك أدوات النجاح نحو الانبطاح الكلي، منطق التجزئة من الطبيعي أن يتلاءم مع السيد الاستعماري الذي أوجده وهذا واضح من طرحه المؤدي إلى استفراد المجرم بضحيته، ولكن ما غفل عنه أن هذا المنطق من الممكن أن يوجه ضد كيان التجزئة نفسه نحو مزيد من تجزئته إذا رغب السيد الاستعماري وحينئذ ستوظف نفس المفردات “كالأيديولوجيات الظلامية” وسيقال، كما حدث فعلاً: لماذا يتمتع ابن شمال السودان بنفط جنوبه؟ ففصلوا الجنوب عن الشمال بعدما فصلوا السودان عن مصر ثم صوروا أن الانفصال بين شماله وجنوبه هو الدواء الشافي لكل الأمراض الجنوبية، ولكن هذا لم يحدث للأسف ودخل الجنوب في دوامة جديدة من الصراعات الدموية، ونفس المنطق يرفع اليوم في اليمن والعراق وسوريا، وقد يقال مستقبلاً لماذا يتمتع ابن الحجاز بنفط المنطقة الشرقية؟ وحتى في الكيانات الصغيرة: لماذا يتمتع ابن مدينة الكويت بنفط مدينة الأحمدي؟ من حق ابن الأحمدي أن يتمتع بثروته وحده، وهو نفس منطق الهويات الفرعية الذي استخدم في اقتطاع الدول الحالية من دولة الخلافة، وهذا ما حدث في السودان عندما فصل عن مصر ثم في جنوب السودان ضد السودان وما يخبأ للعراق واليمن وسوريا، وبنفس الأداة دائماً: حق تقرير المصير، وهي أداة من الغريب أنها لا تعمل في أي دولة غربية، ليس لأن مواطني الغرب ملائكة متحابون بل لأن الأنظمة لا تقبل بهذه الخدعة التي تفتت بها غيرها منذ الدرس القاسي الذي تلقاه الانفصاليون في الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) التي فاق عدد قتلاها عدد القتلى الأمريكيين في جميع حروب أمريكا الدولية بما فيها الحربان الكبريان، وقبلها وبعدها كل المآسي التي أصابت السكان الأصليين والأقليات في العالم الغربي: من أمريكا وكندا وأستراليا والكيان الصهيوني إلى فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، ثم يقولون لنا: دعونا من “الأيديولوجيات الظلامية” وليتبع كل منا مصلحته، ولكن حينئذ سنرى أن مصالح العالم كله في التكتل ومصالحنا وحدها في الشرذمة، الغريب أن دعاة تقليد الغرب هؤلاء لا يقلدونه في الوحدة التي تغلب على كل كياناته، فهل العقل الذي يزعمونه ضد الوحدة؟ فلماذا يتحد الغربيون إذن؟ ولماذا يشذون هم عن الغرب في موضوع الوحدة بالذات؟ أليس لأن مصالح الغرب في شرذمتنا؟ ومن هو المستفيد من تفرقنا؟ ومن الذي صنع الكيانات التي يحامون عن استقلالها؟ أليس المستعمر؟ إذن “الاستقلال” يقع في نفس الحفرة التي هرب منها وهي التبعية وموالاة الخارج، ولكن بدلاً من موالاة الأخ سنوالي عدونا في النهاية، ولو أحسنوا التقليد لصنعوا كيانات كبرى على شاكلة الغرب ولكن هيهات فلن يسمح لهم سيدهم.

هم ينفذون أوامر الغرب ومصالحه لا مصالحنا الحقيقية، من الذي تكون مصلحته في الغربة عمن حوله؟ ومتى كانت الوحدة ضد المصلحة؟ هؤلاء يناقضون الفطرة البشرية التي تقول تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً وإذا تفرقت تكسرت آحاداً، هل مصلحة فلسطين هي التفرد والبعد عن الإخوة؟ وماذا سينجز الفلسطيني وحده؟ ألا تكفي تجارب السنين العجاف التي نقلتنا مما يسمونه “وصاية” الأخ إلى وصاية العدو؟

نعم هل يستطيع الشعب الفلسطيني أن يحل مشكلته وحده كما يزعمون؟ إن القرار الفلسطيني “المستقل” هو الذي وقع في أسر الاحتلال وصار سلطة تابعة للمستعمر الإسرائيلي بحجة “استقلال” الرأي، وأصحاب هذا المنطق يزعمون أنهم ضد الاحتلال ولكن كل كلامهم يؤدي إلى الاتفاق مع المحتل والاستسلام لواقعه والانسلاخ عن محيط الأمة، وهذا ما وقع بالفعل، وهل يسعفنا التاريخ بمثل واحد عن شعب صغير بحجم شعب فلسطين انتصر وحده على عدو ضخم بحجم الصهاينة والغرب من ورائهم؟

الفلسطينيون وحدهم لن يستطيعوا الحصول إلا على الاستسلام وهذا ما ثبت بالتجربة، لماذا يريدون فصلهم عن أمتهم في الوقت الذي يستعين فيه الصهاينة بالدعم الأمريكي والغربي كله، لماذا حلال عليهم وحرام علينا؟ وإذا كانت قوة أمريكا هي التي تجعلنا نستسلم لها فلماذا لا نبني قوتنا الخاصة ونفرض حقوقنا كما يفرضون باطلهم بدلاً من الاستسلام للحظة نعيش فيها في قعر التاريخ؟ التاريخ لن يجمد عند لحظة معينة وإذا كانوا هم الأقوياء اليوم فالأيام دول ومن يظن أن لحظته ستستمر ويبني عليها كل برامجه فهو واهم ولا ينظر أبعد من أنفه.

النصيحة التي يقدمها هذا المنطق تشبه نصيحة يقدمها أحدهم لمن يريد عبور غابة موحشة فيقول له اعبرها وحيداً لأن هذا أفضل من عبورها مع إخوتك وزملائك فهؤلاء ليسوا أوصياء عليك ومن الأفضل أن تكون بمفردك في مواجهة الوحوش! فمن الذي سيستمع إلى هذه “النصيحة” المخالفة للفطرة والعقل والبديهة إلا من يعمل لصالح وحوش الغابة ويريد أن يقدم لها وجبة سهلة المنال؟

وهذا لا يعني أن سلوك الإخوة في زمننا مثالي وأنهم يسعون لتحرير فلسطين ولم يتخذوا منها شعاراً ومبرراً لاستبدادهم وفسادهم، نعم هناك كثير من الشكوى والمرارة منهم، ولكن عندما يكون حال الأمة سلبياً يصبح الطلب البديهي من الجميع هو إصلاح هذا الحال وليس مخاطبة الفلسطينيين وحدهم بالانسلاخ من الأمة والارتماء تحت أقدام الأعداء لأن هذا سيزيد الوضع تفاقماً ولن يحله أو يأتي بالمن والسلوى لنا كما يحاولون التصوير، ولن يكون انتزاع الحق من العدو عندما نواجهه منفردين أسهل منالاً من إصلاح حال أمتنا.

من يدعي الاهتمام بمصلحة الفلسطينيين عليه أن يطالب برفع الوصاية الصهيونية عنهم وليس ما يزعمه وصاية إخوتهم، ولا أن يتحدث بمنطق لا يصدقه عاقل وهو أن الفلسطينيين لو ذهبوا وحدهم في مواجهة عدوهم المدعوم من العالم الغربي كله سيكون رؤوفاً بهم ويتنازل لهم عن حقوقهم بطيبة نفس، وكون “وصاية” الإخوة سلبية الآن لا يعني أن الحل بوصاية الأعداء، ويجب أن نتذكر دائماً أن الفشل في حل قضية فلسطين وتحريرها لم يكن بسبب تدخل الإخوة، أو ما يسمى وصايتهم على القضية، بل بسبب فشل هذا التدخل غير الفاعل وانحراف أهدافه وعجز أساليبه، ومن المشكوك فيه أصلاً أن المتحدث بالمنطق المذكور هدفه هو حل قضية فلسطين بتحريرها وعودتها إلى أصحابها لا سيما أن العدو هو الطرف الأقوى الذي يستطيع فرض إرادته بسهولة على طرف ضعيف كشعب فلسطين، والغالب أن هذا هو المطلوب عند هؤلاء لأن “نصيحتهم” لا تؤدي إلى أي استرجاع للحقوق.

 

 


قراءة في الاقتصاد التقليدي قبل النفط مقارنة باقتصاد طفرة “الحداثة” محمد شعبان صوان

4 أغسطس 2016

 

بعد اكتشاف النفط في بعض الدول العربية مرت بطفرة تحديث نقلتها نقلة نوعية في مستويات المعيشة حتى أنها أصبحت ذات تصنيف اقتصادي مستقل لا ينتمي لدول العالم الصناعي ولكنه أيضاً لا ينتمي إلى دول العالم الثالث ، وأصبحت الحياة في هذه الدول حلماً جميلاً يراود الملايين، منهم من أصبح ذلك عندهم أملاً متحققاً ومنهم من ظل لديه خيالاً وردياً يداعب أذهانهم، أما أهل هذه البلاد فقد عدوا أنفسهم مخصوصين بنعمة إلهية دعوا الله ألا يغيرها ، وأما دول الغرب فقد عدت هذه النعمة خطأ جيولوجياً ارتكبه الرب بوضع هذه الثروة الهائلة في حوزة متخلفين لا يستحقونها لأنهم لا يعرفون كيف يستفيدون منها على غرار حضارة الغرب التي يسير النفط في شرايينها كالدم في الكائن الحي.

اهتمام هذا المقال هو توضيح أن الاقتصاد الذي سبق النفط  لم يكن اقتصاداً متخلفاً رغم أن منتجاته لم تكن تضاهي منتجات الثورة الصناعية في الغرب، فاحتواؤه على عنصر الاعتماد على النفس في تدبير شئون المعاش كان كفيلاً لو ترك ينمو وفقاً لسنن النمو الطبيعية أن يحقق لأصحابه مكاناً بين الأمم المنتجة التي تتبادل الحاجات والموارد مع غيرها دون أن تتكل اتكالاً حصرياً على إنفاق ثروة ناضبة سينتهي عهدها في يوم ما سواء كان قريباً أم بعيداً، بنضوبه أو بإيجاد بديل عنه، وليس عمره المقدر أصلاً مما يحسب في تاريخ البشر زمناً ممتداً، ولو استمر الحال القائم ستحل النهاية دون أن يتمكن ملاك هذه الثروة من انتهاز الفرصة التاريخية التي وفرتها لهم إذ لم يؤسسوا بها قاعدة إنتاجية تستمر بعد أن تجف حنفية النفط، ومازال بريق الاستهلاك المفرط والنعيم المصاحب له والاستقرار الذي يوفره الرضا الدولي عن كياناته كل ذلك مما يعمي الأبصار عن هول المصير الذي ستؤول إليه الأوضاع القائمة التي تكتفي حالياً بترديد أدعية صد الحسد والغيرة.

  • “الاقتصاد الكويتي القديم”

يطالعنا كتاب “الاقتصاد الكويتي القديم” (1987) للأستاذ المؤرخ عادل محمد العبد المغني وهو مرجع موثق بعدة مصادر ومراجع هامة، بالمميزات التالية لاقتصاد الكويت قبل النفط عندما كانت مجرد بلدة وصفت أحياناً بكونها قرية على ساحل الخليج:

1-   الاعتماد على الذات في توفير الغذاء من صيد البر والبحر: أدى فقر البيئة الصحراوية في الكويت إلى اتجاه أهلها نحو البحر، فكان السمك هو غذاءهم الرئيس ، وللحصول عليه قاموا ببناء سفن خاصة بالصيد بالإضافة إلى أدواته الأخرى (ص 65) وألحق بصيد البحر صيد البر ورعيه من لحوم وألبان ومشتقاتها ما كان يؤدي دوراً هاماً في الاقتصاد القديم (ص 207)، والملاحظ على عملية الاستيراد التي كانت تضم من الأغذية بشكل رئيس الأرز والبلح والرطب والقمح والبن والشعير والسكر أن أكثرها كانت تفوق حاجة الكويت ولهذا يعاد تصديرها مرة أخرى (ص 157).

2-   الاعتماد على العمل الشاق في تأمين موارد الحياة من البيئة المحلية : نتيجة لفقر البيئة البرية اعتمد أهل الكويت قديماً على البيئة البحرية، كان البحر كل شيء بالنسبة لهم، وكان صيد اللؤلؤ هو حرفتهم الرئيسة، وكان معظمهم يعملون في هذه الحرفة التي لم تكن هزيلة ودرت “عائدات ضخمة” بالنسبة لزمنها، ولكنها كانت تقتضي عملاً شاقاً يحبس البحارة لثلاثة أو أربعة أشهر في عرض البحر مواجهين كل أخطاره من رياح وأمواج وأسماك مفترسة وسامة، ولا يكون الخروج محصوراً بفترة زمنية واحدة متواصلة بل يسبقها ويلحقها فترات أخرى أصغر زمنياً (ص 41- 44).

3-   الاكتفاء الذاتي حتى في زراعة الغذاء : ومما يثير العجب والإعجاب معاً هو كثرة المساحات الواسعة المروية بالأمطار ومياه الآبار والمزروعة بشتى أنواع الخضروات والنخيل والحبوب بما يفيض عن حاجة السكان المحليين (ص 185)، وقد اشتهرت عدة مناطق بالزراعة في الكويت أهمها جزيرة فيلكا وقرية الجهراء والفنطاس بالإضافة إلى قرى الشعيبة والفحيحيل والمنقف وحولي (ص 183) ، وأن المحاصيل شملت التمور والطماطم والشمام والبطيخ، وكان البطيخ الكويتي من أحسن أنواع البطيخ حلاوة وطيب رائحة (ص 194)، والفول والبامية والباذنجان والقرع الأخضر والبصل والثوم والفلفل والخيار والفجل والجزر، وكانت زراعة الخضراوات واسعة الانتشار ومنتظمة (ص 189) بالإضافة إلى القمح والشعير، وأحياناً كان القمح يفيض عن الحاجة فيقدم علفاً للماشية (ص 191)، وعموماً فإن المحاصيل الكويتية كانت تتميز بجودتها وتلقى إقبالاً شديداً إلى درجة أن أسعارها كانت تفوق أسعار المزروعات المستوردة (ص 185).

ويجب أن نتذكر دائماً أن هذا تم رغم الطبيعة الصحراوية لأرض الكويت ومناخها القاسي، وإذا كان الاكتفاء حدث في السابق بسبب كفاية الأرض لعدد السكان القليل فإن التطور الطبيعي هو أن يستمر الاكتفاء مع تطور وسائل الاستصلاح وزيادة رأس المال رغم تزايد السكان ولم يكن هناك عائق في ظل وفرة الاستيراد المنفلت الذي لا يترك شاردة ولا واردة مما لا فائدة منه إلا واستحضرها فمن باب أولى أن يتم المحافظة على الاكتفاء باستجلاب ما يفيد، فيمكن تحويل البيئة الصحراوية إلى بيئة زراعية بحيث تكفي السوق المحلي، فالماء يمكن الحصول عليه والتربة ممكنة الاستصلاح والخبرة الزراعية متوفرة والأيدي العاملة سهلة التوفر ورأس المال موجود، فلا ينقص سوى النية والتنفيذ (ص 183) .

“وهكذا كانت الزراعة قديماً عندنا وحقاً قد كانت ذات أثر كبير على الاقتصاد الوطني-إذ كانت الكويت تنتج وتستهلك وتسوق محلياً، ولقد كان الإنتاج كافياً عكس الوقت الحاضر إذ تستورد الكويت من جميع أنحاء العالم من حبوب وخضار وفاكهة” (ص 197).

4-   الاعتماد على الذات في صناعة وسائل الإنتاج : دفعت البيئة الصحراوية أهل الكويت إلى التوجه نحو البحر (ص 65 و 183)، ولكن قلة الموارد لم تحل دون اهتمام الكويتيين بالصناعة اهتماماً بالغا رغم بساطتها مقارنة بالصناعة الحديثة ولكن كل عصر يقاس بمتطلباته (ص 87)، صناعة السفن (ص 88) كانت تتوزع بين سفن صيد اللؤلؤ وسفن النقل البحري وسفن التجارة وسفن صيد الأسماك وهي حاجات المجتمع الرئيسة في ذلك الوقت، وكان الصناع من نجارين وحدادين مهرة جداً وتمكنوا من صناعة سفن كبيرة ومشهورة بمتانتها وقوتها وصلت إلى الهند وشرق إفريقيا ما أكسب الكويتيين مهارات بحرية ومعارف جوية عن أحوال الطقس واتجاهات الرياح وارتفاع الموج والأنواء البحرية وهو ما يجعل وصف هذا المجتمع بالتخلف والأمية ليس دقيقاً ، وكانت السفن تصنع في أحواض بلغ عددها الثلاثين على ساحل مدينة الكويت وتراوحت حمولة السفينة بين 75- 750 طناً (ص 92-95) ، وكان عدد البحارة يتراوح بين 5-70 بحاراً على السفينة الواحدة (ص 43) .

وفي بداية القرن العشرين تراوح الإنتاج السنوي في صناعة السفن بين عشرين وخمس وعشرين سفينة (ص 93) ووصل عدد السفن الكويتية في سنة 1765 إلى 800 سفينة وتضاعف هذا العدد سنة 1833 فبلغ 1500 سفينة (ص 172) حتى وصل الأمر إلى اشتراك الكويت في الحملات العثمانية ضد أعداء الدولة في محيطها الجغرافي مثل البصرة والإحساء والمحمرة كما استعان والي بغداد سنة 1219 (حوالي 1804) بسفن الكويت لجلب الأخشاب من الهند مع وجوب التذكر أن الكويت كانت في تلك الفترة مجرد قرية صغيرة بتعبير الأستاذ سيف مرزوق الشملان[1]، ومع ذلك ذكر أحد تقارير شركة الهند الشرقية أن أسطول السفن الكويتية ينافس أسطول الشركة العملاقة (ص 172) فكيف يمكن مضاهاة هذا الإنجاز بمقاييس اليوم؟ وهذا الدور المذكور يكشف عن الطاقات الهائلة التي برزت في ذلك العصر وصنعت الكثير من شبه العدم وهو ما لا يتناسب مع الوصف الدارج للمجتمع التقليدي بالتخلف والأمية.

وبالإضافة إلى صناعة السفن بصفتها وسائل الإنتاج في ذلك الزمن كان هناك أيضاً صناعة الشباك وأدوات الصيد وهي صناعة ذات أهمية كبيرة بسبب اعتماد أهل الكويت على غذاء البحر وكان عدد المشتغلين بها كبيراً (ص 101).

5-   الاعتماد على الذات في صناعة متطلبات الحياة اليومية: “كانت الصناعة قبل اكتشاف البترول تمثل نصيباً كبيراً من الاقتصاد الوطني وذلك لما بها من أهمية بالغة الأثر” (ص 87)، وإلى جانب وسائل الإنتاج المتعلقة بالبحر كالسفن وأدوات الصيد، وجدنا صناعات تتعلق بمتطلبات الحياة الرئيسة ولا تترك ثغرة إلا وساهمت في سدها مثل صناعة الغزل والنسيج والحياكة وهي صناعة تكفي السوق المحلي وبعضها يعتمد على استيراد الغزل من العراق وإيران وبعضها يعتمد على غزل البادية الكويتية  (ص 97)، وهناك صناعة الخيام وبيوت الشعر وصناعة البسط والحصر (ص 99-101) والصناعات المرتبطة بالحدادة كصناعة السكاكين والمطارق وأدوات الهدم والبناء والمسامير والحدوات وهناك أيضاً الصناعات النحاسية كالأباريق والقدور ، وهي صناعات كانت تكفي الاستهلاك المحلي وتفيض عن حاجته فتصدر إلى الخارج (ص 105-106).

ولدينا أيضاً صناعات الزينة كالذهب واللؤلؤ والفضة بمختلف الحلي كالخواتم والقلائد والخلاخيل والحلقان، ومن الصناعات المعدنية كذلك صناعة الأسلحة ولم يكن الأمر مقتصراً على السيوف والخناجر بل وجدنا صناعة بعض أجزاء البنادق وصيانتها (ص 106-109) وهي حقيقة لا تتناسب مع الصورة المشوهة التي انطبعت في أذهاننا عن “تخلف” الاقتصاد التقليدي.

وهناك أيضأ الصناعات الجلدية لتوفير قرب حيث كانت هي الوسيلة الوحيدة لنقل الماء وحفظ اللبن ، وصناعة النعل والأحذية وسروج الخيل والأحزمة وأقنعة الصقور (ص 109).

وكانت صناعة البناء تستمد موادها الأولية من البيئة المحلية إلا الأخشاب التي كانت تجلب من الهند (ص 110-112).

وهناك صناعات طحن الحبوب والصابون ونسخ الكتب وهي في المجمل صناعات كانت تفي بحاجة السوق المحلي، والسؤال هو كيف كان “التخلف” المزعوم يفي بحاجة أصحابه ثم تعجز “الحداثة” و”التقدم” و”التطور” عن ذلك؟ وكيف يمكننا قبول أن يتمكن الطفل من الاعتماد على ذاته ولما يبلغ سن الرشد يصبح عالة على كل من حوله؟

6-   التطور المعيشي : لقد وجدنا أن الحياة لم تكن ساكنة وهناك مظاهر تطور في إشباع حاجاتها تؤكد أن المجتمع لم يكن راكداً، فقد تطور بناء السفن وتم تصنيع أحجام أكبر بعدما قامت الحاجة إليها (ص 146) وتطورت باستمرار مع مرور الزمن (ص 173)، وكان لدينا صناعة أجزاء البنادق وصيانتها (ص 109) ، وظهر مصنع الأحذية سنة 1942 لإنتاج أجود الأحذية الرجالية وأجملها وأخذ يعرضها على واجهة المعمل متحدياً بذلك الصناعة الغربية حتى لقي إقبالاً كبيراً (ص 109) وصناعة الصابون بدءاً من 1934 التي كانت تصدر للبلدان المجاورة ولم تستمر هذه الصناعة بسبب عدم توافر المواد الأولية (ص 113) ولكن تدبير هذه المواد كان ممكنا جدا بالتكامل الاقتصادي مع بلدان المنطقة وهو ما افتقدته بلادنا منذ حلول عصر التجزئة، والخطوة العملاقة كانت ستحل لو وصل قطار الشرق السريع إلى الكويت لتصبح نهاية طريق عالمي يبدأ ببرلين ويمر بعواصم أوروبا ثم بعاصمة الخلافة فالأناضول فسوريا فالعراق إلى بغداد والبصرة ثم الكويت أخيراً، ولسنا بحاجة لخيال واسع كي نتصور التطور الذي كان سيحدث لو تم هذا المشروع قبل النفط بنصف قرن وكيف كان النفط سيضخ الدم في شرايينه دون أن يكون مصدر الحياة الوحيد، ولكن التآمر الاستعماري والبريطاني على وجه الخصوص دمر أحلام بلادنا لتلبية مصالح الأغراب.

  • لماذا توقفت المسيرة الصناعية؟

نظرة في الأسباب المذكورة (ص 97 و 109 و 115):

تطالعنا أسباب اضمحلال الصناعة على عدة مشاكل ترجع إلى ثلاثة أسباب رئيسة هي اكتشاف النفط وسهولة المعيشة التي جلبها ما أزال الحاجة للعمل الشاق في سبيل المعيشة من جهة ومنافسة الصناعات الأجنبية التي سهل الحصول عليها فرفعت مستوى التوقعات من جهة أخرى، وغياب أي خطة رسمية أو قرار سياسي  للمحافظة على الصناعة أو تجديدها أو إحيائها وهذا السبب مرتبط بضعف بنية دولة التجزئة عموماً وقلة إمكاناتها المتعلقة بتوفير المتطلبات اللازمة لإنشاء أية صناعة بعيداً عن تكاملها مع محيطها كالسوق الواسع والأيدي العاملة والموارد الأولية ورأس المال ، بل سنجد أن بعض هذه العوامل يتم توفيرها أو توفير ما يزيد عليها دون القدرة على حسن استخدامها نتيجة خضوع حكومات التجزئة لقرارات أجنبية تحظر عليها السير في طريق التطور الصناعي الذاتي لتبقى أسواقاً للصناعات الغربية، وأية أسباب أخرى لم تكن قادرة على زعزعة الصناعة دون تلك الأسباب ، فقلة الموارد الأولية كان يمكن تعويضها من الخارج كما كان يحدث دائماً ، ولم تقف قلة الموارد حائلاً دون سير كثير من الأمم في عملية التصنيع كأوروبا التي تفتقد أهم رافد لها وهو النفط فضلاً عن بقية الخامات، ولا يمكننا زعم إمكان توفير الصناعات الجاهزة التي لا تتوفر لدينا والادعاء في نفس الوقت بعدم إمكان توفير المواد الأولية التي هي أرخص ثمناً قبل تصنيعها، وبشيء من التكامل فإن بلادنا تملك من الموارد ما تعجز أعتى الأمم الصناعية عن توفيره، ونفس الكلام ينطبق على زعم قلة الأيدي العاملة التي تم توفير مئات الآلاف منها للخدمات غير المنتجة فلماذا لا تتوفر الأيدي المنتجة لاسيما مع شيوع البطالة والبطالة المقنعة، أما كون الحرف غير متقنة نتيجة توارثها فهذا لم يكن سبباً للتخلي عنها قبل ظهور النفط وكل ما في الأمر أن الصناعة الأجنبية التي سبق الغرب إليها منذ الثورة الصناعية رفعت مستوى المطالب الذوقية ، وبهذا يتبين أن العوامل الحاسمة في اضمحلال الصناعة المحلية هي الأسباب الثلاثة آنفة الذكر.

ونلاحظ أن أثر ظهور النفط لم يكن سلبياً على الصناعة فقط، إذ كان سلبياً على استخراج اللؤلؤ مصدر الحياة الرئيس (ص 41)، ولكن إذا كانت المشكلة في ظهور اللؤلؤ الياباني الصناعي، فكيف نفسر تراجع نسبة الزراعة التي كانت تكفي الاستهلاك المحلي؟ أليس هذا دليلاً على أن قيمة العمل هي التي ضربت بسهولة الكسب السريع بدلاً من كون النفط حافزاً على مزيد من العمل لاستخراج طاقاته المعيشية الهائلة من غير جرد البيع ؟

 

وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث ليس في التقدم الذي أحرزته الحواضر الكبرى في بلادنا سواء إلى ما قبل وصول نتائج الثورة الصناعية إلى المشرق (إذ كانت صناعاتنا وبضائعنا تضاهي الصناعات الغربية وتنافسها حتى بداية القرن 19 أو منتصفه[2]) أو حتى بعد محاولة محاكاة نتائج هذه الثورة (محاولات النهوض العثماني وما بعدها كما في دراسة : سياسات آخر أيام الخلافة ، ودراسة: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا 1 و 2)، بل إن هذا البحث عن اقتصاد الأطراف البعيدة التي طالما وصفت بالتخلف والركود والأمية .

ويتبين أن المشكلة لم تكن في تخلفنا بل في قطع الطرق التي سلكناها، وإذا كانت بعض البقاع قد عانت من التدخلات المسلحة لتحطيم المنجزات (دراسة: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا 1 و 2)، فإننا لا يمكننا أن نعد النهب الدولي لثروات البقاع الأخرى تكريماً أو تأميناً لمستقبلها والحاصل هو عدم أو هدم الفرص الطبيعية لتطورها وتكاملها.

وأرى أن المقارنة بين ما كان قائماً زمن الاقتصاد التقليدي وما جلبته “الحداثة” كالفرق بين خطّاب الفتاة: هناك من يعرف علماً أو صنعة ويكافح من أول الطريق ليبني مستقبله على أساس جهده واكتفائه ومعرفته التي تصلح لازدهاره أينما حل، وهو في بداية حياته العملية ليس ثرياً ولكنه جاد ومجتهد، وهناك من ورث مالاً كثيراً ولكنه لا يحسن صنعة ولا علماً فلا بد أن ينفد ماله يوماً رغم مظاهر الوفرة التي تحيط بحياته وتبهر الناس حوله وربما فضلوه على المتعلم العصامي المجتهد، في حين أنه لا يقوم بأي جهد لتأمين مستقبله ويكتفي بالإنفاق من المال الوفير وبقراءة المعوذتين لصد العيون الحسودة عن نعمته حتى لا يتغير حاله.

وهذه ليست دعوة للعودة إلى الغوص على اللؤلؤ ولا هي حنين إلى ماض مثالي بل هو دق لناقوس التنبيه أننا لم نعرف كيف نتصرف بمواردنا الهائلة رغم أن أسلافنا برعوا في استغلال مواردهم القليلة وصنعوا منها ما لو أردنا مقاربة نسبته لظل اقتصادنا في هذا الزمن معتمداً على جهدنا وفقاً لوفرة الموارد حالياً لا لشحها فيما سبق، أي أن المطلوب منا هو إعادة الحياة للطاقات الهائلة التي صنعت من القليل جداً كثيراً جداً، وإحياء القيم السابقة التي سيرت حياتنا في الماضي وجعلتنا نعتمد على أنفسنا ونطور أدواتنا ونكتفي بإنتاجنا ونمارس العمل الشاق في حياتنا هذا هو المطلوب بالتحديد وليس العودة إلى فرش الحصير، ومحل استنكار هذا البحث أن يكون النفط سبباً في انقراض الأسطول التجاري واضمحلاله وانصراف الناس عن المهن البحرية والحرف اليدوية القديمة التي قام عليها الاقتصاد القديم (ص 174) دون أن يتبع ذلك ببناء مستقل جديد محله يتناسب مع الإمكانات الضخمة التي استجدت، وكأن منطق هذا التحول هو أن يكون الفرد مستقلاً ومعتمداً على ذاته ومنفقاً على أسرته وهو لم يزل في سن الطفولة، فلما كبر وبلغ سن الرشد وكبرت إمكاناته أصبح كسولاً وعالة على غيره في كل شئون حياته بدلاً من تطوير قدراته الفذة التي ظهرت مطالعها منذ الصغر، وكأن السلاح الذي أصبح بيده بعدما نضج طعن به نفسه أو خدر به حركته بدلاً من عدوه.

المجتمع الذي وصف بالأمية والركود والتخلف كانت أطرافه القصية تعتمد على أنفسها وتصنع حاجياتها وتزرع طعامها رغم شح الموارد وقسوة الظروف، ولم تكن الأمية تعني التراخي والكسل فقد كانت الصناعة لا تعتمد على الشهادات الدراسية أو المعاهد الصناعية بل كانت خبرة يتوارثها الأبناء عن الآباء (ص 87) ونتج عنها سد متطلبات الحياة (ص 113) ، أما المجتمع الذي وصف بالعلم والنهوض فإنه يعجز رغم كثرة الشهادات عن صناعة أقل حاجياته شأناً وعن زراعة ما كان متوفراً في أرضه أصلاً، ووجدنا أن ظواهر الكسل والاتكالية والتراخي والبدانة والأمراض الناتجة عنها تظهر في المجتمع الحديث المتطور المتعلم، وفي المحصلة لا نرى المجتمع التقليدي حتى في الأطراف أبعد تقنياً عن عصره من المجتمع “الحديث” عن عصره هو إلا إذا عددنا شراء المعدات واستعمالها حداثة ولو دون أي سبر لأغوارها أو فهم لأسرارها أو قدرة على التعامل بكفاءة معها مع الحاجة المستمرة للاستعانة بالمرجعية التقنية الأجنبية.

ولعل أوضح الأمثلة مثال الاكتفاء الذاتي المزعوم في تأمين رغيف العيش والأغذية الرئيسة في المجتمع النفطي الحديث حيث يزعم أن شركات المخابز الكبرى توفر الأمن الغذائي، ولكن كيف يستقيم هذا الزعم مع الاعتراف أن القمح مستورد وآلات صناعة الدقيق ومشتقاته مستوردة وفق نظام تسليم المفتاح حيث لا مكان لأي جهد محلي في تصنيعها وإدارتها وصيانتها، فمن أين أتى الأمن إذن؟

  • المعجزة الاقتصادية الأسطورية في زمن الحداثة

جاء في كتاب “معضلة التنمية الاستعمارية: نظرات في دعاوى إيجابيات الاستعمار”[3]: لا يملك الكتاب الغربيون إلا التعبير عن الانبهار عند الحديث عن الكويت وثروتها وتطورها[4]، فقد قال الكاتب الفرنسي جان جاك بيربي تحت عنوان “الكويت الأسطورية” في كتابه “جزيرة العرب” الذي ألفه في نهاية العقد السادس من القرن العشرين أي بعد العدوان الثلاثي وقبل استقلال الإمارة عن بريطانيا: “الكويت هي أشهر إمارات الخليج العربي على الإطلاق، وثروتها البترولية الهائلة وتطورها بالغ السرعة يجعلان من العسير، إن لم يكن من المستحيل، التحدث عنها دون استعمال ألفاظ التفضيل والمبالغة (أي أغنى وأكبر وأكثر وأعلى…إلخ) : لقد غمرت الثروة الكويت كالوباء، ولم ينج شخص تقريباً من غنغرينا الذهب، والأساطير العربية المذهلة تبدو هزيلة باهتة، ومغامرات علاء الدين عقيمة صغيرة أمام “المعجزة” الكويتية، وقد جمع أميرها، المهراجا الحديث ، عام 1956 بالدولار والسترليني ما يوازي أربعمائة مليون فرنك يومياً (هكذا في الأصل)، وإنتاج البترول ينتظر أن يزيد ثلاثة أضعاف في السنوات الخمس القادمة، إن مساحة الكويت أصغر بمئة مرة، من مساحة العربية السعودية ومع ذلك تنافسها على المركز الأول في احتياطي بترول العالم” ثم يروي طرفة فريدة شاعت في زمنه عن العثور على النفط فيها كلما حُفر بئر للعثور على الماء، ومهما كانت حقيقة هذه القصة “فهي توجز حكاية الكويت وطن الذهب الأسود الأسطوري، الذي لم يعد يعيش إلا بالبترول ومن أجل البترول، وحول مرفأ طبيعي صغير على الخليج الهادئ الأزرق، تحول البحارة اليائسون، وصيادو السمك في ظرف عشر سنوات، إلى تجار، ومقاولي بناء، ورجال أعمال، وأصحاب الكفايات المحدودة منهم يعملون لحساب الشركات البترولية أو الشركات الخاصة بأجور خيالية، ومدينة الكويت العاصمة القديمة هُدمت كلها تقريباً وأُقيم مكانها مدينة حديثة بأبنية بيضاء فخمة، وشوارع عريضة مستقيمة، وعلى الشوارع العريضة الجميلة المزفتة التي حلت محل طرقات القوافل القديمة، تسير متهادية سيارات البويك والكاديلاك التي أرغمت الكويتي على أن ينسى الجمل، والماء العذب هذا السائل النادر الثمين، الذي كان يستورد من العراق، يسيل الآن من الحنفيات المنكلة في بيوت مكيفة بالهواء، واللافتات الضوئية التي تفترس الليل بأنيابها مختلفة الألوان تذكر بمحطة سان لازار أو بيكاديللي أكثر مما تذكر بسوق شرقي، لقد جعلت الظروف الاستثنائية، الكويت أكثر بلدان الشرق الأوسط تقدماً، وفيه تحدث تجربة اجتماعية خيالية يعيش فيها الإنسان خلال بضع سنوات عصوراً طويلة من التطور”.

وتحت عنوان “التقدم الخيالي” يقول بيربي إن الكويت أنتجت في سنة 1956، 55 مليون طن رغم هبوط الإنتاج بسبب أزمة السويس وقد جلبت هذه الكمية مبلغ 300 مليون دولار للأمير بالإضافة إلى إيجار وعائدات المنطقة المحايدة” وتطلعت شركة نفط الكويت إلى زيادة الإنتاج بحلول سنة 1962 إلى 180 مليون طن “أي ما يوازي إنتاج الشرق الأوسط لعام 1956 بأسره”، وتستبدل الكويت الغنية بذهبها الأسود منتجات مختلفة زاد حجمها بمرور الزمن “وتقتسم الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا القسم الأكبر من هذه المبيعات المختلفة”.

وتحت عنوان “الدولة المثال” تحدث عن “التطورات المذهلة التي تحصل في الكويت” وعن قرار الأمير عبد الله السالم بجعل إمارته مثالاً للدولة الحديثة، فقد أنفق القسم الأكبر من العائدات في مشروعات ضخمة أحدثت انقلابات في مستوى معيشة الكويتيين، ووُفّق ولكن بتكاليف باهظة إلى أن يجعل عاصمته أحدث عاصمة في العالم “بعد أن أمر ببنائها من جديد وزودها بشوارع وطرقات وميناء ومطار ومستشفيات ومدارس وشبكات لتوزيع المياه العذبة والغاز والكهرباء ومجارير وتكييف هواء ، وبهذه الوسائل حول المدينة الصغيرة القديمة الفقيرة القائمة على الرمال إلى جنة في منطقة الخليج” وأصبحت مضرب المثل في التقدم الصحي وانتشر التعليم فيها مجاناً كالخدمات الصحية.

ويرد على توقعات الثورة سنة 1957 بالقول إن الكويتيين “مشغولون دائماً بالأعمال وجمع المال، لذلك لم يعيروا كبير اهتمام مغريات القومية العربية”، وإذا كانت ستقوم ثورة فضد من؟ وتؤكد المؤرخة الأمريكية مريم جويس أن كثيراً من مؤيدي الرئيس جمال عبد الناصر في الكويت صاروا في تلك الفترة “محررين من السحر والوهم، لقد أدركوا أن مشاركتهم في وحدة عربية واسعة سيترتب عليها تضحيات اقتصادية كبيرة” وقد “كان الكويتيون يرفلون بنعمة وراحة لا تجعلهم يتحمسون للوحدة العربية”، مما جعل السفارة البريطانية في الكويت تقوّم الوضع فيها سنة 1960 بالقول إن بعض القوميين المتحمسين قد فتر حماسهم كثيراً في السنة الأخيرة[5]، وفي تقويم أمريكي لسنة 1962 أن دعوة القوميين العرب الكويتيين لم تهيمن على مجموع الكويتيين “كان الكثير من سكان الكويت يؤيدون مصر، لكن لم يكن لدى ناصر أي شيء يقدمه للكويت وليس متوافراً لدى الكويتيين، كان الكويتيون فوق جميع القوميين العرب الكويتيين، فهم لم يكونوا يريدون من ناصر أو من أي أحد آخر أن يهيمن على بلدهم، كانت الانتخابات تقترب، وحتى أكثر المتطرفين من القوميين العرب كانوا راضين أن يكونوا رعايا الأمير عبد الله السالم”[6]، وهذا هو نفس السبب الذي سيجعل الحماس يفتر تجاه العلاقة مع العراق كما سيأتي.

وعن الحماية البريطانية يقول بيربي إنها هي التي حمت استقلال الإمارة رغم “الغارات والهجمات والضغط الشديد من قبل العراق والسعودية سنة 1919 و 1922 و 1928” وإن بريطانيا هي التي رسمت الحدود السياسية في مؤتمر العقير سنة 1922 حين كانت البلاد العربية الأخرى كالسعودية والعراق والأردن إما تحت النفوذ البريطاني الشديد أو تحت الانتداب البريطاني، وإن حاكم الكويت يفضل “أن يبقى مستقلاً عن العراق والعربية السعودية وسائر البلدان العربية الأخرى، واليوم (1960) كما كان بالأمس، هو في أمس الحاجة إلى الحماية البريطانية ولكن هذه الحماية تحمل بذور ضعفها معها”، وقد بقي استقلاله الداخلي محافظاً عليه وعهد بالشئون الخارجية والدفاعية إلى بريطانيا الحامية.

ثم يتحدث عن الانقسام الذي قسم المجتمع الكويتي قبل النفط بين مؤيدي الحكم والحفاظ على الاستقلال من جهة و المعارضين المؤيدين للانضمام إلى العراق من جهة أخرى، لأن مطالب هذه المعارضة الاجتماعية والاقتصادية كانت تجعل “من مصلحة الكويت الفقيرة آنذاك أن تتحد مع العراق” ويجب أن نلاحظ أن الحماية البريطانية آنذاك لم تنجز شيئاً يذكر للكويت الفقيرة بعدما منعت وصول سكة بغداد إليها زمن العثمانيين، وجعلتها تفضل الهروب من هذا الواقع للانضمام إلى بلد عربي مجاور، ولكن حلول عصر النفط غيّر حسابات بريطانيا والأهالي أيضاً و “حوّل الكويت إلى بلد الأساطير والثروات والسحر، ونتيجة لهذا التطوير أصبح الطلاب (المعارضون سابقاً) رجال أعمال في وطن منظم يعطي أصدق مثال للازدهار منقطع النظير” مما جعل المشكلات السياسية ليست أساسية ومستعجلة ولكنها قد تصبح كذلك مع موجة العداء الذي يتزايد ضد بريطانيا في العالم العربي (آنذاك).

وهنا نصل إلى الثمن الذي دفعته الإمارة قبل الاستقلال للحصول على الحياة الأسطورية، وتحت عنوان “الكويت واقتصاد المملكة المتحدة” يقول بيربي إن بريطانيا تعد الإبقاء على نفوذها في الكويت “أكثر الأمور أهمية…إن الإمارة الصغيرة تزود المملكة المتحدة بنصف حاجتها من البترول، وهذا السائل الحيوي، يدفع ثمنه بالجنيهات السترلينية في الكويت، الأمر الذي يوفر على الخزينة البريطانية مبالغ طائلة من النقد النادر، وعلاوة على هذا الوفر، تزود الكويت خزينة بريطانيا بمبالغ طائلة من النقد النادر، وأرباح الأمير المحولة إلى نقد نادر تودع في مصارف لندن، وما من أحد في سوق لندن يجهل أن مجلس التوظيف الكويتي هو أفضل مشتر فردي، والأعمال الكبرى التي تنفذ في الإمارة تشترك فيها عدة شركات أجنبية أكثرها بريطانية، وشركة البترول البريطانية تملك نصف شركة بترول الكويت، لها صوت راجح فيها، تشرف عليها حكومة لندن من خلال الأسهم العائدة للأميرالية البريطانية، وأهم مصالح هذه الشركة التي توزع نشاطها في شتى أنحاء العالم متجمعة في الكويت…وفي عام 1956 بلغ إنتاج الشركة البريطانية للبترول في العالم تسعة وأربعين مليون طن، أكثر من نصفها –سبعة وعشرين مليون طن- جاءت من الكويت وحدها”.

ثم يبين “أن الخروج من هذه المنطقة غير وارد بالنسبة لبريطانيا” و”قد تحارب بضراوة الوحش المفترس الجريح للإبقاء على نفوذها ووجودها في الخليج الذي لا تستغني عن بتروله”، ولمواجهة الوضع السياسي الذي قد يحمل الكثير من المفاجآت يميل الساسة البريطانيون إلى إجراء تعديل جذري على سياستهم تجاوباً مع تطورات الأحداث والزمن، ويبدي قناعة باستحالة الاستمرار في تطبيق السياسة الاستعمارية القديمة لأن هذا الاستمرار سيعرض النفوذ البريطاني للتلاشي من المنطقة إزاء القوى الجديدة التي لم تعد بريطانيا تملك السيطرة عليها[7].

وسنجد أن بريطانيا ستنهي انسحابها العسكري من منطقة الخليج بعد عقد من الزمان من كتابة السطور السابقة ولكنها ستقوم بترتيبات تضمن بها استمرار مصالحها بعد خروج جيوشها[8]، ومن ضمن ذلك “تشجيع الكويت على الاستقلال مع الحفاظ في الوقت ذاته على العلاقة الطويلة العريقة بين البلدين” كما تقول المؤرخة الأمريكية مريم جويس[9]، وسنجد أن الملامح الرئيسة في وضع المنطقة ستستمر كالماضي ومن ذلك في موضوع حديثنا: ارتباط الاقتصاد الكويتي بالاقتصاد البريطاني ثم الأمريكي، واستمرار دفاع الغرب بعصبية عن استقلال الإمارة[10]، واستمرار اتخاذ هذا الاستقلال ذريعة للدفاع عن مصالح غربية لا علاقة للكويت بها.

وقد جاء في كتاب “السلطان والمنزل: الحياة الاقتصادية في آخر أيام الخلافة” عن الملمحين الأول والثاني أي استمرار الارتباط الاقتصادي ودفاع الغرب عن هذا الواقع :  “لقد كانت ثروات العرب منذ ظهورها في دول التجزئة رهينة للمصالح الغربية إذ لم تستطع دولة الاستقلال استثمار إمكاناتها الكبيرة في مجالها الصغير ولم يكن من الممكن في ظل ارتهان القرار السياسي للقُطرية والنزعة الأجنبية استثمار هذه الموارد في المجال العربي أو الإسلامي وذلك رغماً عن كل أحاديث الأخوة والتضامن، ومن أمثلة ذلك ما قاله الدكتور حسن علي الإبراهيم في دراسته السياسية عن الكويت أثناء حديثه عن الأزمة التي نشبت بينها وبين العراق سنة 1961: ” كان موقف المملكة المتحدة من بين الدول العظمى موقف تأييد كامل لموقف الكويت، لقد كانت مصالح المملكة المتحدة في الكويت بالغة الأهمية ” ثم ينقل عن مرجع أمريكي: ” أن الكويت تساوي حوالي بليار دولار في السنة وهي اليوم (زمن الأزمة) أكثر ما تكون أهمية للبريطانيين … إن احتياطي الكويت من الجنيهات الاسترلينية في بنك إنجلترا، حسب ما أوردته مجلة الإيكونومست البريطانية، يعادل حوالي ثلث مجموع احتياطي بريطانيا من الجنيهات الاسترلينية، وتزود الكويت بريطانيا بحوالي 38 بالمائة من حاجاتها النفطية، وتقدر الأموال الكويتية الموظفة في بريطانيا بأكثر من مئة مليون دولار في السنة، وإذا كان دخل شيخ الكويت من أرباح النفط كبيراً فإن العائدات البريطانية عائدات ضخمة أيضاً” [11].

“وعند حديثه عن الانسحاب البريطاني من الخليج ونفقات القوات البريطانية في نهاية الستينيات قال إن الدافع لانسحاب بريطانيا سياسي لأن نفقات بقاء قواتها تقارب 12 مليون دولار في السنة، ويعلق: ” إن هذا المبلغ أقل بكثير من المبالغ التي تجنيها بريطانيا من نفط الخليج ويبلغ تقديرها 500 مليون دولار في السنة” [12].

“واستمرت ثروة الكويت مرتبطة ببريطانيا والغرب عموماً حتى بعد الاستقلال ، وقد جاء في دراسة (للمؤلفة الأمريكية آنفة الذكر مريم جويس) عن الرؤية الإنجليزية الأمريكية للكويت بين 1945 – 1996: “ففي نهاية آذار / مارس من عام 1965 قدر أحد الشيوخ احتياطي الإمارة بمبلغ 400 مليون جنيه استرليني يتم استثمار نصفه في لندن والباقي في اليابان وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية” وتقارن المؤلفة هذه المبالغ بما حصل عليه المجال العربي: “وما بين يناير (كانون الثاني/ جانفي) وسبتمبر (أيلول) من عام 1965 تلقت الحكومات العربية زهاء 35 مليون جنيه استرليني من الاحتياطي الكويتي ” ثم أشارت إلى دور العوامل السياسية وحرمان حكومات عربية أخرى من ” سخاء وهبات الكويت”[13] وقد صرح السفير البريطاني في الكويت فرانك بيكر في 10/8/2011 أن “الكويت مهمة جداً لبريطانيا ، وحماية أمنها واستقرارها واجبة” [14] وكان قد قال في نوفمبر من عام 2010 إن “العلاقات الكويتية البريطانية “فريدة من نوعها عالمياً” و “إن هذه العلاقة فريدة لأنها تتجاوز مجرد السياسة والدفاع، ومن المؤكد أنه ما من بلد خارج الخليج يمتلك مثل هذه العلاقة”[15]، وأشار الناطق الرسمي باسم الحكومة البريطانيــــة في الشــرق الأوســط مارتـن داي إلى صــور من هذه العلاقـة بوجــود “استثمــارات كويتيــــة ضخمـــــة في الســـوق البريطانــي” طامعاً في المزيـــد وأن “يصل حجم التجارة المتبادلة بين الكويت وبريطانيا إلى أربعة مليارات جنيه استرليني سنوياً بحلول 2015″[16]، وهو ما أكده وزير شئون الشرق الأوسط البريطاني إليستر بيرت في 1/12/2011 [17]، وهذا ما تحقق بالفعل قبل الموعد المأمول فوصل حجم التبادل إلى أربعة مليارات في عام 2014 [18] (وبهذا نلاحظ أن تطور العلاقة مع الأجانب يفوق التوقعات أما المشاريع العربية البينية، وما أكثرها من المواصلات إلى الدفاع، فتظل حبيسة الأدراج عشرات السنين تسير في مكانها)، كما أشار وزير المالية الكويتي مصطفى الشمالي إلى أن “الكويت من أكبر الدول استثماراً في العقار ببريطانيا” [19]، وقال عمدة الحي المالي في لندن في سنة 2006 اللورد جون ستوترد إن “دولة الكويت ممثلة بقطاعها الحكومي والخاص تعتبر من أكبر المستثمرين في بريطانيا لاسيما في القطاعين المالي والعقاري إلا أنه يصعب تقدير حجم هذه الاستثمارات”[20] ، وقد قال السفير البريطاني في الكويت (2015) ماثيو لودج ان الهيئة العامة للاستثمار تعد شريكاً استثمارياً كبيراً لبريطانيا ولديها علاقات قديمة مع مدينة لندن وتعدى حجم استثماراتها 150 مليار جنيه استرليني [21]، ولهذه الأسباب كان الإنجليز يتصرفون بعصبية عندما يتعرض نفوذهم في الكويت للتهديد، وفي هذا السياق قال الرئيس جمال عبد الناصر صاحب التجارب المريرة مع بريطانيا للوفد العراقي لمحادثات الوحدة الثلاثية سنة 1963: “إنكم لا تعرفون مدى حساسية الغرب في موضوع الكويت” ثم قص على أفراد الوفد قصة عودة العلاقات المصرية البريطانية بعد أزمة السويس وطلب بريطانيا فتح خمس قنصليات لها في الجمهورية العربية المتحدة ورد المصريين بطلب فتح خمس قنصليات عربية في بريطانيا وممتلكاتها ومن ضمنها الكويت، وعندما ذكر اسم الكويت للمبعوث البريطاني  كولين كرو “انتفض كأن عقرباً لدغه وقال لنا: أبداً … كله إلا الكويت، لم يكونوا على استعداد لقبول قنصلية لنا في الكويت، فهذه بالنسبة لهم مناطق ليس فيها “هزار” (!)” ونقل الرئيس كذلك عن خروشوف سكرتير الحزب الشيوعي السوفيتي: “إن الغرب يمكن أن يدخل الحرب بسبب خوفه من أي تهديد على مصالح البترول” [22].

“ولعل هذا هو سبب التشنج البريطاني عندما اندلعت أزمة الخليج سنة 1990 التي أدت فيها رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر دور المحرض على التصدي للعراق وما قام به من ضم الكويت[23] ، ثم كانت المصالح النفطية البريطانية وراء التخطيط للإطاحة بالنظام في العراق قبل 18 شهراً من الاحتلال عام 2003 [24]”[25].

أي أننا وجدنا الدفاع الغربي عن استقلال الإمارة في عهود الاستقلال ظل كما كان في عهود الحماية البريطانية زمن الدولة العثمانية لمنع تحقيق سكة حديد بغداد، ثم في زمن مشاورات “الحلف العربي” سنة 1935 [26]، وزمن مطالبات الملك غازي[27] وزمن محاولات نوري السعيد المجهضة لضم الكويت إلى الاتحاد الهاشمي[28]، وستكون الولايات المتحدة في صف الموقف البريطاني المدافع عن الاستقلال منذ زمن الاتحاد الهاشمي الذي توجست من خطر دعمه بأموال الكويت[29] وفضلت أمريكا وبريطانيا تقديم الدعم المالي للاتحاد لإسقاط حجته بشأن الحاجة إلى أموال الكويت[30]، ثم تكرر التأييد الأمريكي لبريطانيا “إلى أقصى حد ممكن” في زمن عبد الكريم قاسم[31] واستمر إلى ما بعده (1990)[32] كما مر، وإذا كان هذا الدفاع في عهد الاستقلال لأسباب استراتيجية واقتصادية (نفط وأسواق واستثمارات)[33] فقد كان فيما سبق لأسباب استراتيجية تتعلق بسكة حديد بغداد ثم بعد ذلك بالنفط وعوائده واستثماراته.

المهم فيما سبق أن هذه الوفرة الاستهلاكية التي تمتعت بها الإمارة حققت مصلحة مادية آنية للسكان المحليين، هذا إذا كانت حياة الترف والدعة والراحة مصلحة حقيقية في تواريخ نهوض الأمم، مما جعل هذا الوضع ينطبق عليه وصف الدكتور عبد الوهاب المسيري للدول الوظيفية في الزمن المعاصر عند حديثه عن أشكال جديدة من الجماعات الوظيفية في المجتمعات الحديثة:”يمكن تحويل دولة صغيرة ليست بالضرورة استيطانية، إلى دولة وظيفية، وتتم عملية التحويل هذه عن طريق عملية رشوة لشعب هذه الدولة، بحيث يرتفع مستوى معيشته ويتزايد اعتماده على قوة خارجية تضمن بقاءه واستمراره بحيث لا يمكنه أن يحقق البقاء كدولة مستقلة دون استمرار الدعم الخارجي”[34] وذلك في سبيل تحويل هذه الدولة إلى جماعة وظيفية “تعمل لصالح النظام الاستعماري الجديد”[35]، وقد ربط الموقف البريطاني من قضية استقلال الكويت سنة 1961 بشكل واضح بين مفردات الثراء المحلي والاستقلال عن الجوار وتحقيق المصالح البريطانية وفق ما جاء في تعريف المسيري لعملية رشوة النخبة في سبيل الحصول على خدمة النظام الاستعماري، ففي تلك الأزمة ألفت الحكومة البريطانية لجنة برئاسة وزير الخارجية لاقتراح السياسة المثلى التي يتوجب اتباعها تجاه الكويت، فخلصت هذه اللجنة إلى أن التهديدات التي تواجه المصالح البريطانية في الكويت هي استحواذ العراق أو السعودية على الإمارة، وأن الوسيلة الأفضل للحفاظ على المصالح البريطانية هي الاستعداد الدائم للدفاع عن الكويت “الغني، المستقل، الصديق لبريطانيا”، وإقناعه بالاتكال على المساندة البريطانية في اللحظات الحرجة لئلا يتجه إلى السعودية أو مصر للحصول على الضمانات السياسية والأمنية[36]، ولهذا لوحظ أن التدخل في أزمة 1990 كان أجنبياً وكان الحضور العربي ملحقاً وثانوياً وغير فاعل إلا في إسباغ الشرعية على التطفل الأجنبي.

أما المصالح الحقيقية التي تحققت فهي كما سبق ذكره مصالح الغرب الذي استولى على النفط ليسير في شرايين اقتصاده، وعلى عوائد هذا النفط واستثماراته والتجارة بالأموال التي حصل عليها ملاك النفط واشتروا بها السلع المصنعة الغربية، والأهم من كل ذلك الحؤول دون ظهور قوة محلية تمسك بزمام هذه الثروة وترفع من شأن الأمة التي تملكها، وقد حقق الغرب ذلك دون أن تحقق البلاد النفطية أية مصلحة عليا بعيدة المدى وبديلة عن نموذج الاستهلاك في حال نضوب السائل الأسود، وليس ذلك من قدراتها أصلاً لقلة قاعدتها السكانية وضحالة عمقها الجغرافي وخفة وزنها الدولي وتشرذمها السياسي، ولو طالعنا سلسلة المصالح الغربية التي كانت الوفرة الاستهلاكية ثمنها لوجدنا أن هذا الثمن الذي “سمح” لنا الغرب به كان ضئيلاً جداً مقابل الفوائد الجمة التي سبق ذكرها والتي جناها من الدفاع عن الاستقلال والتجزئة، وإذا قارنا ذلك بالخيارات الأخرى لمسيرة تاريخ المنطقة والتي تم إجهاضها لصالح الخيار الغربي، فإننا حينئذ سنشعر بفداحة الخسارة التي قبضنا ثمنها سيارة أو هاتفاً أو أية سلعة استهلاكية مترفة.

الكويت في ظل الدولة العثمانية قرية تواجه الإمبراطورية البريطانية: حاول الإنجليز اختراق “قرية الكويت” ( كما جاء وصفها في وثيقة تعود لسنة 1848 ونشرتها صحيفة الوطن الكويتية في 8/9/2011) زمن شيخها الثالث جابر بن عبد الله بن صباح (1813-1859) فكان ما رواه الشيخ عبد العزيز الرشيد في تاريخه[37] والأستاذ سيف مرزوق الشملان في تاريخه:”في سنة ما، جاء الكويت جماعة من الإنجليز وحاولوا إقناع الشيخ جابر برفع العلم البريطاني، فلم يقبل وقال:إن الدولة العثمانية جارتنا وكل ما نحتاجه يأتينا من البصرة، فقالوا:إن الهند من مستعمرات بريطانيا وأنتم محتاجون لها، فلم يجبهم، وأخيراً استأذنوه في البناء فلم يسمح لهم، ثم قالوا:أتمنع الدولة العثمانية كما منعتنا؟ فقال:إذا رأينا في ذلك ضرراً على البلدة منعناها.وقد حاولوا أن يعطيهم ورقة بأنه يمنع الدولة عن ذلك فلم يعطهم، ورجعوا أدراجهم.لما بلغ النبأ متسلم البصرة جاء الكويت زائراً وشكر الشيخ جابراً على موقفه الصلب من الإنجليز، ويقال إن الدولة العثمانية لم ترتب للشيخ جابر المائة والخمسين كارة من التمر والفرمان الشاهاني والعلم الأخضر (علم الخلافة الإسلامية) إلا نتيجة لموقفه من الإنجليز بجانبها”[38]، وفي هذه الحادثة رد على منطق التجزئة الذي يجيب على طلب مساعدة الإخوة اليوم بالقول: وأين كان إخوتنا المزعومون عندما كنا فقراء لا ثروة لدينا؟ فالحقيقة غير ذلك تماماً، عندما كنا في كيان واحد كان الإخوة حاضرين دوماً كما شهد الشيخ نفسه، والكويت نفسها لم تكن تتسول المساعدة في ذلك الزمن، كانت تتاجر وتتبادل مع إخوتها ووصلت بضائعها عاصمة الخلافة نفسها بالإضافة إلى الشام والعراق واليمن والحجاز ونجد[39]  وجنوب الجزيرة والبحر الأحمر وشرق إفريقيا بل الهند نفسها[40] في أزمنة الحروب والحصار، وقد أثرى تجارها من التكامل مع إخوتهم ولم يكونوا بحاجة لمساعدة أو صدقة من أحد، وتصوير ذلك الزمن بصورة الفقر والفاقة والحاجة لا ينطبق على الواقع ويجب قياس غنى كل عصر بوقته.

 وفي زمن الشيخ مبارك الصباح أرادت الدولة العثمانية تحويل الكويت إلى محطة نهائية لسكة حديد بغداد وبذل الإنجليز جهوداً كبيرة في التآمر بحجة الدفاع عن “استقلال” الكويت عن العثمانيين ليمنعوا وصول السكة إليها مع أنها كانت ستحول الإمارة إلى محطة نهائية لطريق تجاري عالمي يقطعه قطار الشرق السريع من برلين مروراً بعواصم أوروبا ثم اسطنبول فبغداد فالكويت مما كان سيمنح ميناء الكويت أهمية اقتصادية كبيرة قبل ظهور النفط بعشرات السنين، ولعل ذلك أفضل من أحاديث التنمية الاستعمارية الزائفة بهيئة بريد[41]، أو بخط تلغراف[42] أنشأته بريطانيا لمصالحها، أو بمحطة تحلية مياه لم تقم بعملها أصلاً[43]، وما يؤكد ذلك ما جاء في تقرير مؤسسة ماكينزي الاستشارية لسنة 2008 عن الإصلاح الاقتصادي في الكويت:”التجارة من العراق وإليه عبر الكويت تصل قيمتها إلى 40 مليار دولار(سنوياً) ، وحتى يكون ذلك لا بد من السكك الحديدية”، هذا ما ستصنعه سكة محدودة،مع العلم أن مجمل التجارة الكويتية بلغت حتى ذلك العام 70 مليار دولار(سنوياً)[44] ، فما هي القيمة التي كانت التجارة ستصلها لو أن الكويت أصبحت محطة نهائية لطريق عالمي كسكة تمتد عبر القارات من برلين إلى بغداد منذ مائة عام؟ أي قبل النفط بعشرات السنين فتنهض البلد بإمكاناتها ويأتي النفط ليدعم هذا النهوض كبقية البلاد التي نهضت بعملها ثم دعم اكتشاف الثروات اقتصادها ولكن لا يكون هذا الاقتصاد بعد ذلك معتمداً على تصدير منتج واحد ناضب لأن هناك بنية تحتية مستقلة وسابقة للعمل به ودونه، وهو أمر تحاول الكويت العودة إليه اليوم ولو بصورة جزئية بواسطة مشاريع السكك الحديدية الإقليمية التي مازالت في عالم التخطيط، فكان هذا الاستقلال المحتفى به من مستلزمات المصالح الغربية على حساب مصالح السكان المحليين وإن صورت السياسة عكس ذلك.

فلقد اقترن الحلم العثماني بإعادة إحياء الدولة بواسطة ربطها بشبكة واسعة من خطوط الحديد مع رغبة ألمانية بدعم هذا المشروع بعيداً عن أطماع بقية أوروبا، تم تنفيذ سكة حديد الحجاز وأجزاء من سكة بغداد، وكان السلطان عبد الحميد الثاني يحلم بربط السكتين كما كانت ألمانيا تحلم بامتدادات إفريقية، الكويت كانت محطة هامة في هذا الحلم ولكن بريطانيا أجهضته في سبيل مصالحها.

ومن الطبيعي أن يحوز إنجاز “الاستقلال” على ثناء الإنجليز على أنفسهم والذين لم يستطيعوا تقديم أي إنجاز عملي واحد لعملهم الذي لم يكن سوى تلبية لمصالحهم ضد العثمانيين والألمان بغض النظر عما أجهضه من مصلحة الكويت نفسها في اندماجها بدولة إسلامية كبرى:”كان تولي الشيخ مبارك للحكم ضربة قوية ضد التوجهات الموالية للعثمانيين في الكويت (التي مثلها أخواه الحاكمان السابقان المقتولان اللذان لا يذكرهما النص البريطاني !)، كما اتسم حكمه بالإقرار بأن بريطانيا هي مفتاح ضمان حماية الكويت ضد القوى الإقليمية الأخرى التي كان بوسعها هزيمة إمارة الكويت الصغيرة (الصحيح أن تلك “الأخطار” نشأت من قبل القوى العثمانية والمؤيدة للعثمانيين كمدينة حائل آل الرشيد نتيجة زيادة النفوذ البريطاني في الكويت، وكان من الممكن تسويتها في ظل العثمانيين أيضاً ، أي أن تطفل بريطانيا على المنطقة هو منبع الخلل فيها)، وكانت تلك الحسبة الدقيقة (للشيخ مبارك) تنم عن الحكمة والبصيرة (بالطبع مادامت تحقق مصالح بريطانيا)، حيث أنه مهما كان من أمر الأهداف الإمبريالية البريطانية (حتى لو كانت تعطل ازدهار ميناء الكويت آنذاك ؟) فإنها لم تشمل أبداً على حرمان الكويت من استقلالها[45] (أو على الأصح تحويلها لدولة وظيفية تُجبر على تحقيق مصالح الأجانب حتى لو كان ذلك ضد قرارها السياسي ومن ثم ضد استقلالها الذي يدعيه الإنجليز وضد مصالحها كما سيأتي).

والطريف أن بريطانيا التي بذلت جهوداً كبرى لتحقيق استقلال الكويت عن الدولة العثمانية عادت بعد ذلك لتنقض ما فعلته ولتعترف بسلطة الدولة على الكويت وبكون حاكم الإمارة موظفاً عثمانياً في اتفاقية 1913 والتي وصفتها الوثائق البريطانية بأنها “استخدام الكويت من قبل الحكومة البريطانية للحصول على شيء آخر في مكان آخر، والاعتراف بأشياء أخرى في أماكن أخرى، كتقديم التنازلات لها في خطة سكة حديد بغداد وما شابه ذلك، وعندما نتذكر بأنه لم يتم أخذ رأي حاكم الكويت أو التشاور معه خلال المفاوضات كما لم يتم إبلاغه عن سير هذه المفاوضات ونهجها، ثم تقدم له بعد ذلك كأمر واقع…..ومهما كانت التفسيرات طويلة بهذا الصدد، فإنها غير قادرة على إزالة الانطباع بأننا استخدمنا الكويت كمخلب لضمان الحصول على منافع أخرى لأنفسنا”، وذلك في الوقت الذي كان الشيخ يخاطب السير بيرسي كوكس بقوله “إنني أعتمد على الحكومة (البريطانية) العظيمة لمساندتي، طالما أنني مخلص في الالتزام والوفاء باتفاقاتي ” فيتلقى شكراً “لامتثالكم لوجهات نظر الحكومة البريطانية”[46].

 ولما اندلعت الحرب الكبرى الأولى “أعلن الشيخ مبارك ولاءه للحكومة البريطانية نيابة عن نفسه وعن قبائله كما وضع جهوده ورجاله وسفنه تحت تصرف بريطانيا” مقابل الحصول على “استقلال” تحت الحماية البريطانية[47]، وتعرضت تعهداته بالمشاركة في مجهود الحلفاء الحربي “لتحرير” البصرة لأول اختبار عندما اندلعت الثورة ضد صديقه خزعل خان في المحمرة لمشاركته في القتال إلى جانب الإنجليز ضد الخلافة الإسلامية، فأمر الشيخ مبارك الكويتيين بالقتال إلى جانب حليف بريطانيا ضد الدولة العثمانية فعصوا أمره على قلب رجل واحد وتذكر المصادر الكويتية ميل الكويتيين في هذه الحرب إلى جانب العثمانيين وسرورهم عندما تكون “الدولة معتزة” ورفضهم القتال إلى جانب الإنجليز وحليفهم الشيخ خزعل أمير المحمرة رغم أوامر الشيخ مبارك كما جاء مثلاً في كتاب الأستاذ سيف مرزوق الشملان الذي نقل “عصيان الكويتيين وعدم امتثالهم” لأوامر الشيخ الذي “غضب غضباً شديداً” وطلب منهم السير “وعصوا، وقالوا: نموت على الإسلام ولا نموت على الكفر” ، “فكيف يقاتلون إخوانهم في الدين لأجل الشيخ خزعل خان وكيف يشتركون في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل “[48]، ورغم الصداقة الوطيدة بين الشيخ مبارك باشا ابن الصباح والشيخ خزعل خان الكعبي حاكم المحمرة فقد رفض أهل الكويت رفضاً قاطعاً نصرة خزعل حليف بريطانيا ضد دولة الخلافة الإسلامية.

 بل إن الباحثة الكويتية الدكتورة سلوى الغانم تروي في كتابها الصادر باللغة الإنجليزية “عهد مبارك الصباح” ؛ استنادا إلى وثائق بريطانية، أن مباركاً ذهب إلى أبعد مما سبق حين حاول قبل وفاته سنة 1915م أن “يهب الكويت لبريطانيا” وذلك بتسليم جميع الموارد الكويتية للإنجليز لإدارتها بأنفسهم وخصم نفقات الإدارة لحسابهم وتسليم الباقي له، الأمر الذي أربك المسئولين البريطانيين أنفسهم ووصفته الباحثة المذكورة بأنه “من أغرب ما قدم لمسئول بريطاني في غضون قرون من الانهماك البريطاني في الخليج” ، ولم ينفذ الاقتراح نتيجة الرفض البريطاني الممزوج بالذهول[49]، وقد حاول أحد المؤلفين الأجانب التخفيف من وطأة الحدث إلا أن حكمه جاء في ضمن عدة أحكام لا تنطبق على واقع الأحداث ويمكن مراجعة الهامش للاطلاع على قيمتها[50]، وظلت الكويت في زمن الشيخ مبارك ومن بعده منطلقاً لقوات الحلفاء ضد العراق العثماني[51]، وفي ذلك تقول موسوعة تاريخ الخليج العربي :”وقد وجه المقيم السياسي البريطاني في الخليج، برسي كوكس، تبليغاً إلى مبارك حثه للعمل والتعاون مع مشايخ العرب الموالين لبريطانيا من أجل دخول القوات البريطانية البصرة واحتلالها وطرد الأتراك منها، وطلب من مبارك أيضاً مهاجمة أم قصر، وصفوان، وبوبيان، لمنع وصول الإمدادات للعثمانيين في البصرة ، والحفاظ على ممتلكات الرعايا البريطانيين الموجودين في البصرة.

“لقد وعدت بريطانيا حاكم الكويت مبارك الصباح إذا أحسن التعاون مع جيش الاحتلال البريطاني حمايته من أي هجوم…ووضع الكويت تحت الحماية البريطانية.

“وبعد هذا الوعد البريطاني بدأ مبارك يعبئ قواته من البدو التي قامت بدور مهم لحماية القوات الهندية في المراحل الأولى من غزو هذه القوات ودخولها البصرة واحتلالها عسكرياً، وقد كان حاكم الكويت مبارك الصباح على رأس قوة كبيرة من البدو فحوّل بذلك أنظار العثمانيين عن قوات الجنرال آرثر باريت وجيشه…وبقي مبارك على الرغم من المعارضة الداخلية …مستمراً في مساندة البريطانيين من أجل إكمال احتلال البصرة وتقديم الدعم اللازم لهذه القوات الغازية وبذلك كان له دور مهم في توفير السبل الكفيلة في احتلال المدينة فقد زود بريطانيا بمعلومات تفصيلية عن الوجود العثماني في البصرة وأعداد الجند فيها.

“هدفت بريطانيا من حملتها العسكرية على العراق في العمل على الإبقاء على استمرارية تدفق النفط من عبادات (عبادان) والحفاظ على عمليات شركة النفط الأنكلو-فارسية.

“اتخذ الإنكليز من الكويت مخزناً لتموين قواتهم في المنطقة وكانت الاتصالات البريدية مستمرة بين الكويت والبصرة المحتلة بل إن مبارك قد ذهب إلى حد بعيد في التضامن مع الإنكليز، وقد أكد السير بسي (برسي) ككس هذه الحقيقة”[52]، والعجيب أن يكون هذا هو جزاء العثمانيين الذين أرادوا تحقيق ازدهار الإمارة بجعلها محطة رئيسة لخط تجاري عالمي، ولكن كان طعن الذات هو سمة تاريخنا المعاصر لصالح ذوات الأجانب ، ولكن لم يكن الأمر دائماً بموافقة الشعوب، فقد “أثار خضوع مبارك لبريطانيا وقبوله بالحماية البريطانية وتقديمه المساعدات للجيش البريطاني في أثناء احتلاله للبصرة وتنفيذه رغبات بريطانيا ثورة الشعب العربي في الكويت ضده ورفضهم للتدخل في الشؤون الداخلية حتى أنهم أبلغوا ابنه جابر صراحة في أثناء لقائهم بهم “نموت على الإسلام ولا نموت على الكفر””[53].

وظل أهل الكويت في عهد خلفه الشيخ جابر المبارك إلى جانب الدولة العثمانية “فازدهرت تجارتهم حتى وصلت بضائعهم إلى سوريا والحجاز ونجد، بل أنها تعدتها إلى اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية لأن الحصار البحري قد أحكمه الحلفاء على سواحل سوريا أثناء الحرب العظمى”، ولما عقد الإنجليز مؤتمراً في الكويت سنة 1917 لتوحيد العرب ضد الأتراك مع اندلاع الثورة العربية تكلم الملك عبد العزيز آل سعود والشيخ خزعل خان عن بغضهما للأتراك وحقدهما عليهم، أما الشيخ جابر فقال نحن مسلمون وإذا ما أجمع المسلمون على شخص فنحن له من الطائعين، وكانت العلاقة قوية بين الشيخ جابر والأمير سعود الرشيد حاكم حائل المتحالف مع العثمانيين[54].

ولما توفي الشيخ جابر وخلفه أخوه الشيخ سالم المبارك كانت الكويت ماتزال تصدر البضائع إلى سوريا والعراق ونجد والحجاز حتى اسطنبول، مما أغضب بريطانيا لعلمها أن هذه البضائع تصل إلى أعدائها لاسيما في وجود حصارها على سوريا، فهددت الشيخ سالماً بقصف الكويت وإمطارها بوابل من القنابل، ولما رجع إلى وجوه أسرته وقومه رفضوا التهديد و”أظهروا عدم موافقتهم على هذا الطلب مهما حدث لهم”، وهنا نرى الطاقات الكامنة التي تخزنها النفوس التي تحمل قضية بعيداً عن حسابات الزعامات، ولكن المسئولين الإنجليز تمكنوا من استمالة الشيخ باللين والتملق وتراجعوا عن تهديدهم الذي لم يكن جدياً أصلاً وبعرض تعويضات عليه، وهنا فعل الترغيب ما عجز عنه الترهيب وكلف الأمير ابنه الشيخ عبد الله السالم بالإشراف على ما يخرج من الكويت من بضائع وأطعمة[55]، وأدركت بريطانيا “أن فشل الشيخ سالم في تحقيق الأهداف التي أرادها من اتباع سياسته الجديدة (المقاومة) سيعيده إلى السياسة التقليدية للحكام السابقين (أي مسايرة بريطانيا)، وأنه قد تفهم بالفعل أن القوة التي يريدها لنفسه وللكويت لن تأتي إلا عن طريق بريطانيا” كما تقول الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم[56]، وتم إحكام الحصار البريطاني على الكويت “وكانت الأطعمة والحاجيات لا ترد إلى الكويت إلا بمقدار”[57]، ولأن الحرب كانت في نهايتها وقد وقعت معظم الأراضي العراقية تحت الاحتلال البريطاني فإن المؤرخة الكويتية الدكتورة الجاسم ترى أن الهدف من الحصار لم يكن حربياً بقدر ما كان رغبة بريطانية في إفهام شيخ الكويت ضرورة الانصياع لأوامر بريطانيا[58]، ونلاحظ هنا أن بلادنا لم تتعرض لمحن الحصار إلا بعد دخول النفوذ الأجنبي الذي أراد كسر إرادة الأهالي وما تبعه من تجزئة وضعت الأخ في مواجهة أخيه ليكون الأجنبي هو الحكم أو النصير، وفي النهاية لا منتصر سواه.

وبعد انتهاء الحرب كافأت بريطانيا الأمير بمبلغ من المال ووسام[59].، وهنا نرى الفرق التدريجي بين الحال الذي استند فيه الشيخ جابر الأول إلى دولة إسلامية عظمى حتى مع ضعفها عندما تمكن من صد الأطماع البريطانية فعاد الإنجليز خائبين وبين الحال الذي جعل خلفه الشيخ سالماً يتذبذب بين العصيان وطاعة الأمر البريطاني بعدما أصبح النفوذ الأجنبي واقعاً في الإمارة ولكن كان ظل الخلافة مازال قائماً، فلما زال شبحها تماماً لم يعد هناك ما يفسد استقرار النفوذ البريطاني أو يهيج الخواطر عليه إلا رذاذ من العراق ما لبث أن خبا نتيجة خضوع الجميع لهيمنة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ولا تشرق على غيرها .

وبعدما زار شيخ الكويت أحمد الجابر بغداد مرتين 1935-1936 أبدى الملك غازي رغبته في رد الزيارة “فتدخلت السلطات البريطانية لإحباط ذلك المشروع”[60]، ثم تدخلت مرة أخرى ضد رغبة شعب الكويت رغم ادعاءاتها الديمقراطية التي لا تعمل إلا عند تحقيق المصالح كما تبين من موافقتها على رغبة شعب الكويت في أزمة 1990، على عكس سنة 1938، مما يعطي صورة واضحة عن طبيعة الديمقراطية الاستعمارية الانتقائية.

“وفي شهر كانون الأول/ يناير 1938، تجدد التوتر في العلاقات العراقية-الكويتية عندما بحثت قضية العلاقة بالعراق في المجلس التأسيسي الكويتي، فصوتت الأكثرية إلى جانب الانضمام إليه، مما دعا الأمير إلى حل المجلس، ورداً على القرار، نظم دعاة الوحدة مع العراق مظاهرات احتجاج، وناشدوا فيها العراقيين تأييدهم حتى تصبح الكويت جزءاً من المملكة العراقية، واتخذت المسألة بعداً آخر عندما اقترنت الدعوة إلى الانضمام إلى العراق بالمطالبة بالحياة الدستورية، ولم تنحصر الحركة في الكويت، بل انتقلت منها إلى البحرين ومسقط ومناطق خليجية أخرى انتشرت فيها المطالبة بالخروج من واقع الحماية البريطانية، انتهت تلك الحركة إلى إنزال حكم الإعدام بثلاثة من وجوه المعارضة الكويتية، وتبع ذلك إجراءات متشددة أصابت زعماء المعارضة الآخرين”[61].

أما الديمقراطية البريطانية العريقة فقد انتقلت من مطالبة الشيخ أحمد الجابر بالإصلاحات ومحاولة الاتصال بأعضاء المعارضة إلى الرغبة في تقييد صلاحيات المجلس التشريعي الكويتي ثم إلى إظهار الندم على وجود هذا المجلس كما تقول الدكتورة نجاة الجاسم، ولم ترحب بالقانون الأساسي للمجلس رغم توقيع الحاكم واطلاع الوكيل السياسي البريطاني عليه، فقد خشي الإنجليز أن يوضع دخل النفط مستقبلاً تحت تصرف المجلس، وأغضبها المطالب العمالية التي قدمها لصالح عمال شركة النفط، وخشيت تعرضه لاتفاقية 1899، ولما حُل المجلس وصودرت الأسلحة رضيت بريطانيا كل الرضا وسرها إعلان الحاكم أنه سيحكم بمفرده إلى أن يعود الهدوء[62]، ولما جرت الانتخابات الثانية وتأسس مجلس جديد (1939) طالب مرة أخرى بالنظام النيابي والانضمام إلى العراق رفض الحاكم ذلك وأيده الوكيل السياسي البريطاني وتم حل المجلس “وألقي بالزعماء المحرضين في السجن بينما انفجرت في أنحاء الإمارة اضطرابات دامية”[63]، وفر كثير من المعارضين إلى العراق[64]، ولم يتم تنفيذ الدستور الذي اقترحه الحاكم نفسه [65] ولم تنجح الإجراءات الاستشارية اللاحقة التي اتخذها، وبعد حل المجلس حصل الشيخ “على تأكيد من بريطانيا بأن الحكم والقوة ستظل بيد الأسرة الحاكمة، وبأن الشعب لن يقبل أحداً كحاكم غيره”، وأرسل بقية الحكام العرب من أصدقاء بريطانيا برقيات تأييد كذلك[66].

جرت في أواسط الخمسينيات محاولات عراقية اتخذت صفة الحل الوسط بين مطالبات العراق بضم الكويت، والإصرار على استقلالها، وذلك بحصول العراق على ممر مائي عن طريق تأجير جزيرة وربة والشاطئ البري المقابل لها وقد “وافق شيخ الكويت على ذلك في البداية ثم رفض بتحريض من البريطانيين”[67]، وهي قضية يرى الدكتور مؤيد الونداني أنها “ستستمر في المستقبل مادام العراق محروماً من الشاطئ البحري الذي تمتع به عبر تاريخه الطويل”[68]، وأضيف على ذلك مادام التدخل الأجنبي مستمراً في توجيه الأحداث نحو مصالحه ويجد من يصغي إلى وسوسته دون الاهتمام بمصالح أهالي المنطقة.

وفي صراع لم تكن الكويت طرفاً فيه بين بريطانيا وحركة رشيد عالي الكيلاني في العراق (1941)، كانت الكويت هي منطلق الطائرات البريطانية سنة 1941 لقصف الثورة وتمت مكافأة شيخ الكويت أحمد الجابر الصباح على ذلك بوسام نجمة الهند لرتبة الفارس القائد سنة 1944 [69] ، وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 كان هناك مشروع عراقي لتحويل مجرى شط العرب مما سيجعل صحراء شمال الكويت خضراء يانعة دون الإضرار الفعلي بإيران[70]، ولم يتم توضيح مصلحة الكويت آنذاك في الإنتاج الزائد للنفط والذي كان سبب الشكوى العراقية[71]، بل لقد كان المكسب العائد من رفع الأسعار والالتزام بحصة أوبك أكبر من المكسب العائد من بيع كميات كبيرة من النفط بسعر منخفض[72]، وهل كان من الأفضل تغليب مصلحة آنية عاجلة بتحقيق أرباح كثيرة، على فرض تحققها، والاهتمام بالوصول بالإنتاج إلى الحد الأقصى أكثر من الاهتمام بالوصول إلى أعلى سعر للبرميل عن طريق الالتزام بأسعار منظمة الأوبك، والمهم هل كان ذلك سيحدث لولا إشارات التشجيع الأمريكي[73] التي حفزت الطرفين ضد بعضهما البعض؟

وعلى كل حال لما اندلعت الأزمة سنة 1990 وجهها البريطانيون والأمريكيون نحو مصالحهم الذاتية وأغلقوا كل المبادرات السلمية العربية والدولية التي استهدفت نزع الفتيل والقضاء على سبب الخلاف، لاسيما أبرز هذه المحاولات حين صرح الأمير السعودي سلطان بن عبد العزيز تصريحاً مهماً عن عدم استخدام القوة في حل المشاكل بين العرب ومنح العراق منفذاً على البحر بكرم الأخوة العربية الذي لا يسيء إلى أي عربي حين يتنازل لأخيه، وكان من الممكن أن يجنب هذا الأمر الأمة كوارث ونكبات لاحقة لو أنه أخذ فرصته المنطقية ولكن الأمريكيين والإنجليز وعلى أعلى المستويات خرجوا يشجبون ذلك ويرفضون تطبيقه تحت شعار “ولا بوصة” مما اضطر الملك السعودي نفسه وصاحب التصريح ذاته للتراجع والاعتذار ودخلت بلادنا في دوامة لا يمكن أن يدعي الفوز فيها أحد غير الأغراب الأجانب المتطفلين[74].

ثم حشر الأجانب الكويت في مشاريع لم تكن لمصالحها علاقة بها، فلم يكن أحد يدري ما هي مصلحة الكويت حين انطلقت منها جيوش احتلال العراق سنة 2003 بعد سنين طويلة من خروج الجيش العراقي من الكويت ووقوع العراق نفسه تحت حصار قاتل حصد الملايين من أبنائه، أما مصلحة المعتدين فكانت واضحة إذ كانوا هم القائمين بالعمل من أجل الكيان الصهيوني والنفط وإيجاد حلفاء عراقيين لمخططاتهم في منطقة الخليج الهامة لهم كما قال الرئيس العراقي زمن الاحتلال جلال طالباني بنفسه، ففي اعتراف مثير قال الرئيس العراقي في سنة 2008 “إن الأمريكيين جاءوا إلى العراق من أجل القضاء على صدام حسين لأنه كان ديكتاتوراً خطيراً يهدد حلفاء أميركا في المنطقة (وهذا هو ميزان الاستبداد عند الاستعمار) ولا يهدد الشعب العراقي فحسب” ولفت طالباني أثناء مقابلة مع صحيفة الخليج الإماراتية الانتباه إلى “الأهمية البالغة التي توليها واشنطن لمنطقة الخليج ونفطها، وقال إن صدام حسين كان يشكل خطراً على الكويت والسعودية ونفطهما، كما كان يشكل خطراً على حليف أميركا الأساسي “إسرائيل”، وأضاف أن أميركا بالقضاء على صدام أنجزت عملاً مهماً بالنسبة لمصالحها في المنطقة…وقال: إن الأميركان يعتقدون أيضاً، وهم على حق، أنهم سيكسبون بعض المزايا الاقتصادية النفطية في العراق، وأضاف أن توقيع شل وشركات أخرى على اتفاقيات مهمة مع الحكومة العراقية دليل واضح على ذلك” وعد كسب الأميركيين حلفاء عراقيين مهمين جداً بالنسبة لمخططاتهم في المنطقة من أهم نتائج التدخل في العراق[75]، كما أنه اعترف بعد ذلك في مواجهة شكاوى نساء العراق بفشل الحكم الذي نصبه الاحتلال[76]، مع كون حالة المرأة هي ذريعة التدخلات الاستعمارية دائماً.

كما لم يدر أحد ماذا كانت مصلحة الكويت في وضعها على كف عفريت بإعطاء عدة إشارات للعراق منذ بداية سنة 1990 بأن أمريكا لا تتدخل في الصراعات العربية-العربية وجعلها طعماً لاستدراج الرئيس العراقي للوقوع في الفخ [77] ؟ وما هي مصلحة الكويت بعد ذلك في إجهاض الغرب المبادرات السلمية بسبب إصرار الولايات المتحدة على تدمير العراق سنة 1991، ماذا كانت مصلحتها في تفويت أمريكا وبريطانيا فرص الحل السلمي (الذي لم يغلق بابه في وجه الصهاينة رغم جرائم سبعة عقود ولكنه أغلق بابه في وجه العراق في غضون شهرين وفق الفتوى الدينية التي استدعت التدخل الأجنبي) في ضوء كثير من مقترحات الحلول التي عرضت وكانت ستحقق مراد الكويتيين لولا تدخل الغرب لإجهاضها[78] لأنها لا تحقق مراد الولايات المتحدة الذي كان هو القضاء على القوة العراقية الصاعدة وهو هدف فرض نفسه على الأحداث بعيداً عن أي مصالح عربية وتم التخلص من قوة إقليمية في بلاد العرب، وهذه هي المصلحة الغربية الحقيقية التي تحققت (دراسة لماذا يحطم الغرب نهضاتنا/2)، كما لم يدر أحد ما هي مصلحة الكويت في انطلاق البريطانيين منها سنة 1941 عندما لم تكن طرفاً في الصراع العراقي البريطاني ومع ذلك حشرتها بريطانيا في صفها، أما مصلحة بريطانيا فكانت واضحة وهي ضرب الثوار وهذا ما تحقق، وقبل ذلك أيضاً لم يعرف أحد ما هي مصلحة الكويت سنة 1914 عندما اعتدى الحلفاء من الأراضي الكويتية على دولة الخلافة الإسلامية التي كانت بصدد تطوير الكويت تطويراً كبيراً سبق النفط بعشرات السنين، أما الحلفاء فكانت مصالحهم واضحة وهي الاحتلال والانتصار في الحرب، وهذا ما حصل على حساب الكويت والعراق معاً، ولعل التصريحات السياسية التي قدمتها المراجع السياسية العليا في سنة 2003 توضح بجلاء لا لبس فيه أن موقف الكويت لم يكن نابعاً سوى من عدم القدرة على مواجهة قرار دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة “قررت” استخدام أراضي غيرها في العدوان على أطراف ثالثة “هذه أمريكا…من يستطيع قول لا لها؟”، ولم يستح زعماء عملاء كالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك من تبرير ذلك العدوان الأمريكي باحتلال العراق للكويت سنة 1990 بعد مرور دهر على إغلاق ملف تلك الحوادث بتحرير الكويت.

ومن الإنصاف القول إن هذا الضعف سمة ملازمة لجميع دول الاستقلال والتجزئة العربية، وقد أدى كثير منها دور الكيان الوظيفي الذي كان يتلقى الرشوة رسمياً من الاستعمار نظير الخدمات الاستراتيجية التي كان يقدمها سواء نظير منح الامتيازات أو المواقع أو القواعد[79]، وسنعجب لو علمنا أن دول النفط قبل اكتشافه فيها كانت تتلقى الدعم من الخزانة البريطانية لمساعدتها على البقاء وتقديم الخدمات لحكومة لندن، وفي ذلك يقول الأستاذ أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية إن الوطن العربي كان “في أكثر أقطاره، تحت رحمة الدول الغربية حماية ووصاية في السياسة والاقتصاد، من ذلك مثلاً، أن السعودية، وهي قوة اقتصادية عالمية، كانت في عهد مؤسسها الكبير الملك عبدالعزيز آل سعود تتلقى عوناً مالياً سنوياً من بريطانيا  أول الأمر، ثم من أمريكا في ما بعد، ومثلها الكويت وقطر والبحرين، والمحميات التسع (السبع) التي أصبحت دولة الإمارات العربية، كانت كلها تتلقى مساعدات مالية مقررة من الخزانة البريطانية عاماً بعد عام. ومن ذلك أن كلاً من ليبيا وإمارة شرق الأردن في أوائل عهدهما كانتا تتلقيان عوناً مالياً يصل إلى نصف ميزانيتهما”[80]، ومن هذه الدول أيضاً محميات الجنوب العربي التي ضمت بريطانيا كثيراً منها في اتحاد الجنوب العربي (1959) وكانت تموله بملايين الجنيهات[81]، ثم تخلت عنه وعن جميع حكام المشيخات والسلطنات التي أنشأتها هي من قبل وظل حكامها موالين للإنجليز حتى آخر لحظة عندما تخلت عنهم عند حصول اليمن الجنوبي على استقلاله (1967)[82]، كما تخلت عن حكم الملك الليبي إدريس السنوسي سنة 1969 ، وذلك كله عندما انتهت وظائفهم جميعاً، في الوقت الذي تدخلت فيه لحماية أنظمة مازالت فعالة، ومازالت بعض الدول العربية، لاسيما المفتقرة بحكامها وليست الفقيرة أصلاً، تعتمد على المساعدات الأمريكية لقاء القيام بأدوار الوكلاء وتنفيذ ما هو مطلوب استعمارياً منهم.

وخلاصة الأمر من الحديث عن الدول الوظيفية أنها تُسخر لمصالح الدول الكبرى حتى لو كان ذلك دون وجود مصالح لها في سياسات هذه الدول أو حتى لو كانت هذه السياسات ضد مصالحها الحقيقية أو ضد وجودها نفسه أحياناً وذلك في مقابل ما سماه الدكتور المسيري رشوة تقدم لهذه الشعوب الصغيرة على شكل استقلال محتفى به دون مضمون حقيقي، بالإضافة إلى الوفرة المادية التي ستصبح معيار اتخاذ المواقف مع أو ضد مصالح الأمة العريضة، ولكن حتى هذه الوفرة هي على حساب المستقبل غير المعد له، وعلى حساب الاستقلال الحقيقي عن المراكز الاستعمارية التي تعادي الأمة التي ينتمي الوظيفيون لها، وعلى حساب الشعوب المحيطة التي ينالها الكثير من أذى الوجود الاستعماري في الدول الوظيفية، وليس من العجيب بعد كل هذا أن تتحد رؤى الوظيفيين والاستعماريين فيرى الأوائل أن بقاءهم مرهون بالآخرين وأن حماية البقاء تعتمد عليهم حتى لو توفر مثلها من الأخ العربي الذي يظل محل الشك والريبة[83]، بل محل النميمة والتحريض، قبل العدوان الثلاثي وبعد نكسة حزيران، أي في الملمات، ومن ذلك التأكيد على وجوب تعامل البريطانيين معه “بسرعة وقسوة وبلا رحمة” لأنه “خطر على العالم العربي كله” ويجب أن يستعيد الإنجليز قواعدهم للقضاء عليه[84]، وبذلك تلتحم المصالح الثنائية مع المستعمِرين بمرور الزمن فلا يرى الوظيفيون أي شيء حتى أنفسهم إلا من خلال العدسات المستوردة من السادة وأن يفقدوا الإحساس بذواتهم، المفترض أنها مستقلة، وأن يكون هدفهم هو أن يحصلوا على ثناء هؤلاء المستعمرين[85] الذين يتغزلون في الحكمة الوظيفية الفائقة وبصيرتها وحساباتها الدقيقة[86] ، وعلى رضاهم وحمايتهم (كالتدخل البريطاني لحماية النظام العراقي 1941 والتدخل الأمريكي والبريطاني للدفاع عن أنظمة إيران 1953 ولبنان والأردن 1958 والكويت 1990) فتصبح كل مصلحة استعمارية مبررة بالحفاظ على الاستقلال الوظيفي وسيادته وسلامته رغم كذب كثير من هذه الدعاوى كما سبق ذكره، وفي النهاية ما الذي يدفع عمالقة الغرب لعدم القبول بالمعادلة السائدة حالياً وهي التي تتيح لهم الحصول على النفط لشرايين اقتصادهم بالإضافة إلى الحصول على المال الهائل الناتج عن بيعه إما على شكل نفقات الاستهلاك المنفلت وشراء البضائع المصنعة عندهم أو على شكل ودائع بليونية لاقتصادهم وعملاتهم، في نفس الوقت الذي يعيش فيه المالك الأصلي لهذا المال في وهم راسخ بالاستقلال والاكتفاء والنعيم والأمان والاستقرار في ظل الحماية الدولية؟

وأمام هذا الكشف الحسابي على كل امرئ اختيار ما يناسب أولوياته: هل هو الغرق في المتع المادية العاجلة الممزوجة بالتبعية للأعداء والعزلة عن الإخوة أم بناء مستقبل راسخ لا يفتقد الازدهار في أحضان أمة عظيمة يمكن أن تجعل نفسها بهذه الثروات قوة عظمى كانت الحيلولة دون نشوئها هي السبب الذي خاض الغرب من أجله معارك الحفاظ على استقلال الدول النفطية الصغيرة[87].

فالقضية ليست ما قد يتبادر إلى الذهن السطحي من أن هذا الاستعراض هو رفض لمظاهر وفرة نتجت عن الغنى والثراء، القضية أن هذه الوفرة وهذا الغنى والثراء غير قابلين للاستمرار ما داموا قائمين على معادلة الإنفاق من ثروة ناضبة، ومن الطبيعي ألا يشعر صاحب هذه الثروة بمآل المستقبل وأن يرفض التفكير في الآتي ما دام يومه سعيداً وهو غارق في لحظته الحالية ولكن هذا لا يعني أن أي تنبيه هو حسد وغيرة لاسيما بعدما دقت الأحداث ناقوس خطر متأخر كشف للجميع بعد هبوط أسعار النفط بحدة ما يمكن أن يصيب المعتمدين عليه وأن يبين لهم أن ما كانوا يحسبوه ادخاراً للأجيال القادمة ليس بأيديهم ولا بحوزتهم ولا تحت تصرفهم، ومن ثم فإن الادخار الحقيقي هو ما تصنعه الأجيال الحالية على أرضها وتقرر به مستقبلها بعيداً عن تحكم الأجانب.

 

  • بلادنا بين الأمية في آخر أيام الخلافة وطوفان الشهادات في دولة التجزئة

 عند المقارنة بين تعليم الدولة الحديثة وتعليم آخر أيام الخلافة يجب أن نتذكر ان الأمية في ذلك الزمن كانت عالمية بسبب أن التعليم لم يكن شرطاً لكسب الرزق في عالم يتكون معظم سكانه من الفلاحين الذين لا يحتاجون التعليم في كسب معاشهم إذ أن ضرورة التعليم والحصول على الشهادات ظاهرة حديثة لخدمة جهاز الدولة البيروقراطي ولكن هذا لم يكن يعني أن الناس قبل ذلك نائمون في بيوتهم لا يحسنون صنع شيء أو عاطلون عن العمل كما ينظر اليوم لمن لا يحمل شهادة.

 

وعند تفحص اقتصادنا في ذلك الزمن الذي وصف بالأمية نجد شيوع الحرف والصناعات التي كانت تتطلب مهارات حسابية وعلمية يمارسها أربابها دون تعليم ولا شهادات، نتخيل مثلاً الكويت التي كانت مجرد قرية نائية في أطراف الدولة العثمانية تصنع سفناً كبيرة تصل شرق آسيا والهند وشرق إفريقيا، ويبنيها “القلاليف” الذين لم يحملوا أي شهادات علمية وربما لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، ولكنهم متخصصون ويقومون بتقسيم العمل بين تخصصات دقيقة لكل منها صانع ماهر خاص، وكل تجهيزات البيت الكويتي كانت من إنتاج محلي ، وكان المجتمع العثماني عموماً مكتفياً ذاتياً في الغذاء والصناعات الأساسية بما فيها صناعة الأسلحة وظل كذلك إلى زمن متأخر رغم عدم شيوع القراءة والكتابة، المجتمع العثماني رغم “أميته” قام بصناعات ضخمة ومشاريع كبيرة حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: سكك الحديد والتلغراف ومصانع الأسلحة وتجارب الغواصات والطائرات، هذه حقائق وليست خيالات[88].

نقارن مثلاً بوضعنا الآن حيث بلادنا تزخر بالشهادات وتطفح بها ولكن دون القدرة على صناعة قلم رصاص ولا إبرة حياكة رغم مظاهر الوفرة المادية التي ليس لنا أي نصيب في ابتكار شيء منها وتضطر أمتنا للتبعية لدول الغرب في احتياجاتها الأساسية حتى في الطعام رغم خصوبة أراضينا التي كانت مخازن للقمح في الماضي، وهل يصدق أحد اليوم أن بلدة صحراوية كالكويت كانت مكتفية ذاتياً في زراعة القمح ؟؟ ثم أصبحت كل بلادنا أسيرة للمساعدات والصدقات الغربية التي تكبلنا وتمنعنا من الزراعة لنأكل، العبرة بالنتيجة وليست بالقياسات الرقمية الجامدة.

ويهمني توضيح نقطة هنا وهي أن كلامي ليس انتصاراً للأمية بأي حال من الأحوال بل محاولة لفهم هذه الظاهرة في سياقها التاريخي عندما لم تكن شذوذاً عن العالم ولم تكن مؤثرة في مكانة بلادنا آنذاك أما فيما بعد فقد استدرك العثمانيون على أنفسهم وقاموا بخطوات جادة وحثيثة لنشر التعليم ولو كنا قد واصلنا بنفس الهمة لاختفت الأمية التي ما تزال منتشرة انتشاراً وبائياً يجعلنا في مؤخرة الأمم اليوم ولكنا قد استفدنا من العلم بطريقة أفضل من “تطفيش” حامليه إلى بلاد الغرب التي تتلقفهم بكل اهتمام بعدما نبذتهم بلادهم التي أنفقت على تعليمهم ! (دراسة: آثار التغريب الاجتماعي على المجتمع الإسلامي)

 

  • مدى فاعلية بديل التبعية والتغريب في إدارة حياتنا

لا تستطيع مدرسة التغريب والتبعية العربية ادعاء أنها أقامت بديلاً مستقلاً قابلاً للحياة فضلاً عن نموذج نهضوي رغم الفرص الكبيرة التي حصلت عليها بعد سقوط الخلافة، فقد حكم أنصار التبعية، المتغربون والتقليديون، كثيراً من البلاد العربية بمساندة الدول الكبرى، ولم تؤد جميع “مزايا” الاختراعات الغربية والاندماج بالغرب (التعليم والصحة والمواصلات وزيادة السكان والتصنيع والزراعة) إلى بناء بديل مستقل قادر على تحقيق مستوى مقبول من إطعام مواطنيه وكفاية حاجاتهم والدفاع عنهم بإمكاناته الداخلية دون الاعتماد الكلي على الخارج:

 

1-فإما أن هذه المزايا سهلت حصول الغرب على ثرواتنا، كالمواصلات الحديثة لنقل مورد كالنفط أو الغاز الذي لا يفيد مالكيه إلا بتمويل ترف استهلاكي سطحي يعتمد على شراء مكثف من الأسواق الغربية، في الوقت الذي يحرك فيه النفط مصانع الغرب واقتصاداته ثم تعود الفوائض المالية العربية إلى الخزائن الغربية أيضاً، وكزيادة الرقعة الزراعية لزراعة المواد الأولية لمصانع الغرب بدل إنتاج الطعام لنا، وذلك في بلاد عربية يزيد اتصالها بالغرب عن الاتصال فيما بينها ولا تستطيع إطعام أنفسها أو كفاية حاجاتها أو الدفاع عن أنفسها،

 

2-أو أنها مزايا تحولت إلى أعباء على دولة التجزئة كزيادة عدد السكان الذين يعيش كثير منهم في الفقر والمرض والجهل في وقت تؤلف كثرة السكان مصدر قوة للدول الكبرى،

 

3-أو أنها مزايا عجز النظام الرسمي عن الإفادة منها كالتعليم إذ لا يجد تصريفاً إلا في الأعمال الخدمية والمكتبية فيهاجر المتعلمون جاهزين إلى الغرب، أو التصنيع الذي ما زال يحبو ولم ولن يصل درجة تنافسية في زمن دخل العالم الثورة الصناعية الثالثة ونحن لم ننجز الأولى، ومع كثرة الشهادات العلمية التي يتباهى بها البعض على “جهل” و”أمية” العهد العثماني، فإننا اليوم لم نتمكن من صناعة إبرة الحياكة أو قلم الرصاص بهذه الشهادات، في الوقت الذي كان فيه المجتمع العثماني مكتف ذاتياً حتى مراحل متأخرة في الطعام والبضائع، واليوم كلما رفعنا رأسنا قليلاً ضُربت نهضاتنا، ولا ننسى أن الاندماج بالنظام الغربي العالمي هو الذي يحمي بالقوة المسلحة الظروف السياسية للضعف والتجزئة ويمنع الخروج عليها وإيجاد بديل عنها وهو ما يجعل كل مزايا الحياة الحديثة سطحية ومستعارة وغير قائمة على أسس ذاتية قابلة للاستمرار لاسيما عندما تنضب الثروات الطبيعية في بلادها أو يوجد بديل عنها.

  • الخلاصة والاستنتاج

1-كان الاقتصاد القديم في أطراف بلادنا (كالكويت نموذجاً) عاملاً، مستقلاً، مكتفياً، وليس فقيراً بل احتوى جوانب من الثراء والفاعلية أهلت أصحابه للقيام بأدوار سياسية وعسكرية بارزة في زمنها، كالتصدي للمطامع الأجنبية والمشاركة في حملات الدولة العثمانية ودعم مجهودها ضد أعدائها.

2-كان هذا الاقتصاد يتطور حسب الحاجات المستجدة ويستند إلى الدعم من المجال الموحد الذي يظل بلادنا، ولم يكن وصف هذا الحال بالتخلف والأمية منطبقاً عليه وفق شروط زمانه، وليس من العدل وصف مجتمع مكتف ذاتياً وفق ظروف زمنه بالتخلف ووصف مجتمع آخر بالعلم لمجرد وفرة الشهادات التي لا تؤهله لصناعة قلم رصاص فقط.

3-أدى التدخل الأجنبي لحماية مصالح الغرب إلى وقف احتمالات النمو كالتي جسدتها التطورات المستمرة سواء التدريجية أو الطفرات كسكة حديد بغداد، وتم احتلال بلادنا تحت عناوين متباينة من الحماية إلى الاحتلال العسكري إلى الانتداب، ووضعت أقطارنا في مواجهة بعضها البعض لخدمة المصالح الأجنبية، وكانت تعين الأجنبي على الاحتلال الذي لم تكن أزمة 1990 هي الأولى فيه بل استمرار لظاهرة استخدام الأجنبي لتجزئتنا في احتلال هذا القطر أو ذاك.

4-أدى ظهور النفط إلى تكالب المصالح الاستعمارية من جهة وتوقف النمو في الاقتصاد التقليدي من جهة أخرى والانتقال إلى اقتصاد ريعي قائم على الإنفاق من الثروة الناضبة دون تحقيق أي نمو مستقل كان من المفترض تحقيقه بهذه الإمكانات المستجدة، فتراجع الاستقلال الاقتصادي والعمل الإنتاجي والتطور التدريجي والاكتفاء الذاتي عما كان عليه الحال زمن الاقتصاد التقليدي.

 5-وأصبح هناك عقد غير مكتوب بين دولة التجزئة النفطية والدول الكبرى تدفع بموجبه دولة التجزئة ثمن رفاهيتها من خيراتها مقابل ضمان الدول الكبرى لبقاء حدودها وأنظمتها، ولم يكن هناك سبب لدى الدول الاستعمارية للثورة على هذه المعادلة التي تغرق البلاد النفطية في بحبوحتها الظاهرية ، فتحت تبرير قبول ورضا صاحب الثروة المتنعم بالاستهلاك المفرط، يذهب النفط لتسيير عجلة الاقتصاد الغربي المتطور، ثم ترجع عوائد الأسعار التي دفعت ثمناً له وكانت باهظة (أحياناً)، لسداد أثمان البضائع الاستهلاكية الأعلى سعراً بكثير، ثم تذهب الفوائض على شكل ودائع ضخمة في مصارف الغرب واستثماراته البليونية، فلماذا يغضب الغربيون من هذه الديمقراطية المريحة؟

6-لم يقتصر الأمر على الإفادة الاقتصادية من موارد الدول الوظيفية وأموالها، فبعد زوال ظل الخلافة الإسلامية هيمن الغربيون على بلادنا واتخذوها أدوات وظيفية استراتيجية ضد بعضها البعض لحماية المصالح الغربية في النفط والكيان الصهيوني وضرب القوى المعادية بالاحتلال والحصار والتآمر والحروب الاقتصادية، وكانت قيادات التجزئة العربية تقع في الفخاخ إما مدركة أو غافلة لتصبح حراباً في ظهور إخوتها، وكان الرابح من كل الأزمات التي نشبت بين هذه الأقطار هو المستعمر الأجنبي وحده وكنا نحن دائماً الطرف الخاسر حتى لو خدعتنا أوهام القوة والنصر.

7-لم يؤد نموذج التغريب الذي حكم بلادنا بعد زوال الخلافة برضا ودعم كاملين من المراكز الغربية أي إنجاز نهضوي حقيقي سوى الوفرة الاستهلاكية التي انتشرت في البلاد النفطية، وهي وفرة خادعة وغير قابلة للاستمرار، كما تحولت الإنجازات إلى خدمة المصالح الأجنبية وأصبحت الإمكانات كالوفرة السكانية عبئاً ، والنفط نقمة على بلادنا.

8-ليس الهدف من إيراد هذه الحقائق الدعوة إلى العودة إلى الغوص على اللؤلؤ والاعتماد على فرش الحصير، بل دق ناقوس الخطر من التقصير في استغلال الطاقات النفطية الهائلة في تطوير الاقتصاد المحلي الذي تمكن فيه أجدادنا من إنجاز الكثير من القليل جداً من الموارد وكان من المفترض أن تزيد هذه الإنجازات بالإمكانات المستجدة لا أن يتراجع الاكتفاء والعمل والاستقلال والكد فيكون المرء معتمداً على ذاته وقوياً وهو طفل فلما أصبح راشداً صار عالة وكسولاً وأداة بيد الأجنبي، وإن الانخفاض الحاد في أسعار النفط وما صاحبه من عجز في الميزانيات لنذير بما ينتظر بلادنا لو استمر هذا الشكل من الاقتصاد الريعي.

9-الخروج من هذا النفق يقتضي تغيير المعادلة السائدة من أساسها، فدولة التجزئة غير قادرة على مواجهة الهيمنة الاستعمارية التي تديم هذا الاستغلال، وليست قادرة أيضاً على توظيف إمكانات بلادنا بما يحقق نهوضها، إذ ليس لديها مستلزمات هذا التوظيف الأمثل سواء نتيجة عجز قرارها السياسي المرتبط بالضمانات الأجنبية التي يحتاج إليها أو نتيجة صغر مساحاتها التي لا تؤهلها لتوفير أي أسواق عريضة لازمة لصناعات ناجحة، وتوفير المستلزمات المذكورة يقتضي اندماج بلادنا في صيغة وحدوية تثور على الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي العميل دفعة واحدة.

10-من الواضح أن شن الحرب على أحد هذين القرينين غير ممكن بالاستناد إلى قرينه، فلن يثور الاستبداد على الاستعمار الذي يضمن وجوده، ولن يتخلى الاستعمار عن الاستبداد لأنه يعلم أن الجماهير لن ترضى به يوماً لأن الحقائق الموضوعية تؤكد تناقض المصالح ولن يمكن خداع كل الناس في المشرق إلى الأبد وإيهامهم أن الغرب هو منقذهم.

 

 

  • الهوامش

 

 

________________________________________

[1] – سيف مرزوق الشملان، من تاريخ الكويت، ذات السلاسل، الكويت، 1986، ص 137.

[2] -محمد شعبان صوان ، السلطان والمنزل : الحياة الاقتصادية في آخر أيام الخلافة العثمانية ومقاومتها لتمدد الرأسمالية الغربية، دار الروافد الثقافية، بيروت، ودار ابن النديم، الجزائر، 2013، ص 17.

-أندريه ريمون، المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، دار الفكر لدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، 1991، ترجمة: لطيف فرج، ص 200-201.

[3] -محمد شعبان صوان، معضلة التنمية الاستعمارية: نظرات في دعاوى إيجابيات الاستعمار، دار الروافد الثقافية، بيروت، ودار ابن النديم، الجزائر، 2015، ص 157-184.

[4] -بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الأوسط، النايا للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2011، ترجمة: أدهم وهيب مطر، ص 325.

[5] -مريم جويس، الكويت 1945-1996: رؤية إنجليزية-أمريكية، دار أمواج، بيروت، 2001 ، ترجمة: مفيد عبدوني، ص 119 و 124.

[6] -نفس المرجع، ص 166.

[7] -جان جاك بيربي، جزيرة العرب، دار الآفاق العربية، القاهرة، 2001، ترجمة: نجدة هاجر وسعيد الغر (1960)، ص 252-269.

[8] -الدكتور علي محافظة، بريطانيا والوحدة العربية 1945-2005، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص 15 و 220-232.

[9] -مريم جويس، ص 83.

[10] -نفس المرجع، ص 139 و 143و 146 و 151 و 168.

[11] -الدكتور حسن علي الإبراهيم ، الكويت: دراسة سياسية، مؤسسة دار العلوم، الكويت، 1980 ، ص 143 .

[12] -نفس المرجع السابق ، ص 157 .

[13] -مريم جويس ، ص 178 .

[14] -صحيفة الوطن الكويتية 11/8/2011 ، ص 22 .

[15] -صحيفة الوطن الكويتية 2/11/2010 ، ص 22 .

[16] -صحيفة الرأي الكويتية ، 19/3/2011 ، ص 7 .

[17] -صحيفة الوطن الكويتية ، 1/12/2011.

[18] –  http://seifnews.com/last/index.php/news/kuwait/77532

[19] -صحيفة الرأي الكويتية ، 9/10/2009 .

[20] -وكالة الأنباء الكويتية ، 19/12/2006 .

[21] –  http://seifnews.com/last/index.php/news/kuwait/77532

[22] -محمد حسنين هيكل ، حرب الخليج: أوهام القوة والنصر، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1992 ، ص 275 .

 [23]-حمدان حمدان ، الخليج بيننا: قطرة نفط بقطرة دم، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، 1993 ، ص 193 .

   -الدكتور علي محافظة، ص 21 و 425.

   -رغيد الصلح، حربا بريطانيا والعراق 1941-1991، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1997، ص 342-346 و 352-353 و 393.

   -مريم جويس، ص 212.

[24] -وثائق سرية بريطانية : التآمر على بغداد يبدأ قبل 18 شهراً من الاحتلال، 2011 .

   – http://www.darbabl.net/akhbarshow.php?id=1905

[25] -محمد شعبان صوان، 2013، ص 283-286.

[26] -رغيد الصلح، ص 94-95.

[27] -نفس المرجع، ص 149-151.

     -وليد حمدي الأعظمي، الكويت في الوثائق البريطانية 1752-1960، رياض الريس للكتب والنشر، قبرص ولندن، 1991، ص 144-149.

[28] -الدكتور علي محافظة، ص 13 و 172 .

     -رغيد الصلح، ص 312-313.

     -مؤيد الونداني، الاتحاد العربي في الوثائق البريطانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2013، ص 45-53 (مقدمة الدكتور سيار الجميل) وص 124-128.

[29] -الدكتور علي محافظة، ص 195.

[30] – مؤيد الونداني، ص 65.

[31] -دوجلاس ليتل، الاستشراق الأمريكي: الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ 1945، المركز القومي للترجمة، 2009، ترجمة: طلعت الشايب، ص 251 و 350-351.

     -مريم جويس، ص 151 و 172.

[32] -رغيد الصلح، ص 344.

[33] -الدكتور علي محافظة، ص 178 و 369-370.

     -رغيد الصلح، 396-398.

[34] -عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، 1999، ج 1 ص 373.

[35] -عبد الوهاب المسيري، الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيري جديد، دار الشروق، القاهرة،2002، ص 92.

[36] -رغيد الصلح، ص 235.

[37] -الشيخ عبد العزيز الرشيد، تاريخ الكويت، دار قرطاس، الكويت، 1999،  ص 225-226.

[38] -سيف مرزوق الشملان، ص 130.

[39] -نفس المرجع، ص 181 و 184.

[40] -عادل محمد العبد المغني، الاقتصاد الكويتي القديم، مطابع القبس التجارية، الكويت، 1987، ص 154 و173.

[41] -د. يعقوب يوسف الحجي، الكويت القديمة: صور وذكريات، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت، 2001، ص 188.

[42] -سيف مرزوق الشملان، ص 184.

[43] -د. يعقوب يوسف الحجي، ص 101.

 [44] -صحيفة الوطن الكويتية 17/2/2008 ص 26.

[45] -وليام فيسي وجيليان غرانت، الكويت في عيون أوائل المصورين، مركز لندن للدراسات العربية، لندن، 1998، ترجمة: أشرف إبراهيم، ص 13.

[46] -وليد حمدي الأعظمي، ص 93-96.

[47] -نفس المرجع، ص 99-102.

     -زين نور الدين زين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان، دار النهار للنشر، 1977، ص 209.

[48] -سيف مرزوق الشملان، ص 170-175.

[49] – Salwa Al-Ghanim, The Reign of Mubarak Al-Sabah Shaikh of Kuwait 1896-1915, I.B. Tauris, London, 1998, p. 197

[50] – قام الباحث الهولندي بن سلوت بالرد على الدكتورة سلوى بالتخفيف من وطأة خطوة الشيخ مبارك في كتابه “مبارك الصباح مؤسس الكويت الحديثة1896-1915 م” ، مدعياً أن ليس هناك شيء غير عادي فيها وليس هناك إشارات حقيقية تدل على أن حكومة الهند كانت مرتاعة، والحقيقة أن أحكام سلوت وتقويماته يجب ألا تؤخذ على محمل الجد لأن كتابه كله مسخّر لخدمة هدف مسبق هو تفخيم شخصية الشيخ وتكبير إنجازاته ومحاولة إثبات الاستقلال الكامل لحكمه عن الدولة العثمانية أكثر مما تعرضه الأدلة الموضوعية ولهذا لم يكن يتحرج من اللجوء إلى إنكار المحسوسات في سبيل إثبات رأيه المسبق مثل ادعائه الغريب بأن الأتراك نسوا عند ادعائهم تبعية الكويت للدولة العثمانية أن “الكتاب الرسمي السنوي العثماني لم يذكر أي قائم مقام للكويت”ص472 وهذا خطأ فادح إن لم يكن كذباً صريحاً وقد رد عليه الباحث الكويتي الأستاذ طلال سعد الرميضي من واقع الكتاب الرسمي العثماني السنوي (السالنامة) الخاص بولاية البصرة لسنوات عديدة حيث ذُكر الكثير منهم (الكويت والخليج العربي في السالنامة العثمانية، 2009، ص85)، كما ادعى سلوت بأن”الحجر الصحي أمر دولي وليس له علاقة بالدولة العثمانية” ص121 وهو ادعاء تكذبه الوثائق البريطانية التي عاصرت الأحداث والتي تؤكد أن مكتب الحجر الصحي العثماني من أدلة السيادة العثمانية ولهذا كانت بريطانيا ترفض إقامته في البلاد التي تطمع فيها كالبحرين وقطر كما كانت الدولة العثمانية تعين مسئول الحجر الصحي حيث تريد إثبات سيادتها كالكويت (دليل الخليج القسم التاريخي، ط قطر، ج3 ص1256 و1406و1526-1527) ،وشكك سلوت أيضا فيما أجمعت عليه المراجع التاريخية المختصة -ومنها البريطانية التي عاصرت الأحداث كدليل الخليج- وهو صدور إرادة سلطانية رسمية بتعيين الشيخ مبارك قائم مقام على الكويت، ص171، ويحصر الدليل الذي يشكك فيه في مؤلف واحد نقل عن والي البصرة فقط، ويتجاهل سلوت أن الأمر أذيع في المنطقة ورد عليه أهل الكويت ببرقية للباب العالي تشكر أمير المؤمنين “بما عهد به إلى الشيخ مبارك الصباح ومن منصب القائمقامية وبذلك وله الحمد حلت الراحة العمومية في الكويت وأنحائها” ص67 من كتاب “بيان الكويت: سيرة حياة الشيخ مبارك الصباح” للدكتور سلطان القاسمي ط الشارقة 2004،كما ينكر سلوت المحسوس الذي نقلته المصادر الكويتية من ميل الكويتيين في الحرب الكبرى الأولى (1914-1918) إلى جانب العثمانيين ورفضهم القتال إلى جانب الإنجليز وحليفهم الشيخ خزعل أمير المحمرة رغم أوامر الشيخ مبارك وهو ما ينقله سلوت بإبهام غير علمي (ص523) يخالف ما جاء مثلاً من وضوح في كتاب “من تاريخ الكويت” للأستاذ سيف مرزوق الشملان الذي نقل”عصيان الكويتيين وعدم امتثالهم” لأوامر الشيخ الذي “غضب غضباً شديداً” وطلب منهم السير “وعصوا، وقالوا: نموت على الإسلام ولا نموت على الكفر” ، “فكيف يقاتلون إخوانهم في الدين لأجل الشيخ خزعل خان وكيف يشتركون في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ” (ص170-175) من ط ذات السلاسل في الكويت 1986،بل يجرؤ سلوت على الادعاء بعكس الحقيقة فيحاول إثبات موالاة الكويتيين لبريطانيا استناداً لتقارير بريطانية ربما لم يكن ليحفل بها لو قالت العكس كما فعل في مسائل أخرى، وهكذا يسير الكاتب بهذا الطريق الوعر الذي أوصله لمحاولة تربيع الدائرة أي إثبات الاستقلالية الكاملة لشخصية كتابه حتى عن بريطانيا (ص532- 533 مثلاً) رغم اتفاقية 1899 التي جعلت الشيخ مقيداً بقيود عديدة أوضح من الشمس في رابعة النهار (لا يبيع ولا يؤجر ولا يرهن ولا يفوض ولا ينقل ولا يعطي ولا يقبل…بغير رخصة الدولة البهية القيصرية الإنكليس…ويقيد نفسه وورثته وأخلافه إلى الأبد) حتى أن الكويتيين أنفسهم يحتفلون سنوياً بذكرى خلاصهم الرسمي من هذه المعاهدة ويسمون اليوم بعيد الاستقلال، فأي استقلال يريد المؤلف إثباته في ظل تلك المعاهدة التي كان الاستقلال في الخلاص منها؟ ولا يمكن حصر تجاوزات الكتاب في مقام ضيق كهذا والخلاصة أن أحكام سلوت في كتابه غير موثقة ولا يجب الاستناد إليها لأنها تلوي أعناق الأدلة لإثبات رأي مسبق.

 

[51] – Jonathan S. McMurray, Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway, Praeger, London, 2001, p. 124.

[52] -محمود شاكر، موسوعة تاريخ الخليج العربي، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمّان، 2015، ج 2 ص 559-561.

[53] -نفس المرجع، ج 2 ص 561.

[54] -سيف مرزوق الشملان، ص 181-182.

[55] -نفس المرجع، ص 184-185.

[56] -الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم، التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين (1914-1939)، الكويت، 1997، ص 92.

[57] -سيف مرزوق الشملان، ص 185.

[58] -الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم، ص 92.

[59] -سيف مرزوق الشملان، ص 185.

[60] -رغيد الصلح، ص 149.

[61] -نفس المرجع، ص 150.

[62] -الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم، ص 162 و 172 و 177 و 179.

[63] -جان جاك بيربي، ص 266.

[64] -الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم، ص 180.

[65] -جان جاك بيربي، ص 266.

[66] -الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم، ص 180-181.

[67] -مؤيد الونداني، ص 125 و 678-682.

[68] -نفس المرجع، ص 65.

[69] -وليام فيسي وجيليان غرانت، ص114.

[70] -فؤاد مطر (سلسلة أعماله الشاملة)، الخميني وصدام: القرار الصعب والخيار الأصعب، الدار العربية للعلوم-ناشرون، بيروت، 2007، ص 229-230.

[71] -رغيد الصلح، ص 332.

[72] -الدكتور سامي عصاصة، هل انتهت حرب الخليج: دراسة جدلية في تناقضات الصراع، مكتبة بيسان، بيروت، 1994، ص 144.

[73] -الدكتور علي محافظة، ص 357-359.

[74] – http://www.arabrenewal.info/2010-06-11-14-22-29/29936-في-ذكرى-ضياع-فرصة-مصالحة-ذهبية-إلى-متى-سنصغي-إلى-الأجنبي؟.html

[75] -صحيفة “الدستور” الأردنية: طالباني: أميركا احتلت العراق من أجل إسرائيل والنفط (25/12/2008)

http://www.addustour.com/15249/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A:%20%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7%20%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%20%D9%85%D9%86%20%D8%A3%D8%AC%D9%84%20%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7.html

-صحيفة “النهار” الكويتية: طالباني: أميركا احتلت العراق من أجل إسرائيل والنفط (25/12/2008)

http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=113373

[76] -الرأي نيوز، طالباني يعترف: “أنا أول الفاشلين” (30/4/2011)

[77] -جيف سيمونز، 1998، ص 29.

[78] -الدكتور علي محافظة، ص 370.

     -رغيد الصلح، ص 353-355.

[79] -الدكتور علي محافظة، ص 119 و120-121.

     -دوجلاس ليتل، ص 354-366.

     -دكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف بمصر، 1973، ج 1 ص 641.

[80] -أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ج 4 (الكتب والدراسات القومية-2)  ص 3243 – 3244 (الجامعة العربية كيف تكون جامعة وكيف تصبح عربية ص 231-232).

[81] -الدكتور علي محافظة، ص 218.

[82] – http://www.arabrenewal.info/2010-06-11-14-13-03/49400-من-تاريخ-اليسار-العربي-وسياساته-اليمينية-(1).html

[83] -مريم جويس، ص 151 و154 و 184.

[84] -نفس المرجع، ص 69 و 197 و 201.

[85] -نفس المرجع، ص 163.

[86] – وليام فيسي وجيليان غرانت، ص 13.

     -بيتر مانسفيلد، 325.

[87] -دانييل يرغن، الجائزة: ملحمة البحث عن النفط والمال والسلطة من بابل إلى بوش، دار التكوين للنشر والتوزيع، دمشق، 2004، ترجمة: حسام الدين خضور، ص 6-7 و 939-941.

[88] -محمد شعبان صوان ، 2013، ص 79-84 و 127-230.

 


الصهيونية بين دولة الوحدة ودول التجزئة.. شعبان الصوان..

9 يوليو 2016

 

الصهيونية بين دولة الوحدة ودول التجزئة

 

محمد شعبان صوان

 

 

۞شمولية الصراع أكبر من حدود إمكانات التجزئة

خلافنا مع الصهيونية ليس على اعتذار ولا على حصار، وعلينا أن نسأل أنفسنا وفقاً لهذا السقف المزعوم: هل اعتذار الصهاينة عن مأساة السفينة مرمرة سيجعلهم أصدقاء طبيعيين لنا؟ وماذا عن بقية جرائمهم التي لا تعد ولا تحصى منذ قيام كيانهم إلى اليوم؟ ولكن وفق تقسيمات التجزئة فإن هذه الجرائم لم تصب تركيا، وتبنيها رفع الحصار عن غزة “تفضل” منها لأن غزة ليست من ضمن حدودها، فإذا رفع الحصار فهو “فضل” وإلا فالمسئولية ليست على تركيا وحدها، هذا هو منطق الجميع داخل بنيان التجزئة وليس منطق تركيا فقط وهذه هي نظرتها وسياستها التي يمليها حجمها وحدودها والتزاماتها الدولية، وبهذا يتبين خطأ الذين حملوها وصف الخلافة الجديدة، وبغض النظر عن الشروط التي تحققت والتي لم تتحقق في الخلاف الصهيوني التركي، فإن مطالب أمتنا ليس هذا سقفها الذي يحاول الإعلام الإيحاء للناس بحصر خياراتهم فيه وهي وسيلة نفسية معروفة يتلاعب بها العارض بالمعروض عليه: تريد كذا أم كيت؟ والحقيقة أنه لا كذا ولا كيت هو المطلوب، المطلوب أن يرحل المجرم بمتاعه كلياً لا أن يعتذر ولا أن يخفف حصاره، ولكن هذه ليست طاقة التجزئة ولا ضمن جدول أعمالها، الواقعية أن يفهم المرء واقعه لا أن يعيش في أوهام ثم يتعرض للصدمات المتتالية، منذ متى وأمتنا تحمل حكام التجزئة مسئوليات أكبر من أحجامهم المتواضعة ثم تفيق بعد تحليقها وتسقط على رأسها لتحلق بعد ذلك في وهم جديد وهكذا.

علينا أن نتذكر أن خطاب التطبيع الذي عرضه الرئيس السابق أنور السادات كان يتضمن شروطاً أفضل مما طالبت تركيا به، وأن ما حققه بالأمس أكبر مما حققته تركيا اليوم، فلماذا نبذت الأمة السادات ويفترض أن تهلل لأردوغان؟ ثم بعد ذلك علينا أن نتذكر جيداً أن ما حققه اتفاق أوسلو لم يكن مجرد اعتذار أو فك حصار، ومع ذلك وصمه بالخيانة من يهللون لاتفاق تركيا اليوم لأجل أكياس من الطحين ومساعدات إنسانية أخرى، فلماذا نصر على رؤية أبطال تاريخنا العمالقة في شخصيات أكثر تواضعاً وأقل حجماً؟

وكيف انتقلت إنجازات التجزئة من الرفض إلى القبول حتى بعدما انخفض سقفها فصار انتصاراً بعدما كان خيانة؟ إن على أصحاب هذا المنطق ليس المطالبة بالاعتذار عن سفينة مرمرة بل إنهم هم المطالبون بالاعتذار للسادات وعرفات وكل حكام العرب الذين مازالت مطالبهم للتطبيع أعلى من مجرد اعتذار ورفع حصار، هذا إذا تجاوزنا اللقاءات الخفية التي شارفت على الفضيحة، ولكن هذا لا يعني أننا بين خيارات محصورة بشكل الاستسلام المناسب، فخيارات أمتنا الكبرى أفضل بكثير مما تعرضه التجزئة وصغارها علينا، وأمة عملاقة ليست مجبرة على أن تحني رأسها، ولكن شرط النصر أن تخرج من ثوب التجزئة المرقع وتستبدل به ثوب الوحدة الكاملة، فمنطق التجزئة لن يحقق أي انتصار وسيظل السقف ينخفض إلى أن يطبق على رءوسنا، هذه هي نتيجة الإصرار على النظر من خلال العدسات السحرية التي تقلب الحقائق التي يحاول الأبطال المزيفون أن يشرحوها عندما يتبرمون من فرط الولاء ولكن عيون الغرام ترفض أن تستوعبها وتصر على تحميل من تحبهم مسئولية لن يحملوها يوماً [*]، ودون أن ندرك أن التجزئة هي أصل الداء فلن نستطيع التعامل مع واقعنا وسنظل نرى المهدي في أي دجال.

۞مفهوم العداوة في زمن انقلاب المفاهيم

في زمن انقلاب المفاهيم الذي لم يعد يقتصر على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا على الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف بل أصبح فيه المعروف منكراً والمنكر معروفاً، في هذا الزمن إذ أصبح العدو حليفاً والأخ عدواً والخيانة وطنية والجريمة شريعة والسفالة تقدماً والتفاهة عمقاً والحماقة علماً، لم يعد الحديث عن عداوة الصهيونية وتجريمها سوى لغة خشبية لا تناسب رقة الإنسانية ولا تطورها ، ولهذا لن يكون حديثي موجهاً إلى أصحاب هذه الرؤى النبوية الكاذبة التي تدعي اكتشاف ما لم يعرفه الأولون وترى الصهاينة حلفاء ضد أي خطر حقيقي أو موهوم لأنني بصراحة غير قادر على إثبات قضايا من ضرب زرقة البحر وخضرة الشجر وسطوع شمس النهار وظلمة الليل وأعتقد أن هناك أفكاراً لو احتجنا إلى إثباتها لارتبك ناموس العقل والقيم ولهذا لن يكون حديثي موجهاً إلا لمن ما زال يرى الصهاينة جزءاً من جبهة معادية تبدأ في كيانهم وتنتهي في عواصم الغرب.

الهدف من الحديث هو تبيان الفرق بين وضع الصهيونية عندما كانت تواجه دولة الخلافة ووضعها عندما أصبحت تواجه دولة التجزئة، وبصراحة لقد تعمدت ألا تكون المقارنة موضوعية في أكثر من جانب:

  • ستكون المقارنة بين أسوأ أزمنة الخلافة وأزهى عصور التجزئة مع أن الموضوعية تقتضي أن نقارن بين الأزمنة المتشابهة.
  • لن تعطى الفرصة لأنصار الفريقين بالحديث كل عن نموذجه بالتعادل بل سيقتصر الكلام على أنصار دولة التجزئة للحديث عن أنفسهم وعن دولة الخلافة أيضاً مع أن الإنصاف يقتضي أن يتحدث كل عن نفسه أو يتحدث كل عن غريمه المهم أن تكون الفرصة متعادلة بين الطرفين، ولكني لن أحقق هذا الشرط الموضوعي أيضاً.

ومع كل هذا ماذا ستكون النتيجة ومن هو الرابح في المقارنة؟

۞موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الصهيونية في آخر أيام الخلافة مقارنة بتركيا وبقية دول التجزئة اليوم

إن كتاب “دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين” للدكتورة فدوى نصيرات من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت 2014 هو ذروة ما تم تأليفه في الهجوم على السلطان وموقفه من الصهيونية، وهو مليء بالمعلومات غير الصحيحة والتحليلات غير الدقيقة والازدواجية في الطرح وتطويع الحقائق لتتلاءم مع نتائج مسبقة أعدت سلفاً في سبيل التوظيف السياسي وليس الهدف العلمي الأكاديمي، وعلى كل حال ليس هذا هو مكان الرد عليه فقد أفردت لذلك دراسة خاصة (نظرات في كتاب دور السلطان عبد الحميد في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين)، ما أريده هنا هو الاستشهاد باعترافاتها الكافية لتبرئة موقف متهَمها بعيداً عن أي رد مطول عليها، فهي ترد على نفسها، والمهم أنه رغم تطرف الدكتورة في إدانة السلطان عبد الحميد فقد اضطرتها مواقفه الصلبة للاعتراف بما يلي:

  • “ونقول إن عبد الحميد كان عنده رغبة شديدة بحل كل مشاكل الدولة العثمانية المالية ورفع السيطرة الأوروبية على الدولة، “لكن المحرم وحدود المحرم” هو الذي وقف في طريق عبد الحميد، فهرتزل أراد التعهد وعبد الحميد أراد المال، وعبد الحميد لم يكن قادراً على منح التعهد “بشكل مباشر”. كان السبب الرئيسي لعدم توصل هرتزل إلى اتفاق مع الأتراك هو إصراره على الجمع بين المالية ومشاريع الاستيطان، والعثمانيون بدورهم فصلوا بين السندات المالية والحصول على التعهد من أجل فلسطين، وعندما أصر هرتزل على التعهد أسقط السلطان أي ضمانة أو حتى الوصول إلى أي تفاهم مع الصهاينة في الأمور المالية” ص 176.

ملاحظة: الغريب أن الدكتورة تعترف أن سبب عدم التوصل إلى اتفاق صهيوني عثماني هو رفض السلطان عرض هرتزل المالي مقابل الموافقة على الاستيطان، ولكن طرحها يدافع عن أنظمة عربية تستجدي الاتفاق مع الصهاينة والسبب الرئيس في فشل الاتفاق هذه المرة ليس صلابتنا في رفض الاستيطان بل رفض الصهاينة لطرح “الشرعية الدولية” رغم كونه يعترف بتسليم أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين للاستيطان الذي تعترف به رسمياً هذه الأنظمة على اختلاف توجهاتها.

وتتابع الدكتورة فدوى نصيرات وصف موقف السلطان عبد الحميد في كتابها المكرس للهجوم عليه:

  • “إن عبد الحميد مع تقدم المفاوضات وانكشافها أصبح يدرك أن هناك مشاعر إسلامية ضد المشروع تزداد قوة يوماً بعد يوم، فكان من نتيجة ذلك أن تناقصت رغبته في عقد الصفقة، وزاد حرصه على عدم إغضاب الرأي العام الإسلامي الذي كان السلطان قد بدأ يتزلف إليه ليستميله ضد أوروبا” ص 176-177.

وهنا يتساءل المراقب: أين هو إذن استبداد السلطان الدموي الأحمر الذي يجاري بل يتزلف الرأي العام في أمته مقاوماً رغبته الشخصية بالاتفاق مع أعداء الأمة؟ وأين هو من ديكتاتوريات التجزئة التي كانت حريصة على التزلف إلى الغرب وحضارته ومقاومة الرأي العام في بلادهم بالقوة والقهر والدم لإجباره على قبول رغبات القادة الشخصية في الخضوع والخيانة والاستسلام لأعداء الأمة؟

قالوا إن السلطان مستبد وهو يتزلف إلى أمته ويفضلها على دول أوروبا العظمى ويقف ضد رغباته الشخصية التي زعموا أنها تميل للتفاهم مع الصهاينة، وقالوا إن قادة التجزئة عظماء وهم يتزلفون إلى أوروبا وأمريكا والصهيونية بتسليم فلسطين ضد رغبة أمتهم ويفرضون انحرافاتهم الشخصية على شعوبهم!

وتكمل الدكتورة فدوى نصيرات اعترافاتها في أثناء هجومها على السلطان عبد الحميد وموقفه من هرتزل والصهيونية:

  • “إن عبد الحميد، المشهود له بالذكاء والمهارة الدبلوماسية في تسيير الأمور، لا يمكنه أن يتورط في عمل كهذا وبالصورة التي أرادها هرتزل، لكنه أبقى على شعرة معاوية بينه وبين هرتزل وذلك لمحاولته التخلص من الدين العام وإنعاش البلاد اقتصادياً بالأموال اليهودية، وفي المقابل كان لا يستطيع أن يقدم شبراً واحداً من فلسطين فكان يريد الأخذ دون عطاء، إلا أن هرتزل لم يقم وزناً لأي عطاء من قبل السلطان خارج فلسطين” ص 177.

والسؤال هو: رجل يفاوض عدوه ليأخذ منه ما ينعش بلاده الواسعة والمنهارة ولكن دون أن يتنازل له عن شبر واحد، ما هي بالضبط جريمته؟ وهل بيننا فعلاً أي اختلاف على موقف السلطان؟ وكيف يستحق الإدانة من لم يجرؤ على تقديم شبر واحد من فلسطين في الوقت الذي يستحق التبجيل من قدموا رسمياً وقانونياً ودولياً أكثر من ثلاثة أرباعها للصهاينة؟

ومما قالته الدكتورة فدوى نصيرات أيضاً أثناء هجومها الحاد على موقف السلطان عبد الحميد:

  • “لم يكن غريباً أن يرفض السلطان إغراءات الصهيونية المالية، وليس غريباً أن يرفض كل ما عُرض عليه من مال رغم حاجة الدولة إليها، لأن المقابل كان أرض فلسطين وهو مستحيل” ص 180.

فإذا كان السلطان قد رفض كل ما عرض عليه من مال، فكيف يُتهم بعد ذلك “بعدم الحسم”؟ فما هو الحسم إذا لم يكن كذلك؟ أو يُتهم بأنه يسعى للحصول على المال اليهودي وهو يرفضه كله؟ أو يتهم بأنه “غض النظر” عن تسلل الصهاينة؟ أليس في هذا الغض تنازل من غير مقابل في الوقت الذي يُعرض عليه ثمن كبير؟ وهل يقدم عاقل، فضلاً عن دبلوماسي مشهود له بالذكاء، باعتراف الدكتورة المحترمة، على عدم قبض الثمن الكبير المعروض عليه مقابل تنازلاته؟ وإذا كان هرتزل صاحب العرض يرفض الصفقة إلا وفقاً لشرطه وهو البيع الرسمي الفرماني أليس من الأولى أن نُفسر التسلل بعوامل أخرى أكثر قبولاً من التنازل المجاني، كالهجرة غير الشرعية والفساد الإداري والضعف السياسي لدولة تلفظ أنفاسها الأخيرة ومع ذلك ترفض الاستسلام بصك رسمي؟

وإذا كنا نهاجم سلطاناً رفض “كل ما عُرض عليه من مال” وكانت فلسطين ثمناً مستحيلاً لديه، فما بالنا نبجل حكاماً استسلموا رسمياً وقانونياً ومخازن أسلحتهم تعج بالمشتريات الفلكية ومع ذلك كانت فلسطين ثمناً مقبولاً لمجموعة من المناصب الشكلية والصدقات الدولية والتعويضات الزهيدة؟

خلاصة موقف دولة الخلافة من الصهيونية كما اعترف به ذروة الأدبيات المعادية له:

  • رفض السلطان عبد الحميد التنازل عن شبر واحد من فلسطين.
  • رفض كل ما عرض عليه من أموال رغم حاجة دولته الماسة في زمن إفلاسها.
  • دخل السلطان في مفاوضات للحصول على المال دون تنازله عن شيء.
  • سبب موقف السلطان الذي اتهم بالاستبداد والدموية هو مراعاته بل تزلفه للرأي العام الإسلامي الذي كان يناهض المشروع الصهيوني (ومع ذلك يوصف حكمه بالفردية!)، وكانت بطانة السلطان العربية مثل عزت باشا العابد وأبي الهدي الصيادي (الذي صورته الدعاية بصورة سلبية جداً كراسبوتين) هي السبب في تشجيع السلطان على هذا الموقف.
  • كان السلطان يتزلف لأمته ليستقوي بها ضد أوروبا وليس العكس كما حدث في زمن التجزئة، فأين الذين يتزلفون للغرب اليوم على حساب أمتهم ثم يوصفون بالخلفاء الجدد؟
  • وبعد كل ذلك كان أقصى ما أخذ على الموقف السلطاني غضه النظر عن تسلل اليهود إلى فلسطين وإصداره فرمانات جزئية في محاولة لاستجلاب المال اليهودي دون منحهم براءة رسمية تشوه منصب الخلافة، لكن هذه النظرية (أي غض النظر المتواطئ) لم تفسر لنا كيف يرفض السلطان منح فلسطين بصفتها ثمناً “مستحيلاً” مقابل مال وفير ثم تصبح الآن ثمناً مقبولاً ما دامت في النهاية ستصبح لليهود، وكيف سيفسر ذلك لأمته وهو حريص على التزلف لرأيها العام ضد أوروبا ، وكيف يرفض التنازل عن شبر بثمن كبير جداً ثم يتنازل بهذه السهولة مقابل مبالغ مبهمة لم يتم تحديدها ولم يتم رصد أي اتصالات أو وعود بشأنها كما فعل هرتزل مثلاً ، وكيف يمنح هرتزل ميزة التسلل مع أن هرتزل نفسه كان ضدها ولا يريد سوى الترخيص الفرماني؟ وهل يصح في عملية التأريخ أن نربط ربطاً عشوائياً واعتماداً على خيوط متخيلة بين أي تعامل مع مؤسسات أوروبية يمثلها شخصيات يهودية وبين تسلل اليهود إلى فلسطين دون أدنى دليل يربط وثائقياً بين هذه الظواهر؟ ولم تنجح الخطة المتخيلة أصلاً لأن عملية التسلل نفسها كانت تواجه عقبات كثيرة ذكرها المؤرخون مما جعل عشرات الآلاف من المهاجرين يعودون أدراجهم وهو ما لا يتفق مع فكرة “غض النظر” أو “التواطؤ الخفي” التي تطلبت حشداً من الأكاذيب والتحريفات والتأويلات التي تتجاوز المعلومات الموثقة (مما تم رصده في دراسة خاصة في كتاب السلطان والتاريخ) في وقت نجد هناك تفسيرات أكثر نجاحاً لتسلل اليهود المحدود من فكرة التواطؤ وهي الفساد الإداري والهجرة غير الشرعية التي ما زالت إلى اليوم مشكلة في العالم رغم تطور وسائل التحكم والاتصال، بالإضافة إلى الضعف السياسي الذي كانت تعاني منه الدولة العثمانية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ومع ذلك ترفض الرشوة والاستسلام بصك رسمي.

المهم بعد كل هذا، كيف يتم التطابق بين هذا الموقف الذي وقفته الخلافة زمن انهيارها فضلاً عن مواقفها في أزمان القوة والعزة وبين الموقف التركي الحالي في زمن زهوه؟ ثم ماذا كان موقف دولة التجزئة في أبهى صورها؟ وهل تفوقت على الموقف العثماني في أضعف حالاته والذي لم يعجب أنصار الدولة الوطنية؟

۞دولة التجزئة والصهيونية

رأينا أن دولة الخلافة في أضعف حالاتها تمكنت من “الحد منها (الهجرة اليهودية) والحفاظ على عروبة فلسطين” كما تصرح الدكتورة فدوى نصيرات بنفسها (ص95)

فماذا فعلت دولة التجزئة في أزهى أيامها؟

كان توقيع اتفاقيات الهدنة بعد حرب النكبة اعترافاً عربياً ضمنياً بالكيان الصهيوني [1]، ثم طالب مندوبو الدول العربية للمرة الأولى بتنفيذ قرار التقسيم ووقعوا بذلك ميثاقاً مع لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة في سنة 1949 [2]، أما سياسة الثورة المصرية فتم التصريح عنها في إجابات بعض قيادات مجلس الثورة على تساؤلات رجال السفارتين البريطانية والأمريكية عن نياتهم تجاه الكيان الصهيوني فكان الرد دائماً أن الأولوية المطلقة للقضايا الداخلية كالجلاء والاستقلال والتنمية “أما قضية فلسطين فليست على أجندة مجلس قيادة الثورة الآن” [3]، وكما يقول الدكتور رءوف عباس المتخصص في تاريخ مصر:” لم يكن الدخول في حرب ضد إسرائيل يوماً ما على جدول أعمال عبد الناصر، بل صرح ذات مرة في خطاب علني أنه ليس مستعداً في الدخول في حرب ضد إسرائيل إذا سعت لجرنا إليها” [4]، ويضيف إنه رغم غياب الخطة العربية لتحرير فلسطين، ظل التحرير شعاراً تردده الأنظمة العربية دون أن تعنيه، بما في ذلك مصر، ورغم أن ثورة يوليو من تداعيات النكبة 1948 ، فإنها لم تعمل على تحرير فلسطين، ورغم أنها رفضت الصلح مع الصهاينة، فإنها كانت ترى أن تحقيق التحرير واجباً عربياً جماعياً، ومن هنا نشأت دبلوماسية مؤتمرات القمة العربية التي كانت سلبية تماماً، وكان الخط السياسي المصري والعربي هو المطالبة بتطبيق قرارات الأمم المتحدة بالتقسيم والعودة أو التعويض [5]، وبعد تورط مصر في فخ النكسة حدث تحول جوهري بمجرد القبول بالقرار 242 ، إذ أصبح الخط السياسي هو التركيز على تحرير الوطن (سيناء) وإنهاء حالة الحرب مع الصهاينة مع محاولة التوصل إلى تسوية مناسبة لحقوق شعب فلسطين في إطار تسوية شاملة إن أمكن ذلك [6]، ثم توافق جميع الزعماء العرب التقدميين والرجعيين منذ سنة 1982 في قمة فاس على مشروعي الأمير فهد والرئيس بورقيبة القائمين على التسليم بالشرعية الدولية التي تمنح أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين (78%) للصهاينة في ظل حدود آمنة ومعترف بها، ودخل الرجعي والتقدمي في مفاوضات السلام منذ مؤتمر مدريد (1991) ومنذ ذلك الوقت أصبح التعبير عن السلام بصفته خياراً استراتيجياً من لوازم السياسة العربية (1996) ومازالت المبادرة العربية (2002) هي الخيار العربي الوحيد لدى الثوري والتقليدي، وعلينا أن نذكر في هذا السياق أن موقف العراق نفسه كان أصغر كثيراً مما حملته إياه الجماهير العربية، فبعد التهديد الشهير الذي أطلقه الرئيس صدام حسين في الأول من إبريل/نيسان/ أفريل 1990 مقسماً بحرق نصف إسرائيل لو اعتدت على العراق، جهد رحمه الله في توضيح موقفه للولايات المتحدة بوساطة سعودية وأكد أنه لا ينوي مهاجمة الكيان الصهيوني وأن تصريحه كان يتحدث عن الدفاع عن النفس فقط وأن ما يهمه هو عدم تعرض العراق لهجوم إسرائيلي، ثم أكد الرئيس لوفد الكونغرس الأمريكي الذي التقاه في الموصل بعد ما يقارب الأسبوعين نفس المضمون وأنه يسعى للأمن والسلام في العالم وفي المنطقة وأن على أي حكيم يتولى حكم إسرائيل أن يحقق السلام الآن وليس بعد عشر سنوات، وأوضح وزير الخارجية الراحل طارق عزيز للوفد أن المشكلة هي في عدم وجود غورباتشوف إسرائيلي، أي شخصية تصالحية، وفي لقاء الرئيس مع السفيرة الأمريكية يوم 25 يوليو/ تموز/ جويلية أكد لها أن العراق “لا يهدد أحداً” ولا يقبل التهديد من أحد [7]، وما حدث بعد ذلك يدل على تعنت الغرب ورفضه لغة السلام المتكافئ أكثر مما يدل على ثورية أنظمتنا وتطرفها المزعوم، وليس الهدف من سرد هذه الحوادث هو التخوين بل التأكيد على أن التجزئة لا تناسب طموحات أمتنا مهما خلصت نوايا القائمين عليها والمتولين أمورها.

ونغض النظر عن سياسة الاسترضاء بل التحالف التي انتهجتها أخيراً دول التجزئة تجاه الصهاينة وضد فلسطين، وعن التطبيع الذي وافقت عليه تركيا بثمن أبخس مما طالب به السادات ومن تبعه في أزمنتهم، فإن الدلالة واضحة منذ البداية: أن دولة التجزئة في المحصلة لم تتمكن على طول تاريخها مما أنجزته دولة الخلافة في أسوأ أيامها حين حدت من الهجرة اليهودية وحافظت على عروبة فلسطين باعتراف أشد منتقديها تطرفاً، أليس هناك إذن سبب وجيه للأثر الذي تركه حكم السلطان عبد الحميد في ذاكرة شعوب الدولة العثمانية عامة وفلسطين خاصة وأقرت الدكتورة بوجوده (ص 49)؟

۞مدى صدق النقد الموجه للسلطان عبد الحميد

بعد اطلاعنا على موقف السلطان عبد الحميد الذي استحق النقد القاسي من وجهة نظر مخالفيه رغم صلابته، وموقف دولة التجزئة التي تم تبجيلها باسم التقدم والحداثة بل والإسلام أيضاً رغم تخاذلها، من حقنا التساؤل عن مدى عدالة تلك التقويمات، وهو جور يتضح من الرغبة الجامحة في إدانة السلطان إلى درجة التناقض في الأحكام التي أصدرتها الدكتورة نصيرات عليه، وهو ما يلقي بظلال من الشك على مجمل فكرتها العامة:

  • ” لا يمكن القول إن عبد الحميد الثاني لم يكن يتوقع أن موافقته على بيع أراض محدودة في فلسطين لليهود، تكون بداية لتهويد فلسطين، فإن مثل هذا التفسير يبعد من السلطان صفات السياسي الحصيف المحنك بعيد النظر، وقد أجمع جمهرة من المؤرخين على أنه كان على حظ موفور من هذه السجايا” هذا ما قالته حضرة الدكتورة في ص 94.
  • ولكنها عادت في ص 232 لتنقض حكمها هي بالقول: “وتجيب الدراسة (أي كتابها) عن سؤال: هل كان النشاط الصهيوني بعلمه (أي بعلم السلطان) أم لا؟ وما لا يدع مجالاً للشك ” نعم بعلمه “، ولكن انعكاسات الأمر جاءت بشكل سلبي على الوضع في فلسطين وبصورة لم يتوقعها السلطان نفسه ” (!)

فأي القولين نعتمد ونصدق؟ وهل من المعقول أن القولين المتناقضين بنيا على أدلة علمية؟ وهل بنيت بقية أحكام الكتاب بنفس التسرع؟ ألا نلاحظ أن الجامع بين القولين المتناقضين هو الرغبة الجامحة في إدانة السلطان: فهو يعلم عندما نريد إدانة نواياه المستورة، وهو لا يعلم عندما نريد إدانة نتائج أفعاله غير القابلة للتصور، أي أن المهم هو الإدانة مهما كان السبب ومهما كان الدليل، أليس من الواجب أن نقارب تاريخنا بحرص أكبر قبل القيام بتشريحه بهذه القسوة غير العلمية؟

 

۞النتيجة

تؤكد حوادث القرن الفائت أن سقف التوقعات من دولة التجزئة كان أعلى بكثير من إمكاناتها المتواضعة في موضوع القضية الفلسطينية، وهو كذلك في كل التحديات التي طرحت نفسها على أمتنا منذ إلغاء الخلافة التي كانت رمز وحدتنا، كالوحدة والتحرير والتنمية والعلاقات الخارجية، وأن هذا السقف ظل يهبط باستمرار منذ توقعنا التحرير والعودة قبل نكسة 1967 إلى أن أصبحت توقعاتنا هي الحصول على كيس اسمنت وكيس طحين، لنقبل اليوم مزهوين “بالانتصار” ما رفضنا أفضل منه بالأمس بصفته انكساراً، وهذا ليس دليلاً على غياب الحكمة بالأمس بقدر ما هو دليل على بؤس الوضع الذي سادت فيه التجزئة التي قادتنا من هزيمة إلى أشد منها مع أن لنا خيارات أفضل منها بشهادة التاريخ الواقع، وفي نفس الوقت كانت الوحدة في أسوأ حالاتها أفضل من التجزئة في أزهى عصورها كما تشهد حوادث القضية الفلسطينية أيضاً، ولعل الفرق بين المبلغ الذي رفضته الخلافة العثمانية من الصهاينة في زمن فقرها (150 مليون ليرة ذهب حجم الديون العثمانية) والمبلغ الذي قبلته تركيا الجمهورية من الصهاينة أنفسهم في زمن ثرائها (20 مليون دولار تعويضات الشهداء) كاف لتصوير الفرق الهائل بين الحالين حتى دون الدخول في فرق الحسابات المالية بين الزمنين، ولن تتغير أحوالنا قبل تغيير الثوب المرقع تغييراً كاملاً، ولست هنا بصدد تحميل أحد فوق طاقته، ففي النهاية هذا هو منطق التجزئة وما يقدر عليه في ظل الإمكانات المتفرقة المتواضعة والالتزامات الدولية الكابحة وهيمنة الدول الكبيرة المعادية، المهم هو أن تعي جماهير الأمة بإمكاناتها العملاقة هذه الحقيقة فتنهض بمسئولياتها على قدر طاقاتها هي لا طاقة العاجزين من حكامها وتخرج من خيارات الهزيمة التي تعرض عليها وتعرف أنها ليست مجبرة على الاختيار بين النكسة والنكبة وأن أمامها ما هو أفضل من ذلك بكثير، وأن نجاتها لن تتحقق بأي رقعة من رقع التجزئة الحالية لأن من يقطن في فلسطين لن يكون فعلياً من مسئولية القاطن في بغداد أو إسطنبول أو الخرطوم حتى يصبح الجميع كياناً واحداً يحمل هم بعضه بعضاً وهذا لن يحدث والحدود تفصل فيما بيننا وتجعل من في دمشق عاصمة الشام ليس مسئولاً عما يحدث في بلاد الشام الأخرى ومن يعيش في القاهرة ليس مسئولاً عن بقية وادي النيل.

 

  • الهوامش

[*]- https://www.youtube.com/watch?v=6MS8foybkw8

[1]-رءوف عباس، صفحات من تاريخ الوطن، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011، ص 251.

[2]-دكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف بمصر، 1973، ج 1 ص 800.

-رءوف عباس ، ص 332.

[3]-رءوف عباس، ص 328.

[4]-نفس المرجع ، ص 348.

[5]-نفس المرجع ، ص 251 و 340-341.

[6]-نفس المرجع ، ص 251.

[7]- Majid Khadduri & Edmund Ghareeb, War in the Gulf, 1990-1991: The Iraq-Kuwait Conflict and Its Implications, Oxford University Press, 1997, pp. 100-111.


۞احتلال بريطانيا لمصر كان بداية العداوة العميقة بين الدولة العثمانية والإنجليز..5 .. وثبت المراجع.. شعبان الصوان.

9 يوليو 2016

۞احتلال بريطانيا لمصر كان بداية العداوة العميقة بين الدولة العثمانية والإنجليز

رغم الخيط الضعيف الذي ظل يربط الولاية المصرية بالحكم المركزي فإن المراجع التاريخية تجمع على أن احتلال بريطانيا لمصر 1882 كان الحد الفاصل بين زمنين في العلاقات العثمانية البريطانية التي كانت فيما سبق تقوم على الانسجام الظاهري لمدة طويلة نتيجة التزام بريطانيا بالدفاع عن فكرة وحدة الأراضي العثمانية منذ معاهدة باريس بعد حرب القرم 1856 ثم تغيرت الأمور بعد تخلي بريطانيا عن هذا المبدأ بعد الحرب العثمانية الروسية ومؤتمر برلين 1878 واتجاهها إلى احتلال أراض عثمانية كانت قبرص هي بوابتها 1878 ثم لما وقع احتلال مصر أصبحت بريطانيا في موقع العدو الكريه بالنسبة للسلطان العثماني الذي “كان عنيفاً في كرهه للإنجليز” وأصبح ينتهج سياسة معادية لهم ويجمع المؤرخون (ومنهم الدكتور عبد العزيز الشناوي والدكتور جوني منصور والدكتور وليد الخالدي والمؤرخ شوكت باموك والمؤرخ موريس جاسترو) على أن احتلال مصر قد غيّر مكانة بريطانيا في الدولة العثمانية عامة وعند السلطان عبد الحميد خاصة والذي أصابه هذا الاحتلال بألم حز في نفسه مدى الحياة وبات معادياً لبريطانيا وكارهاً للإنجليز بعنف كما يقول المؤرخ إرنست رامزور ومتوجساً منهم أكثر من توجسه من الروس أعدائه التقليديين [39] وأصبحت سياسته توصف بكونها Anti-British أي معادية لبريطانيا التي عزى إليها مشاكله السياسية مع الأقليات [40]، ولم يكن يفوت فرصة للعمل مادياً ومعنوياً ضد الاحتلال البريطاني في مصر والسودان كما يذكر الدكتور محمد حرب [41] أو ضد مصالح بريطانيا كما يذكر ذلك المؤرخ جون هاسلب [42]، وذلك خلافاً للأفكار الأيديولوجية التي حاولت بشكل مناف للطبيعة أن تصور تواطؤاً عثمانياً بريطانياً لتسهيل احتلال بريطانيا مصر، وكل ما في الأمر أن ضعف الدولة العثمانية شل يدها عن الدفاع العسكري المفترض عن ولايتها الأثيرة ولهذا اتسمت سياسة السلطان بالحيرة والتخبط إذ منح قائد الثورة المصرية دعماً واضحاً برتبة الباشوية ثم عاد وأعلن عصيانه، وفي الحالين كان الهدف هو درء الاحتلال واتباع التجارب المتناقضة لتحقيق هذا الهدف ولكن الإصرار البريطاني على اقتحام مصر أبطل مفعول كل المحاولات العثمانية التي يتبين مغزاها فيما بعد من السياسة الواضحة التي اتبعها السلطان عبد الحميد تجاه الحركة الوطنية المصرية ودعمه غير المحدود لزعيمها مصطفى كامل باشا مما بيّن أنه ليس هناك أي تنسيق مزعوم مع الاحتلال والأمر لا يتعدى سنّة الضعف الطبيعية، والعجيب أن تتوجه الاتهامات للسلطان عبد الحميد نتيجة موقفه من عرابي باشا ولا توجه نفس هذه الاتهامات لوجوه نهضوية وتغريبية بارزة اتخذت مواقف سلبية من عرابي نفسه كالشيخ محمد عبده وأحمد فارس الشدياق وأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد ولكن مواقفهم كانت نتيجة انسجام أصحابها مع السياسة البريطانية وليس مناوأتها، ومع ذلك لم يوجه أحد إليهم تهمة ولا اعتراضاً وهو أمر مثير للشبهة.

۞تمسك شعب مصر بالجامعة الإسلامية ينفي تهمة الاحتلال عن الدولة العثمانية حتى آخر لحظاتها

ظلت السيادة الاسمية على مصر للدولة العثمانية منذ وقوع الاحتلال إلى اندلاع الحرب الكبرى الأولى 1914 حين ألغت بريطانيا هذه التبعية وأعلنت سلطاناً في مصر لمناوأة منصب السلطان العثماني ولكن من الطريف أن السلطان حسين كامل كان يتمتع بصلاحيات أقل من سلفه الخديو عباس وكل ما في الأمر هو زيادة الألقاب والنياشين الرمزية التي اتسمت بها دولة التجزئة دون مضمون حقيقي، وقد رفض شعب مصر السلطان الذي عينته بريطانيا وحاول اغتياله أكثر من مرة بالإضافة إلى محاولة اغتيال وزرائه، وكان ذلك بسبب رفض المصريين تبعية السلطان الألعوبة لبريطانيا واستمداده الشرعية من الاحتلال بعدما كان الخديو يستمد شرعيته من خليفة المسلمين، وتشير المراجع التاريخية إلى أن الشعب المصري في زمن الاحتلال التف حول القيادة الوطنية المتمسكة بفكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها السلطان عبد الحميد، وفي ذلك يقول الدكتور رءوف عباس إن مصر في مطلع القرن العشرين كانت تتبنى فكرة الجامعة الإسلامية التي كانت بنداً رئيساً في طرح الحزب الوطني، ومضمونها هو الحفاظ على سلامة الأراضي العثمانية ووحدتها وانتماء مصر إلى دولة الخلافة الإسلامية، ذلك أن الحزب الوطني بنى نضاله على أساس عدم شرعية الوجود البريطاني في مصر الخاضعة للسيادة العثمانية، وكان التمسك بالتبعية العثمانية هو طوق النجاة من الاحتلال البريطاني، كما كان التحزب للجامعة الإسلامية التي دعا إليها السلطان عبد الحميد مواكباً للتمسك بالتبعية العثمانية وغالباً على فكرة القومية المصرية التي دعا إليها أحمد لطفي السيد بخجل قبل الحرب الكبرى الأولى، كما كان التحزب للجامعة الإسلامية رفضاً لفكرة القومية العربية بصفتها دعوة إلى تمزيق أوصال الدولة العثمانية إلى كيانات قومية، ووصل التمسك بالجامعة الإسلامية درجة عالية إلى حد أن موقف غالبية المصريين كان مؤيداً للدولة العثمانية في صراعها مع بريطانيا على حدود مصر الشرقية رغم أن بريطانيا زعمت الحفاظ على حقوق مصر 1906 [43]، وفي هذا الموقف يتبين إدراك شعب مصر لحقيقة الصراع بين دولته الإسلامية والغرب ويحدد من الذي كان حامياً ومن الذي كان مستعمِراً، ولا يمكن بعد ذلك أن نتهم الدولة العثمانية بالاحتلال أو نصم شعباً كاملاً بالغفلة وعدم إدراك الواقع ثم نسقط صفات من زمن لاحق على ماض لم يكن يشعر بذلك مع أن هذا كان دأب التغريب المتعالي والمرتبط بالاستعمار الحقيقي.

۞الدولة العثمانية لم تسلم أراضيها لقمة سائغة وهُزمت بعدما بذلت جهداً جاهداً

دخلت الدولة العثمانية في الحرب الكبرى الأولى (1914-1918) بهدف كسر القيود الأوروبية التي كبلت قرارها السياسي ونهبت مواردها الاقتصادية واحتلت بلادها عسكرياً، وكان الهدف الواضح هو استعادة ما احتله الحلفاء وعلى رأس ذلك مصر، فقام جمال باشا بحملة ضخمة لعبور قناة السويس واسترجاع مصر 1915 ولكن الحملة فشلت ومنيت بالهزيمة، وعلى كل حال فإن مجهود الدولة العثمانية في الحرب الكبرى يدحض تهمة أنها سلمت بلادها لقمة سائغة لأوروبا، وتبقى بعد ذلك موازين القوى خاضعة لعدة عوامل ولكن لا يمكننا بكل الأحوال لوم كبير السن بسبب عجزه إذ كانت الدولة العثمانية في تلك الفترة تصارع سكرات الموت بعدما عاشت عمراً من أطول أعمار الدول في التاريخ وصمدت صموداً رائعاً في جبهات الحرب الكبرى سواء في القوقاز أو البلقان أو إسطنبول أو العراق أو فلسطين أو الجزيرة العربية وحققت انتصارات مذهلة أدهشت أعداءها وأصدقاءها على السواء ولكن لكل أجل كتاب (وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا) ولا يمكن أن نتوقع من دولة بلغت هذا الهرم أن تنتصر على قوانين الطبيعة أو أن تخلد إلى الأبد ولا يمكن أن نلومها بسبب اتفاق زمن نهايتها مع زمن مطالع الدول الغربية وعنفوان قوتها كما ذهبت لهذا المضمون بعض الاتهامات والمطالبات غير الواقعية بانتصار دولة بلغت من الكبر عتياً على الدول الحديثة في أوروبا (وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً).

 

۞ النموذج المصري بين فاعلية التكامل والوحدة وعجز الاستقلال والتجزئة

يؤكد الدكتور عبد الوهاب المسيري مقولة الدكتور جمال حمدان بعد دراسته المستفيضة لتاريخ مصر : “إنه لا نهضة لمصر دون أن تكون جزءاً من كيان سياسي أكبر” [44]، إن سجل الوحدة زاخر بالنجاح الفعلي والإنجاز العملي في زمن الخلافة، الضعف والتراجع طارئ عليه، أما سجل التجزئة والاستقلال فليس فيه سوى أحلام وأماني خيالية لم يتحقق منها غير الهزيمة والفشل والتراجع، والنجاح الفعلي هو الطارئ والمؤقت وظروفه خاصة، وعند المقارنة التاريخية بين ريادة مصر ودورها الفاعل عندما كانت “تابعة” لدولة الخلافة حين أنقذت المسلمين من المجاعة في عام الرمادة ثم أصبحت مركزاً للخلافة (ومن المفارقات أن ليبرالية التغريب ترفض حتى هذه المركزية لمصر باسم الهوية المستقلة) ثم هزمت حملات الفرنجة الصليبية وصدت الغزو المغولي لتعود مركزاً للخلافة ثانية ثم أصبحت الولاية الأولى في دولة الخلافة العثمانية مقدمة على الأناضول وأوروبا العثمانية، وبين فشلها وتراجعها زمن “الاستقلال” الذي صنعته بريطانيا حين سقط حكام مصر ضحية مشاريعهم لاستقلالها فدخل المسلمون في صراع داخلي أذكته أوروبا بين مصر والدولة العثمانية فتحطم الاثنان، ثم وقعت مصر تحت براثن الإفلاس ثم الهيمنة الأوروبية ثم الاحتلال البريطاني ولم تحقق نجاحاً مؤقتاً إلا اعتماداً على اختلاف الدول العظمى التي لم تلبث أن تكالبت عليها (1967) لتلحقها بمصالحها ثانية وتتخذ منها أداة للسيطرة على المنطقة العربية وتمرير السياسات الأمريكية وقيادة التطبيع مع الصهاينة وتدمير دولة عربية (1990-2003)، ومع ذلك لم تمكنها كل هذه الخدمات من تحقيق مصالحها الوطنية الضيقة فكبل اقتصادها بالقروض والمساعدات والإصلاح الاقتصادي على حساب الاكتفاء الذاتي والمصالح المصرية وذلك لخدمة السياسة الأمريكية، ولعل المثل الأبرز في هذا المجال بيع النفط والغاز المصريين للكيان الصهيوني بخسارة لمصر بلغت ملايين الدولارات يومياً في حالة الغاز، وهو عبء كبير على الاقتصاد المصري المنهك أصلاً ومع ذلك فقد ضحت الدولة “المستقلة” بمصالحها الوطنية المباشرة لأجل مصالح الأقوياء، وقبلت كذلك بالتعاون العسكري الأمريكي الصهيوني الذي وصفه مبارك بالكارثة على الدول العربية المعتدلة وبالعقبة في طريق السلام (6/12/1983) ثم اضطر للاستسلام، والتزمت مصر بمعاهدة السلام مع الصهاينة “على الرغم من الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقية” كما قال مبارك (11/3/1984)، ومنحت تسهيلات للقوات الأجنبية في مياهها ضد سيادتها وضد البلاد العربية الأخرى، بالإضافة إلى عجزها عن فرض رؤيتها لترتيبات أمنية عربية في الخليج بعد حرب الكويت واستسلامها للوجود الأمريكي هناك [45]، هذا إذا لم نذكر تحييد دورها وتهميشه وتأمين جانبها أثناء شن الصهاينة حروبهم ضد أشقائها العرب (1982و2003 و 2006)، هذا إذا لم تشارك في العدوان فعليا (1991 و 2008)، وإذا استدعينا نموذجاً بسيطاً لا يتطلب طموحات كبرى ومع ذلك يدل على مدى عجز دولة التجزئة مهما كبر حجمها عن الخروج على إملاءات الدول الكبرى، فسنجد ذلك على الحدود بين الأراضي الفلسطينية ومصر، حيث استمرار التوتر فيها رغم تعاقب الأنظمة ذات الهويات المختلفة يؤكد أن عداوة الإخوة والجيران هو منطق دولة التجزئة المقيدة بسياسات الكبار التي تمنعها حتى من تحقيق مصالح قُطرية صغيرة كتبادل تجاري محدود، بين الأشقاء والأقارب في مدينة واحدة مقسمة بشكل هزلي بأمر الكبار، وذلك حين تقتضي المصالح الغربية ذلك المنع، ويصبح الأخ أداة لخنق أخيه الواقف خلف الحدود، إكراماً لتسلط الأجنبي وغطرسته واحتلاله، ولهذا فإن أية مراهنة على تحقيق أي نجاح نهضوي مهما صغر بواسطة الدولة القُطرية لن يكون مصيرها سوى إفساد المراهنين وجرهم إلى مستنقع المساومات فهزيمة كل مشاريعهم، إذ مهما تغيرت هويات الحكام سيجدون أنفسهم مقيدين بقلة إمكانات كيانات التجزئة التي التزموا بها ومن ثم عدم قدرتهم على تنفيذ أحلامهم وتحدي الأعداء الكبار، وسواء كانت الأحلام قومية واسعة أو إسلامية أوسع أو وطنية ضيقة لتوحيد شطري دولة أو حتى الحفاظ على وحدتها أو تحقيق مصالحها الوطنية لن يكون حاكم التجزئة في كل ذلك إلا أداة تطبق ما تقبله سياسات الكبار بغض النظر عن مشروعه وآماله.

ومما له دلالة أن دولة التجزئة الوطنية المصرية في عز سلطانها وقمة عنفوانها لم تستطع الحؤول دون فقدانها جميع مكملاتها ومقتضيات مصلحتها (السودان 1956، سوريا 1961، غزة وسيناء 1967) أمام التآمر الأجنبي وهو ما لا يضاهي في زمن الوحدة التي جسدتها الخلافة الإسلامية إلا أشد عصورها تراجعاً وهزيمة وضعفاً عندما كانت تفقد ولاياتها واحدة تلو الأخرى أمام الاحتلال الأجنبي، ومع ذلك يسجل لدولة الخلافة أنها لم تعترف بكل إجراءات الاستعمار في العالم العربي حتى وقّعت على ذلك وتنازلت عنه تركيا الكمالية (1923)، كما أن الدولة الوطنية المصرية في أبهى عصورها عندما تحدت العدوان الثلاثي في جو من التأييد العالمي لم تستطع إلا أن تطالب بالحقوق التي شرعتها اتفاقيات قناة السويس زمن الخلافة في أضعف حالاتها (اتفاقية القسطنطينية 1888)، كما جاء في تصريح الحكومة المصرية في 24 إبريل/نيسان/أفريل 1957 [46]، ولم تقدر على ما هو أفضل من ذلك رغم كل الظروف العالمية المواتية، وإذا كانت الدولة الوطنية أكثر عزاً من زمن الخلافة حتى بأضعف حالاته، فلماذا لم تفرض شروطاً أفضل على أعدائها وعلى المجتمع الدولي؟ وكل ما سبق يحسم الخلاف والجدال عن “ضرورة” الدولة القُطرية و”أهميتها”، فوقوف المرء في صف متراص مع الإخوة لا يلغي الذات أو يمحوها بل يعزز موقفها ويقويها، والوقوف “مستقلاً” وحيداً هو الذي يمهد لافتراس المرء وزواله بجعله عرضة لهجوم أي وحش عابر في الغابة التي نعيش فيها، ولهذا نرى أن المرء عندما يريد إبراز قوته أمام الأغراب يعتز بانتمائه إلى أسرة أو قبيلة أو دولة تمنعه ولا يمكنه الاستقواء بعضلاته وحدها في مواجهة تكالب الأعداء.

 

۞النتيجة

تؤدي محصلة دراسات المؤرخين الجديدة التي قلبت رأساً على عقب الأحكام الاستشراقية التي تحدثت عن التخلف والركود والتراجع والاحتلال الذي أصاب مصر في العصر العثماني أن الحكم العثماني جاء بمزايا لمصر صحبتها عيوب مثل كل الدول في التاريخ، ولكن المزايا كانت بارزة إلى درجة أن استمرت بها مكانة مصر التاريخية رغم تحولها من قاعدة دولة إلى ولاية في دولة أخرى لاحقة، ومع هذا استمرت مركزيتها الاقتصادية وشهدت نمواً عمرانياً ملحوظاً، وكانت مسيرة التطور الحضاري مستمرة ولا تنطبق عليها صفة الاستغلال الاستعماري من جهة الدولة العثمانية وكانت المسيرة ستأتي أكلها بعوامل النمو الذاتي لولا أن قطع الغرب طريقها وعرقل عوامل تقدمها وهي الجريمة الأبرز للاستعمار قبل وبعد سفكه الدماء ونهبه الموارد وحكمه الظالم، ثم غرس فينا أفكاراً من صناعته اختلقت في مرحلة متأخرة عن ظلم العثمانيين ليبيض صفحته ويبذر الشقاق بين أمتنا، وفي جميع الأحوال فإنه لا يجوز قراءة الوقائع العثمانية عموماً وفق أفكار لم تكن موجودة في العصر العثماني ويجب عدم الاعتراض على أي ظاهرة وتصنيفها عيباً وفق مقاييس لاحقة أو حتى وفق مقاييس لا تطبق إلا حسب الأهواء، لاسيما أن العثمانيين لم يفرضوا لغة أو نظاماً أو طابعاً اقتصادياً خاصاً بهم على ولاياتهم، وكان معظم خراج مصر ينفق فيها، وكانت العلاقة عكسية بين تركيز السلطة واحتكار الثروة، ويتبين من قراءة التاريخ العثماني في مصر بإمعان خلل القراءات الأيديولوجية سواء الليبرالية أو الماركسية أو القومية التي أرادت سكب التاريخ في قوالبها بدلاً من استنطاق حقائقه ووقائعه التي تبين بصورة جلية أن فاعلية مصر ومكانتها وقوتها كانت في زمن اندماجها بإخوتها أعلى وأكبر من زمن احتفي فيه “بالاستقلال” والشخصية الوطنية دون أرضية تبرر ذلك ودون إنجازات تدعم المكانة المتراجعة، وأن شعب مصر تمسك حتى اللحظة الأخيرة بالجامعة الإسلامية والولاء العثماني ضد الاستعمار الأوروبي لأنه لم يكن يرى في الدولة العثمانية أي نوع من أنواع الاحتلال وبهذا يتبين مدى انفصال التغريب عن قواعد الأمة حين قلب المعادلة وجعل الدولة العثمانية احتلالاً والاستعمار الغربي تنويراً رغم أن هذا الحكم يعاكس الحقائق العلمية التي تحدثت عنها الوثائق.

 

۞الهوامش 

 [1]-Bowen, Harold, British Contributions to Turkish Studies, London, 1945, p. 8.

[2]- زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1986، ص 20-21.

-هاملتون جب وهارولد بوون، المجتمع الإسلامي والغرب، دار المعارف بمصر، 1971، ترجمة: الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، مراجعة: الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، ص 30.

[3]- روبير مونتران، العلاقات بين القاهرة واستانبول أثناء الحكم العثماني لمصر من القرن 16 حتى القرن 18، بحث مقدم إلى ندوة ألفية القاهرة – إبريل 1969، مجلة المجلة، ترجمة: زهير الشايب، ص 56. (من صفحة الأستاذ كريم عبد المجيد على الفيس بوك مارس 2016).

[4]- أندريه ريمون، المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، 1991، ترجمة: لطيف فرج، الغلاف الخلفي.

[5]- الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، 2004، ج 2 ص 5-6.

[6]- دكتورة نللي حنا، تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1997، ترجمة وتقديم: دكتور رءوف عباس، ص 11-15.

[7]-Stanford J. Shaw, Ottoman Egypt In The Eighteenth Century: The Nizamname-I Misir Of Cezzar Ahmed Pasha, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts, 1962, pp. 3-4.

(*) مما رفع مشروع محمد علي انتصاراته و”قبول سكان الأناضول لسياسة خلع السلطان، وإعلان مقاطعات عديدة في آسيا الصغرى التحاقها بمشروعه (أي مشروع محمد علي)” : حسن الضيقة، دولة محمد علي والغرب: الاستحواذ والاستقلال، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2002، ص 166.


 

[8]- زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1986، ص 25-26 و 40.

[9]-صلاح عيسى، رجال مرج دابق: قصة الفتح العثماني لمصر والشام، دار الفتى العربي، بيروت، 1983، ص 5.

[10]- فيليب فارج ويوسف كرباج، المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013، ص 181.

[11]- زين نور الدين زين، ص 24.

[12]-زاكري كارابل، أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، 2010، ترجمة: د. أحمد إيبش، ص 208-209 و 233 .

[13]- أيمن أحمد محمود، الأرض والمجتمع في مصر في العصر العثماني (1517-1658)، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2008، ص 245.

[14]- ناصر أحمد إبراهيم، الأزمات الاجتماعية في مصر في القرن السابع عشر، دار الآفاق العربية، القاهرة، 1998، ص 279-282.

[15]-أيمن أحمد محمود، ص 246.

[16]-زين نور الدين زين، ص 27.

[17]- الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، 2004، ص 283-305.

[18]-دكتور محمد علي فهيم بيومي، دور مصر في الحياة العلمية في الحجاز إبان العصر العثماني (923 1220 – 1517 1805م)، دار القاهرة، القاهرة، 2006، ص 701-705.

[19]- دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، الأزهر جامعاً وجامعة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1983، ج 1 ص 321-326.

[20]- موقع اليوم السابع، الثلاثاء 30/4/2013

http://www.youm7.com/story/0000/0/0/-/1043199

[21]- دكتورة نللي حنا، تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1997، ترجمة وتقديم: دكتور رءوف عباس، ص 15-17.

[22]-د. نللي حنا، ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية (ق 16 م – ق 18 م)، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2004، ترجمة: د. رءوف عباس، ص 17-20 و 256-257.

[23]-نفس المرجع، ص 14-16.

[24]- عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، ص 5-6.

[25]-د. هدى جابر، البشر والحجر: القاهرة في القرن السادس عشر، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2010، ص 10-13.

[26]-عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الولايات العربية إبان العصر العثماني 1517-1789، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، العدد التاسع، المجلد الثالث، شتاء 1983، ص 16-17.

[27]-د. جمال كمال محمود، الأرض والفلاح في صعيد مصر في العصر العثماني، سلسلة تاريخ المصريين 285، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010، ص 303-308.

[28]- د. عبد الحميد حامد سلمان، تاريخ الموانئ المصرية في العصر العثماني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995، ص 9 و 355-360.

[29]-د. أحمد زكريا الشلق، الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر، دار الشروق، القاهرة، 2005 ، ص 16.

-ناصر عبد الله عثمان، قبل أن يأتي الغرب: الحركة العلمية في مصر في القرن السابع عشر، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2006، ص 9-11 (مقدمة الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق).

[30]-ناصر عبد الله عثمان، ص 373-376.

[31]-د. عبد الله العزباوي، الفكر المصري في القرن الثامن عشر بين الجمود والتجديد، دار الشروق، القاهرة، 2006، ص 211-214.

[32]-د. أحمد زكريا الشلق، ص 15-46 و 175-176.

[33]-د. عبد الرزاق عيسى، المرأة المصرية قبل الحداثة: مختارات من وثائق العصر العثماني، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2012، ص 11-29.

[34]- الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، ج 2 ص 11.

[35]- روبير مونتران، العلاقات بين القاهرة واستانبول أثناء الحكم العثماني لمصر من القرن 16 حتى القرن 18، بحث مقدم إلى ندوة ألفية القاهرة – إبريل 1969، مجلة المجلة، ترجمة: زهير الشايب، ص 56-65 و 115.

[36]-نللي حنا، 2004، ص 18.

[37]-حسن الضيقة، دولة محمد علي والغرب: الاستحواذ والاستقلال، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2002، ص 57-140 و 151-152.

[38]- عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، دار المعارف، القاهرة، 1987، ج2 ص 265.

[39]-جون هاسلب، السلطان الأحمر عبد الحميد، دار الروائع الجديدة، بيروت، 1974، ترجمة: فيليب عطا الله، ص213.

[40]-دكتور حسان حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909 ، دار النهضة العربية، بيروت، 1999، ص168.

[41]-الدكتور محمد حرب، السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار، دار القلم، دمشق، 1990، ص121 نقلا عن كتاب تركيا وإنجلترا لسليمان قوجة باش.

[42]-جون هاسلب، ص213.

[43]- رءوف عباس، صفحات من تاريخ الوطن، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011، تحرير: عبادة كحيلة، ص 215 و 243.

[44]-الدكتور عبد الوهاب المسيري، حوارات (3): الهوية والحركية الإسلامية، دار الفكر، دمشق، 2010، تحرير: سوزان حرفي، ص 119.

[45]-الدكتورة زينب عبد العظيم محمد، السياسة المصرية تجاه الولايات المتحدة 1981-1991، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999، ص199- 200 و 256-260 و 305.

[46]- http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Gography11/akaleem/kanat/mol10.doc_cvt.htm


۞مصر العثمانية في قراءة الدكتور حسن الضيقة: دحض المقولات الأيديولوجية الجاهزة.. 4 .. شعبان الصوان.

9 يوليو 2016

۞مصر العثمانية في قراءة الدكتور حسن الضيقة: دحض المقولات الأيديولوجية الجاهزة

ويرى الدكتور حسن الضيقة في دراسته الشاملة والمميزة التي تفند القراءات الأيديولوجية المسبقة وتستحق منا اهتماماً بنقل رءوس أقلامها وفق لغته ما أمكن أن دخول مصر في منظومة الدولة العثمانية كان مخرجاً لها من المآزق السياسية والاقتصادية التي عاشتها عند منقلب القرن السادس عشر إذ كان وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي والإسبان إلى البحر المتوسط ذا آثار مدمرة بالنسبة لمصر في ظل حالة التفسخ التي وصلت إليها الدولة المملوكية، واستطاعت الدولة العثمانية أن تدفع الخطر عن شمال إفريقيا وأن تضع يدها على رودس وأن تطرد الخطر البرتغالي من البحر الأحمر فحققت بذلك عدة أهداف استراتيجية حكمت وضعها داخل المجال العربي لمدة ثلاثة قرون وهي كسر السيطرة الأوروبية وتوحيد البلاد العربية وإحداث تجديدات في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية أدت دوراً فاعلاً في مقاومة التحديات الداخلية والخارجية التي شهدتها الدولة.

وبهذا لم يكن دخول مصر في الدائرة العثمانية مجرد تغيير نظام حكم بل كان تحولاً نوعياً، وقد أعادت الدولة العثمانية تشكيل النظم السياسية فوفرت نوعاً من المشاركة السياسية الكابحة للاستئثار بالسلطة وألغت الضرائب غير الشرعية واستكملت التجديدات على المستوى القضائي مما وفر الأمن وأزاح القوى المعيقة للوحدة ومنح شروط قيام سوق داخلية موسعة تربط أقاليم الدولة بشكل تكاملي.

احتلت مصر مكانة خاصة في إطار الدولة العثمانية مكنتها من النهوض بدور مركزي داخل الولايات العثمانية، فقد كانت مصر هي المركز الذي تمر منه سياسة المواجهة العثمانية ضد القوى الأوروبية الطامعة بالسيطرة على المنطقة، كما نهضت مصر بتأمين احتياجات مكة المكرمة والمدينة المنورة في الحجاز، وقد حررتها السيادة العثمانية من الآثار السلبية لتحول طرق التجارة نحو المحيطات وأعادت انتعاش الطرق المارة بمصر، فكان هناك علاقة وثيقة بين قدرات الدولة وما قامت به مصر من أدوار، فلم يكن المجال العثماني مجرد متلق سلبي لسياسات أوروبا، ولهذا فإن الحديث عن دخول مصر والبلاد العربية طور الركود والانحلال في ظل السيادة العثمانية لا يمتلك أي مسوغ تاريخي من حقائق الصراع مع الغرب.

وكان هدف تحطيم السيادة العثمانية في جزيرة العرب والبحر الأحمر سياسة ثابتة للقوى الأوروبية المتعاقبة في المحيط الهندي ، وتمكن العثمانيون من مواجهة هذه السياسة بدعم من الطبقة التجارية في مصر والحجاز واليمن ، وقد تمكنت مصر من مواجهة الاختراقات الأوروبية سواء التي نتجت عن التحولات الخارجية في موازين القوى أو عن التنازلات التي قدمتها الطبقة المملوكية الحاكمة ، ووجدت مصر سندها في الموقع المركزي الذي احتلته داخل السوق العثمانية الواسعة مما أعطاها مكانة اقتصادية تنقض المقولة الشائعة عن دور مصر كمجرد وسيط تجاري دولي.

وتمثل دورها المركزي في احتكار تجارة البن العدني داخل السوق العثمانية مما منحها مورداً اقتصادياً رئيساً كما كانت المصدر الرئيس للسكر داخل الدولة وهو ما وسع عمليات الاستثمار الزراعي والصناعي في حواضر مصر وأريافها ، بالإضافة إلى صادرات الحبوب وعلى رأسها الأرز ، وهناك أيضاً السلع المصنعة كمنسوجات القطن والكتان ، وفي إطار هذا التكامل تم تحفيز الإنتاج والتبادل التجاري مع العاصمة والقسم الأوروبي من الدولة وجزر البحر المتوسط وولايات الشام وشمال إفريقيا والسودان خارج إطار وساطة السلطة المركزية ، وفي الظروف الحرجة كنقص المحاصيل وكوارث الزلازل والأوبئة كانت السلطة المركزية تتولى تغطية النقص في السلع الرئيسة في مصر من بقية ولايات الدولة .

وأكملت النظم التشريعية المحفزة لانتقال الأموال والأفراد دعم هذه الشبكة من العلاقات الاقتصادية بالشروط القانونية وهو ما جعل القاهرة مركز استقطاب للتجار والحرفيين من الشام والمغرب وإسطنبول فشهدت المدينة نمواً سكانياً ملحوظاً رغم كوارث الأوبئة التي وقعت بها.

ونلاحظ نمو الشريحة التجارية العليا واستثماراتها حتى بلغت الذروة في القرنين السادس عشر والسابع عشر وكان ذلك نتيجة ما وفره المجال العثماني من ظروف مواتية للنمو والازدهار التجاري ، وكان ضعف السلطة المركزية ذا أثر سلبي بسبب التناقض بين النزعات المملوكية الانفصالية عن المركز وميولها لنهب واستنزاف قوى السوق وتنازلاتها للقوى الأوروبية ولهذه الأسباب لا يمكن وصف اتجاهات السياسة المملوكية بأنها استجابة سياسية لصعود طبقة تجارية رأسمالية ويستحيل الحديث في هذه المرحلة من تاريخ مصر عن نواة رأسمالية مبكرة حيث كانت التوجهات السياسية الانفصالية معاكسة لمتطلبات ازدهار السوق ولهذا عانت الشريحة التجارية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر من الانكماش وليس النمو .

وبناء على ما وفره المجال العثماني الموحد وما نتج عن النزعات الانفصالية من آثار سلبية يتبين لنا خطأ القراءات الأيديولوجية الماركسية التي اختزلت الدولة العثمانية بصفات النهب والاحتلال وجعلت من صعود القوى المملوكية انتقالاً لحقبة تاريخية ذات طابع رأسمالي تقدمي بما فيها من انسجام مع السياسات الأوروبية لمغادرة مجال “الاستبداد الشرقي” ، وهي قراءة أيديولوجية لا تتفق مع حقائق وأرقام التاريخ حيث يتبين أن التنازلات التي منحت لبريطانيا وفرنسا كانت تستهدف تأمين الدعم السياسي للطبقة الحاكمة على حساب قوى السوق المحلية وهو ما جعل هذه الإجراءات آلية انحلال سياسي واقتصادي عملت القوى الأوروبية على استغلالها وتوظيفها لتوسع سيطرتها على المنطقة ، وإن تلك القراءة الأيديولوجية تحجب حقيقة الصراع بين دورة السوق الداخلية والسياسات الأوروبية المعتدية لصالح وجهة نظر موهومة تتخيل الصراع بين مصالح السوق المصرية ومجال السوق العثماني الموحد، وهو ما يضفي في النهاية الطابع التقدمي على سياسات الخضوع لأوروبا.

وفيما يتعلق بالريف المصري ينقل الدكتور الضيقة عن المؤرخ الاقتصادي شارل عيساوي أن الريف المصري شهد منذ بداية الفتح العثماني إلى منتصف القرن السابع عشر فترة ازدهار متميزة مقارنة بما سبقها وما لحقها وكان سببها السياسة العثمانية التي اعتنت بالإنتاج الزراعي من نواحي التشريعية والقضائية والضريبية، وكان نظام الأمانات يعطي القاضي صلاحية الإشراف الإداري الذي يمنع الإدارة المالية من ظلم الفلاحين.

وإضافة إلى اعتدال النظام الضريبي فقد كانت معظم مال الخزانة يصرف داخل الولاية ولا يصل منه إلى العاصمة العثمانية سوى الربع، وتشير الحقائق السابقة إلى المرتكزات التي أمنت التوازن لوضع الفلاحين:

  • تحرير الإنتاج الزراعي من الأعباء الضريبية التي وضعها الجهاز السياسي العسكري دون مبررات تشريعية.
  • كان الحضور الفاعل للسلطة المركزية عامل توازن في توزيع الضرائب وهو ما ينفي مقولة الاستبداد الشرقي أو نمط الإنتاج الآسيوي التي تؤكد على الطبيعة الاستئثارية للفائض الإنتاجي، حيث نجد العلاقة عكسية بين تركيز السلطة واحتكار الثروة.
  • وجود جملة من التقنيات التي تتحكم في توزيع الضريبة بين احتياجات السلطة المحلية واحتياجات الأهالي المتنوعة.

ورغم أهمية الإنتاج الزراعي وموقعه المركزي في الحياة الريفية، فقد وجد إلى جانبه نشاطات حرفية ثابتة ن صناعات الفخار والأنسجة الصوفية والقطنية والحصر التي كانت تكفي الريف وتغطي جانباً من احتياجات السوق العثمانية، وإلى جانبها كان هناك صناعات الزيوت وتقطير ماء الورد وملح النشادر الذي يصل جزء منها إلى أوروبا، والبارود والسكر والبيض.

وظل هذا التوازن مستمراً إلى منتصف القرن السابع عشر إلى أن أدى ضعف السلطة المركزية إلى الصعود السياسي للقوى المملوكية ذات النزعات الاستقلالية ولكنها لم تكن ذات طابع تجديدي بل تعبير عن عملية تفسخ القوة المركزية وامتداد لذلك، وكان استئثارها بالقوة والثروة على حساب السلطة المركزية والمجتمع الأهلي المنتج أيضاً، وجاء استغلالها مضاعفاً باستجابتها لسياسات الاقتحام الغربية على حساب المجتمع، وتحول نظام الالتزام الذي خلف “التيمار” و”الأمانات” نتيجة سوء التطبيق إلى مدخل لصعود القوى العسكرية وطبقة الأعيان وقيامها بانتزاع قدر من الاستقلالية السياسية على حساب الحكم المركزي ما منحها فرصة انتزاع فائض مالي لا تقره التشريعات القانونية بالاشتراك مع شريحة قبطية عليا على حساب حصة الدولة والفلاح المسلم والقبطي معاً، وفقاً لدراسة الدكتور محمد عفيفي عن الأقباط في العصر العثماني، وذلك لتلبية حاجات السلطة المحلية الاستهلاكية ومتطلباتها السياسية والعسكرية بصفتها الخارجة عن السلطة المركزية وهو ما جعل الوضع في هذه الفترة شبيها بوضع الدولة المملوكية قبل الدخول العثماني وأصبح اتجاه عملية الإنتاج الزراعي نحو الركود والانهيار وهروب الفلاح من أرضه.

تؤدي هذه المعطيات إلى دحض القراءة الماركسية الرائجة التي تحمل صعود المماليك فيضاً من الدلالات الإيجابية التي تتعارض مع الواقع كتصويرها بأنها ظاهرة رأسمالية واعدة تشبه المركنتيلية الأوروبية (المرحلة التجارية من الرأسمالية التي مهدت الطريق لنهضة أوروبا وثورتها الصناعية) في زمنها وهي قراءة تسقط أحكامها الأيديولوجية والنظرية بشكل متناقض فترى نشوء رأسمالية داخل حركة المجتمع في ولاية مصر على غرار الرأسمالية الأوروبية وفي نفس الوقت ترى النزعة المملوكية للاستئثار بالسلطة أحد شروط نشوء هذه الرأسمالية ، وعلى كل حال فهذه القراءة تضفي على التحول المملوكي مغالطات تتعارض مع واقعه الطفيلي والانفصالي والانعزالي والذي لا يشير إلى أي ظاهرة تجديدية والادعاء بتعايش الطبقة المملوكية مع التجار والصناع يكذبه واقع أن ازدهارهم ارتبط عضوياً بوحدة السوق العثمانية وتصدي العثمانيين لسياسات التطويق الأوروبي ومحافظتهم على أحد مرتكزات الازدهار التجاري المصري وهو طريق البحر الأحمر الواصل بين مصر والجزيرة العربية ومن هنا كان الاتجاه المملوكي الانفصالي ضربة مميتة لدور التجاري المصري ولا مكان للحديث عن تعايش أو دعم متبادل بين المماليك والتجار والصناع كما لا نلحظ أي تطور في الصناعات اليدوية التي تخيلتها القراءة الماركسية إرهاصاً رأسمالياً ، ذلك أن التوسع الحرفي الحقيقي حدث في الماضي استجابة لاحتياجات السوق العثمانية ولم يعرف القرن الثامن عشر أية عملية تجديد في بنى الإنتاج في أوجهها التقنية أو التنظيمية سواء بسبب الاضطرابات الناجمة عن تفكك السلطة المركزية أو بسبب عزوف أصحاب رءوس الأموال عن الاستثمار في النشاط الحرفي، كل ذلك يؤكد التناقض بين سياسات السلطة المملوكية ومتطلبات السوق التجارية والحرفية، وما زاد تفاقم الأمر علاقة المماليك بالغرب واستقواؤهم بالدعم الروسي والبندقي والأوروبي الذي سعى للولوج إلى البحر الأحمر ومن ثم تفكيك إحدى مرتكزات الدورة الاقتصادية المصرية التي مكنها العثمانيون منذ الفتح من السيطرة على تجارة التوابل ثم البن ومنع الأوروبيين من ذلك ومن إقامة علاقة مباشرة بين أوروبا والهند عن طريق السويس ما أعطى ضمانة ثابتة للسوق المصرية والحجازية، ولهذا لقي فتح المدن المصرية أمام السفن البريطانية معارضة السلطة العثمانية والتجار في مصر والحجاز معاً، وأدت سياسة الارتهان الخارجية للسلطة المملوكية إلى استنجاد قوى المجتمع المصري بالسلطة العثمانية للتخلص من المماليك إلى حد تصور حسن باشا الذي أوكلت إليه مهمة القضاء على المماليك وكأنه “مهدي العصر” كما يقول الجبرتي، ولكن فشل إزاحة المماليك أدخل مصر في أسوأ مراحل تاريخها في ظل الدولة العثمانية وهو العقد الأخير من القرن الثامن عشر.

“بالمحصلة بقيت ولاية مصر حتى الحملة الفرنسية تستمد نقاط توازنها وقوتها من ارتباطها بحقل سياسي واقتصادي أمّن لها دوراً مميزاً، كما سمح بنشوء تراتبية اقتصادية واجتماعية شديدة التباين داخل فئات وشرائح المجتمع المصري. أما فيما يتعلق بدرجة التغلغل الاقتصادي والسياسي الأوروبي، وسيطرته المتصاعدة على تجارة المتوسط واختراقه للبحر الأحمر، فإنها لم تستطع أن تحدث اختلالاً أساسياً في توازنات السوق الداخلية…”

ولهذا كان على أوروبا أن تكثف جهودها لإحداث الاختراقات المطلوبة في الداخل العثماني، وهو ما بدأ بالحملة الفرنسية على مصر التي قلبت وضع الطرف العثماني من الهجوم إلى الدفاع، والطرف الأوروبي من الدفاع إلى الهجوم واتحدت مواقف شرائح شعب مصر في مقاومتها منذ لحظة دخول الفرنسيين الإسكندرية إذ سارع جميع الأئمة إلى قراءة فرمانات السلطان سليم الثالث وفتحت أبواب المواجهة الشاملة مع كافة قوى المجتمع المصري، وإذا كان البعض قد اختار التعاون مع المحتلين سواء من المشايخ أو الأقباط فإن مواقفهم كانت معزولة في محيطهم، إذ كان العلماء هم مركز الثقل في المقاومة، وحتى من لم ينخرط فيها كان موقفه سلبياً من الاحتلال الذي لم يلق أي تجاوب في المجتمع الذي قاوم كل بما يتفق مع موقعه مع التأكيد العام على أن مصر ولاية عثمانية، ومن هنا كانت القراءات التي جعلت الدولة العثمانية ضمن القوى الاستعمارية المتنافسة على مصر أو التي قسمت المواقف المقاومة والمتعاونة والحيادية إلى أقسام متساوية قراءة مضللة تستهدف قسر الحوادث وصبها في قالبها الأيديولوجي دون سند من الواقع، فإسقاط الصفة الاستعمارية على الدولة العثمانية التي أنقذت كافة الولايات العربية من الاحتلال الغربي لمدة قرون لا يتفق مع الحقيقة بالإضافة إلى أن مشكلتها زمن الحملة الفرنسية لم تكن في منافسة بريطانيا وفرنسا بل في عجزها الآن عن حماية مجالها وبهذا أصبحت صفتها لا في سعيها لامتلاك مصر بل في عجزها عن مواجهة المستعمرين، أما قراءة المواقف المصرية بصورة محرفة تجعل المقاومة فعلاً تابعاً “للاستعمار التركي” على نفس مستوى التعاون مع “الاستعمار الفرنسي” فهي قراءة لا تراعي الوزن الحقيقي لهذه “التيارات” وهامشية المتعاونين مع الفرنسيين حتى في الوسط القبطي كما تغفل مواقف المقاومين الذين لم يكونوا تابعين للسلطة بأي حال، ويفند الدكتور الضيقة هذه القراءة العائدة للويس عوض وقراءة الأستاذ أنور عبد الملك التي عجزت عن التمييز بين الولاء للدولة العثمانية وهو الموقف الجامع لكافة قوى المجتمع المصري وبين الخضوع لسياسات السلطة وهو موقف اختلفت بشأنه الآراء ووصل الخلاف حد الخروج عليها دون أن يعني ذلك خروجاً عن الدولة نفسها، ومن هنا الاستنتاج بقصور القراءات التي اعتمدت مقولة الاستبداد الشرقي أو نمط الإنتاج الآسيوي والتي تجعل السلطة هي المهيمن الشامل الذي يحدد وظائف كل تكوينات المجتمع، أما في الحقيقة فمن الخطأ معادلة السلطة بالدولة حيث أن السلطة هي إحدى حلقات الحقل السياسي العام وفي ضوء ذلك تكون الصفة الجامعة للعلماء على اختلاف توجهاتهم هي العمل على تأمين وحدة الدولة اقتصادياً وسياسياً بصفتها الممثل المعبر عن الشريعة-الأمة.

بادرت الدولة العثمانية إلى مقاومة الغزو الفرنسي بكل ما تملك من قدرات، ولكن موقع ضعفها جعلها مهزومة دائماً إلا حين انتصر والي عكا على الحصار الفرنسي، فلجئت إلى طلب الدعم الخارجي لتعديل ميزان القوى، وعملت السياسة البريطانية على دعم القوة المملوكية لقطع الطريق على فرنسا ومنع العثمانيين من تثبيت سلطتهم على مصر، وكانت شريحة المماليك في حاجة للدعم الخارجي لأن الشرعية تعوزها في مواجهة السلطة المركزية والأهالي أيضاً بعد استئثارها بالسلطة والثروة ثم هزيمتها أمام الغزو الاستعماري، فوجد الإنجليز والفرنسيون ضالتهم فيها وصارت مرتكز السياسات الأوروبية بهدف تفكيك الدولة العثمانية والسيطرة عليها، فاستجابت للدور الذي رسم لها بما يتعارض مع المصالح الرئيسة لدورة المجتمع العثماني سواء في السلطة المركزية أو المجتمع الأهلي الذي دافع عن انتمائه العثماني وعد دفاعه عن الدولة دفاعاً عن النفس وقام بالتصدي للاستعمار والمماليك دون أن يكون ذلك رضوخاً بلا مغالبة لسلطة الباب العالي.

والغريب بعد كل هذا قيام مدارس التغريب الليبرالية والماركسية والقومية بالنظر إلى الكتلة المملوكية متخشبة البنيان والعاجزة عن أي تجديد والمستقوية بسياسات الاستعمار على أنها قوة استقلالية نهضوية تنتقل بالمجتمع مما قبل الرأسمالية إلى الرأسمالية وأنها قوة تؤسس لدخول المجتمع العربي عهد التحديث والتنوير وهي مقولة لا سند لها في الواقع عندما نرصد مسار التحولات التاريخية وهي مجرد موقف أيديولوجي متمم للغة التنوير الاستعمارية، ويلاحظ أن الدكتورة نللي حنا توصلت إلى نفس هذه النتيجة أيضاً عن النتائج السلبية لسياسات المماليك ودورهم في إجهاض حركة الرأسمالية التجارية بالضرائب الثقيلة التي فرضوها على المجتمع وبتحالفهم مع التجار الأجانب الذين غزت بضائعهم السوق المصرية مما تسبب في إفقار الطبقة الوسطى [36]، وقد أظهرت المواجهة ضد الحملة الفرنسية تفكك وتآكل شرعية القوة المملوكية في نظر الأهالي الذين غدوا بعد الاحتلال أكثر تمسكاً بالانتماء العثماني [37]، وبهذا تنتهي قراءة الدكتور حسن الضيقة.

۞الصراع الداخلي والنزعات الاستقلالية كانت بوابة الاحتلال الأجنبي

دخلت مصر في زمن محمد علي باشا وخلفائه طوراً من الاستقلال الفعلي لا يميل مؤيدوه لنسبة مزاياه إلى الحكم العثماني كما لا يحب معارضوه نسبة عيوبه إلى العثمانيين، لاسيما أن الوالي دخل في مواجهة عسكرية ضد الحكم المركزي في إسطنبول إلى أن حصل على حكم مصر له ولورثته، وظلت دائرة الاستقلال تتسع وكان من المفارقة أنها أصبحت بوابة للاحتلال الأجنبي الذي بدأ تسلله بمهادنة الخديو إسماعيل لأوروبا والتقرب إليها للحصول على تأييدها للاستقلال عن الدولة العثمانية في الوقت الذي كان الخطر متأتياً من الاحتلال الأوروبي الأجنبي وليس من تركيا الضعيفة كما يشير لذلك المؤرخ المصري المعروف عبد الرحمن الرافعي [38].


الحكم العثمانى لمصر تقويم المؤرخين المحدثيين …3….شعبان الصوان

9 يوليو 2016

۞الحكم العثماني في مصر في تقويم المؤرخين المحدثين

تجيب المؤرخة المصرية نيللي حنا على سؤال : هل كان العثمانيون محتلين؟

بالقول في مقابلة موجزة هذا نصها: “إذا أردت أن تضع الدولة العثمانية في مقارنة، فيجب مقارنتها بنظيراتها من الإمبراطوريات، مثل الإمبراطورية النمساوية التي سيطرت على شرق أوروبا، ومثل هذه الإمبراطوريات لم تكن احتلالاً، فالاحتلال له خصائص لم تتوفر في الإمبراطوريات، ومنها الإمبراطورية العثمانية.

وما هي خصائص الاحتلال؟

تاريخ الاحتلال الإنجليزي لمصر (1882-1923) والفرنسي للجزائر (1830-1962) يعطى فكرة عن أهم خصائص الاحتلال، والتي لم تتوفر في الدولة العثمانية، فالاحتلال يسعى لتغيير النمط الزراعي للدولة التي يحتلها بما يخدم أهدافه، فمصر مثلا في فترة الاحتلال الإنجليزي كانت تكثر من زراعة القطن، وذلك لخدمة المصانع الإنجليزية.

كذلك حاول الاستعمار الإنجليزي لمصر فرض لغته، وتغيير النمط الاقتصادي للدولة، وهو ما لم يحدث في الحقبة العثمانية.. لذلك فإن استخدام كلمة “محتل” هو وصف غير دقيق.

هل نستطيع أن نأخذ من فترة الدولة العثمانية وما شهدته من تعايش بين الأديان دروسًا لعلاج قضايا الحاضر؟

نعم.. ومن هذه الدروس أنه إذا أردت أن تقيم التعايش بين الطوائف، فيجب أن يشمل ذلك مستوى الحوادث الفردية، والحوادث التي تتسبب فيها الدولة وقوانينها.

فعلى مستوى الدولة وقوانينها، تستطيع أن تقول إنه كان هناك تسامح، لكن على مستوى الأفراد كانت هناك حوادث فردية أشبه بما يحدث في الوقت الحالي، ولكن هذه الحوادث عموما كانت أقل من فترة المماليك (1250 – 1517).

وكيف كانت قوانين الدولة تشجّع على التسامح؟

القوانين لم تكن بالمعنى المفهوم لكلمة قانون الآن.. يعنى مواد تعرض على برلمان يقرها ويصدر بها قانون، لكنها كانت عبارة عن “فرمان” يصدر من السلطان، مثل الفرمان الصادر لإدارة إقليم مصر، وهذا الفرمان لم يشر إلى غير المسلمين، ومن ثم فإن أية قضية تعرض على القاضي يحكم وفق الشرع بصرف النظر عن الديانة.

عند التطرق لتاريخ الدولة العثمانية توجه الكثير من الاتهامات ويقال إن مصر لم تشهد أي تطور؟

الأوروبيون حاولوا أن يظهروا الفترات التي احتلوا فيها الشعوب بأنها كانت فترات ازدهار، فقيل عن الهند إنها كانت متأخرة قبل الاحتلال الإنجليزي، وقيل نفس الشيء عن مصر وقت الدولة العثمانية، لإظهار أن الفترة اللاحقة، وهي الاحتلال الإنجليزي كانت أكثر ازدهارًا.

وما هي أبرز جوانب هذه الازدهار؟

الدولة العثمانية التي امتدت لأكثر من 600 عام (1299 حتى 1923) كانت إمبراطورية ممتدة من شمال إفريقيا حتى يوغسلافيا والمجر، وكانت تشهد تعايشًا بين أكثر من 20 ديانة، ولكن عامة يصعب أن تطلق وصفًا دقيقًا لتقول إنها كانت فترة ازدهار أو انحسار.

يعنى في فترات عديدة شهد الاقتصاد تطورًا، وشهدت صناعة النسيج ازدهارًا، ولكن في فترات أخرى كانت هناك أزمة مالية بسبب نقص المعادن أثرت على اقتصاديات البلد.. فالخلاصة أنه يصعب إطلاق وصف دقيق يلخص الحالة، سواء بالازدهار أو الانحسار.

وماذا عن العلاقة بين مصر وتركيا وقت الإمبراطورية العثمانية؟

كانت هناك علاقة تجارية مهمة وحركة تبادل تجارى بين الموانئ المصرية والعثمانية، وكان يوجد تجار أتراك في (مدينة) رشيد (بمحافظة البحيرة بدلتا النيل).. وساعدت هذه الحركة التجارية مصر كثيرًا.” [20]

وفي تقديمه لكتاب المؤرخة نيللي حنا عن تجار القاهرة في العصر العثماني يقول الدكتور رءوف عباس إن هذا الكتاب “يدحض الآراء التي ذهبت إلى أن مصر وبلاد الدولة العثمانية عانت من الركود الاقتصادي والجمود الحضاري والاضمحلال الثقافي من خلال تقديم صورة حية للواقع الاقتصادي في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر أعادت المؤلفة تكوينها من شتات المعلومات التي جمعتها من سجلات المحكمة الشرعية، بينت فيها عدم صحة المقولات التي أشاعها المستشرقون حول أثر تحول التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح على الركود الاقتصادي وكساد أسواق الشرق الأوسط”.

ويشكك في مقولات الركود والتراجع عندما يؤكد أن نهضة محمد علي باشا لم تنشأ من فراغ، لا سيما أنها اعتمدت على موارد مصر بصورة أساسية، فمن أين وفر الاقتصاد المصري كل هذه الموارد لو كان اقتصاداً راكداً؟ وكيف تجاوب المجتمع مع هذه الإصلاحات لو كان مجتمعاً متخلفاً؟ وكيف استطاع العمال المصريون استيعاب الأساليب الفنية الحديثة لو كانوا جهلة؟ وكيف تجاوب الطلبة في مصر مع التعليم الحديث إذا كان نظامهم التعليمي الأصلي متخلفاً وعاجزاً؟ وكيف تمكن الفلاح المصري من استيعاب فنون القتال إذا لم يكن يملك القدرات اللازمة لذلك؟

إن محمد علي باشا لم يقم إلا بإعادة ترتيب الأوراق التي كانت متوفرة في الأصل بين يديه، واتخذت إصلاحاته الطابع المصري العثماني رغم وجود المساعدة التقنية الأجنبية ولكن نسق الإصلاح لم يكن غربياً، ولو كان المجتمع المصري متخلفاً لما تمكن محمد علي من صنع المعجزات “ويعني ذلك أن واقع مصر في العصر العثماني كان له شأن آخر، غير ذلك الذي شاع في كتابات مدرسة الحداثة” [21].

وكما هزت اكتشافات الدكتورة فكرة الركود الاقتصادي وبينت أن الرأسمالية التجارية قد استردت عافيتها وأعادت بناء شبكة تجارتها العالمية الممتدة من الهند إلى غرب إفريقيا ومن إيطاليا إلى السودان، أتبعت ذلك في كتابها عن ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية بتحدي نظريات : التطور والتخلف، والمجتمع التقليدي والتحديث، والمركز والأطراف، والاستبداد الشرقي، بتبيان أن الرخاء الاقتصادي أنتج طبقة اجتماعية وسطى كانت لها ثقافتها التي استجابت للتحولات وتوافقت مع حاجات المجتمع في إطارها الديني والأخلاقي بعيداً الجمود الذي وصفت به في المدارس الاستشراقية، ولم يكن هذا التطور خاصاً بالقاهرة وحدها بل وجد أيضاً في بقية المدن العثمانية، ولم تكن الفجوة واسعة بين بلادنا وجنوب أوروبا حيث مدن النهضة حتى أواخر القرن السابع عشر على الأقل [22].

ويعترف الدكتور رءوف عباس بكونه أحد المتأثرين بل من المروجين زمناً لنظريات الاستشراق عن ركود وتخلف وجمود البلاد العربية في العصر العثماني وبأنه انبهر بنظرية التحديث التي جاءت مع الغزو الغربي وبما أشاعته المدرسة الماركسية عن مجتمع ما قبل الرأسمالية أو الاستبداد الشرقي ومفهوم المجتمع الخراجي المعدلة له، وغاب عن جيل الستينيات والسبعينيات كما يقول الدكتور النظر للنصف المليء من الكوب بما فيه من عناصر إيجابية “كانت لصالح بلادنا” كعدم التدخل في حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتركهم يديرون شئونهم وفق ما اعتادوه ، وتحقيق الأمن والاستقرار زمناً طويلاً مع تأمين البحر المتوسط والبحر الحمر وصارت مصر تتعامل مع سوق واسعة شملت حدود الدولة العثمانية في ثلاث قارات وكانت مصر هي المركز فيها وهي تجارة لم يعرقلها الوجود البرتغالي في المحيط الهندي وبحر العرب إلا برهة من الزمن أعاد بعدها التجار العرب بناء شبكتهم التجارية، دون أن يعني هذا خلو القرون العثمانية من السلبيات حيث رفعت الدولة يدها عن تقديم الخدمات وما تبع ذلك من أوبئة ومجاعات وآثار سلبية نتجت عن صراع العسكر على السلطة وتراجع قوة الدولة.

المهم أن الرؤية الاستشراقية لم تلحظ إلا ما يؤيد أفكار الجمود والتخلف والركود ولم تر العناصر الهامة ولكن الحقيقة أننا أمام مجتمع متحرك ومتغير يصعد ويهبط كبقية المجتمعات البشرية وليس كائناً راكداً [23].

ويقول المؤرخ عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم في مقدمة كتابه النفيس “فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني” وهو يرد على الطرح الاستشراقي :”نقدم للقارئ تلك الدراسات التي ترصد بعضاً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع المصري ، خلال الفترة التي تعرف في التاريخ المصري باسم “العصر العثماني 1517- 1798 م” ، التي وصفت بأنها فترة التخلف والركود والجمود ، وظللنا نحن نكرر تلك الأوصاف التي رسمها لنا الأوروبيون الذين أرادوا أن يرسموا لنا صورة قاتمة للدولة العثمانية ، وأنها وراء ما أصابنا من هذا التخلف والركود والجمود ، وصدقنا ما وضعوه لنا ، دون أن نقترب من تاريخ هذه الفترة وندرسه من وثائق وكتابات العصر لنقف على حقيقة دور الدولة العثمانية ي تاريخنا.

“وعندما اتجه البعض إلى دراسة تاريخ هذه الفترة بان لهم أن الدولة العثمانية لم تكن بالصورة التي رسمها لها الأوروبيون ، فدراسة وثائق العصر تثبت أن الدولة العثمانية لم تضع قيوداً على حراك السكان ، وانتقالهم من بلد إلى آخر ، ولا على ممارستهم للأنشطة الاقتصادية والمهنية ، مما جعل الاستقرار الاقتصادي ، يعود إلى السوق المصرية ، بعد أن كان هذا الاقتصاد قد ضُرب ضربة شديدة على إثر اكتشاف رأس الرجاء الصالح (1498 م) ، وساد السوق المصرية الكساد الاقتصادي ، وعدم الاستقرار ، مما أثر بالتالي على البنيان السياسي والاقتصادي للدولة المملوكية.

“وتبدأ هذه الدراسات بإلقاء الضوء على وثائق العصر ، التي لا تزال تعيش في دور وثائقنا ، وترسم لنا صورة واضحة المعالم للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع المصري ، خلال هذه الفترة التي امتدت ثلاثة قرون من تاريخنا ، كما تلقي الضوء على بعض من المصادر الأصلية والمعاصرة، لتؤكد الصورة التي رسمتها لنا الوثائق ، وكيف أن هذه المصادر ، التي ألفت في تلك الفترة التي وُصفت بالتخلف ، ظلت تعيش في عالم النسيان ، حبيسة خزائن الكتب العالمية حتى شاء الله لبعضها أن يرى النور في السنوات الأخيرة”.

“ثم نقدم بعد ذلك فصولاً من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي ، للمجتمع المصري ، خلال تلك الفترة ، فمنذ منتصف القرن السادس عشر ، وبعد أن استقرت الأمور للحكم العثماني في مصر بدأت السوق المصرية تشهد نشاطاً تجارياً متزايداً ، وبدأت تعود للسوق المصرية عمليات التبادل التجار بينها وبين أسواق بلاد الشام والحجاز واليمن ، وبلدان المغرب العربي ، والغرب الإفريقي ، وبعض البلدان الأوروبية والهند ، وبلدان جنوب آسيا ، وبدأ النشاط التجاري في البحرين المتوسط والأحمر يشهد رواجاً كبيراً ، وترتب على النشاط التجاري ازدهار الموانئ المصرية الواقعة على البحرين مثل : الإسكندرية ، ورشيد ، ودمياط ، والسويس ، والقصير ، كما نشطت الموانئ الداخلية الواقعة على النيل مثل : بولاق ومصر القديمة . وبدأت فئة التجار تحوز على أرباح باهظة ، وأصبح للكثير من أبناء هذه الفئة وكلاء في موانئ البحر الأحمر في مخا ، والحديدة ، وجدة ، يقومون بأعمالهم في تلك الموانئ ، كما كان لهم وكلاء في بعض موانئ البحر المتوسط ، ولعب هؤلاء التجار دوراً فعالاً في المجتمع المصري” [24].

ويذكر رحمه الله بقية الظواهر سلبية كانت أم إيجابية ليخرج المراقب بنتيجة أن الصورة القاتمة لا أساس لها وأنه مجتمع بشري كبقية المجتمعات وكانت فيه من الإيجابيات ما أغفله الأوروبيون طويلاً.

وقد سبق الحديث في دراسات سابقة عن كون القاهرة المدينة التي تلت العاصمة العثمانية إسطنبول مباشرة في الأهمية داخل الدولة العثمانية، وهو ما لم يحدث في أي امبراطورية استعمارية حكمت مصر من أوروبا سواء فرنسا أو بريطانيا، وأنها تمتعت بزمن من التوسع والازدهار، وفي مؤلفها الخاص بالقاهرة في القرن السادس عشر تقول الدكتورة هدى جابر إن التحول الذي شهدته المدينة سنة 1517 بالتحول من قاعدة لإمبراطورية المماليك إلى مدينة عثمانية لا يعني أن القاهرة فقدت أهميتها، لأنها أصبحت المدينة الثانية بعد إسطنبول، وظلت تحتفظ بأهميتها التجارية، وشهدت عمراناً كان أساساً لتطورها العمراني اللاحق وهذا عكس ما قيل عن انكماشها واضمحلالها في العصر العثماني، وقد حظيت الخدمات العامة والصحية باهتمام السكان خلافاً لما أشيع عن جهلهم بهذه الأمور، واهتمت الإدارة بالأمن العام والأمن الاقتصادي، وشهدت المدينة ظهور طوائف اجتماعية وتطور الطوائف الحرفية خلافاً لما أشيع عن جمودها، ولم تكن الجاليات الأوروبية تعيش في عزلة وانغلاق على عكس المشهور عنها، وترى الدكتورة هدى أن بحثها خطوة في مسيرة تصحيح الأفكار والمفاهيم السائدة عن العصر العثماني[25].

ويفصل ألمؤرخ روبير مانتران الحديث عن وضع الحكم العثماني في مصر وطبيعة العلاقة بينها وبين مركز الدولة العثمانية بالقول بعد ذكر الأفكار السلبية التي أشيعت عن الحكم العثماني سابقاً إن العثمانيين عاملوا الجامع الأزهر باحترام شديد وحافظوا له على كل نفوذه، وإن الحجاج الأتراك كانوا يمرون بمصر ويقيمون في القاهرة مما أدى إلى علاقات ثقافية ودينية بين تركيا ومصر ، وقد ظلت اللغة العربية ي لغة الدواوين ولا يمكن الحديث عن “عثمنة” في هذا المجال، فلم يأت انتصار العثمانيين في البلاد العربية “بعثمنة” لهذه البلاد وفقا لجب وبوون، وكانت ظاهرة الأرستقراطية العسكرية التركية ليست جديدة لأن البلد اعتادت عليها منذ زمن المماليك، أما البيروقراطية القاهرية فلم تكن تركية خالصة، والحاميات التركية اندمجت بالشعب إلى درجة نسيان لغتها التركية الأصلية، واستمرت ظاهرة “اللاعثمنة” إلى نهاية القرن الثامن عشر، وظلت مصر تؤلف إقليماً واحداً مركزه القاهرة على عكس الولايات الآسيوية الأخرى مما أعطاها خصوصية وضحت أن لها ميزة لدى السلطان وأنه ينوي المحافظة على أهميتها.

ولم تكن الأموال الذاهبة إلى الخزانة السلطانية تثقل كاهل الإقليم، فقد كان النظام المالي المطبق في مصر هو نفسه المطبق في العاصمة وسائر الولايات، وكانت سيطرة حكومة إسطنبول على مصر ليست شديدة الوطأة ولم تكن بالغة التعسف والجور، أما الاضطرابات فلم تكن حركات عصيان شعبية بل اضطرابات قام بها الانكشارية وبقية الفرق العسكرية لعدم حصولهم على رواتبهم وصدامهم مع المماليك أي مجرد مشاجرات شوارع ، وكان سبب التوترات التي ظهرت في القرن الثامن عشر محاولة الدولة إحلال نظام جديد للجيش يتألف من متطوعين محل النظام القديم وقد تسببت نفقاتها في حوادث التوتر ولم يكن سبب ذلك بذخ الباشوات أو مطالب الباب العالي، ولم يواجه العثمانيون حالة قطع الروابط مع رعاياهم في مصر رغم بعد القاهرة عن إسطنبول ورغم أن حكام الإقليم كانوا يتمتعون باستقلال واسع حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ولم يكن السلاطين العثمانيون يولون اهتماماً كبيراً للاحترام والطاعة من جانب الحكام وكبار الموظفين، وكان ما يهمهم هو مظاهر السيادة الشكلية للسلطان واحترام الالتزامات المالية.

وعن حكومة الإقليم المصري يقول مانتران إن مركز والي القاهرة كان من أعلى المراكز في السلم الإداري العثماني، فكثيراً ما تولاه كبار الوزراء في الحكومة المركزية بعد عملهم فيها ولم يكن ذلك إنقاصاً من شأنهم، أو صار الولاة أنفسهم في مناصب عالية كالوزارة بعد عملهم في مصر، ولم تكن الصراعات داخل الإدارة المحلية تصل إلى حد الصراع مع الباب العالي، إذ لم تكن سيادته محل مناقشة، ولم تكن اضطرابات القاهرة تتجاوز نطاق الإقليم إلا جزئياً في القرن الثامن عشر، ورغم هذه الاضطرابات فقد استطاعت الإدارة المحلية أن “تقوم بعملها وأن تصل بهمة ولدرجة ملموسة إلى تحقيق أقصى الفوائد للإقليم وللخزانة السلطانية معاً” ، وقد تمكن مشايخ البلد في القرن الثامن عشر من انتزاع السلطة الضئيلة التي كانت بحوزة الباشوات ولم يكن خلافهم معهم يصيب الحياة في القاهرة بالارتباك إلا قليلاً.

وفيما يتعلق بالحياة الحرفية وتنظيماتها التي كانت موجودة قبل دخول العثمانيين فإنهم “قلما حاولوا التدخل لتوجيه هذه التنظيمات القاهرية كي تتخذ نمطاً تركياً”، وكان رؤساء الطوائف الحرفية يتمتعون بسلطة كبيرة وكان من حقهم الدخول على الباشا ولم يكونوا يترددون في فعل ذلك وأخذ نفوذهم يقوى في الإدارة والحكم منذ القرن السابع عشر بسبب دخول الإنكشارية والعسكريين في الطوائف الحرفية.

وكانت مصر تحتل مكانة سامية في ميزانية الخزانة السلطانية لكونها بلداً غنياً وكانت مبالغ الخراج تتفاوت حسب الظروف وقد فرضت على كبار موظفي الديوان ضرائب نظير امتيازاتهم والدخول التي يحصلون عليها وحتى عام 1761 كانت مقاطعات الجمارك تدار بواسطة أمناء من الأقباط أو اليهود، وفيما يتعلق بالضرائب “من الواضح أنه وإن كانت الضرائب المختلفة تزيد في مصر بنسب لافتة للنظر في بعض الأحيان فيما بين 1517 و 1798 إلا أن التدهور شبه المستمر للنقد العثماني كان بمثابة تعويض عن الزيادة أما من الناحية الفعلية فيمكن القول بأن هذه الضرائب لم ترتفع”.

وعن الحياة التجارية وصف الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم مصر العثمانية بأنها كانت “محور العلاقات الاقتصادية بين المشرق والمغرب…وهي مركز لعمليات التصدير والاستيراد مع كل من البلدان الأوروبية والإفريقية والآسيوية” [26].

وفي دراسته الشاملة عن الموانئ المصرية في العصر العثماني يقول الدكتور عبد الحميد حامد سليمان إن الفترة العثمانية من تاريخ مصر اتسمت بالغموض الكثيف والنقص الكبير في المعلومات حتى أماط اللثام عنها باحثون قديرون كالأساتذة ستانفورد شو وعبد الرحيم عبد الرحمن، وقال أيضاً إن الموانئ المصرية أمنت طوال العصر العثماني غائلة الحملات المعادية والهجمات المتتابعة التي كثيراً ما نكبت بها من قبل وشهدت فترة طويلة من الأمن لم تعرفها فيما سبق ودعم ذلك دخول رودس وقبرص تحت السيطرة العثمانية (بعدما كانتا من مصادر الأخطار الفرنجية على مصر) واستمر ذلك الأمن إلى أواخر القرن الثامن عشر حينما بدأت مظاهر الضعف العثماني، ويتحدث عن الاضطرابات التي أثارتها الصراعات بين الأمراء المماليك في أواخر القرن السابع عشر والقرن الذي تلاه وقال إن الموانئ المصرية باستثناء السويس كانت بمنأى عن هذه الصراعات إلى أن تغير الحال في النصف الثاني من القرن الثامن عشر باختفاء منصب القبودان.

وقد خضعت الأجهزة الإدارية في هذه الموانئ للرقابة المزدوجة من الحكم المركزي في العاصمة إسطنبول وفي القاهرة مع وعي سكان الموانئ بحقوقهم وواجباتهم ما أدى إلى تصديهم لانحرافات الإداريين والملتزمين وشيوخ الحرف وكثيراً ما نتج عن هذا التصدي إقالة المنحرفين حتى لو كانوا على رأس الجهاز الإداري ، كما تمكن الأهالي من الوقوف على تطبيق القانون العثماني والتصدي لمحاولات تهريب الحبوب إلى الإفرنج وهو ما كانت الدولة العثمانية تحظره، وتؤكد الوثائق كثرة الأمثلة التي توضح فعالية الرقابة الشعبية وسرعة استجابة الديوان العالي في القاهرة لشكايات الأهالي دون الالتفات إلى مكانة المنحرفين ولم تحل وظائفهم دون عزلهم وسجنهم ومصادرة أموالهم.

وشرح نظام الالتزام الذي أديرت به الموانئ المصرية فوضح أنه لم يكن مجرد نظام مالي بل فلسفة إدارية شاملة لمعظم أوجه النشاط الإنساني حيث أديرت الأنشطة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية بتخويل سلطات معينة للملتزمين مقابل حصولهم على ضرائب محددة لا يتعدونها ويدفعون حصصاً مقررة منها للسلطات المعنية، وكان هذا النظام ناجحاً للدولة والرعية باستثناء بعض فترات الاضطراب بسبب ضعف قبضة السلطة التي تمكنت بشكل عام من التصدي لجشع الملتزمين.

وفي دراسة موسعة عن نظام الالتزام بعنوان “الأرض والفلاح في صعيد مصر في العصر العثماني” يتجاوز الدكتور جمال كمال محمود التعميمات الأيديولوجية التي وصمت العصر العثماني ويقول إنه بعد تحول مصر من قاعدة لسلطنة المماليك إلى ولاية عثمانية أصبح نظام الالتزام هو أساس النظام الاقتصادي فيها، ولكن تطبيقه تم بصورة تدريجية ليحل محل نظام الأمانات في الربع الثاني من القرن السادس عشر، وإنه لم يكن نظاماً غريباً لأنه يشبه أنظمة سبق تطبيقها في العصور الإسلامية السابقة، وأوضح أن ضريبة الميري المفروضة على الأراضي الزراعية لم تتغير طوال العصر العثماني ولكن ظهور المضاف هو الذي زاد أعباء الفلاح المصري، ورغم تعدد الضرائب في ظل الالتزام فإن الخطأ لم يكن في صلب النظام بقدر ما كان في القائمين عليه من ملتزمين ومساعدين وعسكر، وأوضح أيضاً آثار الصراعات العسكرية بين الكتل المملوكية، ويخلص إلى أن نظام الالتزام لم يكن كله مساوئ، ولولا جشع وعسف القائمين عليه لكان من الصعب وصفه وصفاً سلبياً ، ويصعب كذلك إلصاق الضعف والركود بالعصر العثماني اعتماداً على بعض الدراسات القديمة، لأن التاريخ هو الوثائق، والوثائق تؤكد غير ذلك، وهذا لا يعني وصفه بعصر النهضة، المهم أنه فترة تاريخية لها محاسنها ومساوئها أيضاً [27].

وكانت الأحوال الاقتصادية في الموانئ المصرية أسعد حالاً من بقية نواحي مصر وكفلت الأنشطة الاقتصادية الداخلية والخارجية لسكانها حظاً من الثروة والرفاهية، ورغم ارتفاع الأسعار وتذبذب قيم العملات في بعض الأحيان فإن التكامل الاقتصادي بين أجزاء الدولة العثمانية مكن الإدارة المركزية في إسطنبول من التصدي لخطر المجاعات في مختلف الولايات، وفي سنوات قصور النيل قدمت السفن العثمانية بالحبوب من الشام والأناضول إلى مصر الأمر الذي جعلها بمنجاة من المجاعات التي عانت منها كثيراً في السابق وكانت تودي بحياة الكثيرين وتدفع الناجين إلى الهجرة.

وشهدت الموانئ المصرية أنشطة اقتصادية مزدهرة دفعت كثيراً من التجار المصريين والأتراك والشوام والمغاربة والهنود والعرب والأوروبيين إلى امتلاك وكالات فيها، ويرى الباحث الدكتور عبد الحميد سليمان أن نظام الطوائف الحرفية أدى إلى جمود وتراجع الدور الصناعي لهذه الموانئ.

ويختم الدكتور عبد الحميد سليمان حديثه بالقول “إن الموانئ المصرية قد شكلت شريحة بالغة الأهمية من مصر في العصر العثماني حيث أسهمت بدور بارز بالغ الأهمية في تشكيل الصورة العامة لها كما أسهمت إلى حد كبير في تمويل الدولة العثمانية بالمال والحرفيين الذين أسهموا كثيراً في بناء الأساطيل العثمانية وتمويلها وإصلاحها وكانت بمثابة قواعد عسكرية للأساطيل العثمانية ومراكز إمداد للجيوش العثمانية ساهمت في القدرات العسكرية العثمانية التي من خلالها خاضت هذه الدولة حروباً طويلة كما كانت الصادرات عبر هذه الموانئ من التجارة الواردة إليها ومنتجاتها ذات أهمية بالغة في إدارة النشاط الاقتصادي داخل الدولة العثمانية كلها والنشاط الاقتصادي العالمي …” وهو ما قاد فيما بعد إلى التنافس الاستعماري على التعامل مع هذه الموانئ ثم احتلالها بعدما ضعفت الدولة العثمانية [28]، وخلاصة الصورة التي يقدمها هذا الكتاب هي صورة التكامل وليس الاستغلال الذي ينطبق على الاستعمار.

وعن العلاقات الدينية والثقافية يقول مانتران إن العثمانيين لم يمارسوا ضغطاً محسوساً يتصل بالقضاء الشرعي، فقد احتفظ علماء مصر والبلاد العربية إلى حد ما بالمرونة التقليدية لنظامهم وبنفورهم من الأنظمة الأجنبية ولدينا القليل من آثار العثمنة، وكان التدخل المباشر مقصوراً على النظام القضائي ، أما النواحي الأخرى كالتعليم وهيئاته “فإنه لا استانبول ولا الموظفين المحليين كانوا يتدخلون مطلقاً في نظمها التقليدية ولا في أشخاص القائمين عليها ولا في المناهج التي يتبعونها…ولم تكن ثمة ضرائب تحصل من العلماء” رغم كون السلطان حنفياً “فإنه لم يحدث مرة واحدة أن ولي مشيخة الأزهر شيخ حنفي، وظل هذا المنصب – طيلة القرن الثامن عشر – وقفاً على الشافعية”.

ورغم حضور التزمت فإن هذا لم يمنع تيار التجديد الفكري في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حين ظهر علماء حاولوا التجديد في مجالات الثقافة المختلفة ولعل أشهرهم مرتضى الزبيدي صاحب قاموس تاج العروس الذي فتح الطريق لتجديد اللغة العربية ووصلت شهرته إلى إسطنبول حيث دعاه السلطان عبد الحميد الأول لمواصلة النشاط في العاصمة ولكنه رفض، وكان عبد الرحمن الجبرتي صاحب محاولة تجديد في التاريخ قبل الحملة الفرنسية، وقد خضع الفن المصري لبعض التأثيرات العثمانية دون أن يفقد أصالته أو خصوصياته.

ولطالما صورت مصر تحت الحكم العثماني لمدة ثلاثة قرون تقريباً قبل الحملة الفرنسية (1517-1798) بصورة قاتمة تسودها الفوضى والركود والجهل والتخلف في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى أن بزغ “نور أوروبا” ومهد للحداثة التي شهدتها مصر في زمن محمد علي باشا، وهذا ما زعمته المدرسة الاستعمارية زمناً طويلاً لتأكيد اعتقادها أن الأخذ بالنموذج الأوروبي هو السبيل الوحيد للتقدم، ليتكشف الأمر بعد بحوث عديدة على أن الرأي السابق بني دون بحث أو تمحيص وأن قيام بحوث رائدة في هذا المجال أخضع النظرة السابقة للنقد والمراجعة وأدى إلى اهتزاز الصورة الراكدة التي كونتها وكشف عن “قصور مصادرها، وفساد تعميماتها، وخضوعها لسيطرة فكرة المركزية الأوروبية، فجاءت تلك الدراسات الجديدة بمعلومات وفيرة وآراء جديدة، أكثر دقة وموضوعية، نبهتنا إلى ضرورة إعادة اكتشاف وجه مصر خلال هذه القرون الثلاثة” [29].

ومن هذه الدراسات دراسة الأستاذ ناصر عبد الله عثمان عن الحركة العلمية في مصر في أكثر حقب التاريخ المصري غموضاً وهو القرن السابع عشر لترد على “المزاعم التي تدعي بأن شعلة العلم قد انطفأت تماماً في مصر والدول العربية تحت ظل الدولة العثمانية”، لتكشف أولاً أن “تقلص الينابيع الفكرية لم يكن وليد العصر العثماني أو شيء انفرد به دون غيره، فقد أشارت الدراسة إلى أن هذا الأمر ظهر منذ بدايات القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي”، وأهم ما خرجت به الدراسة أن الجوانب الفكرية في كثير من العلوم قد شهدت تطوراً كبيراً في القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، كالحديث والفقه واللغة والتاريخ بفروعه، بالإضافة إلى الأدب الذي لم يكن أسلوبه منحطاً أو ركيكاً كما وصفه المتحاملون على العصر العثماني، والعلوم العقلية التي لم تكن محرمة كما ادعى البعض بل وجدنا عكس ذلك تماماً من الاعتناء والتدريس للمنطق والحساب والطب، كما وجدنا الكتابات الموسوعية غير المقتصرة على تخصص واحد، وكل ذلك طبعاً يجب أن يقاس بمقاييس ذلك العصر لا بمقاييسنا المعاصرة [30].

وعن الفكر المصري في القرن الثامن عشر بين الجمود والتجديد يقول الدكتور عبد الله العزباوي في كتابه الذي يحمل نفس العنوان والذي وصفه الدكتور يونان لبيب رزق بعدم الانحياز ، إن هذا الفكر كان يغلب عليه الجمود والتقليد في النصف الأول من القرن، ولكن لم يكن العثمانيون هم السبب في هذا الضعف الذي بدأ منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وإن التعليم لم يكن متدهوراً كما ظن بعض الباحثين بل إنه كان متقدماً وإن شابه التركيز على العلوم النقلية، ومع ذلك لم تختف العلوم العقلية كالطب والرياضيات والفلك، وإن الحركة الفكرية في مصر أخذت منذ أواخر القرن الثامن عشر تحرز درجة كبيرة من التقدم والتطور على أيدي علماء موسوعيين وآخرين خرجوا عن طريقة الحواشي والشروح ونادوا بالتجديد، فلم تكن الحملة الفرنسية هي التي أدت إلى تطور الفكر المصري لأن نهضته بدأت منذ أوائل القرن ونمت في أواخره قبل مجيء الفرنسيين، وكانت هذه النهضة مختلفة عن النهضة الغربية [31].

وخلاصة ما يقوله الدكتور أحمد زكريا الشلق إن مصر لم تكن نائمة قبل أن يأتي الغرب، وأن حركتها كانت مستمرة نحو حداثة من صنع تطورها ضمن المجتمع العثماني الأكبر ، وأن تاريخ الحداثة فيها سبق الحملة الفرنسية ، وإذا لم تأخذ تلك الحداثة الشكل التقني فقد أخذت الشكل الثقافي والاقتصادي الذي يدحض إمكان سحب صفات سلبية موحدة على القرون العثمانية الثلاثة، فقد مرت بمراحل من الازدهار والتطور ومراحل من التدهور، وإذا كنا نقرأ عن عبقريات كالزبيدي مؤلف تاج العروس والجبرتي صاحب التاريخ فإن هذه العبقريات لم تكن مقطوعة الأصول بمجتمعاتها، وأثبتت الحداثة التي شهدتها مصر أنه يمكن أن يكون لكل مجتمع طريقه الخاص في التطور الذي يأخذ دائماً شكل التغيرات الاجتماعية الهادئة، ويتراوح كثير من المؤرخين في الحديث عن آثار الحملة الفرنسية بين القول إنها إذا لم تتعمد الإفساد فإنها لم تشجع بشكل جاد على النهوض بمصر والمصريين إلى مرحلة أعلى من التمدن، والقول إن حتمية التاريخ كانت ستفضي بمصر إلى الانفتاح على الحداثة دون غزو فرنسي، وإن مصر كان مآلها إلى التغيير سواء ظهر بونابرت أم لا، والقول إن الاحتلال الفرنسي قطع سياق التطور الطبيعي لمصر كما قطع سياق علاقتها بالدولة العثمانية، وخصوصيتها سياسياً وحضارياً [32].

وفيما يتعلق بوضع المرأة الذي كثيراً ما اتخذ مؤشراً لمدى التحضر ومبرراً للتطفل الأجنبي، يقول الدكتور عبد الرزاق عيسى في كتابه الوثائقي عن المرأة المصرية في العصر العثماني إن هذا العصر ظُلم كثيراً وما زلنا بحاجة ماسة لمزيد من البحث لاستخراج الكنوز المعرفية المدفونة مع الوثائق لتنير لنا السبل المظلمة من تاريخنا ، وإن موضوع المرأة العثمانية من المواضيع التي تحتاج للتصحيح وإعادة النظر لأن معظم إن لم يكن كل الآراء التي تحدثت في هذا الموضوع أكدت على سوء أوضاع النساء وانتهاك حقوقهن في ذلك العصر، وأن المرأة كانت حبيسة الجدران لا تخرج من منزل أبيها إلا إلى منزل زوجها أو القبر، ولم تتنبه لحقوقها إلا مع فجر الحملة الفرنسية وما تبعها من نهضة تمثلت في قاسم أمين أو رفاعة الطهطاوي، وهذه النظرة غربية وتريد وصم تاريخنا بما لم يكن فيه وللأسف فقد روجها كثير من الباحثين والمفكرين منذ لويس عوض ومن تبعه عن جهل أو تجاهل أو إسقاط أيديولوجي أو تقليد استشراقي، هذا في الوقت الذي تؤكد فيه الوثائق عكس تلك الدعاوى وتوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن المرأة حصلت على كافة حقوقها سواء المتعلقة بإقرارها عقد الزواج وقدرتها على وضع ما يحلو لها من شروط عليه واللجوء إلى القاضي في حالة الإخلال بها وطلب الخلع، أو المتعلقة باستقلال ذمتها المالية وما يتبعه من بيع وشراء وتعامل مع من تشاء دون قيد ولا شرط، أو قدرتها على وقف الأوقاف بل تولي نظارتها حيث تكون “الأرشد والأعقل والأقدر على إدارة الوقف” حسب قول القاضي، وتبين أن الحديث عن الحرملك شابه الخيال والأساطير سيراً خلف دعايات الأوروبيين وتبين بعد الدراسات المدققة بأن الكثير مما كتب لا يمت إلى الحقيقة بصلة وهو محل شك كبير في وجوده أصلاً .

وجاءت دراسات الدكتورة نيللي حنا المعتمدة على وثائق المحكمة الشرعية لتؤكد أنه في القرن السابع عشر كان وضع النساء في مصر يفضل وضع نظيراتهن في فرنسا وإنجلترا من عدة وجوه ، وبعد دراستها بيوت القاهرة تبين عدم وجود العزلة التي تخيلتها فكرة الحرملك بمعنى حبس المرأة وانتهاك حقوقها، ويرى الدكتور عيسى وجوب اضطلاع الباحث بنشر الوعي الصحيح بعيداً عن الآراء المتحجرة والقوالب الجامدة والنظرة الغربية لتاريخنا الذي يجب أن نفهمه من مصادره الأصلية حسب ظروفنا ومراحل تطورنا بعيداً عن القوالب المستوردة التي توضع الحوادث فيها قسراً فينتج عن ذلك التاريخ المشوه [33].

أما وضع غير المسلمين الذي طالما كان ذريعة للتدخل الأجنبي والتدمير فيلخصه الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن استنادا إلى دراسة الدكتور محمد عفيفي الشاملة بالقول إن هذه الدراسة وضعت وصفاً دقيقاً لوضع الأقباط ودورهم في الإدارة المالية العثمانية “وكيف أنهم عاشوا كجزء من المجتمع المصري، دون أدنى شعور بالتفرقة أو التمايز، إنما كجزء من المجتمع يتوافق كل التوافق مع بقية الأجزاء” [34].

ويدون المؤرخ مانتران خلاصة دراسته كما يلي: “نستطيع إذن أن نقول في النهاية إن السيادة العثمانية على مصر قد وجدت قبولاً سريعاً وأنها –بعكس ما حدث في البلدان الأخرى-لم تكن شديدة الوطأة بصفة عامة. كان ثمة قدر ضئيل من القمع العسكري-إذا نحن نحينا جانباً حملة 85-1786، إلا أن حوادث العصيان والتمرد لم تكن من صنع المصريين في غالب الأحيان، كما أنها لم تكن موجهة ضد العثمانيين إلا في نهاية القرن الثامن عشر. وفي مقابل ذلك كان العثمانيون يكنون بالغ الاحترام للقاهرة التي ظلت تحتفظ في نظرهم بكامل هيبتها.

“إن الأفكار التي تروج عن ظلم الأتراك لم تظهر إلا في وقت متأخر من القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى أنها من صنع الغرب وترتبط “بالمسألة الشرقية” وكان يلجأ إليها في شعارات الحركات الاستقلالية التي تظهر في قلب الإمبراطورية العثمانية وكذلك أثناء التأييد الفرنسي لمصر بعد 1830 وفي التصورات التي أشاعتها حملة بونابرت على سبيل المثال، وكذلك في الاستراتيجية السياسية للقوى الغربية التي كانت ترمي لإحداث شقاق بين القاهرة واستانبول بقصد إحكام السيطرة على دولة بدأ يرتفع شأن وضعها الاقتصادي والاستراتيجي مع إنشاء قناة السويس.

“إن الأمر لم يكن علاقة تبعية سياسية في أية لحظة، ومنذ بداية القرن السادس عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، وبرغم أن القاهرة لم تكن عاصمة لدولة مستقلة فإنها لم تكن بأية حال أقل من عاصمة، فقد ظلت واحدة من أوليات المدن في امبراطورية إسلامية مترامية الأطراف، يولي حكامها – أي حكام الإمبراطورية – القاهرة قدراً لا يمكن تجاهله من رعايتهم واحترامهم” [35].

هذه هي شذرات عامة عن وضع مصر أثناء فترة الحكم العثماني آثرت الاستشهاد بأقوال المؤرخين المتعددة عنها، وبالنص نفسه أحياناً كثيرة لنقل انطباعاتهم الصادقة كما سطروها، بعدما قاموا بدراسات وثائقية وافية استغرقت أعماراً وأزاحت الآراء الاستشراقية المسبقة والتعميمات الاختزالية التي قادت إلى أفكار مشوهة طمست الحقائق زمناً طويلاً وادعت دعاوى غير مؤسسة من باب الاحتلال العثماني بل الاستعمار التركي


۞مكانة مصر العثمانية..2… شعبان الصوان

9 يوليو 2016

 

۞مكانة مصر العثمانية

يقول المؤرخ ستانفورد شو إن مصر كانت منذ دخول السلطان سليم الأول واحدة من أهم الوحدات داخل المنظومة العثمانية، فقد كانت ترسل الضرائب بشكل مباشر إلى مركز الدولة دون وساطة ملاك الأراضي العسكريين (التيمار) الذين طبق نظامهم في الموانئ المصرية وحدها، وكانت محاصيل مصر تطعم المدن الكبرى في الدولة كما كانت تفعل من قبل للدول التي حكمت المنطقة ، كان السكر والرز والعدس وغيرها من البضائع المصرية تصل من مصر بالبر والبحر لكفاية حاجات إسطنبول ومدن الأناضول، وكثير من الذهب الذي استخدمته الدولة لسك عملتها جاء من السودان وإفريقيا الوسطى خلال مصر، كما كانت مصر تزود الجيش العثماني بعشرة آلاف جندي جيد التدريب سنوياً، وقد فتح هؤلاء باسم الدولة العثمانية جنوب الجزيرة العربية وسواحل الحبشة ودافعوا عنها في مجمل المشرق من اليمن إلى شمال إفريقيا، وكانت المدن المقدسة في الحجاز تأكل وتلبس وتحمى من الخزينة المصرية ، ومن الموانئ المصرية انطلقت الأساطيل العثمانية للدفاع عن المحيط الهندي وخليج البصرة والبحر المتوسط [7].

۞تهمة “الاحتلال العثماني” قومية قبل زمنها بشهادة انتفاء تهمة “الاحتلال” المصري

ولكن هل كان هذا استعماراً أو احتلالاً كما حلا لمدرسة التغريب الزعم رغم أنها بررت الاحتلال الأوروبي؟ ولماذا أثير هذا السؤال على الفترة العثمانية وحدها مع أنها مجرد امتداد للتاريخ الإسلامي الذي شهد كثيراً من التمازج القومي وحكم سلالات تركية وفارسية وكردية وشركسية في بلاد عربية لم تنظر إلى هؤلاء الحكام المسلمين بأي استهجان قومي؟ ولعل مثال محمد علي باشا يوضح المقصود فقد تولى حكم مصر وهو ليس مصرياً لا عربياً بل أوروبي مسلم ومع ذلك فرضته الجماهير المصرية على السلطة المركزية في إسطنبول، وما زال الفكر القومي العربي يحتفي بمشروعه إلى اليوم بمفارقة عجيبة إذ لم يكن الباشا يتكلم اللغة العربية، ولما بدأ مشروع التوسع وغزو الشام والأناضول رحبت به الجماهير في تلك الولايات بصفته منقذاً ولم يقل أحد إنه احتلال أو استعمار مصري بمفهوم الوصف الحديث، وكانت الثورات عليه بعد ذلك وعملية تحجيمه في إطار سياسي لا علاقة له بهذه المفاهيم القومية، فلماذا لا يذكر من يتحدثون عن “الاحتلال العثماني” أن مواطني الدولة العثمانية في الأناضول نفسه رحبوا بالجيوش المصرية بصفتها منقذة لهم وللأمة الإسلامية؟ (*) أليس هذا دليلاً على غياب التقسيمات القومية التي يحاول البعض دسها في أزمنة مغايرة؟ وهل يمكن أن يستوعب التاريخ إسقاط مشاعر وأفكار لاحقة على فترات سابقة لم تسد فيها هذه المقولات؟

بداية يجب الإشارة إلى أن قرون التاريخ الإسلامي لا تصلح لإسقاط أفكار التمايز القومي أو حتى الحدود الوطنية والقطرية كما يحلو للبعض أن يفعلوا، فهناك من يذهب إلى رفض أن تخرج من مصر ضريبة لمركز إسلامي حاكم يقع في خارج الحدود المصرية الحالية، ويذهب التعصب للحدود إلى مدى القبول بالسرقة الداخلية وتفضيلها على أي كيان وحدوي كبير لمجرد امتداداته خارج الحدود التي رسمها المستعمر الأجنبي، أي أن منطق “الاستقلالية” نفسه قائم على الاستسلام للأجنبي وهو ما يدعي الهروب منه ورفضه، وفي الوقت الذي يرفض صاحب هذا الزعم دفع ضريبة خارج الحدود تراه يلهث خلف الحياة بجنسية أجنبية قد تكلفه دفع ثلث أو نصف دخله ضريبة لحكومة أجنبية معادية ولا يقدم هنا أي اعتراض على أن يدفع الساكن في كاليفورنيا في أقصى الغرب الأمريكي ضريبة لحكومة تقع في واشنطن في أقصى الساحل الشرقي، هذا كله مقبول ومستحسن، أما دفع ضريبة لحكومة إسلامية مركزية تقدم الكثير من الحماية والخدمات للجميع مما سنراه لاحقاً وتنفق معظم الضريبة محلياً فهذا ما ترفضه شياطين الكرامة المزعومة !

وأقول إن التاريخ الإسلامي بقرونه الطويلة لا يصلح للإسقاطات القومية والوطنية كون هذه الأفكار لم تكن قد نشأت بعد في الأصل [8]، وحتى لو كانت إيجابية فلا نستطيع البحث عن اختراع لم يحن وقته في زمن مبكر كمن يروم رؤية التلفاز في العصر العثماني ، هذه كلها إسقاطات مبكرة، فلا يمكن وصف دولة المماليك “بالسلطنة العربية” كما ذهبت بعيداً بعض الكتابات القومية الحماسية [9]، كما لا يمكن وصف الدولة العثمانية بالدولة التركية وفقاً للتقسيمات القومية الحديثة، إذ أن العثمانيين أنفسهم لم يعرّفوا انتماءهم بالتركي وكانوا يرون أنفسهم دائماً مختلفين عن الأتراك [10]، دولتهم ذات طابع إسلامي استمد رموزه من اللغة العربية [11] وإدارتها متنوعة الأعراق وليس فيها ما هو تركي خالص إلا في أواخر عهدها، وقد تمكنت من الازدهار مختلف الشعوب داخلها [12]، ولم يكن هذا هو الحال في أي امبراطورية استعمارية ولم تكن تلك هي صفاتها، ولهذا فإن كل النقد الذي بني على الالتزام بالقوميات والحدود الوطنية لا يصلح تطبيقه على التاريخ العثماني.

والدليل على غياب التقسيمات القومية والصفات الاستعمارية في عالم التاريخ الإسلامي زيادة على ما سبق الاستشهاد به من تنوع السلالات الحاكمة في العالم العربي، أنه في مصر نفسها كان الحكم العثماني استمراراً إدارياً وعرقياً للحكم المملوكي الذي لم يصفه أحد بالاحتلال بل لقد وصف بالعروبة كما سبق رغم أن حكامه كانوا من الأتراك والشركس ثم جاء العثمانيون وتركوا النخبة المملوكية الحاكمة على وضعها بالإضافة إلى أسلوبها الإداري العام مع بعض الإضافات العثمانية [13]، ولهذا لا يمكن الحديث عن تغير بنيوي في الجهاز الحاكم يبرر وصف الوضع الجديد بالاحتلال، بل إن الحوادث تؤكد أن الوضع الجديد منح مصر الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والاستتباب الأمني والرواج التجاري والإنتاج الزراعي والهدوء الصحي ومن ثم النمو السكاني في القرن الأول بسبب حضور الدولة وتدخلها في كافة شئون الولاية، ولم يتغير الحال إلا بعد ضعف الدولة وما ترتب عليه من مظاهر أدت إلى فرض القوى المحلية نفوذها واستغلالها لكافة الموارد الاقتصادية لحسابها الخاص مما أدى إلى عودة دورة الغلاء والمجاعات والأوبئة على فترات متقطعة، ومع ذلك ستتعامل معها الدولة بكفاءة أكثر من الماضي كما سيأتي، ويجب أن نتذكر أن هذا هو الحال الذي ساد قبل دخول العثمانيين وأن اقتصار فلسفة الحكم على المهام الدفاعية والأمنية للدولة ليس خاصية عثمانية بل نمط مستمر قبل العصر العثماني [14]، كما أن التشريعات والتنظيمات الإدارية التي وضعها العثمانيون كانت تهدف إلى إنصاف الفئات الاجتماعية الريفية وأن عدم الاكتراث بها جاء من قبل رجال الإدارة المحلية في الريف من الملتزمين ومشايخ النواحي [15]، وبهذا يتبين أولاً أن حضور الدولة لم يكن حضوراً استعمارياً استغلالياً وثانياً أن المشاكل نتجت عن عدم حضور الدولة لا عن سطوتها [16]، وثالثاً أن العيوب كانت في الجهاز المحلي وليس في المركز كما يفترض في الاحتلال الأجنبي، وإذا كان هذا من ثغرات الحكم العثماني فإن النقطة التي تتعلق بموضوعنا هنا هي نفي البعد الاستعماري الاستغلالي الذي حاولت الكتابات المتأثرة بالاستشراق، التابع للاستعمار الحقيقي، إلصاقه بالعثمانيين.

كما أن هذا العالم العثماني شهد موجات من الهجرات عابرة الحدود بين ما أصبح أقطاراً مختلفة، ولم تكن هذه الهجرات لتثير أي اعتراضات قومية أو قطرية في زمنها، لم تكن هذه الاختراعات موجودة أصلاً، ومن الأمثلة البينة على ذلك هجرات المغاربة إلى مصر والتي سبقت زمن الدولة العثمانية ولكنها ازدادت فيه إلى المشرق العربي عموماً وإلى مصر خاصة وقام المغاربة بأدوار سياسية واقتصادية بارزة ، فقد عملوا بالتجارة في مصر وكونوا ثروات كبيرة واحتكروا بعض أصناف السلع وتغلغلوا في الحياة الاقتصادية المصرية وصار لهم نفوذ سياسي إلى حد التمكن من عزل والي القاهرة الذي كان يهدد مصالحهم فطلبوا إلى الباشا العثماني عزله وإلا لجئوا إلى السلطان نفسه فلم يسعه سوى تلبية طلبهم .

ولم يؤد الدور السلبي الذي قام به بعض العربان المغاربة في صعيد مصر إلى أي حزازات قومية أو قطرية، كان التعامل يتم مع مصدر الخطر بصفته الفردية دون تعميم الاستياء على الشريحة كلها كما يحدث في يومنا هذا مع شديد الأسف، لقد كانت الأمور تجري بسلاسة أكثر من زمننا، ولما تعرضت مصر لخطر الحملة الفرنسية هب المغاربة للدفاع عنها من مصر بل ومن الحجاز أيضاً، وهنا بدأ نابليون العزف على نغمة الحدود وتهديد “الأغراب” المغاربة بوجوب السفر إلى “بلادهم”، أما قبل ذلك فلم يكن أي دور سلبي تقوم به أي شريحة مغربية داخل المجتمع المصري العثماني مؤدياً إلى التأثير سلباً على الأدوار الإيجابية الكبيرة في الحقول السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية حيث احتل المغاربة إضافة لما سبق ذكره مكانة هامة في أروقة العلماء واندمجوا وتزاوجوا مع المجتمع المصري وأثّروا فيه تأثيرات ما زال بعضها ظاهراً إلى اليوم، كلهجة أهل الإسكندرية [17]، دون حواجز الحدود التي نشأت بعد ذلك.

ومن مظاهر التمازج التي لا تقبل إسقاط واقعنا على الماضي مظهر مصر المؤثرة هذه المرة وليست المتأثرة، فالحجاز في العصر العثماني “كان ميداناً مصرياً خالصاً، حيث قامت الإدارة المصرية برعاية كافة شؤونه”، سواء السياسية حيث لم يكن يعين الأشراف ولا الولاة في الحجاز وجدة والمدينة إلا بموافقة الإدارة المصرية إلا ما ندر، ومن الناحية الاقتصادية كانت مصر أهم الأقاليم التي تقدم المساعدات للحجاز بسبب شح موارده “وقامت بأعباء الحجاز فيما يحتاج إليه من رعاية كافة شؤونه”، وفي الجانب الاجتماعي قامت علاقات مصاهرة بين الطرفين وقدمت مصر رواتب خاصة للضعفاء والأيتام والأرامل وذوي الحاجات الخاصة، كما تولى مصريون وظائف علمية وإدارية عديدة، وقدموا دعماً كبيراً للحياة العلمية في الحجاز على شكل أوقاف ورواتب للعلماء بالإضافة إلى أموال الصرة والجوالي وبعض الضرائب المفروضة على المقاطعات والناس في مصر، ويلاحظ أن معظم مدرسي المدارس المصرية في الحجاز كانوا من غير المصريين وهو ما جعل هذا الإقليم جاذباً لعلماء العالم الإسلامي مثل مصر نفسها في تلك الفترة، وقام الكثير من المصريين بإنشاء مختلف المؤسسات العلمية في الحجاز كالمدارس والمكتبات والزوايا، وقدم المصريون مساهمات علمية كبيرة في حلقات العلم بالحرمين في شتى فروع العلوم الإسلامية واللغة العربية وحافظوا على روايات أمهات الصحاح ومسانيد الأئمة كما ساهموا في العلوم العقلية والطبيعية والاجتماعية، وكانت الإجازة العلمية المصرية “أشهر الإجازات، يبذل الطالب في الحجاز كل غال وثمين من أجل الحصول عليها من علماء مصر حتى إنهم كانوا يحضرون إلى مصر للحصول عليها وكانت الإجازة المصرية أشهر إجازة في ذلك العصر يأخذها طلاب الحجاز” [18]، كل ذلك في جو من التمازج والاختلاط البعيد عن التعصب القومي والوطني أو المحاصصة الطائفية التي ابتكرها الغرب في بلادنا بزعم توزيع الحقوق على أصحابها فأدت إلى مزيد من النفور، ولم يتحدث أحد آنذاك عن احتلال مصري ولا هيمنة مصرية على الحجاز، فكيف يمكن الحديث عن احتلال عثماني يوفر “لضحاياه” المصريين فرصة هذا التمدد والانتشار؟ وهو ما يفيد موضوعنا بعدم صواب إسقاط الواقع المعاصر على ماض يخلو من الظواهر الحالية فلا مكان لوصف المسلم أيا كان أصله “بالأجنبي” أو حكمه “بالاحتلال”.

ومن الملاحظ أن اللغة العربية ظلت سليمة ودارجة لمدة أربعة قرون من الحكم العثماني لم تتغير لغتنا، ويقوم الأزهر على حمايتها في ظل رعاية الدولة العثمانية له وعدم تدخلها في شئونه الداخلية أو محاولة فرض تعيينات أو أنظمة عليه من خارج محيطه وبروز عدة أعلام كبار من شيوخه وطلابه وفقاً لتوثيق حتى من يتحامل عليها كما يسرد ذلك الدكتور عبد العزيز الشناوي [19]، كل ذلك مقارنة بما صنعه الاستعمار لاسيما الفرنسي الذي محا العربية وأحل الفرنسية محلها ثم جاءت دولة التجزئة لتقوم مقام الاستعمار بعد رحيل جيوشه فتضمحل اللغة العربية في ظلها اضمحلالاً شديداً ولما يمر على حكم التجزئة قرن واحد صارت فيه العربية غريبة في أوطانها ثم لا يستحي أنصار التجزئة من الحديث عن أسطورة التتريك العثماني ولو كان هناك تتريك مدة هذه القرون الطويلة لما بقي للعربية أثر كما تؤكد هذا التجربة الفرنسية.

۞رمتني بدائها وانسلت: أين هو الاحتلال الفعلي وأين تمت الوحدة الحقيقية؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى أعجب كثيراً من وصم التجربة العثمانية الوحدوية التي استقرت في العالم العربي بين ثلاثة وأربعة قرون بالاحتلال من جانب أنصار الاستقلال والدولة الوطنية التي كانت كل تجاربها الوحدوية استعمارية حتى تجاه أشقائها العرب إذ وجدنا كل هذه التجارب تنتهي بالفشل الذريع بعد مدد وجيزة جداً بعدما فشل الأخ العربي في معاملة أخيه على قدم المساواة مما أدى إلى الانفصال أو النزوع إلى الانفصال في جميع تلك التجارب بلا استثناء حيث اشتكى الإخوة بمرارة من استعمار أخيهم وجارهم ولم تستمر تجربة وحدوية عربية واحدة في ظل الدولة الوطنية والمشاعر القومية، ولو درسنا فشل التجارب الوحدوية العربية على تعددها سنجد الرابط بينها تسلط الأخ على أخيه والجار على جاره، هذا إذا لم تنزع الدول الواحدة إلى التفتت والانقسام في ظل التسلط الداخلي بين الفئات المتناحرة، وبينما كان العرب ينزعون للانضمام للدولة العثمانية والاستنجاد بها ضد الأخطار الخارجية، نزعوا للاستنجاد بالخارج ضد الأخطار الداخلية في زمن التجزئة العربية، ونجد النزعات الانفصالية تستشري في هذا العالم العربي داخل الدول الموحدة نتيجة المشاعر الساخطة من تسلط الإخوة والأشقاء فضلاً عن الجيران، وبدلاً من الوحدة نتجه لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، ولا أتحدث هنا عن مؤامرات الأعداء التي هي بالتأكيد حاضرة دائماً وأبداً بل حديثي عن الظلم والإساءة التي يرتكبها الأخ في حق أخيه باسم شعارات براقة فيدفعه للاستجابة لمؤامرات الأعداء بعدما يكون في البداية مقبلاً على أخيه ومرحباً به ومصدقاً لدعاواه، ولهذا يحسن بأنصار الدولة الوطنية ألا يقذفوا تجارب غيرهم بالحجارة فيما تجاربهم هم من زجاج.


القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق.. الاستاذ شعبان الصوان ..1..

9 يوليو 2016

 

ساد الحديث زمناً عن “الاحتلال العثماني” وبعضهم زايد بصفة “الاستعمار التركي” للبلاد العربية، ونال القطر المصري نصيباً موفوراً من التهم التي صبت على الدولة العثمانية ووصفتها بالاستغلال استناداً إلى ما سطره المستشرقون، وراج الحديث عن استغلال تركي بالتبعية والجزية والتجنيد، وطال زمن الاتهامات إلى وقت قريب، ولكن بعد التحري وفتح السجلات تبين أمر آخر مغاير تماماً لما ساد الاعتقاد به دهراً طويلاً، فماذا قال المؤرخون المحدثون؟ وما هي أحكامهم المستجدة والموثقة؟ نبدأ بالتسلسل:

۞السلطان والمستشرق

وسم العداء علاقة الغرب بالدولة العثمانية طالما كانت الدولة قائمة سواء في وضع يهدد أوروبا كما كان الحال عندما كان العثمانيون في طور قوتهم، أو في وضع التراجع والضعف كما كان حالهم في القرن الأخير من عمر دولتهم، واستمر هذا العداء حتى لحظاتها الأخيرة عندما اشتبكت في الحرب الكبرى ضد الحلفاء وانتهى الأمر بإصرارهم على القضاء على الخلافة الإسلامية كما سبق شرح ذلك في دراسة : علاقة الغرب بإلغاء الخلافة الإسلامية.

كانت الدراسات الاستشراقية في ذلك الزمن تمارس دورها في تسويغ الهيمنة الغربية على الشرق المكون أساساً من الدولة العثمانية، وكان هذا التبرير يتم بتحريف صورة الآخر بما يناسب عملية مواجهته أو السيطرة عليه بآليات سبق شرحها في دراسة : أدوات الاستئصال المعرفي: كيف يؤدي الاستشراق وظيفته التحريفية؟ المنشورة على الشبكة.

وكما هي عادة الغرب الذي يصحو ضميره بعد فوات الأوان ويكتشف حقيقة ضحاياه بعدما يفرغ من عملية القضاء عليهم، حدث للدولة العثمانية كما حدث للهنود الحمر، إذ اكتشفت الدراسات الأكاديمية الأوروبية كثيراً من الجوانب الإيجابية فيها بعد انقضاء عهدها وزوال عمرها، وبدأ المستشرقون بفتح السجلات والوثائق في أرشيف الرجل المريض الذي توفي ليكتشفوا أنه لم يكن وحشاً كما تصوروه أو بشعاً كما ظنوه، وفي ذلك يقول المؤرخ العربي زين نور الدين زين :”إن معظم الذين ألفوا في التاريخ التركي لم يكونوا يجهلون وفرة الوثائق التاريخية التي يجب أن يطلع عليها الباحث في هذا الحقل وحسب وإنما كانوا، بصورة عامة، على كثير من التحيز والتعصب. فقد كتب هارولد بوون (Harold Bowen) يقول [1945] :”…فيما يتعلق بالتعاميم الجارفة التي كانت تصدر عن بعض الكتاب الذين عالجوا القضية فإننا نلاحظ أن معظمهم كانوا يخبطون خبط عشواء أو أن التعصب كان يخفي الحقيقة عن أبصارهم [1]، ويقول الأستاذان هرولد جب (Harold Gibb) وهارولد بوون (Harold Bowen) في مقدمة كتاب “المجتمع الإسلامي والغرب” (Islamic Society and the West) [1969] “إن كثيراً من الآراء الشائعة فيما يتعلق بتاريخ تركيا ومصر في القرن الثامن عشر هي آراء خاطئة، آراء كنا نحن أيضاً نأخذ بها عندما أقدمنا على كتابة هذا البحث . ولذا نرى واجبنا الأول هو عرض الوثائق والمعطيات التي جعلتنا نبدل رأينا في هذا الأمر تبديلاً تاماً” [2].

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير مانتران [1969]: “ظلت الفترة العثمانية من تاريخ مصر، تعامل كما لو كانت أحد الأقارب الفقراء لهذا التاريخ. وحين نتصفح المؤلفات التي تناولت هذه الحقبة، فإننا نلاحظ أن تناول حقبة كهذه بلغت ثلاثة قرون من تاريخ مصر، قد اقتصر – حتى عهد قريب- على عدة فصول هزيلة، كما أنه كان يتم من زاوية لا تقدم إلا كل ما يثبط الهمم، ويعود هذا إلى حقيقة أننا ظللنا نعتمد أساساً ولفترة طويلة على يوميات أو حوليات لم تكن تقدم عن التاريخ الحقيقي لمصر إلا بعضاً من الأخبار البالغة السطحية كما يعود بالمثل إلى أن مؤرخي الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر –وخاصة ابتداء من جوزيف فون هامر (Joseph Von Hammer)- قد اقتصر تناولهم لتلك الحقبة على أحداثها العارضة فكانوا يلحون بشدة في بعض الأحيان على الاضطرابات والاغتيالات وحوادث العصيان والتمرد .. إلخ الأمر الذي جعل العثمانيين يبدون في أسوأ مظاهرهم مما ساهم في اتهامهم بأنهم قد أغرقوا مصر في فوضى سياسية واضطراب مالي، وبأنهم جروا إليها الخراب الاقتصادي منذ مجيئهم وحتى قدوم حملة بونابرت” .

ثم يتحدث عن الذين يجعلون من الحملة الفرنسية بداية لتجديد مصري لأنه لم يكن هناك شيء في مصر قبل هذا التاريخ “لكن الواقع يثبت عكس ذلك”، لقد ظهر إلى النور قبل تاريخ الحملة الفرنسية تيارات تجديد دينية وثقافية عديدة، ونحن مدينون لمؤلفات حديثة عن مصر العثمانية أعطتنا معرفة أقرب “نتيجة لاكتشاف ودراسة وثائق الأرشيف” مثل مؤلفات جان ديني قبل أربعين عاماً من كتابة هذا الكلام [أي منذ نهاية العشرينيات] الذي كان “أول من أرسى دعائم تاريخ بالغ الجدة والعمق بدراسته: موجز الأرشيف التركي بالقاهرة” ثم أكمل مسيرته “وبأستاذية فذة” المؤرخ ستانفورد شو بدراسته عن النظام المالي والإداري في مصر العثمانية [1958] [3].

وجاء في التعريف بكتاب “المدن العربية الكبرى في العصر العثماني” للمؤرخ الفرنسي أندريه ريمون [1985]: “أندريه ريمون، مؤلف هذا الكتاب، يعد مرجعاً أساسياً لكل الدارسين والباحثين في التاريخ الاجتماعي-الاقتصادي والعمراني للعالم العربي بفضل معرفته الوثيقة به وبفضل عديد من الدراسات الميدانية الجادة التي أنجزها.

“وفي دراسته هذه، الأولى من نوعها، ينطلق المؤلف من نقطة بدء جديدة كل الجدة: فالمدن العربية الكبيرة: القاهرة وحلب ودمشق وبغداد والموصل والقدس وتونس والجزائر، شهدت أثناء العصر العثماني ذروة تطورها حيث تأصلت العمارة العربية وأثْرت، وتعزز الاستقلال الذاتي للجماعات المختلفة نتيجة لتنظيمها على أسس مهنية وعرقية ودينية، في ظل تجارة مزدهرة، وطوائف مهنية قوية” (الناشر) [4].

وكتب الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم وهو يؤرخ للاهتمام بالتاريخ العثماني في مصر أنه بدأ في نهاية القرن التاسع عشر لتوضيح الدور الذي قامت به الدولة العثمانية الإسلامية في تاريخ الكثير من البلاد العربية، ولكن هذه الكتابات الأولى اعتمدت على الكتابات الأوروبية السابقة عليها دون الاعتماد على كتابات العصر ووثائقه، وكانت تلك الكتابات الأوروبية التي اعتمدوا عليها من كتابات بداية العصر الاستعماري وهدفها أن تثبت للعرب أن الدولة العثمانية سبب تخلفهم، وذلك لتمهيد الطريق للاستعمار الذي كان يتطلع إلى بلادهم، إلى أن بدأ حال الدراسات العثمانية بالتغير مع الأستاذ محمد شفيق غربال في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين والذي دعا إلى الاهتمام بتاريخ مصر العثماني وتنقيته مما شابه من افتراءات [5].

وفي هذا الموضوع أيضاً يقول الدكتور رءوف عباس إن العصر العثماني في مصر عانى من الإهمال وقلة اهتمام المؤرخين العرب والمصريين لأسباب منها انبهارهم بالتغيرات التي حدثت في زمن محمد علي باشا وميلهم إلى تفسيرها بالمؤثرات الحضارية التي جلبتها الحملة الفرنسية التي حركت “الركود” الذي عانت منه مصر في العصر العثماني، وهو اتجاه روجه المستشرقون ومن تأثر بهم من مؤرخين صاحبوا نشأة الجامعة المصرية، فتأثرت الكتابات المحدودة عن العصر العثماني بما أشاعته المدرسة الاستشراقية من صفات الجمود والركود والاضمحلال والتخلف التي لصقت بالمجتمع العربي على تبايناته والمجتمع المصري خاصة نتيجة إهمال المصادر الأولية والركون إلى التعميمات الاستشراقية حتى نشأت أجيال صاعدة فتحت الوثائق والسجلات ونقدت المفاهيم الاستشراقية ودحضتها وبينت فساد استنتاجاتها عن العصر العثماني، وهو ما جعلنا نشعر بالحاجة إلى إعادة اكتشافه بل إعادة النظر في فكرة الحداثة نفسها والبحث عن عوامل التطور الذاتي في مجتمعنا والتي لم يكن الغرب باعثاً إياها بل معرقلاً لها [6].

وسأورد فيما يلي من صفحات مقتطفات من الآراء الجديدة التي توصلت إليها المدارس الحديثة لاسيما الآراء العربية، والمصرية خاصة، التي بنيت على دراسة الوثائق فيما يتعلق بموضوع البحث الحالي دون الادعاء أنني سأتمكن من حصرها فالمهم هو الإشارة إليها لبيان عمق الهوة التي تفصل العلم الحديث عن مدعي تقليد الغرب في بلادنا والذين ما زالوا يرددون أقوال الاستشراق القديم لأنها تلبي حاجات برنامجهم التغريبي الذي لا يرون له استقراراً إلا بشيطنة تاريخ الإسلام ولو بطريقة تخالف الأعراف العلمية المعمول بها لدى سادة الغرب أنفسهم.


متتالية الهزيمة: كيف نجحت سياسة الخطوة خطوة في تدجين الجماهير؟ الاستاذ محمد شعبان الصوان

9 يوليو 2016

قبل أن يقوم الرئيس السابق أنور السادات بزيارته الشهيرة إلى الكيان الصهيوني سنة 1977 كان اللقاء بالصهاينة محرماً فضلاً عن زيارتهم، وصلت الحساسية درجات قصوى من المحرمات حتى أن اكتشاف كتاب أجنبي في زاوية بإحدى المكتبات العربية يحمل اسم “إسرائيل” على خريطة في إحدى الصفحات المطوية بدلاً من “فلسطين” كان كفيلاً بتفجير فضيحة إعلامية مدوية، فكيف إذا اكتشفت نجمة داود على علبة حلوى أو دمغة عليها “صنع في إسرائيل” على بضاعة في متجر بعيد؟ طامة كبرى يومها، و هذا لا يعني أنه لم يكن هنالك لقاءات، و لكن المسئولين العرب كانوا يضطرون إلى اللجوء إلى اللقاءات السرية و الملابس التنكرية في الزوايا المظلمة، زيارة القدس كسرت “الحاجز النفسي” الذي تحدث عنه الرئيس السابق، و رغم هلع الجماهير و غضبها الجارف مما أقدم عليه و قذفها إياه بشتى النعوت السلبية فإنه كان المنتصر، و كان هناك من يحاول الإفادة بخبث من الحدث لقيادة الجماهير نحو رفض “الصلح المنفرد” و ليس مبدأ الصلح مع الصهاينة في حد ذاته، و كأن هذه الزعامات نفست على السادات استفراده بهذا “المجد”، فكانت الجماهير ترفض الكيان الصهيوني و تطالب بكل فلسطين، و القيادات العربية ترفض الانفراد بالسلام و تطالب بأراضي 67 فقط، و لهذا ما لبث الجميع أن أفادوا من وسادته التي امتصت الصدمة الأولى و ساروا على خطاه في محطات هامة : 1988 و 1991 و 1993 و 1994 و 2002 فاللقاءات أصبحت علنية و الاتفاقات مباحة و تقبلنا فكرة وجود “إسرائيل” مكان فلسطين، حتى أن سقف الخلاف تغير بعد ذلك و لم يعد على مجرد اللقاء و الزيارة بل على ما يتم إنجازه فيها من فتات تلقي به “إسرائيل” إلينا.

 كنا نسمع أنه لم يُخلق القائد الفلسطيني الذي يقبل بالقرار 242 فوجدنا أنفسنا بعد برهة بين قادة فلسطينيين و عرب ليس فيهم من يرفض 242 بل الجميع يطالبون به بصفته إجماعاً قومياً، و أصبح الجميع عملياً قابلين بالتفاوض و ضمنياً بكون الصهاينة طرفاً له حقوق مقابلة إلا أنهم يختلفون على جزئيات ما يتم التفاوض عليه، عُشر هنا و نصف عُشر هناك، و الدليل على ذلك أنه عندما تم توقيع اتفاق أوسلو 1993 بأيدي أصحاب القضية صور الحدث بصفته إنجازاً وطنياً مع أنه لا يختلف عما قام به الرئيس السادات في كامب ديفيد و نال عقوبة القتل عليه، بل لقد كان إنجاز السادات أكبر مما أنجزه اتفاق أوسلو، السادات أمّن انسحاباً و إزالة مستوطنات من رقعة كبيرة و هو ما لم يفعله أوسلو و لا وادي عربة، و مع ذلك خُوّن السادات و عزفت الموسيقى لمن بعده، و لكن من يرصد ردود الأفعال الشعبية يجد الحقيقة ماثلة بوضوح و هي أن السادات مهد الطريق ليكون سالكاً لمن بعده و تم تطويع الجماهير لتقبل اللقاءات و الزيارات و الاتفاقات و الأهم أنها كلها مبنية على القبول بحقيقة وجود “إسرائيل”، و لاحقاً “بحقها” في الوجود، و من اللقاء مع “التقدميين” الصهاينة انتقلنا إلى احتضان المجرمين منهم و التحالف مع المتطرفين.

و الغريب أن المجتمع الصهيوني بعدما كان يلهث خلف كلمة قبول أو إيماءة اعتراف عربي أو إسلامي، فإنه هو الذي قتل زعيمه إسحق رابين الموقع على الاتفاق، أما نحن فقتلنا زعيمنا لأنه رفض مزيداً من التنازلات، و بعد ذلك كرت المسبحة تحت عنوان لن نكون ملكيين أكثر من الملك، و ما دام الفلسطيني قد اعترف فلماذا لا نعترف، و نسينا أن أصحاب هذا المنطق هم الذين أجبروا الفلسطيني بشتى أنواع الضغوط و الحصار و التجويع على الاعتراف و كانوا يغطون عوارهم بالقول نقبل ما يقبل به الفلسطيني، و هو كذب لأنهم لم يكونوا يقبلون إلا استسلام الفلسطيني أما مقاومته فكانت مرفوضة و محاصرة و مهددة.

نعم تتالت الهزائم و التنازلات و الاتفاقات و اللقاءات و العلاقات بل التحالفات بصور لم يكن يتخيلها من خرج في مظاهرة حاشدة ضد السادات في زمنه و لكنه اليوم يخرج في مظاهرة حاشدة أيضاً و لكن لتأييد أفعال تم اغتيال السادات على ارتكاب ما هو أبسط منها، و لم يعد الصراع مع الصهاينة على مبدأ وجودهم الذي صار مسلماً به و مقبولاً، نعم رجل الشارع لا يعترف علناً بذلك و لكنه استُدرج بنعومة فلم يعد يعترض مجرد اعتراض على ما كان يثور ضد الهمس به في الأمس، لقد تغلغلت الهزيمة في داخله دون أن يشعر، كان صمت النظام في مصر عن غزو لبنان 1982 خيانة كبرى في زمنها، فصارت نصرة فلسطين بل مجرد الدعاء لها و التظاهر لأجلها هي الجريمة و الأنظمة بما فيهم سلطة فلسطين نفسها تؤيد و تمول و تشارك في الحرب على نسائها و حرق أطفالها و حصار شعبها و محاربة مقاومتها وسط صمت بل تبرير من خوّنوا السادات بالأمس على أقل من كل ذلك، و تحول الصراع مع الصهيونية إلى خلاف على شئون الحياة اليومية كأي خلاف بين جيران، و من هو الذي مازال يطالب بما كانت تطالب به الجماهير التي خرجت في مظاهرات حاشدة ضد أنور السادات؟ بل الجماهير التي صوبت اتجاه ثورة يوليو عندما هدرت برفض موقف قيادتها المتردد و ليس الموافق على مبادرة إيدن 1955؟ أين هو اليوم موقع من يطالب بفلسطين كلها من البحر إلى النهر و بتفكيك الكيان الصهيوني الاستعماري و بعودة اللاجئين إلى وطنهم و بحظر أي اتفاق سلام و استسلام بواقع وجود الصهاينة على أرضنا و من باب أولى يناهض أي لقاء أو تحالف أو تطبيع معهم؟ بل أين هو الفدائي الذي صمد في بيروت صموداً أسطورياً ليتحول بلمح البصر إلى حارس لأمن الصهاينة؟ هل يمكننا أن ندعي خطأ من يطالب بحقه؟ أم هل يمكننا الزعم أن الاتكال على إمكانات أمة عظمى كأمتنا لإزالة السرطان الصهيوني الخبيث فيه شيء من عدم الواقعية؟ أم أن فرقة بلادنا و ضعفها و هزيمتها هي المنافية للواقع مع كثرة إمكاناتها التي تصدت بها لدول عظمى مجتمعة في تاريخها و ستكون سقطتنا اليوم مجرد لمحة مظلمة في هذا التاريخ الطويل؟ و إذا كان صاحب الموقف المقاوم هو اليوم المتطرف الخشبي المعزول و ربما الخائن بعدما كان الجميع على هذا الرأي سابقاً، فهل مات السادات فعلاً؟

“عن حذيفة رضي الله عنه (صاحب السر و العالم بالفتن) قال: إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا، فلينظر فإن كان رأى حلالاً كان يراه حراماً فقد أصابته الفتنة، و إن كان يرى حراماً كان يراه حلالاً فقد أصابته الفتنة” المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، دار الكتاب العربي، ج 4  كتاب الفتن و الملاحم ص 467، و قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و أقره الإمام الذهبي في التلخيص.

و الخلاصة: إن سياسة النفس الطويل التي يتبعها الصهاينة و حماتهم الغربيون في تناولهم لصراعنا معهم ليست سياسة عبثية و قد أتت أكلاً طيباً لهم.

 و لكن دوام الحال من المحال.


متى سنكتشف أمريكا؟ الاستاذ / شعبان الصوان…

9 يونيو 2015

المقصود من هذا السؤال هو متى ستصبح حقيقة الولايات المتحدة من مسلماتنا كما أصبحت قارات العالم الجديد من المسلمات بعد كولمبس؟ فقد أثارني كما أثار كثيرين غيري رؤية بعض الثوار في ليبيا يرفعون أعلاما أطلسية وبخاصة أعلام الولايات المتحدة، وأنا على ثقة

من أن الإدارات الأمريكية لن تخيب ظنون أعدائها وستحمل من يؤيدها على معاداتها بأسرع مما نتخيل، كما حصل عندما أحرق الفلسطينيون في ديسمبر 1998 أعلاما أمريكية كانوا قد رفعوها قبل أسبوع تحية للرئيس كلينتون الذي جاء غزة يحتفي بإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني ثم ما لبث أن أصدر أمرا بقصف العراق مما أدى إلى كشف الغمة عن عيون من رحبوا به فحولوا العرس إلى مأتم، وكما أحرق الكويتيون علم أمريكا أثناء العدوان على غزة سنة 2009 عشية ذكرى حرب 1991، وكما أصبح الثوار الأفغان الذين أسمتهم الولايات المتحدة المقاتلين من أجل الحرية أعدى أعدائها وأكثرهم إرهابا لها، وكما داس العراقيون علمها وهتفوا لخروجها وهي تمن عليهم بتخليصهم من الاستبداد، لأنهم لمسوا حقيقتها وأدركوا أهدافها، ولكل هذا لم آخذ المشهد الليبي على محمل الجد كثيرا وعلمت أن السياسة الأمريكية كفيلة برد هؤلاء الشباب إلى وعيهم أكثر من أي توجيه يمكن ألا يفيد في ساعة السكرة والشعور بنشوة الانتصار

ولكني أتساءل: إلى متى علينا أن نكرر التجارب نفسها لعدم استفادتنا من نتائجها؟ إلى متى يعيد التاريخ نفسه لعدم استيعابنا درسه؟ فقد تكرر هذا المشهد أكثر من مرة أثناء القرن العشرين وحده، وكنا دائما ندفع أثمانا باهظة نتيجة اختياراتنا التي بنيناها على العاطفة والجهل أكثر مما بنيت على السياسة والعلم

ففي بداية القرن العشرين واجهنا الخيار بين الخلفاء والحلفاء، أي بين البقاء مع الدولة العثمانية أو الانضمام إلى المعسكر الغربي في الحرب الكبرى الأولى 1914- 1918، وقد انقسم العرب قسمين موزعين بين الخيارين، وكان من الممكن أن نعذر أصحاب الخيار الغربي آنذاك لو لم تكن حقائق سياساته وأطماعه جلية واضحة تشهد بها مستعمرات فرنسا وبريطانيا في مصر والسودان والجزائر وتونس وعدن والخليج، وربما عذرنا بسطاء الأعراب الذين ساروا خلف لورنس بأوامر زعماء قبائلهم، ولكن ما عذر المثقفين بل علماء الدين الذين مهدوا السبيل لتقسيم بلادهم واحتلالها وقد كانت الأطماع واضحة كالشمس والعاقل من اتعظ بغيره؟ وفي هذا يقول الأمير شكيب أرسلان الذي وقف في المعسكر العثماني: “لم يمنعنا من الاشتراك في الثورة العربية (سنة 1916) سوى اعتقادنا أن هذه البلاد العربية ستصبح نهبا مقسما بين إنجلترة وفرنسة، وتكون فلسطين وطنا قوميا لليهود، وهذا التكهن كان مجزوما به، حتى أني كنت أقول قبل الحرب (كلمة الإمام علي عليه السلام): لو ارتفع الغطاء ما ازددت يقينا، ثم انتهت الحرب، وانتصر الحلفاء، وارتفع الغطاء، فما حصل بالفعل شيء غير ما كنا نقول”ص89من كتاب شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام للدكتور أحمد الشرباصي، ومن المحاولات الجريئة آنذاك لكشف حقائق المستعمرين الكتاب الذي نشره السيد محمد حبيب العبيدي الموصلي سنة 1916 بعنوان جنايات الإنكليز على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة، واحتوى أفكارا متقدمة قياسا بزمنه، فمن إحصاءات عن مستعمرات بريطانيا في ارجاء الأرض، إلى فضح أكاذيب الاستعمار وأنه قائم على الاستغلال دون التبادل المتكافئ للمنافع، إلى إحصاءات عن عدد الضحايا الذين تسبب بهم الجشع البريطاني، ويلاحظ أن المؤلف لم يقصر الحديث عن الظلم البريطاني للمسلمين بل شمل العالم كله بحديثه كما لم يقم بتحريض الناس على الإنجليز بصفتهم كفارا بل بصفتهم مستعمرين ظالمين يتناقضون حتى مع المظلوم غير المسلم، ومما يجدر ذكره أن الشيخ الموصلي كان من المعارضين للسياسات العثمانية التي يراها خاطئة ولكن الظلم العثماني لم يدفعه لبيع وطنه للاستعمار الغربي

المشكلة فيما حصل بعد الحرب أن الرئيس الأمريكي ويلسون رفع شعارات براقة عن الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير المصير ورفض الاتفاقيات الاستعمارية السرية وأوفد لجانا لاستطلاع آراء أهالي البلاد العثمانية عن مستقبلها فكان طلب أهل الشام، الذين خدعتهم هذه السياسة والشعارات الأمريكية، هو الاستقلال وإن لم يكن فالوصاية الأمريكية عليهم لإيصالهم إلى درجة الاعتماد على النفس، وطرحت آراء مشابهة في تركيا أيضا، وكان اختيار السوريين الولايات المتحدة”لأنهم يعرفون سيرتها ومقاصدها السامية التي لا تشوبها شائبة والثقة التي كانت في أمريكا والروح الطيبة التي ظهرت من المعاهد الأمريكية التهذيبية في سورية… مما أثبت لهم أن أمريكا ليس لها مطامح جغرافية ولا استعمارية وأنها لا تلبث أن تنجلي من تلقاء نفسها حالما يثبت بناء الحكومة السورية. ويتخذون كوبا والفيليبين مثلين على روحها الديمقراطية النبيلة وما لها من الموارد الغزيرة وهكذا يتضح من النظر في رغائب الشعب السوري أن الوصاية يجب أن يعهد بها إلى أمريكا”كما جاء في تقرير لجنة كنغ- كرين الوارد في كتاب يقظة العرب لجورج أنطونيوس ص 611، ويتساءل المرء بتعجب: هل كان أهل سوريا الكبرى يعرفون سيرة الولايات المتحدة ومقاصدها فعلا؟ وهل كانوا يودون بالفعل تكرار ما حدث فعلا في كوبا والفلبين؟ وهل كانوا يعلمون جيدا تفاصيل الأحداث هناك ومنها الثورة الوطنية التي اندلعت بعد الغزو الأمريكي للفلبين سنة 1898 وقتل فيها ما يقارب ربع مليون فلبيني (أمريكا إمبراطورية الحرية لديفيد رينولدز ص 241 بالإنجليزية)؟ وهل اطلعوا على ما فعله الأمريكان هناك من قتل وتعذيب وتجويع هذا غير الحرب الأمريكية التي أعقبت ذلك على مسلمي الفلبين 1902- 1913؟ وهي على كل حال كانت حوادث ما تزال مفتوحة على الاحتمالات ولكن ما هو أظهر منها كان مصير الهنود الحمر السكان الأصليين في الولايات المتحدة ذاتها ولم يكن فيه ما يدل على روح طيبة أو مقاصد سامية أو غير ذلك مما جاء في تقرير اللجنة ولا ينطبق على الواقع لأن السياسة الأمريكية لا تنحصر في معاهد تربوية وتهذيبية والتي ثبتت أهدافها السياسية البعيدة عن التربية والتهذيب، وهو ما ظهر فعلا بعد ذلك من السياسة الأمريكية التي كان رئيسها ينادي بالمبادئ البراقة ثم ما لبث أن وافق على تقسيم البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا وكذلك على وعد بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي مما ينقض ما دعا إليه بنفسه فيما سبق، وليس من العجيب أن يكون التبرير على النحو الذي عرضه نائب الرئيس ويلسون، جورج لويس بير الذي قال: “مع أن الرئيس يبدو مستعدا للنزال والنضال من أجل سلام عادل، فإن العدل المطلق بالنسبة لأية قضية محددة أمر غير قابل للتحقيق. إن موقفه صلب إزاء المبادئ العامة لكنه مرن عند التطبيق “موقف أمريكا المناهض للاستعمار لوليام روجر لويس، مجلة الثقافة العالمية/ الكويت، عدد 26 ص 10، وهكذا راحت بلادنا ضحية الجهل العربي والطمع الأوروبي الشديد والمرونة الأمريكية العالية

لقد اكتشف بعض متنورينا كالشيخ محمد حبيب الموصلي آنف الذكر تفاصيل مهمة عن الغرب وسياساته تجاه العالم وتجاهنا، ومن هؤلاء أيضا الشيخ العلامة محمد بيرم الخامس 1840- 1889 صاحب الرؤية الإصلاحية الشاملة والذي لم ينل حظه من الاهتمام، وقد حلل منذ وقت مبكر حقيقة السياسات الغربية وأبان الفرق بين السياسة الداخلية للدول الغربية ومعاملتها الخارجية لبقية الأمم، فلا “مقايسة بين سيرتهم في داخليتهم وسيرتهم في الخارج، سيما الجهات التي لهم فيها مآرب، فربما ارتكبوا في ذلك ما لا يمكن تصور مثله في داخليتهم” أما الجهات التي لا مآرب لهم فيها فيقول عنها: “تراهم هناك يسيرون نحو سيرتهم في داخليتهم” ص 389 من كتاب الدين والدولة والمجتمع في مواقف وآثار محمد بيرم الخامس للأستاذ علي الصولي، ولم يغب عنه مصير الهنود الحمر في أمريكا الذين كانت حروبهم قد شارفت على النهاية نتيجة الظلم والطرد والإبادة التي أجراها الأوروبيون فيهم وذلك في وقت غاب هذا الموضوع عنا لصعوبة الاتصالات وبعد المسافات وكان من الممكن أن نستفيد منه كثيرا في تقرير مصائرنا، كما أشار الشيخ محمد بيرم إلى جهود الغرب في عرقلة محاولات العثمانيين النهضوية وتركيزه المستمر على ضعفها وأزماتها المالية والأمنية تمهيدا للزحف والاحتلال، ص 401، ولم يجرمنه عداء الغرب على عدم العدل فاعترف بوجود جوانب صالحة في حياة الغربيين مما جعل كاتب سيرته يلخص موقفه من الغرب بعبارة الاعتبار دون الانبهار، ص 379

لم تسر هذه الأفكار في حياتنا العامة كما يجب، ولم نعتبر من الخيانة الغربية والأمريكية التي تلقيناها بعد الحرب الكبرى الأولى بل من النكبة الفلسطينية التي حلت سنة 1948 وكانت الولايات المتحدة محركا رئيسا فيها، فلما خرجت من عزلتها وتبنت القضاء على الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة لنشر نفوذها الذاتي بدلا منها خدع بها بعض نخبنا كما يروي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر: “القدوة التي أسترشد بها… ليست هتلر ولا ستالين، إنها جورج واشنطن… نريد أن نكون مستقلين كما أراد ذلك أمريكيو القرن الثامن عشر… لما وصلت إلى الحكم كنت ميالا إلى الأمريكيين… كنت أظن أن طريقة الحياة الأمريكية هي أفضل ما يمكن أن يكون… وبكل سذاجة كنت مقتنعا بأن الأمريكيين هم أعداء الاستعمار”ص 23- 25 من كتاب ذكريات سياسية للكاتب الفرنسي بنو ميشان، وفي تلك الفترة رأت الولايات المتحدة أن “الموقف الاستعماري القديم تجاه السكان المحليين سيقودهم إلى أيدي الشيوعيين” كما قال وزير خارجيتها دالاس كما جاء في كتاب القوة والإيمان والخيال لمايكل أورين ص 500، ولهذا أيدت أمريكا حركات الاستقلال في الشرق وأدى هذا إلى “شعور بالمرارة”في بريطانيا وفرنسا، ص 499، واشتكى مسئول بريطاني من كون الأمريكيين يرون شخصية جورج واشنطن “في كل حركة منشقة أو ثورية” ص 499 أيضا، وأعلن دالاس مساندة مصر في مطالبتها الانسحاب البريطاني الكامل من أراضيها ثم عارضت بلاده بشدة العدوان الثلاثي سنة 1956 لتكتشف القيادة المصرية في جولة جديدة الحقيقة المرة ذاتها التي غفلنا عنها فيما سبق وأن “هناك ما يحث الولايات المتحدة على أن تستولي على مكان بريطانيا وفرنسا المفلستين العاجزتين، وعلى فرض نفوذها على الشرق الأوسط” ص 504، وأن “الغرب لا يريد أن تتحرر مصر من الوصاية بل يريد أن تظل ضعيفة وتحت رحمته “كما قال الرئيس عبد الناصر، ذكريات سياسية ص 27، ولهذا انتهت القصة التي بدأت بالإعجاب إلى نكسة 1967

تكررت دورة الانبهار واليقظة بعد ذلك كثيرا كما مر، في أفغانستان والخليج والعراق وفلسطين، نرفع العلم الأمريكي في يوم لنحرقه في اليوم الذي يليه، وكان هذا دائما يحدث بأثمان باهظة ندفعها، فهل آن أن يتحول وعينا بالولايات المتحدة إلى حقيقة تشبه حقيقة وجودها؟


التنمية العربية على الطريقة الأمريكية ..1.. الاستاذ / شعبان الصوان ..

9 يونيو 2015

مطالبات الغرب بالإصلاح والتنمية

يلاحظ المتتبع تفاصيل العلاقات بين الأنظمة العربية والإسلامية المعاصرة والولايات المتحدة كثرة المطالبات الأمريكية لهذه الأنظمة بتحقيق الإصلاح والسير على طريق التنمية،(1) وفي دراسة سابقة (سؤال من وحي استمرار نكباتنا: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا؟«1، 2») بجزأيها: الأول والثاني، تبين لنا أن سياسة الغرب عامة وقفت ضد صعود قوى محلية منذ زمن طويل، وتوثقت هذه السياسة باعتراف عميد السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة هنري كيسنجر في مقال كتبه في 31-3-2012، فما هي التنمية التي تريدها الولايات المتحدة لبلادنا إذا كانت ضد التنمية التي توصلنا إلى حد القوة؟ وهل هذه الادعاءات الأمريكية مجرد ذر رماد في العيون أم أن لها معنى يريد الأمريكيون تحقيقها في بلادنا؟

دوافع المطالبات المستمرة

إن المطالبات المستمرة بالتنمية والإصلاح ليست مقصورة على الولايات المتحدة، بل تشاركها فيها الدول الغربية عموما وهي تعود بجذورها إلى أيام الهيمنة البريطانية بعد حصول دولنا على الاستقلال وبقائها في الفلك البريطاني، وكانت هذه التنمية جزءً من محاولات الغرب الحثيثة لتحقيق الاستقرار(2) ومستوى من المعيشة يبعد شبح المد الشيوعي الذي كان الغربيون يرونه خلف جميع الأبواب، كما كانت وسيلة للحصول على استقرار المصالح الغربية في بلادنا، سواء المصالح النفطية أو العسكرية المتمثلة بالقواعد التي انتشرت في أقطار عديدة كانت تتلقى ثمن تأجيرها رغم استياء شعوبها، والمصالح السياسية المتمثلة في بقاء أنظمة موالية، والمصالح الاستيراتيجية كقناة السويس هذا بالإضافة إلى استقرار الكيان الصهيوني الذي جثم على أنفاس شعوبنا بغير إرادة منها.

إن التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي كانا مطلوبين لتحقيق هذه المصالح التي أرادها الغرب من بلادنا رغما عن إرادة أهاليها ولهذا كان الاستقرار شرطا رئيسا للحصول عليها وعدم تعريضها للهزات العنيفة التي يمكن أن يغذيها العدو الشيوعي العملاق.

قيود على التنمية والإصلاحات الجذرية

ولكن هذه التنمية كانت مقيدة بالنظام الإقليمي والدولي السائد وهو المحافظة على الأنظمة والحدود الموروثة من عهد الاستعمار، كما كانت مشروطة بعدم الوصول حد الخروج عن بيت الطاعة الغربي وإلا تم تحجيمها وإعادتها إلى سابق عهدها، أي لم يكن مسموحا لنا بتحقيق النهوض بوحدة تتجاوز هذه القيود والوصول إلى درجة تحدي النظام العالمي الظالم الذي فرض علينا بإسم الشرعية الدولية والذي لا يمكن لنا تحقيق تنمية حقيقية كالتي يريدها الكبار لأنفسهم إلا بتجاوزه، فجميع الدول الكبرى التي تسيطر على عالم اليوم تندمج في وحدات كبرى تحقق لها مجالا تداوليا واسعا أو كان – و مازال- لها إمبراطوريات رسمية وغير رسمية كالولايات المتحدة وكندا وروسيا وفرنسا وبريطانيا وبقية اتحاد أوروبا والصين، وكذلك القول في القوى الأخرى الأقل شأنا كالهند والبرازيل، وعموما فإن التنمية الحقيقية تستلزم الاندماج الذي يوفر المتطلبات الرئيسة التي لا غنى عنها للنهوض الاقتصادي(3) وكل قصص النجاح خلاف المجالات الكبرى لها أسباب استثنائية كدعم تلقته من دول كبرى كانت هي جزءً منها، أو قواعد لها، فازدهرت نتيجة هذا الارتباط ازدهارا حصريا لم تحصل عليه جاراتها المستعمرات المستغَلة التي تضم الغالبية العظمى من المستعمَرين والتي انتخب الاستعمار هذه القواعد من بينها، أو أنها حصلت على دعم استثنائي في ظروف الحرب الباردة أيضا والخوف من شبح الشيوعية، وقد ضحت الولايات المتحدة في سبيل مساعدة هذه الجبهات ومواجهة المارد السوفييتي ببعض مصالحها الداخلية(4) مما لم يكن منهجها المتبع ولا يمكن وضعه إلا تحت بند الطوارئ التي انتفت الحاجة إليها اليوم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي المنافس.

الصورة المثلى كما يريدها الغرب

أي أن الاستقرار المطلوب غربيا والتنمية اللازمة له والإصلاح السياسي الذي ينادون به نظريا لا تتعدى صورته الأمثل في أحسن الأحوال بقاءنا شراذم متفرقة من الدول الصغيرة التي يضمن النظام العالمي الغربي وجودها واستمرار حالتها الضعيفة وتتعاقب عليها حكومات بظاهر ديمقراطي يتضمن الطقوس الديمقراطية دون تمثيل حقيقي لإرادة شعوبنا التي تتعارض جذريا مع إرادة المهيمنين عليها بطبيعة الحال، وتكون هذه الحكومات قادرة على توفير مستوى من المعيشة يبعد شبح الثورة التي لا يطيق الغرب احتمالها لإمكان خروجها عن السيطرة، مستوى معيشة قادر على شراء ما أمكن من منتجات الغرب دون استيعاب حقيقي لتقنيتها بما يجعلنا منافسا في إنتاجها (وإلا سنُقصف لإعادتنا إلى عصر ما قبل الصناعة!) وتكون فيه موارد أصحاب الموارد المالية بيد الغرب إيداعا وإدارة وإفادة ونقنع منها بما يجود به علينا من أرباح من حركة اقتصاده.

الإصلاح والتنمية ليسا على رأس أولويات الغرب

ويلاحظ أنه حتى هذا النموذج النظري، أي هذه التنمية المحدودة والإصلاح الترقيعي اللذان طالبت الدول الكبرى لنا بها لم يكونا على رأس أولويات هذه الدول، فإذا وجد نظام يحقق للغرب مصالحه ولكنه ينتهك حقوق شعبه فإن الغرب يقدم المصالح العاجلة على الآجلة فيدعمه بلا تحفظ ويلغي أهمية الإصلاح السياسي من جداوله، سواء كان للنظام برنامج تنموي كنظام شاه إيران السابق الذي أرشده الغرب في جزئيات انتهاك حقوق الإنسان وساعده الأمريكيون والصهاينة على إنشاء استخبارات رهيبة(5) وكالوا له قوافي الثناء والمديح بلا حساب، أو كان نظاما عتيقا يفتقر إلى أدنى درجات التنمية المعاصرة كالنظام الإمامي اليمني السابق ومن على شاكلته،(6) وقد دعم الأمريكيون أنظمة استبدادية وقدموا لها المساعدات الوفيرة لأنها تحقق مصالحهم المادية الآنية رغم ما شاب معاملاتها مع شعوبها من عيوب كبرى هددت الاستقرار مثل نظام الرئيس المصري الراحل أنور السادات(7) ثم نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، حتى إذا حانت لحظة الانفجار الشعبي تبرأت أمريكا من وكيلها ورأت في الثورة مناسبة للبكاء والعويل على الديمقراطية المهدورة وحقوق الإنسان المسفوحة ووجوب العمل السريع على تطبيق الإصلاحات السياسية التي طالما نصحت بها ولم يُسمع لها مع الأسف!؟ ومن هنا يحدث الالتفاف على محاولات التغيير.

مصير طاعة أوامر الإصلاح

ولكننا لم نكن على هذه الدرجة من “العصيان” ورفض الأوامر الآتية من جهة الغرب، فإذا كانت الأنظمة العربية والإسلامية قد استبدت زمنا طويلا خلافا للديمقراطية الغربية، فإنها كانت حائزة على التعاون بل الإعجاب الغربي، وكانت أكثر طاعة واتباعا لإصلاحات الغرب في المجال الاقتصادي، إذ اتبعت كثير من البلاد العربية وجربت بالفعل، ولو مرغمة للحصول على المعونات والقروض، وصفات المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي التي هيمنت على سياسات هذه الدول الاقتصادية، فهل حصلت على شيء من اللبن والعسل أو حتى على الحد الأدنى من مستوى المعيشة وهو مستوى الكفاف لمواطنيها الذي يبعدها عن شبح الثورة كما أرادت الدول الكبرى؟ إننا لسنا بحاجة إلى منجم ليكشف لنا طالع هذه “الإصلاحات” ولا ليخبرنا عن مستقبل بلادنا معها لأن التجربة الملموسة والمعاينة عن قرب وواقع البلاد العربية التي لهثت خلف نصائح المؤسسات الاقتصادية الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، ترينا واقعا مريرا فقد “أصيب عدد ليس بالقليل من الدول العربية بالإرهاق والتعب من الالتزام بتنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي حيث أن عمليات الإصلاح التي جاءت نتيجة لهذه التوصيات أدت إلى ظهور اتجاهات معارضة، وعواقب سياسية وخيمة، ومن ذلك على سبيل المثال أن قامت حكومة الأردن عام 1996 بإلغاء الدعم عن القمح في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي قامت به تحت رعاية صندوق النقد الدولي مما أدى إلى تضاعف سعر رغيف الخبز إلى ثلاثة أضعاف وكانت النتيجة تفجير موجة من الشغب، والاضطرابات في منطقة جنوب الأردن قُتل فيها 5 أشخاص، وقد شهدت اليمن أحداثا مماثلة عام 2005 عندما نفذت مشورة الصندوق، وقامت بإلغاء الدعم عن الوقود جزئيا، وأدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعا شديدا، وسادت أحداث الشغب والاضطرابات في الدولة التي نشأ عنها بعض الوفيات”(8) كما جاء في تقرير مركز معلومات البنك الذي يحاول التأثير في سياسات المؤسسات المالية الدولية لتعزيز العدالة بواسطة الاتصال بمؤسسات المجتمع المدني في الدول النامية، أي لم يقتصر الأمر على انعدام الاكتفاء الذاتي وانعدام الاعتماد على الذات وانعدام التصنيع والزراعة وانعدام التداول مع الأشقاء في مجال موحد بل وصل الأمر إلى انعدام رغيف الخبز فضلا عن المستوى المعيشي المقبول.

عبرة غزة التي لم تصبح سنغافورة

ويذكر الجيل الذي عاصر اتفاق أوسلو سنة 1993 كيف راج الحديث وقتها عن مستقبل زاهر ينتظر أراضي سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، التي قدمت أوراق اعتمادها كاملة للرضا الأمريكي، وكيف ستتحول غزة إلى سنغافورة(9) الشرق الأوسط، لتدور الأيام عليها ويظهر سيف الإصلاح ضد زعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات عندما أريد الضغط عليه سياسيا لتحقيق مزيد من التنازلات للمصالح الصهيونية، مع أنه لم يغير أسلوب زعامته منذ اربعين عاما كان التركيز الغربي أثناءها على محاولة إخضاعه سياسيا، فقط أيضا، لمطالب المشروع الأمريكي الصهيوني، ويكتشف الناس الذين حلقوا بأحلامهم في السماء أن فيها طائرات ستقصفهم بالفوسفور الأبيض وليس بالعسل الأبيض لتعلمهم أصول التنمية والشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسانية!، وأتى على غزة من الأيام العجاف التي دمرت ما حصدته الأيام السمان من مطار وميناء ومؤسسات ما جعلها تكفر بكل وعود الثواب الأمريكي والجنة الغربية بعدما أصبحت بافتقادها أساسيات الحياة من كهرباء وماء نموذجا صارخا لحقيقة التقدم الذي وُعدنا به، لا منذ أيام أوسلو وحدها، ولكن منذ نشوء الصهيونية نفسها، هذا في الوقت الذي تحولت فيه المساعدات المالية الغربية إلى أداة واضحة للضغط على شعب فلسطين ليسير في ركب السياسات المرسومة له في مراكز اتخاذ القرار الأمريكي المسايرة للسياسة الصهيونية التي تريد ابتلاع فلسطين بأبخس الأثمان وأقصر الطرق.

نتائج بيت الطاعة الغربي تكذب دعاة الخضوع العربي

وتجربة المساعدات لفلسطين تشبه تماما المساعدات الأمريكية التي كانت أداة للضغط على شعب مصر لتحقيق المصالح الأمريكية والصهيونية لمدة زادت عن ثلاثين عاما بعيدا عن أي إصلاح سياسي حتى ولو ظاهري أو إنجاز اقتصادي حقيقي، وهذا هو أيضا ما حدث مع معظم أنظمة الاستقلال والتجزئة التي استسلمت للغرب وخضعت له بشكل مطلق، أكثر مما ينصحنا به اليوم دعاة الواقعية التغريبية، وكان بعضها يقبض راتب استسلامه نقدا(10) فلم تجن بلادنا من طاعتها وإذعانها على مدى عشرات السنين سوى زيادة التبعية والتخلف والانقسام والفقر وسلب الحقوق، وذلك لسبب بسيط هو إدراك الغرب أن أي طريق آخر نسلكه أو يسلكه معنا سيؤدي إلى قيام عملاق في بلادنا(11) يزاحمه السيادة عليها، وهو ما لا تسمح به “المنفعة” التي يسير على هداها.

وشهد شاهد من أهل الإصلاحات أنها أدوات للمصالح الغربية

ورغم وضوح العيوب وبروز الخلل وعدم الحاجة إلى اعتراف يوثق هذا الواقع الثابت، فإن الحصول على شهادة خطية من عقر المؤسسات المالية الدولية يؤكد لنا أن الضحايا ليسوا الوحيدين الذين لمسوا هذا الظلم، وهو ما يتبدى في شهادة “الاقتصادي الشهير والحائز جائزة نوبل جوزف إي. ستيغليتز” الذي “أمضى 7 سنوات في واشنطن حيث شهد ولادة السياسة الاقتصادية الشاملة كعضو في إدارة كلنتون ورئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين، وكالاقتصادي الأساسي في البنك الدولي” كما جاء في تعريفه في الكتاب- الشهادة الذي ألفه عن تجربته عموما والتي لم تقتصر على بلادنا ولكنها تنطبق عليها كغيرها، وقد ترجمت طبعته العربية بعنوان: “خيبات العولمة”، مع أنه من المؤمنين بوجود نتائج إيجابية كثيرة للعولمة ولكنه يحذر من النقطة التي أهملها الغرب في خضم انهماكه الآني بتحصيل مصالحه المادية: “إذ أن كلفة عدم الاستقرار العالمي غالية جدا”،(12) فقال في شهادته عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي: “لقد أمست هاتان المؤسستان اليوم فاعلتين مهيمنتين في الاقتصاد العالمي، والبلدان التي تطلب مساعدتهما… عليها أن تتبع أوامرهما الاقتصادية، هذه التي تعكس إيديولوجيتهما ونظرياتهما بشأن السوق الحرة (التي تصدع الولايات المتحدة رؤوسنا بها ليل نهار وتحثنا على تطبيقها دون أن تطبقها على نفسها!!). والنتيجة بالنسبة إلى كثير من الناس كانت الفقر، وبالنسبة إلى كثير من البلدان كانت الفوضى الاجتماعية والسياسية (لعلها فوضى خلاقة!!)، لقد ارتكب صندوق النقد الدولي أخطاء في جميع الميادين التي تدخل فيها: التنمية، ومعالجة الأزمات… إن خطط التصحيح البنيوي لم تجلب النمو القوي، حتى في الدول – بوليفيا مثلا- التي انصاعت تماما لتوصياته الصارمة. وفي كثير من البلدان أدى التقشف المفرط إلى خنق النمو”.(13)

وعن ارتباطات المؤسسات المالية الدولية يقول: “وراء مشكلة صندوق النقد الدولي، وجميع المؤسسات الاقتصادية الدولية، توجد مشكلة أخرى: مشكلة قياداتها. فمن الذي يقرر ماذا تفعل؟ إنها ليست واقعة فقط تحت هيمنة البلدان الصناعية الأغنى، ولكنها أيضا خاضعة للمصالح التجارية والمالية لمن هم في داخلها… فالمؤسسات الدولية إذن لا تمثل الأمم التي تخدمها… إن سياسات المؤسسات الاقتصادية الدولية هي في أغلب الأحيان وثيقة الانسجام مع المصالح التجارية والمالية لتلك الأوساط المحددة في داخل البلدان الصناعية المتقدمة”.(14)

ويقول إن النوايا التي أنشأت مؤسسات اقتصادية دولية كانت نوايا حسنة، لكنها “تبدلت تماما” في إطار “توافق واشنطن” وهو “التوافق بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية حول السياسة الصالحة التي يجب أن تعتمدها البلدان النامية” وهو ما كان “انعطافا جذريا في مفهوم التنمية والاستقرار”،(15) وهذه السياسة ليست ناشئة من مجرد سوء الفهم المنطلق من حسن النوايا، لأنها أولا تحرم الدول النامية اليوم مما مارسته الدول المتقدمة كالولايات المتحدة في تاريخها عندما قامت الدولة “بدور حيوي في توجيه تطور الاقتصاد”(16) وهي تطالب الدولة النامية اليوم برفع يدها وترك العمل ليد السوق وحدها، وثانيا أنها تطالب الدولة النامية برفع الحماية عن منتجاتها في الوقت الذي تحتفظ فيه الدول الغربية بالحواجز الجمركية، وهذا هو “النفاق”.(17)

وعن تجليات هذه السياسات يقول: “إن خيبة العالم إزاء العولمة تحت رعاية صندوق النقد الدولي تتجلى حين يعاين فقراء أندونيسيا، أو المغرب… أن المعنيين يخفضون دعم أسعار المحروقات والمواد الغذائية، وحين يعاين الناس في تايلندا كيف تنتشر (مرض) السيدا (المميت) لأن صندوق النقد الدولي فرض تخفيض الإنفاق على الصحة، وحين… إلخ، إن العولمة كما جرى تطبيقها لم تأت بما وعد به أصحابها… فهي في بعض الحالات لم تأت حتى بالنمو، وحينما تمكنت من ذلك، فالنمو لم يفد الجميع. إن النتيجة الواضحة لسياسات “توافق واشنطن” كانت في أغلب الأحيان تأمين منافع لأقلية صغيرة على حساب الغالبية الكبرى، للأغنياء على حساب الفقراء. وفي حالات كثيرة تغلبت قيم ومصالح تجارية على الحرص على البيئة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية”،(18) ويجب أن نتذكر دائما موقع هذا الشاهد في الاقتصاد الأمريكي والبنك الدولي.

عبرة ثورة الشاه البيضاء: فشل التنمية على النموذج الأمريكي

وتدل تجربة إيران الشاه على عبثية التنمية الموصى بها أمريكيا حتى عندما يكون للولايات المتحدة مصلحة حقيقية بالاستقرار حتى لا تتحول البلد إلى صين أخرى تنتصر فيها الثورة الشيوعية كما حدث في الصين سنة 1949 ولهذا “لم تضغط الولايات المتحدة بقوة من أجل الإصلاح والتحديث في أي مكان في الشرق الأوسط بعد 1945 كما كانت تضغط في إيران”،(19) وكان صناع القرار في واشنطن يعتقدون أن التحدي الأكبر لإيران هو التحديث الاقتصادي والإصلاح الزراعي، لأن “الإحباط واليأس يهددان الاستقرار الداخلي للبلاد على نحو خطير”(20) كما أكد خبراء البيت الأبيض، وكان أمل الشاه الوحيد بالبقاء هو القيام بإصلاحات جذرية وبخاصة بعد ثورة 1958 في العراق، فاشترطت عليه الولايات المتحدة إذا كان يريد استمرار مساعداتها أن يطبق برنامجها الإصلاحي الذي وافق عليه في بداية 1963 مطلقا ثورته البيضاء التي لاقت الدعم الأمريكي لتجنب الانهيار الاجتماعي والحفاظ على إيران “متحررة من أي نفوذ أجنبي(!!) وذات حكم مستقر موال للغرب واقتصاد قادر على الاعتماد على نفسه”،(21) وحصل الشاه على القبول الأمريكي والملايين الأمريكية أيضا، وأسرف الأمريكان في مدحه والثناء على إنجازاته التي قال فيها الرئيس لندون جونسون إنها إحدى النقاط القليلة المضيئة في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وإن ما يحدث في إيران هو تقريبا أفضل ما يحدث في أي مكان في العالم، وأصبح الشاه “عمود الاستقرار” في المنطقة كما وصفه كيسنجر معددا إنجازاته في توزيع الأراضي وحقوق المرأة والازدهار الاقتصادي، وشرب الرئيس نيكسون نخب خطواته التقدمية وكذلك فعل الرئيس كارتر من بعده والذي امتدح سعي الشاه الجريء نحو الديمقراطية(!!) في الوقت الذي شهد سفيره في طهران الثورة على صديقهم بسبب “الإحباط والظلم والفساد وأفق التوقعات المجهضة التي أثارها برنامج الشاه للتنمية الاقتصادية والإصلاح حسب النموذج الغربي منذ 1963″،(22) ولذا فإنه رغم ضغوط الإصلاح الأمريكية في إيران فإنها “لم تفشل فشلا ذريعا في ذلك مثلما فشلت هناك”(23) كما يقول المؤرخ الأمريكي دوجلاس ليتل.(24)

هذه هي التنمية التي يريدها لنا الغرب عندما يكون له مصلحة فيها وهي استقرار بلادنا لمصالحه، وهو استقرار لم يحسن تشخيصه، فما بالنا بموقفه من التنمية الحقيقية التي تعبر عن تطلعات أجيالنا نحو النهضة التي يفترض أن تنزعنا من قبضته المحكمة وتعيد إلينا السيطرة على مواردنا وحسن استخدامها فيما ينفعنا من تعليم وإنتاج يجعلنا نعتمد على أنفسنا وفي غير حاجة للتبعية الاقتصادية لمنتجات الغرب وصناعاته؟

الخلاصة

إن الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب كانت تسعى للحفاظ على الاستقرار في بلادنا المهيمن عليها حتى تبقى بعيدة عن الاضطرابات المحلية المهددة للمصالح الغربية الاقتصادية، والنفطية منها خاصة، والسياسية والعسكرية والاستيراتيجية بما فيها أمن الكيان الصهيوني، وبخاصة مع وجود عدو شيوعي مارد يستغل هذه الظروف لصالحه، ومن هنا نبعت الدعوات الغربية للإصلاحات السياسية والتنمية الاقتصادية لمنح الأهالي مستوى من المعيشة يبعدهم عن الثورة، ولكن هذه الدعوات كانت تخبو في مواجهة المصالح المادية كما أن تطبيقها عاد بالمشاكل على البلاد التي اتبعتها بشهادة من أعلى مستويات اتخاذ القرارات الاقتصادية في الغرب، وكل ذلك يؤكد أن سياسات التنمية والإصلاحات الغربية ليست سوى أداة من أدوات تحقيق المصالح الغربية التي لا تنطبق أو تتفق مع مصالحنا بالضرورة، حتى لو كانت “مخلصة” في مسعاها، وهذا ما يجب أن تعيه أية ثورة تريد تغيير الماضي الاستبدادي الذي عليها أن تدرك أن الغرب كان جزءً رئيسا فيه، ونحن لسنا فئرانا لتجارب مصالحه السياسية التي لا نهاية لها والتي يكثر العثار فيها والاعتذار منها، إذ بعد كل فشل يسقطون فيه ويكلفنا الكثير من الخسائر يأتون لنا بفشل جديد مع أسف سمج على ما فات وكأننا خسرنا صندوقا من البرتقال فقط من تطبيق جداول رغباتهم، في الوقت الذي عليهم أن يكفوا أيديهم عنا ويدَعوننا في حالنا ندبر أمورنا.

*******

الهوامش

1- دوجلاس ليتل، الاستشراق الأمريكي: الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ 1945، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009، ترجمة: طلعت الشايب، ص333- 384.

2- الدكتور علي محافظة، بريطانيا والوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص 14و188و198.

3- الدكتور محمود الحمصي، خطط التنمية العربية واتجاهاتها التكاملية والتنافرية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1980، ص 71- 72.

4- أناتول ليفن، أمريكا بين الحق والباطل: تشريح القومية الأمريكية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008، ترجمة: د. ناصرة السعدون، ص 531.

5- د. آمال السبكي، تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906- 1979)، العدد 250 من سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر 1999، ص188.

6- الدكتور علي محافظة، ص 238.

7- سعد محيو، مأزق الحداثة العربية: من احتلال مصر إلى احتلال العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010، ص 214.

8- موقع مركز معلومات البنك على الإنترنت http://www.bicusa.org/ar/Institution.8.aspx

9- تمثل سنغافورة نموذجا يسيطر على أحلام النخب الحاكمة في الدول النامية كما على رؤية المنظمات المالية الدولية، وهي رؤية تحلم بتحويل البلد كلها إلى “مجموعة من المحلات والسوبر ماركتات والفنادق والمصانع، وينظر الناس إلى أنفسهم لا كبشر، وإنما كوحدات إنتاجية استهلاكية” وذلك بإهمال التاريخ والذاكرة والتقاليد والقيم وكل ما لا علاقة له بالاقتصاد كما يقول المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002، ج1ص245- 246.

10- أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، المجلد الرابع (الكتب والدراسات القومية/2)، ص3244.

11- منير شفيق، النظام الدولي الجديد وخيار المواجهة، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، تونس، 1992، نسخة على موقع الموقف على الإنترنت، ص70- 73.

12- جوزيف إ. ستيغليتز، خيبات العولمة، دار الفارابي، بيروت، 2003، ترجمة: ميشال كرم، ص43.

13- نفس المرجع، ص39.

14- نفس المرجع، ص40- 41.

15- نفس المرجع، ص37.

16- نفس المرجع، ص42.

17- نفس المرجع، ص28.

18- نفس المرجع، ص41- 42.

19- دوجلاس ليتل، الاستشراق الأمريكي، ص366.

20- نفس المرجع، ص368.

21- نفس المرجع، ص373.

22- نفس المرجع، ص388.

23- نفس المرجع، ص366.

24- معلومات الفقرة كلها من نفس المرجع، ص366- 383.


التنمية العربية على الطريقة الأمريكية (2) شعبان الصوان..

9 يونيو 2015

التخلي عن فلسطين شرط لتنميتها! حفظ

منذ استيلاء الصهاينة على الجزء الأكبر من فلسطين وطرد سكانها سنة 1948 ليقيموا كيانهم الحضاري وينشروا المدنية في المنطقة دون أهلها(!!)، ظل المجتمع الدولي ممثلا بمنظمة الأمم المتحدة يطالب السلطات الصهيونية بإعادة هؤلاء اللاجئين إلى وطنهم وشاركت الولايات المتحدة في هذه المطالبات انطلاقا من الحرص على مصالحها واستقرارها في مواجهة التسلل السوفييتي،(1)

والحقيقة أن القيادة الصهيونية كانت آنذاك أبعد نظرا من أسيادها الأمريكان فرفضت جميع طلبات العودة إلى أن بدأت القيادة الأمريكية تتراجع شيئا فشيئا وتتبنى الآراء الإسرائيلية “الواقعية والعملية” بشأن العودة حتى وصل الأمر اليوم إلى أن يتبنى الجانب العربي، بل الفلسطيني، “المخاوف” السكانية الصهيونية على الطبيعة اليهودية للديمقراطية الإسرائيلية فيقوم بتشذيب مطالبه لضمان عدم إثارة هذه المخاوف.

وكان من الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة لتثبيت الأمر الذي أصبح واقعا يناسب مصالحها، طرح مشاريع التنمية التي تهدف إلى استيعاب اللاجئين حيث يقيمون أو بتوزيعهم على البلاد العربية وفق برامج وعدت بميزانيات ضخمة ومساعدات كبيرة يسيل لها لعاب الإنسان الاقتصادي المجرد من الذاكرة والتاريخ والمبادئ والقيم في وقت لم تكن حقيقة التنمية التي جاءتنا من الغرب الأمريكي واضحة عند الجماهير العربية التي اكتوت بالخطط الاستعمارية البريطانية والفرنسية ولكنها لم تكن واقفة على حقيقة القادم الأمريكي الجديد التي تكشفت عنه مشاريع التنمية التي حملها إلى كثير من بلادنا والتي انتهت بالكوارث كما مر في الجزء الأول من هذه الدراسة.

وبغض النظر عن هذه النهايات التي لم يكن مصير التنمية الفلسطينية سيصبح أفضل منها كما يؤكد ذلك مصير مشروع سنغافورة الفلسطينية ووضع الضفة الغربية المحتلة والمقطعة ومستنفدة الموارد اليوم، والتي جعلتها مشاريع التنمية التي أتت بها عملية السلام تابعة للاقتصاد الصهيوني وفاقدة متطلبات الاستقلال، فمن الملاحظ أن الشرط الأمريكي الرئيس لتطبيق برامجها التنموية للفلسطينيين هو تخليهم عن وطنهم وقبولهم بالأوطان البديلة ليتمكنوا من الحصول على حياة البحبوحة الأمريكية التي صورت لهم في مشاريع تسوية عديدة لعل من أشهرها المشاريع التالية مع التنبيه على أنني لا أعدد مشاريع تسوية القضية الفلسطينية بل أعرض نماذج لاستخدام التنمية ثمنا لبيع الأوطان بصفته كاشفا عن ملامح التنمية التي يريدها الغرب لنا:

1- مشروع جونستون: في سنة 1953 كان من رأي جون فوستر دالاس وزير خارجية أيزنهاور أنه من الممكن توطين اللاجئين في أحواض الأنهار في البلاد العربية كنهر الأردن ونهري دجلة والفرات وسانده في ذلك رئيسه الذي كان مقتنعا أن التنمية الاقتصادية هي المفتاح لحل مشكلة فلسطين،(2) وعين لهذه الغاية إريك جونستون بصفته مبعوثا شخصيا لإقناع طرفي الصراع بالتعاون لاستثمار موارد نهر الأردن المائية بتمويل من الولايات المتحدة وصل إلى 66 مليون دولار لدعم خطة مين التي سار فيها الأمريكيون على نهجهم المعروف في تقديم وعود الرخاء بسخاء، بغض النظر عن النتائج الحقيقية، وتضمنت الخطة إقامة السدود والقنوات وعمليات تحويل مجاري المياه على روافد الأردن لتهيئة الظروف لاستيعاب لاجئي فلسطين في أراض بديلة وجر الاعتراف من الدول العربية بالكيان الصهيوني بواسطة هذه المشاريع المشتركة ومساعدة الكيان على تهيئة الظروف في نفس الوقت لاستيعاب مزيد من المهاجرين الجدد،(3) مما يشير بوضوح إلى الثمن المطلوب منا دفعه مقابل وعود التنمية، وأركز على كلمة وعود لأن التجارب أظهرت لنا القيمة الحقيقية لهذه الوعود الغربية.

2- مشروع ألفا سنة 1954: وهو مشروع أمريكي بريطاني مشترك نص على عودة بعض اللاجئين وتوطين غالبيتهم في الدول العربية المجاورة مع إغراء هذه الدول بصفقة تنمية وصلت إلى مليار دولار مع ضمانات أمنية لجميع الأطراف تقدمها الدولتان الكبيرتان، وقد قام الكيان الصهيوني بغارة على قطاع غزة في فبراير سنة 1955 أدت إلى تعطيل المشروع.(4)

3- مشروع دالاس سنة 1955: فيما كان مشروع جونستون يواجه الفشل ومشروع ألفا يواجه التعطيل طرح وزير الخارجية الأمريكي دالاس على لجنة الشئون الخارجية في الكونجرس مشروعا يتضمن عودة اللاجئين إلى وطنهم “إلى الحد الذي يكون ممكنا”،(5) وإعادة توطين الباقين في البلاد العربية التي لجئوا إليها ومساعدتهم على ذلك بمنحهم تعويضات بتمويل من الولايات المتحدة أساسا وبإقامة مشاريع استصلاح أراض وري وتنمية مائية وإيجاد فرص عمل وبناء مساكن وغير ذلك من الوعود التي لا تبخل أمريكا ببذلها في سبيل الوصول إلى مآربها واستقرار مصالحها، وقد استغلت في هذا الظرف أزمة الكيان الصهيوني المالية وحاجة الحكومة المصرية لدعمها لتحقيق الجلاء البريطاني، واشترط مشروع دالاس لتحقيق هذا الفردوس الأرضي شرطا بسيطا جدا هو قبول العرب حدودا ثابتة ودائمة للكيان الصهيوني وتوقيع معاهدات تضمن ذلك، وبالطبع تنازُل اللاجئين عن حقوقهم في وطنهم، فما أبسط الشروط الأمريكية وما أكرم وعودها!

وتتالت مشاريع أخرى تغدق وعود الرفاهية بإسراف وتعد بتدفق الأموال مثل مشروع إيدن (1955) ومشروع همرشولد (1959) ومشروع جوزيف جونسون (1962)، وكانت هذه المشاريع تنطلق من وجهة نظر اقتصادية حصرية وتعتقد أن اللاجئين سيكون لهم خيار آخر لو ارتفع تأثير “المتطرفين” عنهم إذ يمكنهم اختيار إعادة التوطين والتدفق على المصارف الأمريكية لو علموا بأن الولايات المتحدة ستدفع لهم الدولارات،(6) وقد برزت منذ ذلك الوقت المبكر عملية الضغط على المساعدات المقدمة لوكالة غوث اللاجئين لتكون سائرة في طريق إعادة إدماجهم في بلاد اللجوء وليس إبقاء مطالبهم بديارهم حية حتى العودة، وهي ضغوط مازلنا نسمع فحيحها إلى اليوم والسر فيها هو أن الدول الكبرى تريد من المدفوعات أن تكون مساهمة في طي مطالبة الفلسطيني بوطنه لا دافعا لإبقائها حية.

ورغم كل هذه المبادرات لتوطين اللاجئين فإن الكيان الصهيوني كان يرفض أي مشروع يشير إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة أو يعطي اللاجئين حقا ولو كان نظريا باختيار العودة حتى لو سمح للصهاينة بحق النقض على أي لاجئ يتبين خطر عودته على كيانهم لأنهم ينكرون على ضحاياهم أي منفذ ولو كان ضيقا قد يفتح لهم باب المطالبة بحقوقهم في المستقبل القريب أو البعيد، ولهذا احتج بن غوريون ﺑ”الغزو العربي” ليعلن أن جميع قرارات الأمم المتحدة بخصوص فلسطين أصبحت لاغية وباطلة(7) وذلك بعد أن نال الصهاينة مبتغاهم منها فأقاموا دولتهم وشرعوا وجودها، وهو أمر غاب عن المطالبين بهذه القرارات من جانبنا منذ ذلك الوقت ومازلنا ندور في الحلقة المفرغة للأمم المتحدة إلى يومنا هذا مع أنها ليست على جدول الطرف الآخر.

ولهذا كانت المساعدات الأمريكية للأراضي المحتلة سنة 1967 منذ البداية مساعدات سياسية إنسانية تهدف إلى جعل الحياة اليومية تحت سلطة الاحتلال مقبولة وجمع التأييد لعملية التفاوض التي تدعو الولايات المتحدة لها،(8) ثم أصبح الهدف بعد أوسلو عند الاتحاد الأوروبي، المانح الرئيس، دعم استمرار التفاوض والاستقرار بمفهومه الإغاثي المباشر وهذا بغض النظر عن شعارات طنانة عن فصل الاقتصاد الفلسطيني عن اقتصاد الاحتلال وتنميته تنمية حقيقية دائمة تعتمد على النفس،(9) وقد اعترف الاتحاد الأوروبي في ورقة الخطة للأعوام 2000- 2006 بأن مساعداته لم تؤد إلى تحقيق التنمية التي تحشد التأييد الفلسطيني لعملية السلام،(10) وهذه نتيجة طبيعية لأن تنمية الأراضي الفلسطينية لم تكن يوما هدفا حقيقيا في ظل الالتزام الغربي عامة والأمريكي خاصة بالجدول الصهيوني الذي لا يسمح حتى بعلاقات الاستغلال الرأسمالي الحديثة القائمة على الهيمنة الاقتصادية بعيدا عن الاحتلال العسكري،(11) ومما ميز خطط المساعدات الغربية للفلسطينيين فوقيتها الاستشراقية التي تجنبت مشاركة أصحاب القضية في التخطيط لحياتهم ومارست الأبوية عليهم بنوايا سياسية أثرت تأثيرا مباشرا على نتائج الأفعال وحرمت الواقعين تحت الاحتلال من فرص التنمية المدعاة.(12)

ورغم قناعة الأمريكيين بأهمية الاستقرار لمصالحهم، فإننا نجد أن المصالح الآنية مقدمة على الاستقرار بعيد المدى الذي يتطلب حلولا معقدة، ونجد هنا أنفسنا مرة أخرى أمام معضلة الحلول السهلة على حساب استقرار المصالح الأمريكية نفسها التي طالما تعرضت للهزات نتيجة أنانيتها وضيق أفقها وبخاصة أننا نسمع الرئيس الأمريكي يقول بنفسه مخاطبا المسلمين من جامعة القاهرة: “إن التقدم في الحياة اليومية التي يعيشها الشعب الفلسطيني يجب أن يكون جزءا من الطريق المؤدي إلى السلام، ويجب على إسرائيل أن تتخذ خطوات ملموسة لتحقيق مثل هذا التقدم”،(13) وإذا كان أوباما صادقا في كلامه، حرصا على استقرار مصالح بلاده بالطبع وليس على الحقوق والمبادئ، فإن السلوك الأمريكي كما يبدو يحجم عن خوض الصعاب حتى في سبيل هذا الاستقرار الكلي مادام قد حصل عليه مؤقتا بالاستسلام العربي الرسمي، وهذا درس على المراهنين على “السلوك السلمي والحضاري” مع آلة الاحتلال الجبارة أن يعوه جيدا، وهو أن سلوكهم المتحضر هذا هو الذي يطيل أمد الاحتلال ومن ثم المعاناة لشعبهم لأنه يطمئن المحتل وراعيه على الاستقرار الذي يتطلعان إليه.

وعود فارغة: التنمية مقابل التصدي للخطر الشيوعي

ومثلما وعدت فلسطين بالتنمية الزائفة مقابل تحقيق المصالح الأمريكية، نالت الدول العربية الأخرى نصيبها من هذه الوعود لتحقق هذه المصالح أيضا، ومن ذلك:

1- برنامج النقطة الرابعة: برنامج النقطة الرابعة في بداية الخمسينات هو برنامج مساعدات فنية أمريكية لدول متخلفة تتبع السياسة الأمريكية كي لا تولي وجهها شطر الاتحاد السوفييتي حيث كانت شعوب رزحت زمنا تحت الوطأة القيصرية قد أخذت بأسباب الرقي في ظل الإدارة السوفييتية، وبني البرنامج على أساس خطاب للرئيس ترومان سنة 1947 جاء في النقطة الرابعة منه أن الدول الغنية عليها أن تتحمل مسئولياتها في مساعدة الدول الفقيرة، وشمل البرنامج قروضا وهبات عينية ومساعدات مالية بهدف تعزيز النفوذ الأمريكي، ولكن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك وضح مفهوم البرنامج في شهادة أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس سنة 1950حتى لا يساء فهمه: “أحسب أن هناك فكرة شائعة تذهب إلى أننا سوف ننشئ مصانع كبيرة ومناجم لتلك الشعوب المتخلفة اقتصاديا، فأنا أعلن ههنا أن ذلك غير صحيح”، وقد علق العالم الاقتصادي الأمريكي فيكتور بيرلو على كلام الوزير بالقول إن الفكرة كانت شائعة كثيرا لأن المسئولين الأمريكيين ظلوا طوال عام بكامله يروجون أسطورة أن الولايات المتحدة عازمة على أن تنهض بعبء برنامج تطويري أصيل، “ثم ما الذي يبقى من هذا البرنامج إذا استبعدت المساعدة في ميدان التصنيع؟”،(14) وهذا نموذج لما وصفته في الجزء الأول من هذه الدراسة بتفضيل المصالح المادية الآنية على حساب متطلبات الاستقرار الحقيقي الذي تتطلبه المصالح الأمريكية في أي مكان.

ومن البلاد التي نالت مساعدات جمة ضمن هذا البرنامج المملكة الأردنية التي ينبئ حالها الاقتصادي المأزوم منذ ذلك الزمن عن فاعلية المساعدة التنموية الأمريكية التي كان لها تأثير سياسي على الأردن أكثر من تأثيرها الاقتصادي إذ أدخلت النفوذ الأمريكي إلى المملكة التي كانت حكرا على بريطانيا، وربطت سياساتها بدوامة الحرب الباردة إلى جانب الغرب الأمريكي(15) الذي دفع الملايين لجيوب المستبدين حتى إذا سقط الواحد منهم اعتذر الأمريكيون عما سببوه لنا من خطأ بسيط في الإيتيكيت!!

2- مشروع أيزنهاور: وكما استخدمت الولايات المتحدة وعود التنمية للحصول على تنازل اللاجئين عن ديارهم، استخدمت نفس الوعود مع البلاد العربية لتتنازل عن همومها الحقيقية وتتبنى هموم الغرب ومصالحه في ديارها، وقد عبرت عن ذلك رسميا في مبدأ أيزنهاور وهو المشروع الذي طرحه الرئيس الأمريكي سنة 1957 بهدف ملء الفراغ الذي تركته القوى الاستعمارية الغربية في مواجهة احتمالات الغزو الشيوعي المباشر أو غير المباشر لمنطقة الشرق العربي الإسلامي، ورغم اعترافه بوجود مشكلات أخرى في المنطقة مثل مشكلة فلسطين ومستقبل اللاجئين وعلاقات الكيان الصهيوني مع الدول العربية ومستقبل قناة السويس، فإنه حاول حرف الرؤية لتتركز على خطر شيوعي موهوم ليحشد الجهود ضده، وحتى العدوان الثلاثي الذي كانت الدماء لم تجف منه بعد، جعله المشروع الأمريكي أمرا ليس ذا بال إذا قيس بخطر الهجوم الشيوعي المرتقب!!(16)

وقد عرض المشروع على بلاد الشرق مغريات في مقابل تجاهل همومها، ومطالبتها بالإحساس بمشاعر سيدها الغربي بالخطر الشيوعي وإهمال شعورها بالخطر الصهيوني الجاثم فعلا على صدورها، وتضمنت هذه المغريات شقين: وعود بمساعدات للتنمية الاقتصادية، ووعود بمساعدات بل تدخلات عسكرية ضد العدوان الشيوعي الذي يطرق الأبواب!!، وقد بينت الأحداث أن هذه الوعود قدمت مصالح من بذلها على مصالح من صدقها، في المساعدات العسكرية حين فصلت التدخلات على مقاس المصالح الأمريكية حتى على حساب من استنجد بهم سواء أثناء التدخل في لبنان سنة 1958 أو الإحجام عن التدخل في الأردن في نفس العام، ولهذا قال من قال آنذاك إن حسابات أمريكا تتضمن الحلول محل الاستعمار البريطاني والفرنسي القديم كما تتضمن مواجهة النفوذ الشيوعي الجديد، أما في التنمية الاقتصادية فإنه بمجرد النظر نعرف حقيقتها من الأوضاع الاقتصادية التي سادت آنذاك في البلاد التي أعلنت موافقتها على مشروع أيزنهاور وهي ليبيا والمغرب وتونس والعراق والأردن وإيران وتركيا وباكستان والتي لم تتحول إحداها إلى جنة التنمية الموعودة في الوقت الذي أدت فيه خدمات جلية كانت تقبض أثمانها من المستفيدين في الغرب الذي يأتي اليوم ليعبر عن “أسفه” لأنه دعم استبداديات عاتية دهرا طويلا كما فعل أوباما في جامعة القاهرة عندما ذرف دموع البصل على تجربة مصدق الديمقراطية التي أطاحت بها أمريكا وبريطانيا، وكأن كل ما فعله الغربيون في هذا التاريخ الحافل بالقمع الدموي هو الدوس على طرف ثوبنا الذي يمكننا تنظيفه وإصلاحه بسهولة!!

قتل العراق من أجل إنقاذه وتنميته

القتل في سبيل الإنقاذ مفارقة شاع التعبير عنها زمن الحرب الأمريكية في فيتنام حيث كانت المجازر تبرر بالقول إنها وقعت ضد قرى في سبيل “إنقاذها”، ومنذ ذلك الوقت أصبح القتل للإنقاذ علامة من علامات الحضارة الأمريكية.

وفيما يتعلق بالعراق فإنه ليس من السهل إنكار إنجازات الدولة العراقية – قبل العدوان الأمريكي- في مجالات الإعمار والصحة والتعليم والتصنيع والزراعة حتى في زمن الحصار القاتل الذي انعدم نظيره في التاريخ ومع ذلك فشل في تحقيق أهداف الغرب حتى بات العراق وهو مكبل همّا يؤرق عمالقة الدول الكبرى التي ارتكبت أبشع الجرائم وهي فخورة بها كما بدا من تبرير وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت لقتل نصف مليون طفل عراقي من أجل المصالح الأمريكية التي كلف حظرها على العراق من القتلى أكثر من “الذين قُتلوا بما يسمى أسلحة الدمار الشامل على مر التاريخ” باعتراف بعض الصقور – بل الوحوش- من المحللين العسكريين الأمريكيين،(17) ثم رفعت هذه الدول المعتدية ألوية ثبت كذبها لزرع الديمقراطية والحرية والتعددية… إلخ بالعنف والقوة وإنقاذه فيما زعموا من استبداد عات تقودهم في ذلك المعتقدات الأيديولوجية التي بشروا العالم بتراجعها كذبا وزورا،(18) وقد وعدوا أثناء زحفهم بإعادة إعمار ما ستدمره حربهم الكاسحة وجعل العراق نموذجا يُحتذى ولكن عدوانهم أثبت جدواه في شيء واحد هو جعل العراق نموذجا للدمار والخراب وانتهاك الحقوق، فقد تبددت كل الوعود بعدما حققت الجيوش الغازية هدفها بتغيير النظام ثم اكتشفت أنها علقت في مستنقع أغرقتها فيه المقاومة الباسلة وأصبح أكبر همها أن تفلت منه ناجية بأرواحها لا تلوي على ديمقراطية ولا تنمية ولا حرية، واحترق العراق في نفس الوقت في جحيم الدمار والقتل والسلب والنهب والانقسام والتخلف الذي مازال مشتعلا بعد رحيل قوات الاحتلال التي فشلت في إعادة إعمار ما خربته فضلا عن السير به في طريق التنمية التي كان يسير فيها بخطوات جادة فيما سبق ثم وُعد بها على الورق في وثائق دستورية وقانونية لن نجد أعذب من عباراتها، في دليل صارخ على الهوة العميقة بين الأقوال والأفعال من جهة والنوايا الحقيقية والأهداف المعلنة من جهة أخرى، ولو كانت الولايات المتحدة تضمر أدنى خير لمستقبل العراق لما شنت الحرب الشعواء على كوادره العلمية قتلا وتهجيرا وتهديدا،(19) وهو ما أصبح من الحديث المتواتر وخرج عن نطاق التداول داخل دوائر خاصة، مما ينفي الادعاءات المعلنة عن دكتاتورية النظام بصفتها سببا لشن الحرب عليه ويضع الاستهداف الغربي عموما والأمريكي على وجه خاص للمسيرة النهضوية العراقية في دائرة الاتهام بل الإدانة.

التنمية على طريقة أوباما: هل ظهر المهدي المنتظر وأشرقت الشمس من الغرب؟

في خطابه الموجه للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة، قدم الرئيس الأمريكي الكثير من الكلام المعسول والوعود الخلابة، ولأول مرة في تاريخ جائزة نوبل يحصل شخص عليها لمجرد أقوال أطلقها في الهواء وقبل تنفيذها، ويمكننا أن نتخيل مثلا أن يصرح مخترع أفاق بأنه على وشك اختراع سفينة فضاء تسبق سرعة الضوء، وهو أمر عجزت عنه البشرية إلى الآن، فينال الجائزة قبل تنفيذ وعده، ويبدو أن سحر كلمات أوباما كان من هذا الوزن إذ لم يصدق العالم أن يخرج كل هذا الخير من الولايات المتحدة، فقد ألقى مواعظ عن وجوب احترام إرادة الشعوب حتى لو خالفت ما تريده أمريكا التي عليها ألا تفرض نظاما معينا على أحد لأنها لا تعرف ما يناسب الجميع، وألقى دروسا في التنمية الاقتصادية وعدم الاعتماد على ثروات باطن الأرض والاهتمام بالتعليم بدل ذلك، كما وعد بوقف استخدام التعذيب وبإغلاق سجن غوانتانامو وبوقف المستوطنات وبإقامة الدولة الفلسطينية وبالالتزام بمنع انتشار الأسلحة النووية… إلخ، وكان من ضمن وعوده ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية كمساعدة العراق على تحقيقها بصفة شريك لا راعي وتقديم المليارات لباكستان وأفغانستان لبناء المدارس والطرق والمستشفيات والمؤسسات التجارية وتوفير خدمات يعتمد عليها الشعب، ووقف الاهتمام الحصري بالنفط والغاز في الشرق العربي الإسلامي ومد هذا الاهتمام إلى التعليم وتأسيس هيئة تطوعية من رجال الأعمال وتأسيس صندوق لدعم التنمية والتطور التقني في البلاد الإسلامية وافتتاح مركز للتفوق العلمي في آسيا وإفريقيا وإرسال وفود للتعاون في برامج تنموية، وغير ذلك من الوعود التي ظن الناس معها أن المهدي قد ظهر وأن الشمس ستشرق من الغرب ونسوا بأن هذه الأحداث من أدلة اختلال نظام الطبيعة واقتراب نهاية الزمان وأن تبدل الطبيعة الأمريكية هي من هذا الباب، ولهذا لم يخيب الرئيس الأمريكي ظنون الكثيرين “الذين تراودهم الشكوك حول قدرتنا على استهلال هذه البداية… الذين يتشككون ببساطة في إمكانية تحقيق التغيير الحقيقي”،(20) فحقق لهم مرادهم ولم ينفذ شيئا من الوعود الكبرى السابقة، ولم يشعر المواطن العادي في باكستان وأفغانستان إلا بوقع القنابل على رأسه، ولم ير أهل فلسطين إلا رئيسا أمريكيا أكثر صهيونية ممن سبقه حتى من المحافظين الجدد، ولم يأكل أبناء العالم الثالث المن والسلوى، وكل ما حدث أثبت أن أمريكا هي أمريكا ومن المستحيل أن تتغير.

الخلاصة

استخدمت الولايات المتحدة وعود التنمية وأحلام المساعدات السخية لتحقيق مصالحها في البلاد العربية ولكن بعيدا عن إنجاز ما وعدت به هذه الدول من تطور اقتصادي، ومن ذلك وعودها بتنمية فلسطين التي كانت هجرة أهلها فيما يبدو شرطا أمريكيا لتنميتها للصهاينة بمعزل عن أصحابها أولا ثم “تنمية” حياة أهلها بعيدا عنها فيما بعد، ومن هذه الوعود أيضا ما بذل للابتعاد عن الاتحاد السوفييتي والتصدي لنفوذه وهو ما قبلته كثير من بلاد الشرق العربي الإسلامي وحققت لأمريكا والغرب أهدافها ولكنها لم تحصل على إنجاز للوعود التنموية التي بذلت بسخاء، وليس هذا من العجيب أولا لأن طبيعة المصالح الغربية في بلادنا تؤثر المنافع العاجلة والحلول السهلة ولو على حساب استقرارها في المستقبل، وهو أمر مستقر في الطبيعة البشرية التي تؤثر العاجل على الآجل والتي وجدت أفضل تقنين لهواها في فكرة المنفعة في الحضارة الغربية، ومن هنا كانت استحالة تغير الدولة الأولى الممثلة لهذه الحضارة وهي الولايات المتحدة رغم الأماني العذبة التي سحرت الدنيا بخداع أوباما، والسبب الثاني لعدم إنجاز وعود التنمية هو أن أحلام التنمية على النموذج الغربي مستحيلة التحقيق أصلا كما سيأتي تفصيله في دراسة قادمة إن شاء الله، وأفضل ما يمكن أن يعمله الغرب هو “عدم التدخل في شئون العالم الثالث بأي حال من الأحوال”(21) كما يقول المفكر الاقتصادي البارز سمير أمين.

**********

الهوامش

1- دوجلاس ليتل، الاستشراق الأمريكي: الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ 1945، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009، ص 448.

2- دوجلاس ليتل، ص 452.

3- الموسوعة الفلسطينية: القسم العام، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، 1984، المجلد 1 ص 152.

4- دوجلاس ليتل، ص 454.

5- الموسوعة الفلسطينية، المجلد 2 ص 393.

6- دوجلاس ليتل، ص 459.

7- الموسوعة الفلسطينية، المجلد 1 ص 332.

8- خليل نخلة، أسطورة التنمية في فلسطين، مؤسسة الدراسات المقدسية، القدس، 2004، تعريب: ألبرت أغازريان، ص 39.

9- نفس المرجع، ص 169.

10- نفس المرجع، ص 130.

11- نفس المرجع، ص 87.

12- نفس المرجع، ص 27 و136- 139.

13- دوجلاس ليتل، ص 720.

14- فيكتور بيرلو وألبرت إ. كان، أعمدة الاستعمار الأمريكي ومصرع الديموقراطية في العالم الجديد، دار العلم للملايين، بيروت، 1980، تعريب: منير البعلبكي، ص 58.

15- الدكتورة سهيلا سليمان الشلبي، العلاقات الأردنية- البريطانية 1951- 1967، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 167.

16- الموسوعة الفلسطينية، المجلد 1 ص 334.

17- نعوم شومسكي، النزعة “الإنسانية” العسكرية الجديدة، دار الآداب، بيروت، 2001، ترجمة: أيمن حنا حداد، ص 106- 107.

18- الدكتور ناظم عبد الواحد الجاسور، تأثير الخلافات الأمريكية- الأوروبية على قضايا الأمة العربية: حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 33.

19- نواف الزرو، إبادة منهجية ضد الثروة العلمية العراقية، مقال على موقع التجديد العربي على الإنترنت، 9-7-2012، قضايا ومناقشات.

20- دوجلاس ليتل، ص 728.

21- خليل نخلة، ص 20.


آثار التغريب السياسي على المجتمع الإسلامي: التحدي والاستجابة (1) شعبان الصوان

9 يونيو 2015

المجتمع الإسلامي بين المركزية والتفتيت

حقيقة الاستبداد الشرقي

إن عبارة “الاستبداد الشرقي” التي دأب الأدب الاستشراقي على إلصاقها بأنظمة الحكم غير الغربية وبخاصة في الحضارة الإسلامية،

هي عبارة تسربت إلى جمع من المثقفين العرب الذين بنوا مشاريعهم الفكرية الضخمة على التصديق المطلق بمضمونها ووجوب إنقاذ مجتمعاتنا من براثنها التي غرست في جسدها لقرون طويلة آن أن تنتهي بالحرية والديمقراطية، وهذه العبارة توحي بملوك فراعنة يتشبهون بالآلهة ويتحكمون حتى في دبيب النمل تحت سلطانهم، ورغم ذلك فإننا عند التطبيق التاريخي العملي نجد صورة مغايرة للحكم الإسلامي حتى لو استندنا إلى مصادر خارجية.

وفي هذا السياق يقول المؤرخ شارل عيساوي واصفا الحكم العثماني عند بداية القرن التاسع عشر: “كانت سلطة السلطان العثماني محصورة في منطقة صغيرة حول استانبول رغم ضخامة الدولة التي كانت بقيتها تُحكم بواسطة باشاوات وأعيان وزعماء قبليين مستقلين استقلالا ذاتيا”[1]، كما يشير المؤرخ دونالد كواترت إلى مبالغة بعض الباحثين في تقدير الدور الذي قامت به السلطة المركزية العثمانية في إدارة الدولة مؤكدا أن قوة السلطان لم تكن مستمدة من الجيش وحده بل أيضا “من تواصل السلالة الحاكمة مع القوى السياسية والشعبية أيضا”، مقدما أمثلة تاريخية للاستقلال الذاتي الذي تمتعت به قوى محلية إلى درجة أن “أصبحت لا تقيم وزنا لأوامر وتعليمات الباب العالي” وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أما في القرن الثامن عشر فإن السلطة المركزية “لم تعد بيد السلطان أو كبير وزرائه (الصدر الأعظم) بل أصبحت قائمة على التراضي والمساومة بين مختلف القوى من جهة والسلطان من جهة أخرى”، وقبل ذلك كان “القرار السياسي في الحقبة 1550- 1650 أصبح إلى حد بعيد خارج إرادة السلطان” و”أن عناصر جديدة أخذت تشاطر السلطان الحكم لا بل تنوب عنه أحيانا”[2].

ويقول المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي الذي وصف بأنه أكبر اختصاصي سوفييتي في مجال تاريخ البلاد العربية الحديث والمعاصر: “بينما كانت الإمبراطورية العثمانية تبدو في الظاهر دولة مركزية، كانت في الواقع دولة لا مركزية”[3]، ويقول المؤرخ المعاصر زين نور الدين زين إن البلدان العربية “لم تكن تحكم إداريا وبصورة مباشرة من القسطنطينية” مستدلا على ذلك بدراسة الملفات الرسمية وقوائم تقدير الواردات الخاصة بسوريا والعراق ومصر، كما أشار إلى أن الأمراء الإقطاعيين والزعماء المحليين في البلاد العربية مُنحوا “استقلالا داخليا يكاد أن يكون استقلالا ناجزا”[4]، وأكد الدكتور محمد أنيس هذه الحقائق مشيرا إلى أن المركزية لم تكن مباشرة ولا شاملة وذلك في حديثه عن خصائص الحكم العثماني للشرق العربي حتى نهاية القرن الثامن عشر[5].

إجراءات التغريب السياسي

أدت ظروف الضعف والهزيمة التي أحاطت بالدولة العثمانية منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلى البحث عن مخرج بالسير على نهج أوروبا مما هو مفصل في دراسة سابقة (الأثر الاقتصادي للتغريب الرأسمالي على المجتمع الإسلامي: التحدي والاستجابة)، وكان التوجه نحو المركزية من الإجراءات التي قامت بها السلطنة العثمانية ضمن الإصلاحات التي نفذتها لتحقيق مزيد من السيطرة على موارد الدولة لاستخدامها في تنفيذ برامج دعم القوة العسكرية، وكان من أشهر خطواتها القضاء على الجيش الإنكشاري الذي كان بمثابة حزب معارضة تمكن من تغيير سياسة عدة سلاطين بل وتمكن من خلع بعضهم وتنصيب آخرين، فجاء قضاء السلطان محمود الثاني عليه سنة 1826 ليخلص مؤسسة الحكم من هذه المعارضة وليسهل عملية السير في طريق التغيير العسكري وتركيز السلطة بيد السلطان الذي شن أيضا حملات عسكرية على قوى الأعيان المحليين وتمكن من انتزاع مصدر قوتهم بمصادرة أراضيهم أو بإلغاء نظام الإقطاع العسكري الذي يستندون إليه[6] ثم بمحاولة فرض رقابة الدولة على تسجيل الأراضي وجمع الضرائب كما حدث عندما سن قانون الأراضي سنة 1858، وتأكد هذا التوجه بقانون الولايات سنة 1864 بصفته خطوة أخرى في دعم مركزية السلطة إذ قسمت أراضي الدولة إلى ولايات وتوابعها يحكمها موظفون تعينهم العاصمة، ثم تأسست إدارة الديون العمومية سنة 1881 لتشرف على بعض موارد الدولة حفظا لحقوق الدائنين بعد إعلان الإفلاس سنة 1875، وقد انتزعت هذه الإدارة الدولية من الأعيان عملية جمع الضرائب ففقدوا بذلك مصدر قوّتهم.

وكان صدور فرمان الكلخانة سنة 1839 بعد اعتلاء السلطان عبد المجيد العرش خلفا لوالده محمود الثاني ثم صدور الفرمان الهمايوني سنة 1856 بعد حرب القرم مما أعطى التوجه الغربي المركزي في الدولة العثمانية صفة الالتزام الدولي في معاهدة باريس التي أعقبت الحرب، ولكن فترة حكم السلطان عبد المجيد لم تكن بنفس الدرجة من المركزية التي حكم بها والده السلطان محمود، ثم توجت انتصارات رجال التغريب في الدولة بصدور دستور سنة 1876 بعد اعتلاء السلطان عبد الحميد العرش، وقد منح هذا الدستور الدولة الصفة التمثيلية البرلمانية في خطوة كان القصد منها إرضاء الدول الأوروبية لتكف عن التدخل في شئون الدولة العثمانية كما ظن ولاة الأمر يومئذ[7].

وقد استمرت عملية تركيز السلطة في عهد السلطان عبد الحميد رغم تراجعه عن تبني الأساليب الغربية في الحكم، وفضل أسلوب جده محمود على أسلوب والده عبد المجيد[8]، وكان هدفه الحفاظ على سلامة أراضي الدولة[9]، ووقف التدخلات الأجنبية[10]، وتحقيق الوحدة الإسلامية[11]، ولما قامت ثورة الاتحاد والترقي عليه سنة 1908 اتبعت نهج إطلاق الحريات لبرهة لنفس السبب السابق وهو الحفاظ على أراضي الدولة ولكن استنادا إلى مبادئها التغريبية النابعة من مبادئ الثورة الفرنسية والتي أملت شعارها الثلاثي (حريت، مساوات، عدالت) شديد الشبه بشعار الثورة الفرنسية المتضمن الحرية والإخاء والمساواة، ولما رأت الجمعية أن الشعوب البلقانية تحاول استغلال الوضع الدستوري الجديد للانفصال عن الدولة وأن المشكلة القومية لم تحل بتطبيق الدستور كما كانوا يظنون، فرض عليهم الحرص على سلامة أراضي الدولة نهجا مركزيا جديدا[12] مستمدا من تجربة الثورة الفرنسية أيضا[13] فأصبحوا يرون أن المساواة لا يمكن تطبيقها قبل فرض الانسجام بين عناصر الدولة وذلك بفرض التتريك عليها جميعا لتصبح ذات هوية موحدة[14]، وهو أسلوب لجأت إليه الثورة الفرنسية- مثلهم الأعلى- من قبل، كما كانت الأفكار القومية التي تبناها تيار في المجتمع التركي نتاجا أوروبيا بلوره مجموعة من المفكرين والمستشرقين الغربيين الذين أحيوا الاهتمام باللغة والتاريخ للعرق الطوراني الذي منحته هذه الأدبيات هذا الاسم، وقد كان قسم كبير من أولئك العلماء من اليهود وهي ظاهرة ملفتة[15].

منابع التغريب السياسي الأخرى

وقد واجه المجتمع الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أفكارا تغريبية من غير المؤسسة الحاكمة إذ تبنت دول الغرب على عادتها في تشجيع النزعات الاستقلالية خارج دولها، تبنت أفكارا سياسية إسلامية وقومية وقُطرية بهدف تفتيت الوحدة التي كانت تلم المجتمع العثماني، وقد تنوعت هذه الأفكار بين وجوب عودة الخلافة للعرب لبث الفرقة بين عنصري الدولة الرئيسين، واستقلال ولايات لتسهيل ابتلاعها على المعتدي الغربي.

أهداف الغرب وتبعية المتغربين والفوضى الخلاقة المبكرة

ساندت أوروبا النهج المركزي العثماني لأنه “كان من الأسهل والأربح السيطرة على سوق الإمبراطورية من خلال الامتيازات والتنازلات من جانب إدارة عثمانية مركزية واحدة مما ستكون عليه الحال من خلال العديد من الحكام والأعيان في الولايات الذين جعلت كياناتهم المتفرقة التجارة أصعب في أثناء القرن الثامن عشر. وهكذا، سمحت القوى الأوروبية باستمرار الدولة المركزية العثمانية وشجعت البيروقراطية الناشئة على توسيع مجال نشاطها ونطاقات مسئولياتها”[16]، وأصبحت هناك”مودة واضحة بين السفارات الأوروبية والبيروقراطية الإصلاحية”وتنامى نفوذ الحكومات الأوروبية في الإدارة اليومية للدولة العثمانية[17]، حتى أن مدحت باشا الذي وصل منصب الصدارة العظمى في الدولة ووصف في الأدبيات النهضوية بأنه من زعماء الإصلاح في العصر الحديث وأنه “أبو الدستور”و”أبو الأحرار”و”أبو الإصلاح”كان كما تصفه وثيقة بريطانية “صنيعة لدائرة خارجيتنا”[18] أي عميلا لوزارة الخارجية البريطانية، إذ تعاون مع الإنجليز في أخطر سياسات الدولة مثل خلع وتولية السلاطين[19]، ولجأ إليهم في أشد ساعات الأزمة[20]، ولكن لم تتحقق آمال المصلحين رغم كل ذلك وكانت النتيجة الفعلية لهذا الارتباط هو أن”دفع جهاز الدولة المركزية ثمن التأييد الأوروبي”كما يقول المؤرخ دونالد كواترت[21]، كما أدت سياسة الاسترضاء إلى زيادة التوحش الإمبريالي الغربي كما يقول الباحث أحمد صلاح الملا[22].

ومنذ البداية لم يهتم الغرب بسلامة الدولة العثمانية بصورة مطلقة، إذ شجع النزعات الانفصالية قبل وبعد وفي نفس الوقت الذي كان يوقع الاتفاق على المحافظة على أراضيها كما تشهد بذلك عمليات استقلال صربيا (1812) واليونان (1828) والاحتلال الفرنسي للجزائر (1830) ثم الاحتلال البريطاني لقبرص (1878) ومصر (1882) والاحتلال الفرنسي لتونس (1881) وغير ذلك من أمثلة تؤكد أن أوروبا لم تكن لها سياسة إلا مصالحها، تدعم مركزية الدولة عندما يروق لها ذلك وتحارب هذه المركزية عند اللزوم.

وعندما انتقل الغرب، وبخاصة بريطانيا، من مبدأ المحافظة على أراضي الدولة العثمانية إلى التنازع على تقسيمها بعد مؤتمر برلين (1878) اقتطع بعض ولاياتها كما مر ذكره، ثم تطورت السياسة الأوروبية إلى العمل على القضاء على هذه الدولة بإثارة نعرات التجزئة الداخلية التي كتب عنها رينيه بينون سنة 1908: “إن القومية العربية وما لقيته في أوروبا الغربية من دعاية وإعلان لم تكن من الحوادث الطارئة المنفصلة بعضها عن بعض، بل إنها، على وجه التحديد، مرتبطة بحركات الاستقلال التي ظهرت في الجزيرة العربية، تلك الحركات التي كانت بريطانيا تعضدها علنا وترجو لها النجاح”[23]، وقد اتخذت الأفكار الانفصالية أحيانا شكل الدعوة إلى الخلافة العربية بدلا من الخلافة العثمانية استنادا إلى أحكام فقهية تشترط النسب القرشي في الخليفة، وهي دعوة بدأها ساسة إنجليز كما يقول الزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي نقل عن كتاب المستر ولفرد بلنت (مستقبل الإسلام) بيتا من الشعر يشير إلى أن فوضى هدم الدولة العثمانية لن تعود بالضرر على المسلمين بل ستتطور إلى الأفضل:

لا تقنطوا فالدر ينثر عقده… ليعود أحسن في النظام وأجملا

وهو أمر يذكر بفكرة الفوضى الخلاقة التي يبدو أنها ليست محدثة، كما يدعو إلى السخرية لأن بريطانيا تريد العقد في جيدها لا في جيد الإسلام[24]، ومن السذاجة أن نظن أنها حريصة على تطبيق الشريعة الإسلامية بأدق تفاصيلها (!) وقد كشف جنرال فرنسي حقيقة النوايا البريطانية في مقال كتبه عن موقف الحلفاء في الشرق في بداية العشرينات فقال: “وقد سعت إنكلترا إلى القضاء على تركيا وخليفتها وإزالة الإسلام وحكمه مع دولته التركية من الوجود والاستعاضة عنه بإسلام عربي تكون مكة مركزه ولندن المسيطرة عليه”[25]، وقد تبنى مجموعة ممن وصفوا برواد النهضة العروبيين والسلفيين هذه الفكرة البريطانية (*) في وقت كان المجتمع الإسلامي يواجه عدوانا غربيا سافرا ولا يخدمه أفكار تزيد انقساماته وتناحره، مما دعا مصطفى كامل إلى التحذير من حملة لواء هذه الفكرة بالقول إن بريطانيا رأت أن خير وسيلة تضمن بقاءها في مصر هي هدم السلطنة العثمانية ونقل الخلافة الإسلامية إلى رجل يكون تحت وصاية الإنجليز ولذلك خرجوا بمشروع الخلافة العربية مؤملين به استمالة العرب، وقال أيضا: “وإني أعرف كذلك أن في مصر جماعة يسعون لحل المملكة العثمانية وإقامة خلافة عربية تكون ألعوبة في أيدي إحدى الدول الأجنبية، فهؤلاء وأمثالهم هم أعداء الدولة والملة وأضر على الإسلام من أعدائه الظاهرين، ولا عجب إذا نبذتهم الأمة المصرية بأسرها واحتقرتهم…. “[26].

ولم يكن هذا الهجوم فريدا ومقصورا على زعيم الحركة الوطنية، إذ شارك فيه نخبة من أهل مصر كعبد الله النديم وحافظ إبراهيم وغيرهما من الأدباء[27] لتباعد أولئك اللاجئين عن القضايا التي تهم شعب مصر وفي مقدمتها مقاومة الاحتلال، وقد كان أولئك النهضويون يسيرون وفق البوصلة البريطانية، إذ يطالب أحدهم وهو ولي الدين يكن بالدستور والحرية في الدولة العثمانية ويهرب من استبداد السلطان عبد الحميد لاجئا إلى كنف الاحتلال البريطاني في مصر حيث يعارض هو نفسه هناك مطالب الشعب المصري بالدستور والحرية ويهزأ بالمصريين ومطالبهم[28]، وآخر هو عبد الرحمن الكواكبي ينظّر للحرية ومقارعة الاستبداد العثماني ولا يتكلم كلمة واحدة في آثاره الخالدة ضد استبداد الاحتلال البريطاني الذي كان يحميه ويئن تحت وطأته في نفس الوقت ملايين المصريين وهو ما يثبت نظرية الزعيم مصطفى كامل عن انفصال أولئك المفكرين عن هموم مجتمعاتهم العربية والإسلامية التي كانت تفكر بطريقة معاكسة، إذ طرحت الجماهير قضية الانفصال عن الدولة العثمانية لما ظنت أنها ستقع تحت الاحتلال نتيجة الهزيمة في الحرب مع روسيا (1877- 1878) [29]، و”لم يكن عرب 1908 في وارد التفكير بالانفصال عن إسطنبول، خاصة في ظل المخاطر الأوروبية التي تهدد الجميع”[30]، كما كانت الجماهير تتنادى للجهاد من كل صوب إذا تعرض قطر للاحتلال الأجنبي كما حدث زمن الحملة الفرنسية على مصر[31]، فلم تكن الشعوب تطيق الاحتلال الأجنبي ولهذا تعلق قطاع عريض من الحركة الوطنية المصرية بالدولة العثمانية بعد دخول الاحتلال البريطاني سنة 1882، وكان معظم المصريين أثناء الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) “يتمنون أن يخلّص العثمانيون البلاد من الحكم البريطاني”كما كتب أحد موظفي الحكومة البرطانية[32]، أما بعض ساسة ومثقفي النهضة فكان ارتباطهم بالمصالح الأجنبية يصل- كما فعل نجيب عازوري- حد تبرير الاحتلال الأجنبي لبعض أقطار العرب التي يخرجها من دائرة العروبة التي يتحدث عن نهضتها ويجمّل الدوافع الاستعمارية التي قادت إلى احتلالها، سواء كان هذا الاحتلال بريطانيا يستبد بمصر أو فرنسيا يرتكب الأهوال في الجزائر، وينفي- كما فعل ولي الدين يكن- عن أهل مصر القدرة على حكم أنفسهم “فلم يختلف، في هذا الحكم، لا عن كرومر الإنكليزي ولا عن محمي كرومر، البروتستانتي فارس نمر”كما يقول الدكتور محمد الناصر النفزاوي[33]، وربما كنا سنجد تفسيرا لهذه النزعات التغريبية في يأس عازوري وإحساسه بالتراجع والفساد الذي أصاب الدولة العثمانية مما دفعه للجوء إلى الحل الخارجي كما فعل بعض المعاصرين الذين ضاقوا بالاستبداد العربي، إلا أن هذا التفسير سرعان ما يتبدد حين نراه يسحب إعجابه بالغرب على عدوانه التاريخي الذي أجمعت الأمة على إدانته وذلك حين قال: “تقدم فرنسا من بين كل الدول الأوروبية، المساعدة الأسخى والأكثر عفوية للمظلومين والتعساء، فالأمة الفرنسية بجوهرها أمة الفروسية، وهي التي بادرت إلى الحملات الصليبية الخطيرة التي عادت نتائجها بفوائد على العالم بأسره”[34] (!)، ولهذا لم يكن من المستغرب أن تصبح أفكاره بشأن نبذ الرابطة الدينية وإحلال رابطة العنصر محلها أفكارا “بعيدة وغريبة عن البلاد العربية حتى سقوط حكم السلطان عبد الحميد”[35].

المجتمع الشرقي بين ماضيه الإسلامي وحاضره التغريبي

سجل ضابط بحري بريطاني اسمه أدولفوس سليد والذي زار الدولة العثمانية ابتداء من سنة 1829 ملاحظات مهمة على عملية التغريب التي كانت قد بدأت في ذلك الوقت، ومما قاله في المقارنة بين ما قبل التغريب وما بعده: “إلى هذا اليوم تمتع العثماني عرفيا ببعض أعز مزايا الرجال الأحرار التي ناضلت الأمم المسيحية من أجلها زمنا طويلا: إنه لا يدفع شيئا إلى الحكومة أكثر من ضريبة معتدلة للأرض… كما لا يدفع شيئا للمؤسسة الدينية لأن الأوقاف كافية لإعالة علماء الإسلام، وهو يرحل أينما يريد دون جوازات سفر ولا ضابط جمارك يدس عينيه وأصابعه القذرة في متاعه، ولا شرطة تراقب تحركاته أو تتنصت على كلامه، بيته مقدس الحرمة وأبناؤه لا يؤخذون منه ليصبحوا جنودا إلا إذا دعتهم الحرب… ومن أدنى الأصول يمكنه الطموح إلى منصب باشا دون تجاوز، وإذا كان يعرف القراءة يمكنه أن يصبح صدرا أعظم… أليست هذه الميزة مهمة جدا للأمم الحرة؟ ألم يؤد استبعاد الناس من مناصب الشرف إلى الثورة الفرنسية؟…. وفي مقابل هذه الحرية والقدرة على تحقيق أوسع الآمال، ماذا قدم السلطان (بعملية المركزة)؟ يمكن القول لاشيء”، ويعلق المستشرق برنارد لويس بالقول إن نقده الرئيس للمصلحين أنهم دمروا النظام القديم الذي لم يكن شرا في حد ذاته، بل على العكس تضمن كثيرا من الأشياء المرغوبة جدا[36].

ويذكر عادل مناع أنه بعد إقامة النظام المركزي في الدولة العثمانية صار بإمكانها تطبيق ما تشاء من إجراءات دون مواجهة مقاومة على عكس ما كان يحدث سابقا “حين كان الأهالي يثورون من حين إلى آخر ضد الحكام الذين يفرضون سياسة غير مقبولة”[37].

ومع ذلك فإن المركزية لم تكن آنذاك كما قد يتبادر للأذهان بعد تجاربنا مع مركزية الدولة القُطرية، فيذكر المؤرخ زين نور الدين زين أن “مصائب العرب، حتى في عهد السلطان عبد الحميد، لم تكن متأتية من شدة الحكم التركي وقسوته بقدر ما كانت نتيجة لعدم سطوة الحكم التركي وقدرته على إثبات وجوده”[38].

ومن الدلائل الهامة ما يتعلق بالفكر السياسي الإسلامي في تلك المرحلة والذي عبر عنه ابن عابدين الذي استقرت الفتوى في المذهب الحنفي عليه في حياته وبعد وفاته، مع العلم أن هذا المذهب هو المذهب الرسمي في الدولة آنذاك، وقد عبر عن الموقف الإسلامي من الحكم في حاشيته الشهيرة المسماة رد المحتار على الدر المختار التي وضعها بين عامي 1815- 1820 [39]، ورد فيها في بحث الأشربة على من قال بحرمة الدخان لنهي السلطان عنه بقوله كما ينقل الكوثري عنه: “إن ولي الأمر لا شأن له في التحليل والتحريم، كيف وقد قال فقهاؤنا: من قال لسلطان زماننا عادل فقد كفر، حيث يكون اعتقد الظلم عدلا”[40]، ومع ذلك لم يتعرض أحد للشيخ بسوء ولم تسحب جنسيته ولم يجرجر في دهاليز المخابرات ولم تنصب له المقصلة مع جرأة ما أفتى به في عصر المركزية وظل في منصب الإفتاء في عموم الدولة، فماذا سيقول ابن عابدين أو الكوثري رحمهما الله إذا رأيا أن الحلال والحرام وقد أصبحا اليوم من شأن الدول الغربية الكبرى التي لا تجد الدولة القُطرية حرجا من إطلاعها على شئون دينها لنيل رضاها عنه (**)، هذا فضلا عن الفتاوى التي طالما شرعت التدخل في بلادنا وتدميرها خدمة للمصالح الغربية الكبرى، مما يصدق قول أمير الشعراء شوقي حين تنبأ بحال الأمة والدين بعد سقوط الخلافة في قصيدة رثائها بقوله:

ولتشهدن بكل أرض فتنة… فيها يباع الدين بيع سماح

يفتى على ذهب المعز وسيفه… وهوى النفوس وحقدها الملحاح

ومن الطريف في شأن ابن عابدين أن “أحد المخذولين من كبار موظفي وزارة المعارف في الآستانة”، كما يصفه الكوثري، قدم تقريرا لمنع تداول الحاشية بسبب العبارة السابقة، فاستاءت الأوساط العلمية وتدخلت لدى السلطان عبد الحميد نفسه ووضحت له أن المسألة التي منع الكتاب بسببها موجودة في كل كتاب فقهي، فصدر أمره بإعادة تداول الكتاب، والأهم من ذلك “نفي ذلك الموظف الكبير الذي قدم ذلك التقرير إلى إحدى الولايات الشرقية البعيدة ليكون مستخدما بسيطا في إحدى البلديات”[41]، فأين هذا من استبداد دول الاستقلال والتجزئة التي لا يمكن أن تكون فيها عاقبة النفاق المرذول كمصير ذلك “المخذول”، ورغم تراجع السلطان شخصيا عن قرار منع تداول حاشية ابن عابدين فقد استخدم الحدث لتشويه صورته ودارت الأيام وأصبح حذف مسائل مهمة من كتب الشرع ومنع تداولها من التهم التي ألصقت بالسلطان وأدرجت في فتوى خلعه بناء على تحريف مضمون ذلك الحدث[42]، وهو ما يلقي ضوءا على الطريقة المشوهة التي وصلتنا بها أحداث تلك الفترة.

ويقودنا هذا الحدث إلى الإنجازات الثقافية للدولة المركزية في عهد السلطان عبد الحميد والتي لحقها كثير من الافتراء السخيف والذي وصل حد الادعاء بأنه حظر تداول اسم قصره يلدز وترجمته أي كلمة نجم وهمّ بحذفها وغيرها من القرآن الكريم[43] مع أن الحقيقة تؤكد أنه تطوع بطبع صحيح البخاري وتوزيعه على الأقطار الإسلامية مع احتوائه على هذا اللفظ في تفسير سورة النجم دون اللجوء إلى هذا الإجراء الملفق في كتاب للحديث فضلا عن القرآن الكريم[44]، وما زالت الطبعة السلطانية تشكل أساسا للطبعات المتداولة في يومنا هذا لأنها أصح نسخة وأجلها كما يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في مقدمة طبعته، ولن نعجب أن مصادر تلك الأخبار والافتراءات كانت من متنوري شبان الأتراك[45].

وعلى الجهة المقابلة يقول المؤرخان شو: “ساهمت زيادة المعرفة بالقراءة والكتابة في عهد عبد الحميد في نمو النشاط الثقافي، وقد بني الكثير من المكتبات العامة، وازدهرت الطباعة العثمانية بآلاف الكتب والصحف والمجلات والكتيبات التي غمرت جمهورا متلهفا”، ويتحدثان عن الرقابة في ذلك العصر بالقول إن “كثرة المطبوعات أربكت الرقابة كثيرا مما أدى إلى جعل تطبيق قوانينها متقطعا، ورغم أنه كان ثقيل الوطأة وتحكميا بلا ريب فإنه افتقر إلى الفعالية التي ميزت الرقابة في جميع أنحاء العالم حديثا…. وإن معظم الكتّاب تمكن من تلبية حاجات القراء دون انتهاك القانون ونتج عن ذلك عدد ضخم من الروايات والمقالات والكراريس وكتب أخرى شملت مواضيع عديدة ومختلفة مما جعل هذه الحقبة من أكثر الفترات حيوية ثقافية في التاريخ العثماني حتى ذلك الوقت”[46].

ويسرد كل من المؤرخين عادل مناع وروجر أوين أمثلة تشير إلى نفس النقطة وهي أن المركزية التي طبقت في عصر التنظيمات العثمانية كانت تختلف عن المركزية التي طبقتها فيما بعد دول الاستقلال والتجزئة[47]، وقد تحدى السلطان عبد الحميد في مذكراته أن يؤتى بدليل واحد على أنه أمر بإغراق أي شخص من معارضيه كما أشيع عنه[48] وكما جاء في فتوى خلعه، وصدق هذه الإشاعات شاعر النيل حافظ إبراهيم في أحد أبياته، وواصل التحدي أحد كتّاب قصر يلدز بعد زمن من عزل السلطان ووفاته، وذلك في أربعينات القرن العشرين في زمن كثرت فيه الاتهامات للزمن العثماني فلم يظهر دليل واحد يؤكد الإشاعات[49]، فهل نعجز اليوم مثلا عن توثيق جرائم حكام التجزئة ولو بعيدا عن القضاء الفاسد؟ وقد تطرقت إلى بعض النماذج التوضيحية عن المركزية الحميدية في التعامل مع المعارضة السياسية في دراسة (المدخل الصهيوني لتدجين الفكر السياسي الإسلامي).

الجاسوسية العثمانية: بقية الصورة

وهذا يقودنا إلى الحديث عن نظام التجسس في عهد السلطان عبد الحميد والذي كثر الحديث عنه وقالت فيه دائرة المعارف الإسلامية مثلا: “فضل السلطان عبد الحميد أن يستبد بالحكم كأسلافه، وقل اهتمامه بنقل أساليب الحكم الغربية ووجه همه إلى الاحتفاظ بمكانة السلطان وتقوية نفوذه فتوسل إلى هذا بتنمية ذلك النظام المرذول، نظام الرقابة والتجسس الذي جعل هذه الأيام تعرف في تاريخ تركية باسم “دور استبداد”… “[50]، وما أريد توضيحه أن هذا النظام لم يكن موجها لتلمس مواطن المعارضة بين الرعية فقط كما حدث في دول التجزئة التي كانت مع تشددها على رعاياها الذين تحصي أنفاسهم شديدة الانكشاف أمام أعدائها من الغربيين والصهاينة حتى وصل الأمر بزعيم دولة كبيرة يستعجب من تجسس الصهاينة على بلاده لا غضبا لحرمتها وكرامته بل لأنه لا يخفي شيئا يستحق التجسس عليه (!)، أما نظام الجاسوسية في الدولة العثمانية فيمكن أن نتتبع كثيرا من مواطن عمله في الوثائق المختلفة التي كانت تشير إلى التجسس على أعداء الدولة كالوثيقة التي كتبها ثلاثة مخبرين من بيروت وعكا وحيفا يفضحون فيها تواطؤ بعض المسئولين في بيع الأراضي لليهود سنة 1890، وهو ما “يخالف رضا مولانا السلطان”[51]، والوثيقة التي كتبها أحد أبناء البوسنة والهرسك الذين لجئوا إلى قيسارية في فلسطين يفضح فيها نشاطات أثرياء اليهود وتعاون الموظفين الفاسدين في تمليكهم الأراضي[52]، وتزخر المذكرات السياسية للسلطان عبد الحميد بالإشارة إلى المعلومات الداخلية والدولية التي استقاها من شبكة التجسس عنده كتلقي بعض كبار الموظفين هدايا ثمينة جدا في قضية إنشاء سكة حديد بغداد “وواضح ألا تكون هذه الهدايا إكراما لسواد عيونهم”، وكمنح أذونات زيارة لولايات العراق لضباط إنجليز يخططون لأهداف سياسية ينكرونها في العلن وتتصل بالاستيلاء على البصرة، كما نجد متابعة صحف أوروبية تكتب في شئون الدولة العثمانية كالجزيرة العربية والقضية الأرمنية والعلاقات مع ألمانيا[53]، وهذه الأمثلة تؤكد ما جاء في مذكرات السلطان عبد الحميد عن مضار التدخل الأجنبي بصفتها سببا لإنشاء شبكة التجسس[54]، كما توجب رؤية أوسع لطبيعة المركزية في آخر مراحل الدولة العثمانية والبعد عن التعميمات التي لا تستند إلى أدلة موثقة.

علاقة القمة بالقاعدة زمن المركزية العثمانية

ويسرد الشيخ كامل الغزي- الذي عاصر السلطان عبد الحميد وتقلد المناصب في عهده وفي ما تلاه- الصورة العامة لعلاقة الدولة المركزية في ذلك الزمن بالقاعدة الشعبية فيقول في ذكره شيئا من سيرة هذا السلطان: “كانت الطبقة الدنيا والوسطى من الرعية على اختلاف عناصرها تخافه وتحبه: تخافه لقوة بطشه وعظيم دهائه وتمكنه من الاطلاع على أحوال رعاياه… وتحبه رعاياه لأنه كان لا يحب أن يبهظهم بالضرائب، فكان الرخاء في أيامه شاملا والرعية راتعة في بحبوحة التنعم والرفاهية، وكان عظيم العناية بكل ما يرضي رعاياه لا سيما البسطاء منهم، غير متوان عن الإتيان بكل ما ينطبق على رغائبهم، خصوصا بما كان له علاقة بالدين كخدمة شعائره وإعمار المعابد…. وكان من أجلّ آثاره وأكبر حسناته وأقواها اجتذابا لقلوب المسلمين عامة وقلوب رعيته خاصة سكة الحديد الحجازية فإنه وحده الساعي بإنشائها وبسعيه المشكور تم أمرها”[55]، وسيأتي أن السياسة التي اتبعتها السلطة المركزية في ذلك الزمن تتماشى مع هوية الجماعة وتطلعاتها.

نتائج التنظيمات الخيرية والإجراءات التغريبية

لقد تمكنت الدولة العثمانية في ظل المركزية من تحقيق إنجازات تحديثية سيأتي ذكرها قبل أن يقطع الغرب طريقها وينقل هذه المركزية إلى دول أكثر تفاهما مع مصالحه ومخططاته في بلادنا، وإن الدولة المركزية التي انقلبت فيما بعد ضد شعوبنا وطالما اشتكى أنصار التغريب منها ونسبوا إليها جل أمراضنا ليست وليدة تراث استبدادي شرقي كما حاولوا إيهام مجتمعاتنا، بل هي وليدة مرحلة من التغريب أو كما يقول المؤرخ رشاد قصبة إن المركزية البيروقراطية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر فُرضت وتأسست تحت رعاية المراكز الرأسمالية والسياسية للاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهي بعيدة كل البعد عن كونها امتدادا للميراث العثماني، كما أن ضعف المجتمع المدني في أواخر سني الدولة وبداية عهد الجمهورية التركية نشأ من وضع خاص بظروف الاقتصاد الرأسمالي العالمي وليس امتدادا لثقافة شرقية كونت أسس المؤسسات العثمانية التقليدية[56].

ومن اللافت للنظر أن دستور رجال التنظيمات التغريبية نص في مادته الخامسة على أن “حضرة السلطان مقدس وغير مسئول”وهي مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية كانت جمعية الاتحاد والترقي تتمسك بها[57] رغم أن الجمعية في الحقيقة وضعت السلطان على الرف وحكم مستبدوها بإسمه بشكل أقسى من الاستبداد الفردي الذي نسبوه للسلطان عبد الحميد، وقد اتخذ الكماليون من هذا النص الدستوري تشنيعا على الخلافة ثم أسسوا استبدادا تغريبيا دمويا أعتى من استبدادها وأمرّ، وسارت الاستبداديات العربية العلمانية على منوالهم.

وأدت إجراءات التنظيمات الإدارية الأخرى إلى نتائج سياسية أيضا مازلنا نعاني من آثارها إلى اليوم، فقد أدت زيادة الملكيات الواسعة التي سهلها قانون 1858 إلى سهولة تسرب هذه الأراضي إلى المهاجرين الصهاينة في فلسطين عن طريق شرائها من كبار الملاك الذين كان كثير منهم يقيمون بعيدا عن أراضيهم ومن ثم لم يكن لديهم مانع من التخلص منها لصالح من يدفع سعرا مغريا وهم في هذه الحالة اليهود الصهاينة الذين كانوا يحظون برعاية القناصل الأجانب، ودعم ذلك قانون سنة 1867 الذي سمح بتملك الأجانب العقارات في الدولة، وهذا الموضوع سيكون له حديث خاص بإذن الله.

وفي سنة 1916 انقضت الثورة العربية بدعم من الحلفاء في الحرب الكبرى الأولى على الرابطة الإسلامية والعثمانية التي كانت تجمع سكان الدولة العثمانية وذلك ردا على التعصب الطوراني لجمعية الاتحاد والترقي وسياسة التتريك التي انتهجتها واستفزت القوميات غير التركية، وكانت الثورة العربية محاولة لإقامة الخلافة العربية التي طالما منى الإنجليز بها ساسة العرب ونشرت السلفية حلم العودة إليها في توافق مع رغبات غربية لم يكن يتيما في تاريخنا الحديث، ولكنه لم يؤت الثمرة المرجوة عربيا بعد أن اغتر قادة العرب ب”التيجان الموهومة والأماني البالية”كما يقول نقيب الأشراف الذي عاصر الأحداث محمد أديب آل تقي الدين الحصني في كتابه منتخب التواريخ لدمشق، ج1ص309، إذ لم يعترف الحلفاء بخلافة مفجر الثورة العربية وتخلصوا منه بعدما أدى دوره واستقر رأيهم على تفتيت الدولة العربية الموعودة، فلم تعد لنا خلافة أو وحدة عربية ولا تركية، وقد كانت الثورة العربية تتويجا لجهود غربية استمرت عشرات السنين لاصطناع المبررات لانتزاع أجزاء استيراتيجية من جسم الدولة العثمانية لصالح الدول الاستعمارية، وهي جهود وجدت ضالتها في فكرة استقلال الأقاليم التي احتفى بها في نفس الوقت ولاة ذوو نزعات غربية- حضارية أو سياسية- ظنوا أن الخير في استقلالهم عن الجسم الأكبر الذي يضم معظم الشرق العربي الإسلامي، وبهذا ولدت الهويات الفرعية التي ظلت تتشعب حتى وصل عدد الدول “المستقلة” التي قامت على مساحة الدولة العثمانية إلى أكثر من ثلاثين دولة[58] رسمت الدول الكبرى حدودها ونصبت زعماءها وتدخلت حتى في تصميم أعلامها التي يبجلها أبناؤها[59]، والطريف أن تكون هويات الاستقلال قد نشأت في البداية لأسباب استعمارية تضر بأصحاب تلك الهويات الذين اعتنقوها فيما بعد في غفلة عن هذه الأسباب وعن ضرر التجزئة ذاتها التي ولدها هذا الاستقلال فجعل تلك البلدان مشرذمة وضعيفة أمام غيلان الغرب الكبرى وعاجزة عن الدفاع عن أنفسها ومن ثم مضطرة لسلوك نهج التبعية للتعلق بمن هم أقوى منها لضمان وجودها واستمرارها، ويرجع الدكتور برهان غليون صنمية الدولة العربية القطرية في الزمن المعاصر إلى ظروف حديثة متصلة بفشلها في تحقيق المواطنة نتيجة ضعفها وهزالها وعدم قدرتها على زرع الانتماء إليها، وكان إظهار قوتها وبطشها ملازما هشاشتها المعنوية والأخلاقية والسياسية[60].

وتقول دائرة المعارف الإسلامية”إن عهد التنظيمات كان عاملا فعالا في انحلال الدولة مثله في ذلك مثل المصالح السياسية للدول الأجنبية”[61].

هويات التغريب أضرت بأصحابها

وليس هذا مجال استعراض المصالح الغربية التي اقتضت احتلال البلاد العربية، فالمهم فيما يتعلق بموضوعنا أن فكرة الاستقلال عن الكيان الجامع كانت هي الممهد لاحتلال هذه البلدان ولذلك ليس من الغريب أن تحظى منذ نشوئها عند أحد الولاة مثلا بالتشجيع الغربي وأن يكون هذا الوالي ذا نزعة تغريبية ومن المفارقات ألا يظهر ميوله الاستقلالية إلا في مواجهة أخوته في العقيدة والانتماء في الوقت الذي تذوب شخصيته أمام الأجنبي الغربي.

وفي الوقت الذي كانت أوروبا تدعم التغريب المركزي في الدولة العثمانية، شجعت كل من بريطانيا وفرنسا الباي التونسي ماديا لدفعه بعيدا عن المركز العثماني[62]، ودافعت فرنسا عن فكرة استقلال تونس عن الدولة ممهدة الطريق لاحتلالها العسكري بعد إصلاحات تغريبية قام بها الباي بتشجيع أوروبي مهد الطريق للاستعباد المالي الذي استدعى الاحتلال الفرنسي[63]، وسنجد الدفاع عن النزعات الاستقلالية عن الجسم الأكبر نموذجا متكررا في السياسة الاستعمارية يخفي وراءه رغبة جامحة في السيطرة على الأقاليم التي تستقل عن الكيان الأكبر.

وكانت الرغبة في بسط الحماية الفرنسية على مصر هي السر في تشجيع الفرنسيين ولاة مصر على التحرر من السلطة العثمانية[64]، كما دعمت بريطانيا الميول الاستقلالية لورثة محمد علي ابتداء من عباس باشا الذي ساندته ضد تطبيق القوانين العثمانية في مصر[65] بعد أن استفادت من المركزية العثمانية نفسها في تحطيم تجربة جده النهضوية التي استفادت منها بدورها مع بقية أوروبا في “زعزعة أركان الدولة العثمانية وفي رفع مستوى تدخلها المباشر في شئون السلطان العثماني”[66]، ومن العجيب أن عباس باشا “كان يحتقر جهارا الثقافة الغربية ويمقت الأوروبيين، إلا أن هذا لم يعفه عن الخضوع إلى التعليمات الواردة من إنكلترا”[67]، التي مهدت الطريق بكل ذلك لاحتلال مصر عسكريا مستفيدة بصورة خاصة من النزعة الاستقلالية عند الخديو إسماعيل بالإضافة إلى نزعته التغريبية التي نفرته من العثمانيين وقربته من أوروبا وجعلته يقوم ب”إصلاحات”تغريبية أوقعته في فخ الاستعباد المالي الأوروبي قبل الاحتلال، ولما قامت الحرب الكبرى الأولى سنة 1914 قامت بريطانيا بإعلان الحماية على مصر رسميا وقطعت علاقاتها الاسمية حتى ذلك الوقت بالدولة العثمانية وسخرت جميع الإمكانات المصرية وأنهكتها في سبيل الحرب[68] التي لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل، ومن ذلك أنها خلعت الخديو عباس حلمي الذي شاكس المحتلين ونصبت عمه حسين كامل سلطانا على مصر ليناوئ ويقارع بهذا اللقب منصب السلطنة العثمانية التي كانت في حرب مع الحلفاء، وقد عبر المصريون عن رفضهم لوضع السلطان الألعوبة، الذي يستمد سلطته من الإنجليز بعدما كان الخديو يستمدها من الخليفة، بمحاولة اغتياله مرتين بالإضافة إلى محاولة اغتيال رئيس وزرائه وأحد وزرائه أيضا[69]، كما أطلقوا على كثير من مواليد سنوات الحرب أسماء الزعماء الأتراك أنور وجمال وطلعت (وكان من هؤلاء المواليد رئيسا مصر فيما بعد وشقيق أحدهما)، ومن الطريف أن منصب السلطان المصري هذا الذي أعلنه الإنجليز منحوه صلاحيات أقل من صلاحيات منصب الخديو[70] رغم التفخيم اللفظي، وهي سمة لازمت دول الاستقلال والتجزئة التي أصبحت ألقاب حكامها ألقاب مملكة في غير موضعها كالقط يحكي انتفاخا صولة الأسد كما يقول الشاعر ابن عمار الأندلسي، وخلاصة الأمر أن ترفيع مصر إلى مقام السلطنة كان غطاء لاحتلالها وتسخيرها لحاجات بريطانيا الحربية، ولما انتهت الحاجة منها ألغيت هذه السلطنة في نفس العام الذي ألغيت فيه السلطنة العثمانية (1922) لتقوم بدلا منها المملكة المصرية غطاء لشكل جديد من الهيمنة البريطانية تحت عنوان مزيف هو الاستقلال المتحفظ عليه!

كما بذل الإنجليز جهودا كبيرة في الدفاع عن استقلال الكويت عن الدولة العثمانية ليمنعوا وصول سكة حديد بغداد إليها مع أنها كانت ستحول الإمارة إلى محطة نهائية لطريق تجاري عالمي يقطعه قطار الشرق السريع من برلين مرورا بعواصم أوروبا ثم استانبول فبغداد فالكويت مما كان سيمنح ميناء الكويت أهمية اقتصادية كبيرة قبل ظهور النفط بعشرات السنين، وما يؤكد ذلك ما جاء في تقرير مؤسسة ماكينزي الاستشارية لسنة 2008 عن الإصلاح الاقتصادي في الكويت: “التجارة من العراق وإليه عبر الكويت تصل قيمتها إلى 40 مليار دولار (سنويا)، وحتى يكون ذلك لا بد من السكك الحديدية”، هذا ما ستصنعه سكة محدودة، مع العلم أن مجمل التجارة الكويتية بلغت حتى ذلك العام 70 مليار دولار (سنويا) [71]، فما هي قيمة التجارة لو كانت الكويت محطة نهائية لطريق عالمي كسكة تمتد عبر القارات من برلين إلى بغداد ومنذ مائة عام؟ وهو أمر تحاول العودة إليه اليوم ولو بصورة جزئية بواسطة مشاريع السكك الحديدية الإقليمية التي مازالت في عالم التخطيط، فكان هذا الاستقلال المحتفى به من مستلزمات المصالح الغربية على حساب مصالح السكان المحليين وإن صورت السياسة عكس ذلك.

كما كان ابتداع الخريطة الفلسطينية الحالية وخلق الهوية الفلسطينية المستقلة عن جوارها السوري من مستلزمات منح هذه الأرض للوطن القومي اليهودي الذي فصّلت بريطانيا هذه الخريطة وفق مصالحه كما أملتها مصالحها الإمبراطورية يومئذ، وأثبتت الأيام أن هذه الخريطة ما رسمت إلا لتسلم للصهاينة وتصبح كيانا صهيونيا استعماريا ولم يستفد أهلها من هويتهم المستقلة سوى أنها أصبحت مبررا لحصر القضية داخل حدودهم ولتخلي إخوانهم عنها بصفتها صراعا بين الفلسطينيين وحدهم والإسرائيليين ولا شأن لمن هم خارج هذه الحدود الفلسطينية بهذا الصراع، وجل ما يتفضل به بقية العرب والمسلمين- الذين استبعدوا رسميا من المواجهة بحكم هوياتهم الإقليمية المغايرة- هو القبول بما يقبل به الفلسطينيون الذين أصبح لهم كيان خاص، ولكنه ضعيف أيضا لا يقدر وحده على مواجهة الدعم الغربي الشامل للصهاينة في الوقت الذي يُنكر فيه على الفلسطيني تلقي بندقية من أخيه، وأصبح القبول بما يقبل به الفلسطيني مبررا تحت شعارات عدم التدخل في الشئون الداخلية والقرار الوطني المستقل، ولكن هذا القبول ترجم عمليا بالقبول فقط باستسلام الفلسطينيين للصهاينة إذ عندما يقومون بالمقاومة والمواجهة لا يُقبل منهم ذلك ويُدفعون إلى عملية السلام الفاشلة دفعا ويُتركون فرادى لمصيرهم لو أصروا على القتال، وبهذا تحولت الهوية المستقلة المصابة بالعجز البنيوي إلى تبرير للاستسلام وضياع حقنا في فلسطين.

وخلاصة الحديث أن هوياتنا المستقلة نشأت لاحتضان المصالح الاستعمارية وأحيانا كان الاستقلال شعارا رفع للإضرار بأصحابه الذين نالوا “استقلالهم” ولكن على حساب مقومات وجودهم الحقيقية.

استهانة التغريب بمجتمعاتنا وتلاعبه بها

وقد بلغت الاستهانة التي عامل بها الغرب هوية مجتمعاتنا حدا جعل حاكما استعماريا مستبدا كاللورد كرومر يظن أن بإمكانه أن يمنح مصر هوية جديدة يختلقها من العدم، وذلك حين فكر بدمج جميع العناصر التي تقطن وادي النيل بما فيها من أوروبيين توافدوا على مصر في القرن التاسع عشر في ظل تشجيع محمد علي باشا وخلفائه وبلغ عددهم أكثر من مائتي ألف في زمن ابتكار كرومر الفكرة الجديدة (2% من السكان في سنة 1907) [72] ليصنع من هذا الخليط أمة مصرية ذات هوية لا علاقة لها بالجامعة الإسلامية، ويصف المؤرخ روجر أوين هذه المحاولة بأنها فكرة جديدة تماما على الرأي العام المصري، ودليل على القطيعة التامة بين كرومر والمجتمع الذي يحكمه، وممارسة غريبة وطائشة يلفت النظر أكثر من زيفها جنون العظمة الذي ارتبط بها[73]، وعلى كل حال فإن كان الاستعمار فشل في ذلك فقد نجح في تكريس الهويات القُطرية التي أصبحت خنادق يتترس فيها أبناء الأمة الواحدة ضد بعضهم بعضا.

التغريب كان علاجا لأمراض مغايرة لما كنا نعانيه في ذلك الوقت

لقد ظن أصحاب مدرسة النقل العام عن الغرب أن الحياة الدستورية البرلمانية التي توصل الغرب إليها نتيجة تطورات داخلية تدريجية امتدت لمئات السنين، أن هذه الخلاصة هي الدواء العام الشامل لجميع الأمراض التي كانت تنتاب حياة المجتمع العثماني في القرن التاسع عشر[74]، وهي الكفيلة بانتشاله من تخلفه ووضعه ثانية بين دول الدرجة الأولى، ويمكننا أن نجد وجهة النظر المقابلة عند السلطان عبد الحميد الذي ابتدأ عهده بتطبيق الدستور ثم علقه طيلة حكمه إلى أن أجبرته ثورة الاتحاد والترقي على إعادة العمل به سنة 1908، إذ كان يرى أن ما هو مناسب لدول تتمتع بالوحدة القومية والدينية قد لا يكون مناسبا لدول تتصف بالتنوع السكاني ولا تقبل طوائفها بتبني لغة واحدة أو التنازل عن استقلالها الذاتي مما سيجعل من تطبيق المساواة المطلقة يعني انقساما وفوضى وقتالا، فالدواء قد يتحول إلى سم زعاف لو وضع في غير موضعه أو استخدمه غير المختص، وليس أي دواء يصلح لأي مرض، والمطالبون العثمانيون بالدستور يقلدون الغرب من غير إدراك للظروف المختلفة بين تطبيق الديمقراطية في بريطانيا حيث لا يوجد في البرلمان الإنجليزي ممثل واحد عن الهند أو مصر، وما يراد للدولة العثمانية التي تحوي قوميات متعددة سيكون تمثيلها جميعا في الوقت الذي تتدخل فيه الدول الكبرى لحمايتها وبالا على الدولة وعنصرها الإسلامي، وكان يرى اتفاقا بين الدول الغربية الكبرى- بما فيها حليفته الظاهرية ألمانيا- على تقسيم الدولة العثمانية، وهي المشكلة الرئيسة التي كانت تواجه بلاده[75]، ولم يكن يعتقد أن تطبيق الدستور سيحول دون وقوع هذه الكارثة أو سيكون علاجا لها[76].

وقد أثبتت الأيام صحة نظرته فسجل موقفه بعد عزله وقال: “ماذا حدث بعد إعلان المشروطية (أي الدستور الذي يقيد سلطة الحاكم ويجعلها مشروطة)؟ هل انخفضت ديون الدولة؟ هل كثرت الطرق والموانئ والمدارس؟ هل أصبحت القوانين الآن أكثر تعقلا ومنطقا؟ هل ازدادت الحقوق الشخصية عما قبل؟ هل الأهالي الآن أكثر رفاهية؟ هل تناقصت الوفيات وزادت المواليد؟….. “[77]، وقد كانت النتيجة الأوضح أن الدستور في ذلك الوقت لم يكن العلاج الشامل لجميع أمراض المجتمع وأنه ليس صمام الأمان المرتجى، وقد قال السيد تقي الدين الحصني نقيب الأشراف في أواخر الزمن العثماني والذي سبق ذكره في المقارنة بين الزمن الحميدي وزمن الاتحاد والترقي إنه”قد ثبت لدى أكثر المفكرين بأن الفكرة التي كانت في مخيلة السلطان عبد الحميد بأن الشعب ليس عنده قابلية للحكم الدستوري قد أظهر أثرها عند تولي أمر الحكومة لأناس كانوا هم أعظم وأشد استبدادا من ذاك السلطان فكان الناس برجل واحد يستبد برأيه فانقلب ذلك لآراء جمعية عظيمة مختلفة المشارب متفاوتة المآرب….. وكان بسوء إدارتهم انسلاخ أكثر البلاد عن حكم هذه الدولة في هذه الآونة”[78].

ولم تكن عامة الناس تدرك أبعاد الثورة الدستورية، ويصف المؤرخان شو حالة الجماهير عندما أعلن الدستور بقولهما كما ينقل الأستاذ سعد محيو: “نساء ورجال تحركوا على متن موجة واحدة من الحماس، ضاحكين، باكين، في خضم حالة عاطفية…. قال الجمهور: تهتفون من أجل ماذا؟ أخبرونا، ماذا يعني الدستور؟ يرد خطيب بسرعة: الدستور شيء عظيم إلى درجة أن من لا يعرفه منكم يكون حمارا”[79]، وقد سعت الدولة بخطى حثيثة نحو نشر التعليم كما سيأتي لجسر هذه الهوة على عكس القوى الاستعمارية التي كانت تصر على إبقاء شعوبنا متخلفة جاهلة لتتمكن من الهيمنة عليها بسهولة. (ملاحظة: لا صلة بين هذا الموضوع وأية أحداث معاصرة في البلاد العربية قد تشاركه المفردات ولا يلمح إليها من قريب أو بعيد، إنما هو عبرة تاريخية تخص التغريب في الزمن المشار إليه في المتن).

والطريف أن تيودور هرتزل مؤسس الكيان الصهيوني، أو الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، كان في الزمن الذي أتحدث عنه ضد الديمقراطية ومشهرا بسيئاتها كما كتب في يومياته، وذلك لأنه “كان يسعى- مسبقا- إلى التمييز الذاتي لليهود عن بقية الأقليات وبقية المواطنين”ويرفض المساواة لأنها تساعد في اندماج اليهود في المجتمعات الرأسمالية وهو ما ينافي آماله الدينية وأفكاره الذاتية عن تميز اليهود كما يقول الأستاذ كامل زهيري في تحليل مواقفه، وينقل عن هرتزل قوله: “وأنا ضد الديمقراطية لأنها متطرفة فيما ترضى عنه وفيما لا ترضى عنه، وتشجع الهدف البرلماني…. إن أمم الوقت الحاضر لا تلائمها الديمقراطية في الحكم، وأنا أعتقد أنها ستزداد عدم ملاءمة يوما بعد يوم”، ويقول أيضا عن كيانه المرجو: “سنقمع كل معارضة بالإقناع الحبي، أو بالقوة إن لزم الأمر”[80].

وخلاصة القول أن مؤسس الديمقراطية الوحيدة في الشرق كان ضد الديمقراطية لأنها تخالف ما تصوره هو مصلحة لشعبه وتعيق تقدمه نحو آماله، وهو يسحب هذا الحكم على جميع الأمم التي عليها أيضا نبذ الديمقراطية وليس على شعبه وحده فقط، والغريب في الأمر أن الديمقراطية الوحيدة في الشرق لم تر في هذا عيبا على مؤسسها ومازالت ترفع صوره في كل مكان في الأراضي التي احتلتها وقامت عليها وعدت هذا الموقف مرحلة من مراحل بنائها دون انتقاص أو خجل، أما نحن فمازلنا نندب حظنا الذي ابتلانا بالاستبداد الحميدي ونحمل تلك الفترة أوزار الثقلين إلى يومنا هذا ولم نعتبر بإنجازات كبرى صنعها غيرنا ممن انطلقوا من أوضاع شبيهة بأوضاعنا بعد انتهاء الحرب الكبرى الأولى (1918) ومع ذلك تمكنوا في برهة قصيرة من الوصول إلى قمة العالم كالروس السوفييت الذين انحدروا بعدها إلى الدرجة الثانية ونحن ما نزال في مكاننا نولول من الطغيان العثماني ولم ننظر إلى إنجازات أخرى صنعت في ذلك العهد ولم نتمكن من البناء عليها أو حتى المحافظة عليها لأن دول الاستقلال والتجزئة كان من طبيعتها البنيوية عدم استيعاب الإنجازات التي صنعتها دولة الوحدة ومن ثم هدمتها وأوضح مثل على ذلك سكة حديد الحجاز أو حرية التنقل للمواطن العربي أو الاكتفاء الذاتي الغذائي أو القدرة على رفض الإملاءات الغربية وغير ذلك.

التغريب سلاح يشهره ضدنا الغرب الذي يقول ما لا يفعل

وفي الوقت الذي كان الغرب عموما وبريطانيا خصوصا تحتضن المعارضين العثمانيين المطالبين بالحياة الدستورية في الدولة العثمانية وتوفر لهم ملجأ في القاهرة المحتلة فضلا عن عواصم أوروبا، كان الاحتلال البريطاني ينكر على المصريين الحياة الدستورية ويقمع مطالبهم بها ويبرر ذلك بالقول إنهم لا يستطيعون حكم أنفسهم لأنهم لا يدركون مصالحهم الحقيقية المتطابقة مع المصالح البريطانية التي يخدمها هذا الاحتلال، وكان المتغربون يسايرون هذا التوجه الاستعماري- كما مر- إما تصريحا وإما بالصمت عن الاستبداد الاحتلالي مع الإصرار على عدم رؤية استبداد إلا عند العثمانيين، وإذا كان الجهل والأمية هما العقبة أمام تطبيق الحكم الدستوري، فإن الفرق بين الدولة العثمانية والاحتلال البريطاني أنها كانت جادة في السير على طريق التعليم وكانت الإنجازات العثمانية في هذا الحقل ملحوظة عند كثير من المؤرخين الذين أشاروا إلى الطفرة التعليمية التي قامت بها الدولة في أواخر القرن التاسع عشر والتي كانت “على الرغم من كل شيء أهم الإنجازات التي تمت في ذلك العصر”[81] وذلك إلى درجة جعلت المؤرخيْن شو يصفانها بأنها كانت تفجرا تعليميا[82]، وبخاصة مقارنة بالإمكانات الضئيلة التي توفرت للعثمانيين آنذاك، وفي نفس الوقت الإهمال الذي عانى منه التعليم تحت سلطة الاحتلال البريطاني الذي تميز بإهمال هذه الناحية و”تمسكه بالسياسة الرامية إلى الحد من عدد الخريجين من المتعلمين المصريين”[83]، وهي سياسة اتبعت في فلسطين أيضا حيث حكم الانتداب بدستور فرض من الأعلى لتسهيل تطبيق وعد بلفور ولم يكن لأهل البلد كلمة فيه كما أرسى أول مندوب بريطاني سام”قاعدة مهمة في فرض السيطرة الصهيونية على فلسطين عن طريق التشكيك الدائم في التمثيل العربي، بينما كانت مسألة التمثيل اليهودي في فلسطين ترسخ وتخطو خطوات حثيثة إلى الأمام”، وبينما وضعت القيود على تطور مؤسسات الحكم الذاتي العربية، أولى الانتداب رعاية للمؤسسات اليهودية[84]، ولم يحاول تأسيس قاعدة للحكم العربي إذ “بخلت الحكومة على حاجات ذات أهمية حيوية أكبر مثل التعليم”كما جاء في عريضة اللجنة التنفيذية العربية لوزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرتشل في سنة 1921[85]، كما أنشأ الانتداب جامعة عبرية ورفض إنشاء جامعة عربية وترك غالبية الناس في جهل رغم الإمكانات الواسعة للإمبراطورية البريطانية التي تنفق منها نسبة عالية للتعليم في مركزها[86]، وذلك مع زعمها أنها جاءت حاملة لواء الحضارة إلى الجهلة والمتخلفين، هذا في حين كانت الحكومة العثمانية قد عملت “على توفير أكبر قدر من المدارس للسكان العرب حسب إمكاناتها”[87]، وكانت قدرتهم على الصعود في السلم التعليمي في الدولة أكبر مما صارت إليه زمن الانتداب، إذ كانت نسبة المجاورين منهم لرواق الشام في الأزهر مثلا أكثر من النصف (135 من 222 في بداية القرن العشرين) [88]، فلا عجب بعد ذلك أن يفضل أهل فلسطين الاستبداد العثماني على الديمقراطية البريطانية وأن يواجهوا وزير المستعمرات البريطاني منذ البداية بأنهم يتحسرون “على زوال أيام العثمانيين حين كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم عن طريق برلمان، مضيفين أن المسئول التركي الوحيد بين ظهرانيهم كان الوالي أو المتصرف الذي كان له مجلسه الاستشاري المنتخب من أهالي البلد لمساعدته…. لقد تغير كل هذا الآن، فليس لنا صوت ولا رأي في حكومة البلد”[89]، حتى ظهر اتجاه فلسطيني ينادي بالعودة إلى العثمانيين ويطالب بالاستقلال في ظل انتداب تركي[90] وذلك بعد انتصارات مصطفى كمال على الحلفاء وزيادة شعبيته بين المسلمين قبل إلغاء السلطنة والخلافة وإعلان الجمهورية.

الغرب يقطع الطريق على مسيرة التحديث

لم تكن الدولة المركزية في آخر العهد العثماني منفصلة عن هوية الأمة وتطلعاتها، وتمكنت من إحراز إنجازات ضخمة وبخاصة لو حسبنا قلة الإمكانات وتكالب الأعداء، ويلخص المؤرخ الأوروبي نيكولاس دومانيس هذه الإنجازات بقوله إن خسارة البلقان لصالح الإنفصاليين المسيحيين بعد الحرب الروسية (1878) جعل الهوية العثمانية تتخلى عن مكانها للهوية الإسلامية وأصبح النظام الحاكم يركز اهتمامه على رعاياه المسلمين كالأتراك والعرب والألبان والشركس والأكراد بصفتهم قاعدة لتجديد الدولة، واستمرت عملية التحديث مع تركيز السلطة وتمكن السلطان عبد الحميد من السيطرة على موارد الدولة البشرية والمادية أكثر من أي من أسلافه، كما أرسيت دعائم الجيش والإدارة والتعليم والمواصلات (السفن البخارية والسكك الحديدية والطرق والبرق الكهربائي) بالإضافة إلى إدارة القصر على أسس عقلانية، كما شهد المجتمع العثماني واقتصاده تحقيق سمات الحداثة المميزة كالقطارات والسفن البخارية التي طغت على وسائل النقل القديمة، ونمت استانبول وبيروت وسالونيكا نموا ضخما، وزاد سكان المدن نتيجة نمو الزراعة التجارية والنمو الخيالي للتجارة الداخلية والخارجية، ورغم معاناة الصناعة العثمانية من منافسة البضائع الأوروبية الرخيصة فقد شهدت هذه الصناعة انبعاثا هاما في العهد الحميدي وتكاثرت المصانع حول المراكز الحضرية كاستانبول وإزمير وبيروت وسالونيكا كما تكاثرت المنظمات العمالية، وفي نهاية عهد السلطان كان في استانبول 285مطبعة، وصحافة نابضة بالحياة[91]، ويعلق المؤرخ دونالد كواترت على مسيرة الإصلاح العثماني بالقول إننا “لانستطيع التكهن بما كان سيحدث لو كُتب لمسيرة الإصلاح أن تمضي قدما”و”أن المجتمع العثماني خلال القرن التاسع عشر كان يعيش فترة تطور لم تكتمل نتيجة لزوال الدولة سنة 1922″[92].

أوروبا تحطم آمال تطبيق الديمقراطية وتقدم مصالحها الأنانية على حساب الآخرين

وماذا كان موقف أوروبا عندما وصل أنصار الحكم الديمقراطي إلى الحكم بعدما نالوا من الرعاية والتأييد والإيواء من الأوروبيين وهم في صفوف المعارضة ضد السلطان عبد الحميد؟ ماذا كان موقف بريطانيا التي وصفها طلعت باشا في خطاب إلى نائب بريطاني بقوله: “إذا كان الزعماء (عندما قمنا بالثورة) قد أحبوكم فإن الجماهير كادت أن تعبدكم…. إننا نحن، تركيا الفتاة، قدمنا لكم تركيا على طبق ولكنكم رفضتم التقدمة”[93].

يقول المؤرخان شو تعليقا على سياسة التدخل الأوروبي في الدولة العثمانية إن الدول الكبرى تطالب دائما بالإصلاحات حينما تكون بعيدة عن المس بمصالحها، ولهذا عندما قامت الثورة الدستورية ضد حكم السلطان عبد الحميد “تحطمت إمكانات تطبيق الديمقراطية في الدولة نتيجة الجشع الذي أبداه جيرانها والدول الكبرى الذين أثبتوا طمعهم في أراضي الحكام الديمقراطيين الدستوريين من ثوار تركيا الفتاة بنفس القدر الذي طمعوا فيه بأراضي المستبد عبد الحميد”إذ استفادوا من فراغ السلطة الذي نشأ عن اندلاع الثورة سنة 1908فانقضت النمسا على مقاطعة البوسنة والهرسك وألحقتها وأعلنت بلغاريا استقلالها التام وقامت اليونان بإلحاق جزيرة كريت، ولم تُجدِ كل الاعتراضات العثمانية أمام الدول الكبرى الموقعة على ضمانات مؤتمر برلين (1878)، واتضح للرأي العثماني العام خطأ الرأي الذي قال إن الدستور هو الذي سينهي جهود أوروبا لتفتيت الدولة العثمانية التي خسرت في غضون فترة قصيرة من الحكم الدستوري أكثر مما خسرته أثناء الحكم الحميدي منذ احتلال مصر سنة 1882[94]، وكانت نتيجة ذلك توجه الحكم الدستوري الجديد نحو المركزية وسياسة التتريك مما أجهض محاولة تطبيق النموذج الديمقراطي الغربي في الدولة العثمانية.

تحطيم الكيان الجامع مهما كانت هويته سياسة غربية رئيسة وفكرة تغريبية أساسية

1- الوحدة في الفكر السياسي الإسلامي

إن وحدة جماعة المسلمين المستمدة من أصول شرعية كثيرة هي جوهر الفكر السياسي الإسلامي، فعلى مر العصور كانت وحدة الخلافة تمثل وحدة الأمة حتى في أزمان الانقسامات السياسية ولم يكن تعددها في مرحلة تالية إلا تعبيرا عن الرغبة في توحيد الأمة حول رمز جديد (الخلافة الفاطمية) أو التمسك بشرعية سابقة (الخلافة الأموية في الأندلس) أما جوهر الوحدة فلم ينازع فيه أحد حتى مع وجود عدد كبير نسبيا من الحكام المسلمين الأقوياء المستقلين الذين لقبوا أنفسهم بألقاب الإمامة والخلافة في مراحل متأخرة، ولم يعن ذلك غياب وحدة الأمة الإسلامية عن عقول المسلمين[95]، ولهذا ظلت نوازع الوحدة تعمل ضد التجزئة كلما أمكن ذلك، ولم يتم الإجماع على خلافة فعلية إلا لمن أدى وظائفها، إذ “ليس المقصود من الخلافة ذات الخليفة أو رجلا معينا من أسرة مخصوصة يسمى بهذا الاسم (ويتبرك) به أو يرثها كالعقار، وإنما المقصود منها ثمراتها التي هي القوة بحماية البيضة الإسلامية ونفاد الأوامر الدينية والنواهي وحمل الكافة على اتباع منهج واحد وقانون واحد ينطبق على مصالحهم في دينهم ودنياهم مع حفظ كيانهم، وإذا فقدت هذه الثمرات فلا معنى للخلافة ولا فائدة للمسلمين من الخليفة”[96]، ولهذا ظل الكيان الإسلامي الموحد كيانا قويا في الميزان العالمي، ولذلك أيضا لم يكن من العجيب أن تسلم الأمة للعثمانيين بالخلافة بعدما أثبتوا جدارتهم في هذه الوظائف رغم عدم قرشيتهم، إذ جعلت انتصاراتهم “الأمة العربية متعاطفة مع الدولة العثمانية، وراضية بوضع الخلافة بين يديها، ناسية أو متناسية الشرط الديني المعروف بأن يكون الخليفة عربيا وقرشيا وهاشميا، فإن الانتصارات التي حققها العثمانيون تحت راية الجهاد لم تترك مجالا للنقاش حول شروط الخلافة ومؤهلات الخليفة”كما يقول الأستاذ أحمد الشقيري في كتاب علم واحد وعشرون نجمة[97].

2- العمل الغربي على تمزيق الوحدة وقبول المتغربين بالدور الوظيفي في ذلك

وقد رأينا أن أوروبا الصاعدة سعت دائما- ضمن محاولاتها لإخضاع العالم والقضاء على المنافسين- لتمزيق الثوب العثماني الموحد حتى عندما دعمت المركزية التي كانت تريدها مجرد أداة في خدمة هيمنة الغرب ولهذا كانت تشجع النزعات الانفصالية باستمرار، ولهذا فقد دخلت الدولة العثمانية الحرب الكبرى الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا على أمل استعادة ما فقدته من بلاد على أيدي الحلفاء وكانت استعادة الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي هي الهدف العثماني من دخول هذه الحرب في الوقت الذي تبدت فيه مخاطر الخلفاء على أراضي العثمانيين: الروس يطالبون بالمضائق والإنجليز بالعراق ونفطه والفرنسيون بسوريا[98]، ولما بدأت الحرب أصبح القضاء على الدولة العثمانية هدفا معلنا للحلفاء كما صرح بذلك”بيان عن السياسة الخارجية مرفوع إلى المجلس الحربي الملكي” الذي قام اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني وصاحب الوعد المشئوم ورئيس البعثة البريطانية الخاصة الذي كان في زيارة للولايات المتحدة بتسليم نسخة منه إلى وزير الدولة الأمريكي وجاء في هذا البيان الصادر في سنة 1917: “لاشك أن القضاء على الامبراطورية العثمانية قضاء تاما هو من أهدافنا التي نريد تحقيقها، وقد يظل الشعب التركي، ونأمل أن يظل، مستقلا أو شبه مستقل في آسيا الصغرى، فإذا نجحنا فلا شك أن تركيا ستفقد كل الأجزاء التي نطلق عليها عادة اسم الجزيرة العربية (Arabia) وستفقد كذلك أهم المناطق في وادي الفرات ودجلة، كما أنها ستفقد استانبول، أما سوريا وأرمينيا والأقسام الجنوبية من آسيا الصغرى فإنها، إن لم تضم إلى الحلفاء، فمن المرجح أنها ستبقى ضمن حكمها”[99]، هذا بالإضافة إلى وثائق كتبها لورنس العرب أثناء الثورة العربية واستعرضتها في دراسة (سؤال من وحي استمرار نكباتنا: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا/1) تحت عنوان (اعترافات رسول العناية البريطانية لبلادنا في بداية القرن العشرين)، وكان المصير الذي تعرضت له الدولة العثمانية التي ساحت جيوش المحتلين في أراضيها يختلف عما نال ألمانيا التي لم تحطم في نهاية الحرب، ولم تخف هذه المفارقة عن ملاحظة المؤرخين: “إن الامبراطورية العثمانية لم (تنهار). هذا تعبير شديد السلبية. لقد مزقوها إربا مثلما تخلع مفاصل الدجاجة قبل الأكل، حتى ألمانيا نفسها لم تتكبد تقطيع الأوصال وانتزاع الأحشاء”كما يقول المؤرخ جيرمي سولت[100].

ولهذا فإن ما قام به مصطفى كمال عندما ألغى السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية يلتقي موضوعيا مع أهداف الحلفاء الغربيين ولم تخرج إنجازاته الجغرافية عما رسمه بلفور أمام الأمريكيين، وقد أوضح كمال للأوروبيين أهدافه بالقول “إنكم تستطيعون أن تنالوا سوريا وبلاد العرب، ولكن كفوا أيديكم عن تركيا، فنحن نطالب بحق كل شعب داخل حدود بلاده الضيقة”[101] وهو ما يتفق مع المخطط الأوروبي السابق، ولهذا لم يمانع الحلفاء في إلغاء معاهدة سيفر المذلة (1920) بعدما منحهم النظام الكمالي في معاهدة لوزان (1923) تطبيق تلك المعاهدة السابقة فيما يتعلق بكل البلاد غير التركية والذي قامت به الدول الأوروبية بموافقة عصبة الأمم التي جعلت هذه البلدان خاضعة للانتداب[102]، واستثنيت تركيا من ذلك، ولهذا”تجاوبت الدول الأوروبية كلها مع نظرية مصطفى كمال بشأن الإمبراطورية العثمانية، وحمدوا له نظرته المختلفة تماما عمن سبقوه في اعتبار مشاكل الإمبراطورية عبئا ثقيلا على كاهل الأتراك ينبغي عليهم أن يتخلصوا منه ليتفرغوا لحركتهم الوطنية القومية”[103]، والغريب أن لا تنصح الإمبراطوريات الغربية أنفسها بنفس النصيحة فتتخلص من الأعباء الإمبراطورية وتتفرغ لشئونها القومية (!).

ويظل النقاش بعد ذلك على ما سمي شروط كيرزون الأربعة الخاصة باشتراط إلغاء الخلافة في مؤتمر لوزان سنة 1923ومحاولة إثباتها مقابل نفيها مما لا طائل منه، لأن مصطفى كمال تشرب الأهداف الغربية وتبناها- كما فعل غيره من دعاة النهوض عن طريق استرضاء الغرب- ونفذها من تلقاء نفسه ولا حاجة لإثبات أنه تلقى أمرا بذلك في عرض مسرحي أو لم يتلق، فما هو مثبت أنه تبني وجهة نظر العدو وهذا أسوأ من تنفيذ أوامره بالإكراه، وهو وصف ينسحب على دعاة التغريب المعاصرين الذين يتمسكون بالدولة القُطرية انسجاما مع متطلبات السياسة الدولية التي يتحكم الغرب بها، فإذا ذكرت فكرة الخلافة التي تمثل الوحدة الإسلامية هاجوا وماجوا وتحججوا بعدم الواقعية وحقائق السياسة الدولية، وهو ما يؤكد أن الغرب- ومن خلفه أنصار التغريب- لا يريد لنا ما يريده لنفسه، إذ أن هذه السياسة الدولية تتقبل كل الكيانات المندمجة كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الروسي والاتحاد الكندي وغيرها من بلاد تمتد على مساحات واسعة وتضم شعوبا متباينة في كل شيء هذا إضافة إلى الكومنولث البريطاني والمنظمة الدولية للفرانكوفونية، كل هذا مقبول وواقعي ومرغوب، أما الوحدة الإسلامية أو حتى الوحدة العربية الأصغر فهي التاريخية والعاطفية المخالفة للواقعية، كما يمكن أن تضم كل من الصين والهند ما يزيد عن المليار نسمة في كل منهما، فهذا واقعي ومقبول، أما الوحدة الإسلامية المشابهة فهي المثالية والمستحيلة، وعندما يوحد كيان مصطنع كالكيان الصهيوني سكانا من جميع شعوب الأرض ويحيي فيهم عظام لغة من الرميم فهذا تقدم يثير إعجاب المنبهرين لأنه دليل قوة حضارية تتفوق علينا، وعندما نريد تطبيق الأمر ذاته على الشعوب الإسلامية فهو رجعية تثير سخرية العقلاء أو شفقة الحكماء ويتفنن المكتشفون في إيجاد العوائق والصعاب التي تحول دون ذلك ويُنسى الدرس الذي كنا نتلقاه عن وجوب التعلم من الصهاينة وكأنه أُلقي منذ البداية بهدف إثارة الإعجاب بهم ومن ثم الاستسلام لهم فقط وليس التعلم من تجربتهم للاستفادة مما ينفعنا فيها كواقع الحال في التغريب عموما.

3- رفض الغرب أي مشروع وحدوي حتى لو كان استرضائيا تجاهه

والسر في كل تلك المواقف هو الموقف السياسي لدول الاستعمار الكبرى التي تحتكر الوحدة لأنفسها وترفض وحدتنا رفضا مطلقا، كما ظهر موقفها من الوحدة العربية زمن محمد علي باشا رغم سياسة استرضاء الغرب التي اتبعها، أو الوحدة المصغرة والمحافظة على مصالح الاستعمار زمن الشريف حسين بعد الحرب الكبرى الأولى حين قسمتها الدول الغربية إلى دويلات فسيفسائية، والغريب أن يردد المتغربون هذه الحجج المتعلقة بالواقعية والعقلانية فلا يطالبون- كما يُفترض بالتغريب- بالسير على خطى الغرب بما فيه صالح بلادهم بل يطالبون بالسير وفق أوامر الغرب التي تناقض ما يراه الغربيون في صالحهم، والأغرب أن يتشرب الإسلاميون هذه الهزيمة فيتخلون بخضوع عن وحدة الأمة في استسلام مطلق لمشيئة الغرب يضاهي التسليم بمشيئة الله، رغم أن الوحدة فريضة شرعية وركن الاجتماع الإسلامي قبل أن تكون ضرورة بشرية وركن القوة السياسية، وقد سبقتنا أجيال في السير على طريق استرضاء الغرب بالتنازلات المستمرة فلم تنل غير الفشل الذريع والتراجع السريع في وقت كنا فيه في عداد الدول العظمى فكيف بنا اليوم ونحن في عداد الأموات.

4- اعتراضات الغرب ليست قضاء لا مرد له

إن الوحدة ليست مستحيلة كما تثبت الكيانات الموحدة في التاريخ المعاصر، وكون الدول الكبرى تقف اعتراضا على وحدتنا لا يجعلها مستحيلة كما أثبتت تجربة الثورة البلشفية التي تمكنت من تحقيق الوحدة السوفييتية رغم التدخل المسلح للدول الكبرى، أما كونها لم تستمر فهذه مسئولية نظامها فيما بعد، المهم أن إرادة الجماهير يمكنها أن تحطم أية معارضة دولية تقف في وجه مصالحها الحقيقية.

مقاومة التغريب السياسي

ذكرت فيما سبق أن السلطان عبد الحميد استخدم المركزية التي جلبها التغريب في العمل على وقف التدخلات الغربية والحفاظ على سلامة أراضي الدولة وتحقيق الوحدة الإسلامية حول مركز الخلافة الإسلامية في مواجهة الاعتداءات الأوروبية، ولهذا استخدم فكرة الجامعة الإسلامية لمقاومة الانقسامات القومية والمذهبية في دولة تعج بالتنوع كالدولة العثمانية، وفيما يتعلق بالشعب العربي، تجمع المراجع التاريخية أن فكرة الانفصال القومي عن الدولة لم تولد إلا بعد عزل هذا السلطان الذي كانت سياسته الإسلامية قد كسبت ولاء الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة العربية حتى حدوث الانقلاب عليه[104]، وينطبق هذا على الأكراد أيضا[105] الذين ثاروا على الحكم الكمالي بعد إلغاء الخلافة ورشحوا أحد أبناء السلطان عبد الحميد ليكون ملكا على كردستان[106].

الخلاصة

لقد أدت الأفكار السياسية الغربية التي دخلت المجتمع الإسلامي إلى عدة ظواهر سلبية أثرت على استقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، ومن هذه الأفكار فكرة الدولة المركزية التي تغولت في عهد الدولة القطرية إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ الإسلامي، والانقسامات القومية التي تكاثرت فأصبحت انقسامات قُطرية والتي تكاثرت أيضا داخل الأقطار ذواتها لتصبح طائفية ومذهبية وجهوية وقبلية وحزبية فتم القضاء على الكيان الواحد الذي كان يجمع الشرق العربي الإسلامي كله لتواجه كياناته المحدثة أعداءها ضعيفة لأنها مشتتة ومنقسمة ومشرذمة ومتحاسدة ومتنابذة ومتنافسة على التعلق بالدول الكبرى التي تضمن بقاءها وتدافع عن وجودها الهزيل، ويلاحظ أن نتائج الفكر الغربي في بلادنا تختلف عن نتائجه في بلاد الغرب حيث لم تنتج هناك الفرقة والتشرذم بل بنت دولا كبرى تمتد أراضيها على مساحات واسعة وتلم شعث شعوبا مختلفة وتمتلك إمكانات ضخمة، ولا عجب في مثل هذه المفارقة لأن التغريب في بلادنا نشأ عن اتباع الأوامر الغربية وليس النموذج الغربي كما طبق في بلاد المنشأ، ولهذا كان من نتائج ذلك أيضا تسرب الهجرات الأوروبية التي كانت تتخلص منها أوروبا إلى بلادنا ومنها الهجرة الصهيونية التي تطورت في عهد الانتداب والاستقلال إلى كيان صهيوني سلب فلسطين وهجر أهلها وتغلب على كل كيانات الاستقلال والتجزئة، والسؤال بعد كل هذه الآثار السلبية: فما هي فوائد الأفكار الدستورية والبرلمانية والديمقراطية والحقوقية وغيرها من الأفكار التي يمن بها الغرب علينا إذا كانت مقترنة بالتجزئة وما ترتب عليها من تبعية وضعف سياسي ونهب اقتصادي، وبالاحتلال وما نتج عنه من قتل وتهجير وسلب، وبكلمة مختصرة ما هي فوائد التغريب إذا لم ينتج لنا ما أنتجه لأصحابه؟

وقد قاوم الكيان الإسلامي الجامع عوامل الهدم واستخدم بعض أدوات التغريب كالدولة المركزية- المسلحة بفكرة الجامعة الإسلامية- ضد بعضها الآخر كعوامل الانقسام والتشتت وتمكن من الصمود في وجهها عقودا[107] لولا أن تسربت أفكار الانقسام الغربية إلى مركز الدولة في عهد جمعية الاتحاد والترقي، ومن المفارقات أن هذا حدث فيما يفترض أنه رد على الهجمة الغربية على نموذج الحكم الدستوري البرلماني الغربي في الدولة العثمانية، أما في عهود الاستقلال والتجزئة- بشكل عام- فلم تعد مقاومة التمدد الغربي أو الوحدة أو حماية الأرض والعرض أو تحقيق التنمية المستقلة وغيرها من الأهداف الحيوية- للحكم والأمة فيما مضى وللأمة وحدها اليوم- تحظى بالقدرة ولا بالرغبة الرسمية للسير في طريقها، واتخذت مركزية الدولة منحى جديدا، فبدلا من استخدامها في سياسة مستمدة من هوية الأمة وتعمل لصالح مجموعها، وتحظى بقبول عامتها كما حدث في الزمن الحميدي[108]، أصبحت المركزية سيفا يسلطه حلفاء الغرب لتنفيذ برامجه المتناقضة مع صالح الأمة رغم رفضها وممانعتها مما أدى لزيادة الهوة بين الحاكم المتغرب- سياسيا أو حضاريا أو كلاهما- والمنفصل فكريا وشعوريا عن شعبه، والأمة المتمسكة بشخصيتها وهويتها في مواجهة العدوان الغربي المستمر، وزيادة ارتماء هذا الحاكم في الأحضان الغربية الحامية له من شعبه الذي لم يعد راغبا في زعامته لأنه لايراه ممثلا لتطلعاته وآماله، وهناك أمثلة عديدة في التاريخ المعاصر ينطبق عليها هذا الوصف، بل لعلها أكثرية النماذج التي حكمت بلادنا.

وللهجرة الصهيونية ومقاومتها بقية الحديث إن شاء الله.

الهوامش

************

[1] Charles Issawi, An Economic History of the Middle East and North Africa, Routledge, London, 2010, pp. xii- xiii.

[2] دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700- 1922، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004، ترجمة: أيمن أرمنازي، ص173 و178و198 و88 و82 و83.

[3] لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، دار الفارابي، بيروت، 2007، ص29.

[4] زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1979، ص33- 34.

[5] الدكتور محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي1514- 1914، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1993، ص142- 143.

[6] Resat Kasaba, The Ottoman Empire and The World Economy: The Nineteenth Century, State University of New York, Albany, 1988, p. 64.

[7] مجموعة من المستشرقين، دائرة المعارف الإسلامية، دار الشعب، القاهرة، 1969، ج10ص81. وأيضا:

– ز. ي. هرشلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، دار الحقيقة، بيروت، 1973، ص50.

[8] كتاب عصر السلطان عبد الحميد وأثره في الأقطار العربية 1876- 1909، المكتبة الهاشمية، دمشق، ص401.

[9] زين نور الدين زين، ص82.

[10] عادل مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700- 1918: قراءة جديدة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1999، ص199. وأيضا:

– Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Cambridge University Press, 2002, Vol. 2, p. 243.

وأيضا:

– Jonathan S. McMurray, Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway, Praeger, London, 2001, p. 58.

[11] دائرة المعارف الإسلامية، ج2ص201.

[12] زين نور الدين زين، ص82- 83.

[13] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، دار العلم للملايين، بيروت، 1978، ترجمة: الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور إحسان عباس، ص182.

[14] زين نور الدين زين، ص84.

[15] قيس جواد العزاوي، الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، الدار العربية للعلوم، بيروت، ومركز دراسات الإسلام والعالم، فلوريدا، 1994، ص127- 134.

[16] خليل إينالجيك ودونالد كواترت (تحرير)، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2007، ترجمة: د. قاسم عبده قاسم، ص492.

[17] Resat Kasaba, p. 56.

[18] ج. ج. لوريمر، دليل الخليج: القسم التاريخي، قسم الترجمة بمكتب أمير قطر، الدوحة، ج4ص2123.

[19] محمد كرد علي، خطط الشام، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 2007، ج3ص98- 99.

[20] الدكتور محمد حرب (تقديم وترجمة)، مذكرات السلطان عبد الحميد، دار القلم، دمشق، 1991، ص102- 103 و111.

[21] خليل إينالجيك ودونالد كواترت، ص493.

[22] أحمد صلاح الملا، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة: رشيد رضا ومجلة المنار 1898- 1935، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2008، ص20.

[23] زين نور الدين زين، ص195 هامش رقم12.

[24] مصطفى كامل باشا، المسئلة الشرقية، مطبعة اللواء، القاهرة، 1909، ج1ص27- 28.

(*) يتهم السلطان عبد الحميد في مذكراته جمال الدين الأفغاني بالتورط في التخطيط لهذا المشروع البريطاني بقوله: “وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنجليزي يدعى بلنت قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك. واقترحا على الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين”ص148، وقد توقف بعض الباحثين حائرين أمام هذا التصريح دون اتخاذ موقف، ولكننا لو قمنا بتفكيك هذا الخطاب لوجدنا أن جميع ما فيه من معلومات يمكن إثباتها من مصادر أخرى، فعلاقة الأفغاني بويلفرد بلنت مشهورة منذ البداية فقد كان بلنت يدعم مجلة العروة الوثقى ماليا “آملا في تحول القائمين عليها من موقف معاداة السياسة البريطانية”ويذكر في رسالة إلى الشيخ محمد عبده: “لأنني أرى في صداقة إنجلترا خير أمل للمسلمين” (النفزاوي ص226)، كما أن الأفغاني يثني على بلنت في العروة الوثقى بصفته مشهورا “بمحبة المسلمين والمدافعة عن المصريين” (السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، الآثار الكاملة، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2002، ج1 العروة الوثقى ص303)، أما الأهم من ذلك وهو علاقة بلنت بالخارجية البريطانية فموثقة في مؤلفه (التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر، مكتبة الآداب، القاهرة، 2008) الذي يذكر فيه تكليفه بالقيام بمهمة رسمية في مصر لصالح وزارة الخارجية (ص90 و142)، كما كان “وسيطا في المفاوضات التي دارت بين السير أوكلند وعرابي” ومهمات أخرى لصالح بريطانيا نقلها تيودور رتشتين عن كتاب بلنت آنف الذكر في كتابه الذي قدم له بلنت شخصيا (تاريخ المسألة المصرية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1950، ص145 و204)، أما الدعوة للخلافة العربية فقد كانت في صلب كتاب بلنت “مستقبل الإسلام” الذي صدر سنة 1881 بتأثير من الشيخ محمد عبده تلميذ الأفغاني المخلص في ذلك الزمن (النفزاوي، ص225)، أما الأفغاني نفسه فقد”رشح القاهرة أن تكون عاصمة للخلافة الإسلامية، فقال بعد أن عدد مزايا مصر: إن عاصمتها (القاهرة) لا بد أن تصير في وقت قريب أو بعيد كرسي مدينة لأعظم الممالك الشرقية، بل ربما كان ذلك أمرا مقررا في أنفس جيرانها من سكان البلاد المتاخمة لها، وهو أملهم الفريد كلما ألمّ خطب أو عرض خطر” (أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، المجلد الثالث: الكتب والدراسات القومية/1، ص2641 نقلا عن جمال الدين الأفغاني: الأعمال الكاملة، ص50، 74 و466) ومما هو معروف أن القاهرة كانت إحدى محطات دعوة الخلافة العربية (نفس المرجع) رغم أن الخديو ليس عربيا (!)

وقد استمرت ظاهرة الإنسانية البريطانية التي مثلها بلنت والتي تخدم في المحصلة الأهداف السياسية الاستعمارية، وقال فيها الأستاذ أحمد الشقيري وكأنه يتحدث عن بلنت بدقة: “وكان عدد من الشخصيات البريطانية، في الوطن العربي، التي “تتعاطف” مع القضية العربية، وتبدي “أسفها”لما حل بالشعب الفلسطيني “وندمها” على صدور وعد بلفور وما خلف من مآس وكوارث. وكانت هذه الشخصيات دائمة الالتصاق بالشخصيات العربية الرسمية، تحثها على الدوام أن تكون مواقفها السياسية هادئة ومرنة وإيجابية، وأنه يجب مخاطبة الرأي العام الدولي باللغة الدبلوماسية العاقلة الرشيدة، تماما كما يجري هذه الأيام مع”أصدقائنا” الأمريكان، واستجابتنا لنصائحهم بأن تكون سياستنا عاقلة وهادئة، وبذلك تتحقق مطالبنا المعروفة” (نفس المرجع، المجلد الرابع: الكتب والدراسات القومية/2، ص3145)، فهل من عبرة بعد حصاد الهشيم؟

[25] محمد أديب آل تقي الدين الحصني، كتاب منتخب التواريخ لدمشق، دار البيروتي، 1979، ج1ص328.

[26] كتاب مصطفى كامل باشا في 34 ربيعا، مطبعة اللواء، القاهرة، 1910، ج9ص200.

[27] الدكتور محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، مكتبة الآداب، القاهرة، ج1ص205- 209.

[28] نفس المرجع، ج1ص95 و125.

[29] زين نور الدين زين، ص66- 67.

[30] سعد محيو، مأزق الحداثة من احتلال مصر إلى احتلال العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010، ص97.

[31] الدكتور محمد أنيس، ص265.

[32] دكتور عبد اللطيف بن محمد الحميد، البحر الأحمر والجزيرة العربية في الصراع العثماني البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، مكتبة العبيكان، الرياض، 1994، ص177.

[33] د. محمد الناصر النفزاوي، التيارات الفكرية السياسية في السلطنة العثمانية 1839- 1918، دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع، صفاقس، وكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية، تونس، 2001، ص291.

[34] نجيب عازوري، يقظة الأمة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ترجمة: د. أحمد بوملحم، ص115.

[35] عادل مناع، ص247.

[36] Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey, Oxford University Press, 2002, pp. 125- 126.

[37] عادل مناع، ص197.

[38] زين نور الدين زين، ص27.

[39] الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة بالقانون، دار البشائر، دمشق، 2006، ج2ص666و933,

[40] الشيخ محمد زاهد الكوثري، مقالات الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، 1994، ص198. وأيضا:

– خاتمة المحققين محمد أمين الشهير بابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ج10 كتاب الأشربة ص43.

(**) جاء في صحيفة الوطن الكويتية في عدد يوم 12نوفمبر 2007 في الصفحة رقم 21 العنوان التالي: “الأوقاف أطلعت سفارتي بريطانيا وأمريكا على نهجها في نشر الوسطية”، وتكرر الحدث مرة أخرى في 30 إبريل 2008 الصفحة رقم 10 من الصحيفة ذاتها ولكن مع الجانب الأمريكي والجانب الألماني هذه المرة مع تقديم الشكر للأمريكيين لدعمهم المشروع الوسطي.

[41] الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص198- 199.

[42] الأمير شكيب أرسلان، تاريخ الدولة العثمانية، دار ابن كثير، دمشق وبيروت، ودار التربية، دمشق وبيروت، 2001، ص337.

[43] كامل البالي الحلبي، كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب، دار القلم العربي، حلب، 1993، ج3ص389.

[44] صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج6ص175كتاب التفسير/ سورة والنجم.

[45] كامل البالي الحلبي، ج3ص390.

[46] Shaw & Shaw, pp. 251- 252.

[47] روجر أوين، الشرق الأوسط في الإقتصاد العالمي 1800- 1914، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1990، ترجمة: سامي الرزاز، ص112. وأيضا:

– عادل مناع، ص331 هامش رقم 32.

[48] محمد حرب (تقديم وترجمة)، مذكرات السلطان عبد الحميد، دار القلم، دمشق، 1991، ص168.

[49] محمد مصطفى الهلالي، السلطان عبد الحميد الثاني بين الإنصاف والجحود، دار الفكر، دمشق، 2004، ص153.

[50] دائرة المعارف الإسلامية، ج2ص199.

[51] موقع مؤسسة فلسطين للثقافة/وثائق/ترجمة حرفية لوثيقة عثمانية تحكي على لسان ثلاثة مخبرين للدولة العثمانية تفاصيل تواطؤ بعض المسئولين الأتراك في فلسطين عام 1890 في بيع أراضي تمتد بين حيفا ويافا للمستوطنين اليهود.

http://www. thaqafa. org/Main/default. aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx% 2fVDUOFo92b21m% 2bfG1DBlB9XEqGdrE7NZgHCq79p% 2b1s8aegT% 2fl1h% 2fLXxeHcg6DwZHjv39mkBvGObSWSuCrjjyt% 2bf% 2fMsJKGDYIjsegceasnDaqQnPR68% 3d

[52] موقع مؤسسة فلسطين للثقافة/وثائق/مهاجر بوسني إلى فلسطين يحذر من الحراك الصهيوني قبل النكبة

http://www. thaqafa. org/Main/default. aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx% 2fVDUOFoKTRVSsoOMIsmemCzpWg7oVlaTvh8g% 2ftVFBh6po2Ha0fuFss6yudYyL1WauEnb1RTGJQ1mNi80AtcF1v0CvHBZeOOh0FrRs5Wogf0% 2bmgDWQI% 3d

[53] السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص43 و50 و81 و134 و140.

[54] مذكرات السلطان عبد الحميد، ص159.

[55] كامل البالي الحلبي، ج3ص382.

[56] Resat Kasaba, p. 115.

[57] الدكتور محمد محمد حسين، ج2ص66 و77.

[58] دونالد كواترت، ص16.

[59] عوني الجيوسي، انتحار المفارقة ومصرع السخرية: هل صمم مارك سايكس علم العرب؟، صحيفة القدس العربي25/11/2006.

[60] برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2004، ص206- 212.

[61] دائرة المعارف الإسلامية، ج2ص199.

[62] سعد محيو، ص77.

[63] لوتسكي، ص203- 204.

[64] تيودور رتشتين، تاريخ المسألة المصرية 1875- 1910، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1950، ترجمة: عبد الحميد العبادي ومحمد بدران، ص6.

[65] الدكتور محمد أنيس، ص225.

[66] نائلة الوعري، دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840- 1914، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان ورام الله، 2007، ص34.

[67] لوتسكي، ص171.

[68] نفس المرجع، ص407- 410.

[69] نفس المرجع، ص411. وأيضا:

– الدكتور محمد محمد حسين، ج2ص6- 7.

[70] دكتور عبد اللطيف بن محمد الحميد، ص152.

[71] صحيفة الوطن الكويتية، 17/2/2008، ص26.

[72] Charles Issawi, p. 80.

[73] روجر أوين، اللورد كرومر الإمبريالي والحاكم الاستعماري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005، ترجمة: رءوف عباس، ص144و442.

[74] Shaw & Shaw, Vol. 2, p. 273.

[75] مذكرات السلطان عبد الحميد، ص80- 81 و131 و144- 145 و182.

[76] Marvin Lowenthal (ed) , the diaries of Theodor Herzel, The Universal Library, New York, 1962, p. 152.

[77] مذكرات السلطان عبد الحميد، ص197.

[78] محمد أديب آل تقي الدين الحصني، ج1ص284.

[79] سعد محيو، ص92.

[80] كامل زهيري، في الفكر الصهيوني المعاصر، مجلة الهلال، مايو 1968، عدد خاص عن فلسطين، ص27- 28.

[81] أكمل الدين إحسان أوغلي (إشراف وتقديم)، الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، استانبول، 1999، ترجمة: صالح سعداوي، ج1ص115، دراسة الدكتور كمال بكديللي، الدولة العثمانية من معاهدة قينارجة الصغرى حتى الانهيار.

[82] Shaw & Shaw, Vol. 2, p. 255.

[83] روجر أوين، 2005، ص475. وأيضا:

– ز. ي. هرشلاغ، ص154.

[84] سحر الهنيدي، التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي: فترة هربرت صامويل 1920- 1925، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2003، ص155.

[85] نفس المرجع، ص256.

[86] يمكن الحصول على تفصيلات عن الإنفاق السنوي البريطاني على بند التعليم وغيره من البنود من هذا الموقع http://www. ukpublicspending. co. uk/.

[87] الدكتور عمر جميل نشوان، التعليم في فلسطين منذ العهد العثماني وحتى السلطة الوطنية الفلسطينية، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمّان، 2004، ص60.

[88] عادل مناع، ص226- 227.

[89] سحر الهنيدي، ص160- 161.

[90] نفس المرجع، ص213.

[91] Robert Aldrich (ed) , The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007, p. 39.

[92] دونالد كواترت، ص324.

[93] زين نور الدين زين، ص218 هامش رقم16.

[94] Shaw & Shaw, Vol. 2, pp. 276- 277.

[95] نيقولاي إيفانوف، الفتح العثماني للأقطار العربية 1516- 1574، دار الفارابي، 2004، ترجمة: يوسف عطا الله، ص52.

[96] محمد أديب آل تقي الدين الحصني، ج1ص239.

[97] أحمد الشقيري، المجلد الثالث: الكتب والدراسات القومية/1، ص2531.

[98] Jonathan S. McMurray, pp. 112- 113.

[99] زين نور الدين زين، ص125- 126.

[100] د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي، دار النفائس، دمشق، 2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل، ص97.

[101] د. تهاني شوقي عبد الرحمن، نشأة دولة تركيا الحديثة 1918- 1938، دار العالم العربي، القاهرة، 2011، ص 190.

[102] ز. ي. هرشلاغ، ص300.

[103] د. تهاني شوقي عبد الرحمن، ص174، نقلا عن حلمي أحمد عبد العال شلبي، إنهاء الخلافة العثمانية، رسالة ماجستير جامعة عين شمس، أكتوبر1977، ص207.

[104] عادل مناع، ص246.

[105] د. عبد الرءوف سنو، النزعات الكيانية الإسلامية في الدولة العثمانية 1877- 1881، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، 1998، ص128.

[106] ديفيد مكدول، تاريخ الأكراد الحديث، دار الفارابي، بيروت، 2004، ترجمة: راج آل محمد، ص305.

[107] عادل مناع، ص212.

[108] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث في تاريخ العرب الحديث 1514- 1914، مكتبة المحتسب، عمّان، 1983، ص90- 91.


سؤال من وحي استمرار نكباتنا: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا؟ (1) شعبان الصوان

9 يونيو 2015

تطور المصالح الغربية في الشرق العربي:

منذ ظهور علامات الضعف على الدولة العثمانية التي كانت توحد كيان الشرق العربي، لم تكن مصالح الغرب الجمعية تنسجم مع بروز كيان قوي مرة أخرى،

ولهذا قامت الدول الغربية على اختلافها بوأد أية محاولة نهضوية تنشأ في بلادنا لأنها ستهدد المصالح الغربية كما شخصها أصحابها، وقد تغيرت هذه المصالح مع تغير الظروف العالمية ولكنها كانت تقتضي باستمرار عرقلة قيام كيان قوي: فموقع الشرق العربي كان منذ قديم الزمن ملتقى طرق التجارة العالمية وموضع اهتمام الكيانات القائمة على أطرافه، وقد استمر هذا الاهتمام في العصر الحديث، إذ أن موقع الدولة العثمانية بين البحر المتوسط والهند، درة التاج البريطاني، وضعها في مواجهة مباشرة مع بريطانيا التي تريد ضمان الوصول إلى مستعمرتها باحتلال مواقع عثمانية مثل عدن (1839)، والتمدد داخل الخليج، وهذا ما كون سياستها المعارضة لمشروع محمد علي في البلاد العربية إذ كانت تريد الإبقاء على ضعف الدولة العثمانية وعدم تجديد شبابها كي لا تقف في وجه الوصول إلى الهند، ولما اكتملت الثورة الصناعية وزاد رأس المال الأوروبي سعت الدول الاستعمارية الغربية لتسويق بضائعها واستثمار رأسمالها في بقية العالم وهذا ما جعل لها مصلحة في عرقلة أية صناعة محلية بالإضافة إلى حاجتها لتأمين وصول المواد الأولية إلى مصانعها في الغرب، ولما حفرت قناة السويس وأصبحت طريقا مختصرا إلى الهند اهتمت بريطانيا بالسيطرة عليها بعد شراء أسهمها من الخديو اسماعيل الذي ورطته الاستثمارات الأجنبية بالديون، فأصبح لبريطانيا في مصر أكثر من مصلحة: قناة السويس بصفتها معبرا وأموال الدائنين، فاحتلتها سنة 1882، وفكرت منذ هزيمة محمد علي بإنشاء كيان يهودي حاجز أمام طموحاته المستقبلية ثم حارس لقناة السويس وطريق الهند، وهذا كله قبل اكتشاف النفط، فلما اكتشف أصبحت السيطرة على مصادره المتركزة في الشرق العربي مصلحة جديدة للغرب تقتضي عدم التعامل مع جهة شرقية واحدة قوية تتحكم بآباره أو بعوائده الضخمة أو بالتجارة العربية، وأصبحت قناة السويس هي المعبر الرئيس للنفط إلى بريطانيا الأمر الذي سيبقي على أهميتها حتى بعد استقلال الهند، وبقيام الثورة البلشفية في روسيا (1917) وفشل العدوان الغربي عليها لوأدها، أصبح الحفاظ على بلادنا خارج النفوذ الشيوعي مصلحة جديدة للغرب في بلادنا اقتضت إقامة القواعد العسكرية التي لن يقبل بها نظام قوي مستقل ولكن أنظمة التجزئة ترحب بها بصفتها حماية لوجودها ومصدرا لرزقها حين تقبض ثمن أجرتها، كما اقتضى إبعاد الخطر الشيوعي دعم الكيان الصهيوني الذي أقيم في البداية لغايات مختلفة تماما ولكنه احتفظ بأهميته الاستيراتيجية بل أصبح مصلحة غربية مستقلة قائمة بذاتها في هذه المنطقة الحيوية حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وأصبحت الملاحة في قناة السويس مصلحة حيوية لهذا الكيان الذي هو بدوره مصلحة أخرى تقتضي تركيع كل منطقتنا لقيادته مع ما يستلزمه هذا من منع القوة بكل أشكالها عنا كي لانقاومه او حتى نهدده من جهة ولا ننافسه من جهة أخرى، وعلى هذا المنطق سارت سياسة الغرب المعاصر كما سيأتي.

كما استمر الاهتمام الغربي بموقع “الشرق الأوسط” بين قارات العالم القديم وكونه صلة الوصل بينها وهو بذلك “أهم المناطق الاستيراتيجية في العالم” ولهذا “نحن ملزمون بإعطاء الشرق الأوسط أولوية عالية جدا، ولا نستطيع أن نتخلى عن وضعنا الخاص في المنطقة… والسماح لوضعنا بأن يكون عالة على ترتيبات ذات طابع دولي”كما قال رئيس الوزراء البريطاني السابق أنتوني إيدن في مذكرة حكومية عندما كان وزير خارجية وعضوا في لجنة قناة السويس ويرد فيها على اقتراحات التخلي عن المسئوليات الامبراطورية سنة 1945،(1) وإذا كانت الأمور قد سارت بعد ذلك بغير ما يشير هنا فكلامه يدل على التوجهات البريطانية التي حكمت فيما سبق، ورفض الترتيبات الدولية يدل على النزعة الاحتكارية التي حكمت السياسة البريطانية في بلادنا وعملت على استمرار التفرد بها، وفي سنة 1947 حدد ناحوم غولدمان الذي سيصبح رئيس المنظمة الصهيونية أهمية فلسطين قائلا إن اهتمام اليهود بها ليس لأسباب دينية أو اقتصادية “بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، ولأنها المركز الحقيقي للقوة السياسية العالمية، والمركز العسكري الاستيراتيجي للسيطرة على العالم”،(2) وفي نفس العام أجمع موظفو الخارجية البريطانية على رفض فكرة الانسحاب من الشرق الأوسط ووصفوا جعله حياديا بالحماقة،(3) فما بالنا ببروز قوة محلية مستقلة؟، وهو أيضا ما يشير إلى النزعة الاستئثارية التي تميزت بها السياسة البريطانية في شرقنا زمنا طويلا، كما جاء في اجتماع لحلف شمال الأطلسي سنة 1965 على لسان الممثل الأمريكي أن الشرق الأوسط هو الجناح الأيمن لأوروبا عسكريا ويحتوي على ثلثي احتياطيات النفط المعروفة آنذاك.(4)

ويمكننا أن نضيف إلى سلسلة المصالح السابقة قرب “الشرق الأوسط” من أوروبا ووقوعه في دائرة الأطماع الإقليمية لدولها حيث خيل لفرنسا في العصر الحديث أن الجزائر جزء منها، وأن لها روابط تاريخية بسوريا تعود إلى حروب الفرنجة، كما حدث الأمر نفسه لإيطاليا مع ليبيا، هذا إضافة إلى أطماع روسيا في البلقان بإسم الجامعة السلافية وباستانبول ومضائقها بحجج دينية وبشرق الأناضول بحجة الأرمن رغم أنها تقمعهم في بلادها، وأطماع امبراطورية الهابسبيرغ النمساوية في البلقان أيضا، وإضافة إلى ذلك أطماع الاستعمار التقليدي كأطماع بريطانيا في مصر والعراق، وأطماع فرنسا في تونس، كل هذه الأطماع الإقليمية كلفت الدولة العثمانية حروبا طاحنة وثورات عاتية ومعارك حامية أدت إلى استنزافها ولم يكن من مصلحة الغرب الأوروبي أن تقف هذه الدولة ثانية على رجليها وذلك كي لا تستعيد ما سلب منها، ومن أدل الوقائع على ذلك رفض أوروبا مجتمعة تدخل محمد علي باشا بصفته واليا عثمانيا لإخماد الثورة اليونانية بقوته الصاعدة وقيامها بتحطيم الأسطول العثماني المصري في معركة نافارين (1827) وكانت فرنسا التي دعمت الوالي المصري سابقا على رأس مهاجميه في المعركة لأنها كانت تريد قوته في سبيل مصالحها،(5) أي أن يكون عميلا لها وينفذ مخططاتها، كحملة على شمال إفريقيا مثلا حيث ستحتل الجزائر قريبا، وليس لأجل القوة الذاتية للعثمانيين.

وتدل حوادث الثورات العربية الأخيرة على محاولات الغرب الحثيثة الإبقاء على نفوذه وعدم إحداث تغيرات ثورية في أوضاعنا، يشهد على هذا بقاء نفس الأطقم القديمة في مواقع اتخاذ القرار وهي الوجوه التي اعتاد الغرب على التعامل معها والاطمئنان إليها فيما سبق ولا يغير من الأمر أن يكون شخص واحد من هذا الطقم أو ذاك قد اعتزل حتى لو رأس النظام، ولو استعملنا التعبير الماركسي فإن الأنظمة “الجديدة” لم تفرز أدوات إنتاج ولا علاقات إنتاج جديدة، هي نفسها مازالت في كل مكان.

البداية: تخريب ما هو قائم والحؤول دون عودة الروح إليه

لقد استفادت الدول الكبرى كثيرا من الضعف الذي طرأ على الدولة العثمانية التي تخللت جيوشها الظافرة أوروبا فيما سبق ووصلت أسوار فيينا عاصمة امبراطورية الهابسبيرغ، وأرادت لها بريطانيا وفرنسا أن تكون في مرحلة ضعفها حاجزا في وجه الأطماع الروسية بالإضافة إلى استخدامها سوقا لترويج البضائع الغربية المصنعة بعد اكتمال الثورة الصناعية،(6) ولكن بقاء الكيان العثماني الموحد حمل في طياته خطر عودة الروح إلى هذا المجال الهائل الذي وصفه مؤرخ بارز بأنه لم يكن في القرن التاسع عشر بأي حال من الأحوال كيانا عاجزا لا حول له ولا طول، من الناحية العسكرية على الأقل،(7) وتمتع جنوده “بسمعة رفيعة بوصفهم جنودا أشداء، وكان لهم دور حاسم في التصدي الفاعل لعدوهم الأخطر، وهو الجيش الروسي، والدول الأوروبية المتنافسة، وفي الحيلولة دون تفكك الامبرطورية العثمانية أو إرجائه على الأقل”،(8) وكان الأوروبيون الذين لا يعجبهم إلا المقاتلون”يكنون احتراما مشوبا بالحسد تجاه الامبراطورية العثمانية، لأن قوات المشاة لديها كانت قادرة على الوقوف في وجه الجيوش الأوروبية”،(9) وذلك في أوج التوسع الاستعماري الأوروبي حين بقيت الدولة العثمانية “أقوى دولة إسلامية صامدة في وجه الإمبريالية الأوروبية”(10) كما يقول مؤرخ آخر، وظل الجيش العثماني حتى لحظاته الأخيرة في الحرب الكبرى الأولى سنة 1917 “أبعد ما يكون عن الهزيمة”(11) رغم انتصارات الحلفاء في قول مؤرخ ثالث.

وكانت دول أوروبا وبخاصة بريطانيا تفضل مصالحها التجارية على مصلحتها في استغلال بقاء الدولة العثمانية ولو بصورة هزيلة،(12) وقد تجسد هذا التعارض الموضوعي في المصالح في وقوف الغرب الأوروبي ضد كل مشاريع الإحياء التي نفذتها أو حاولت تنفيذها دولة الخلافة مثل فكرة الجامعة الإسلامية ومشروع سكة الحجاز أو سكة حديد بغداد أو مشاريع الإصلاح الاقتصادي والقضائي التي مست الامتيازات الأوروبية في الدولة العثمانية، حتى أن السلطان عبد الحميد الثاني تمنى في سنة 1902 أن تحظى دولته بفترة هدوء لمدة عشر سنوات فقط تتوقف فيها مؤامرات الدول الكبرى عليها ليتمكن من السير في الطريق الذي سارت فيه اليابان البعيدة عن “الوحوش الأوروبية الكاسرة”التي صرف العثمانيون الملايين على إخماد مؤامراتها بدل “أن تصرف على مشاريع حيوية نستفيد منها”،(13) ولم يكن تصدي الغرب لهذه المشاريع من باب الشر المحض الذي يبغي إلحاق الأذى بالآخرين بلا سبب بقدر ما كان تعبيرا عن التناقض الموضوعي بين مصالح كيانات الغرب ونهضة كيان يجمع بلاد الشرق تحت لواء واحد، وتبدى هذا التعارض أيضا في سياسة التصدي العنيف لأية محاولة نهضوية في البلاد العثمانية كما سيأتي شرحه، وفي الزحف التدريجي واحتلال البلاد العثمانية الواحدة تلو الأخرى في سياسة اتخذت من فكرة الاستقلال قناعا لفصل الولايات عن الدولة تمهيدا لوقوعها في براثن الهيمنة الغربية كما حدث مع الجزائر وتونس ومصر وبلدان الخليج.

هذا الزحف التدريجي اتخذ صورة عنيفة مع انفجار الحرب الكبرى الأولى سنة 1914، حين خطت الدولة العثمانية بدخولها الحرب خطوة مصيرية هدفت إلى تحرير نفسها من كل القيود التي فرضتها حالة الضعف عليها كسوء استخدام الامتيازات الأجنبية والديون، والعودة إلى مكانتها السابقة بين الكبار واستعادة كل ما سلب منها من أقطار، ورغم الانتصارات التي حققتها جيوش الخلافة في هذه الحرب على جبهات استانبول والعراق وفلسطين والحجاز والقوقاز والبلقان، كانت النتيجة النهائية في غير صالحها، وقد أفصح ضابط المخابرات التابعة للجيش البريطاني لورنس العرب من ميدان المعارك التي انهمك فيها ضد الدولة العثمانية عن الأهداف الحقيقية لبلاده في هذه الحرب.

اعترافات رسول العناية البريطانية لبلادنا في بداية القرن العشرين:

ففي تقرير كتبه لورنس في يناير 1916 تحت عنوان سياسات مكة قال: “إن تحرك (الشريف حسين) يبدو مفيدا لنا، لأنه ينسجم مع أهدافنا المباشرة: تحطيم “الجبهة” الإسلامية الموحدة وهزيمة وتمزيق الامبراطورية العثمانية، ولإن الدول التي سيقيمها (الشريف) خلفا لتركيا ستكون غير ضارة بنا كما كانت تركيا قبل أن تصبح أداة في أيدي الألمان. إن العرب أقل توازنا من الأتراك، وإذا عولج أمرهم بشكل مناسب فإنهم سيظلون في حالة من الشرذمة السياسية، نسيج من الإمارات الصغيرة المتحاسدة غير القابلة للتوحد، ومع ذلك يمكنها الاجتماع في مواجهة أية قوة خارجية”،(14) وهذا الاجتماع الذي يقلق لورنس ورؤساءه هو ما يعمل الغرب جاهدا لمنعه منذ تلك الأيام.

ويختم تقريره قائلا إن الشريف حسين “يفكر يوما بالحلول محل السلطة التركية في الحجاز، ولو تمكنا من ترتيب هذا التغير السياسي ليكون بالعنف، سنقضي على خطر الإسلام بجعله ينقسم على نفسه في عقر داره، وسيكون هناك خليفة في تركيا وخليفة في الجزيرة العربية في حالة حرب دينية، وسيصبح عجز الإسلام كما كان عجز البابوية عندما كان الباباوات في أفنيون”(15) (وهي فترة تراجعت فيها هيمنة البابوية وسميت الأسر البابلي للكنيسة 1309- 1377).

وفي تقرير حمل عنوان “لو تم احتلال سوريا” وكتبه لورنس سنة 1916 أيضا لاقتراح حل للمشكلة التي يسببها إعلان الخليفة العثماني الجهاد ضد الحلفاء الذين يحتلون بلادا يقطنها ملايين المسلمين، قال لورنس: “مهما نتج عن هذه الحرب، فإنها يجب أن تقضي تماما ونهائيا على السيادة الدينية للسلطان”.(16)

إن الضربات المتلاحقة التي وجهت للدولة العثمانية تثبت النوايا الغربية بشكل يلغي الحاجة إلى إثبات أن بريطانيا اشترطت أو لم تشترط إلغاء منصب الخلافة الإسلامية على الجانب التركي في مؤتمر لوزان سنة 1923، لأن الموقف الغربي عموما والبريطاني خصوصا لم يقتصر على لحظة واحدة فقط من التآمر السري على منصب أصبح هزيلا وشبيها بوزارة أوقاف في ظل إعلان قيام الجمهورية التركية، بل كان عداء علنيا اتضح بسياسة الدول الغربية تجاه إضعاف الخلافة ونهش أطرافها لمدة تزيد على قرن من الزمان أثبتت فيها الحوادث والحروب الكبرى حقيقة النوايا التي اختلفت فيما بينها فقط على كيفية اقتسام الغنائم، التي هي بلادنا، ولم تختلف على فكرة التقسيم ذاتها، وكان هذا هو محتوى “المسألة الشرقية” التي تريد حلا، أو كما قال مراقب أكاديمي أمريكي عاصر الحرب الكبرى الأولى وكتب في سنة 1917 أن “الأمم الأوروبية منذ بداية القرن التاسع عشر اجتمعت كالصقور حول الجثة لاقتطاع ما يمكنها من الامبراطورية التركية”،(17) ويؤكد مصير الشرق العربي بعد الحرب الكبرى الأولى حين اتفقت أوروبا على اقتسام بلادنا وفق اتفاقات التجزئة ونكثت بوعود التحرر التي بذلتها للعرب أن عداءها ليس مع كيان سياسي محدد، كما ادعت كذبا لتغوي العرب، بقدر ما هو عداء مع أي وحدة شاملة تلم شعث بلادنا، وها نحن مازلنا في نتائج تلك الحقبة المريرة إلى اليوم.

الآثار السلبية لزوال المجال السياسي الموحد على احتمالات النهوض:

كان انهيار الحكم العثماني في بلادنا سنة 1918 أول زلزال كارثي يصيب مشرقنا في القرن العشرين كما يقول الدكتور وليد الخالدي، قارنا إياه بزلازل سنوات 1948 و1967 و1990،(18) فقد أدى إلى هبوط مكانتنا السياسية الدولية من دولة عظمى، انتقلت في آخر أيامها وأسوأ حالاتها إلى مؤخرة الدول العظمى ولكنها ظلت بينهم تحاول جاهدة التخلص من مظاهر الضعف وتصارع الظروف لاكتساب أسباب القوة والمحافظة على استقلالها السياسي والاقتصادي والحضاري ومسايرة الزمن علميا وتقنيا وصناعيا(19) لحماية نفسها، محكومة في ذلك بمنطق الدولة العظمى الذي يوجه النقد إليها لو تخلفت عن أقرانها الكبار، (20) فأصبحنا بعدها مجالا مستباحا للاحتلال والانتداب والحماية ثم الاستتباع دولا صغيرة متحاسدة ومتفرقة ومتصارعة، تماما كما أراد لورنس، أقصى أماني أحدها أن تكون وكيلا إقليميا عن دولة كبرى وحاميا لمصالحها، أما البقية فيكفي أحدها أن تعيش في ظل الحماية الغربية من أطماع جيرانها مقدمة إمكاناتها وثرواتها قربانا لأطماع أعدائها كي يضمنوا أي شكل من بقائها، وأي تطلع نحو أكثر من هذا الدور لم ولن يكتب له النجاح لسبب بسيط هو عدم توفر مستلزمات الحضور الدولي الفاعل لدولنا القائمة على مساحات ذرية، كالعمق البشري والجغرافي والموارد الاقتصادية اللازمة لدعم القرار السياسي المطلوب لفرض الإرادة في مواجهة الدول الكبرى، فلا يخفى على أي ملاحظ أن الموارد المالية في وطن العرب في جهة، والموارد البشرية في جهة مختلفة، والإمكانات الزراعية في جهة ثالثة، والإمكانات العلمية منبوذة تبحث عن التفتح في جهات خارجية رابعة، والمواقع الحيوية لا تجد من يدافع عنها فيسوّق الغرب فكرة الفراغ الذي عليه أن يملأه.

ولأن الضعف سمة ملازمة لبنية هذه الدويلات المجهرية، فإنها حولت الإمكانات الهائلة التي هبطت عليها باكتشاف الثروات الطبيعية التي منحتها رأس المال، وبزيادة أعداد سكانها، إلى مصادر ضعف وتبعية، مع أن العهد العثماني كان يتوق إليها وكان نقصها نتيجة المحددات الطبيعية آنذاك من أسباب الضعف الرئيسة فيه(21) وكانت الدولة في أشد الحاجة إليها في مجالها الأكثر ملاءمة لاستخدامها من المجال المجزأ الذي خلفها، فلما ظهرت عند دول التجزئة هذه الإمكانات الجديدة، التي تعد مصادر قوة في بلاد أخرى مستقلة، أصبح الجو غير ملائم لاستغلالها في أقطارنا المقسمة بعدما فقدنا المجال الجغرافي الواسع والموحد والمستقل الذي يتيح الفرصة للإفادة المثلى من موارده كافة، وأصبح العدد الكبير من البشرعبئا نتيجة العجز عن الاستفادة منه في ظل قلة الموارد الاقتصادية لدول الاكتظاظ السكاني، وصارت الثروة الاقتصادية مصدر ضعف في مواجهة الأطماع الخارجية بها في ظل قلة الموارد البشرية والامكانات الاستيراتيجية لدول الوفرة المادية، أي أن هذه الموارد الحيوية لم تفدنا في دعم مكانتنا الحضارية بل كانت نقمة في ظل التشتت وسوء الإدارة والتدخل الأجنبي(22) وأدت إلى مزيد من التبعية بدل الاستقلال، وزيادة التخلف المقنّع بدل التنمية الحقيقية، وذلك نتيجة ما أسماه الدكتور نادر فرجاني منذ بداية ثمانينات القرن الماضي: هدر الإمكانية.

وقد دفعت المصالح الغربية في بلادنا دول الغرب إلى العمل على إنشاء الوطن اليهودي في عقر دارنا “وأزالت هزيمة العثمانيين آخر العقبات أمام هجرة اليهود وشرائهم للأراضي”كما يقول المؤرخ الأمريكي مايكل أورين،(23) وعد الدكتور وليد الخالدي انتقال السيادة على فلسطين من العثمانيين إلى بريطانيا “الحدث الفصل” في بناء الدولة اليهودية في الفترة الواقعة بين انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 وقيام الكيان الصهيوني سنة 1948،(24) ورحبت القيادات الجديدة التي خلفت العثمانيين في العالم العربي، سواء القيادات السياسية المجزأة، أوالقيادات الفكرية المتغربة، والمتحالفة جميعا مع بريطانيا، رحبت بالتعاون مع الغرب لتحقيق الحلم الصهيوني مما زاد من أسباب التشرذم والاستنزاف والتبعية والضعف في بلادنا.

اعتراف الأب الروحي للسياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة: تواصل العرقلة

في مقال نشرته الواشنطن بوست في 31/3/2012 يتساءل عن حقيقة ظهور سياسة جديدة للتدخل الأمريكي تراجع السياسات التقليدية، اعترف وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر الذي مارس نفوذا كبيرا حتى بعد مغادرته منصبه، أن سياسة بلاده في “الشرق الأوسط” اهتدت لمدة أكثر من نصف قرن بأهداف جوهرية تتعلق بأمنها: 1- منع أية قوة في المنطقة من الظهور والزعامة، 2- تأمين التدفق الحر لموارد الطاقة الحيوية لتشغيل الاقتصاد العالمي، 3- محاولة التوسط لإحراز سلام دائم بين “إسرائيل” والعرب بمن فيهم الفلسطينيون.

هذه الأهداف مترابطة من جهة ولها متطلباتها من جهة أخرى، فمنع ظهور زعامة قوية من المنطقة يقتضي منع انتقال التقدم العلمي إلينا وبخاصة القوة العسكرية، وتأمين تدفق الطاقة يقتضي منع ظهور زعامة تتولى توحيد السياسة النفطية لدول المنطقة، وفرض الحل الأمريكي على قضية فلسطين يقتضي منع ظهور قوة تتحدى الوجود الصهيوني أو حتى على الأقل تفرض شروطا غير الشروط الأمريكية للحل.

وأشار كيسنجر في مقاله أيضا إلى ضرورة التعامل مع مواقف حكومات المنطقة من هذه الأهداف الأمريكية “بغض النظر عن الآلية الانتخابية التي وصلت بها هذه الحكومات إلى السلطة”، أي بغض النظر عن الديمقراطية التي يمكن الاهتمام بها إلى جانب القيم الإنسانية ولكن “ضمن إطار هذه الحدود” أي حدود المصالح، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام حكومة إسلامية منتخبة ديمقراطيا، ولكنها حرة في اتباع أحد القواعد الثابتة تقليديا في السياسة الأمريكية الخارجية وهي”ربط موقفها بمدى تطابق مصالحها مع سياسات هذه الحكومة”، فليس الالتزام الديمقراطي هو الحاسم بقدر المصالح المادية.

ثم يمن علينا بموقف الولايات المتحدة التي أنجزت عملا مهما في نظره بعدم إعاقة الثورات العربية (حقا؟ ولم تلتف عليها أيضا!)، ولكنه يعود لوضع هذه الديمقراطية في حجمها بإرشاد الإدارة الأمريكية إلى أن تقويم السياسة الأمريكية سيكون أيضا وفق ما ينتج عن الربيع العربي من التزام تجاه النظام الدولي (الذي تسيطر عليه أمريكا) والمؤسسات الإنسانية (التي تسيرها أمريكا أيضا)، وهذا يفسر المساعي الأمريكية والغربية المحمومة للتحكم في مستقبل سير الأحداث الثورية، تلك المساعي الواضحة للجميع والتي ترد على مخاوفه المبالغ فيها بحدوث تحولات جذرية في السياسة الخارجية الأمريكية.

كل هذه الملامح، أي التعامل مع بلادنا وفق المصالح التي حددتها الأهداف الثلاثة السابقة وتبعية شعارات المبادئ لهذه المصالح، شاهدتها أجيالنا التي عاشت في النصف الثاني من القرن العشرين بوضوح، ولكنها تمتد أبعد من ذلك في تاريخنا إلى اللحظة التي بدأ فيها احتكاكنا بالغرب، ولم تقتصر على السياسة الأمريكية وحدها.

عودة إلى الوراء

في يوم 29/1/1991 وأثناء احتدام حرب الخليج الثانية، استقال وزير الدفاع الفرنسي جان بيير شوفنمان اعتراضا على ما رآه انحرافا في الحرب عن الهدف المعلن وهو تحرير الكويت، والتحول نحو تدمير العراق، وقد قال ذلك رغم أن الحرب التي ستستمر أكثر من ثلاثة عشر عاما كانت ما تزال في بدايتها، ولكن ما رآه الوزير من أهوال كانت كافية للوصول إلى هذه النتيجة التي ربطها بأحداث تاريخية سابقة ومشابهة فقال إنه لأربع مرات في غضون قرن، ابتداء من محمد علي باشا ومرورا بالشريف حسين، فعبد الناصر وانتهاء بصدام حسين، يحطم الغرب بوحشية السلاح حلم نهضة عربية ودخولا عريضا إلى خط صناعة التاريخ العالمي المعاصر،(25) ولسنا هنا في مجال مناقشة من المسئول عن عدم نهضتنا: العوامل الداخلية أم الخارجية؟ ولكننا أمام حقيقة تاريخية ملفتة هي وقوف الغرب أمام كل المحاولات التي بذلت للخروج من حالة التخلف والذي يرجعه ساسة الغرب إلى عيوب في الشرقيين، وهو ما لم يغفل عنه الوزير شوفنمان ورد عليه قائلا: “لدينا اليوم هنا في أوروبا موضة جديدة وهي أن نرد مصائب العرب إلى دناءاتهم، فهم يشكون من الإذلال ومرد ذلك هو تخلفهم الطبيعي ورفضهم كل حداثة سواء تعلق الأمر بالعلمانية أو بوضع المرأة أو بقيمة العمل… وقد نسي الغرب موجه الاتهام أنه في كل مرة كان نظام عربي أو إسلامي يحاول الانفتاح على الحداثة كان الغرب يقطع عليه الطريق أو يحطم رأسه، فأمس مع محمد علي، والسلاطين (العثمانيين) المجددين، وأقرب من الأمس كان عبد الناصر، علما أن تجربة مصدق في إيران لن تسقط من الذاكرة”،(26) أما أن هذه النهضات لم تلب المقاييس القياسية الغربية للقبول(27) فهو ما لا يجب أن نأخذه على محمل الجد كثيرا، لأننا سنرى أن المصالح هي الفيصل بين الفرقاء، إذا تأمنت بلع الغرب أي عيب وإذا هددت ضخم أي خطأ، والمصالح المقصودة ليست موارد العيش بل مستلزمات الهيمنة على “الآخر” الذي لا يجد الاهتمام من متغربينا إلا لو كان غربيا أو صهيونيا!؟، هذا بالإضافة إلى أنه ليس من حق الغرب ولا غيره أن يصوغ الآخرين بقوالبه، فيحيي من يعجبه ويميت من يرفضه، وإن كان هذا هو ما حدث مع الأسف في غابة الغرب الداروينية التي كانت القوة فيها هي فصل المقال، ولكن الأعجب أن نجد من يسمي هذه الغابة فردوسا أرضيا.

ومع ذلك ليس لنا أن نتوقع أن الغربيين يتقمصون دور شخصية الساحرة الشريرة في قصص الأطفال والتي لا هم لها سوى إلحاق الأذى بالطيبين، لأن النفس البشرية عندما تقوم بعمل ما تغلف فعلها بمبررات وربما أساطير تخرجه في صورة مقبولة، ويكون ما يكشف عن الحقيقة هو الفعل ونتائجه، وهذا ما يحدث حتى مع أشنع الجرائم كجريمة الرق والتمييز العنصري التي قامت على أسس “علمية” عن تميز الأعراق الذي يقتضي هيمنة العرق الأبيض على غيره، لمصلحة الجميع طبعا، وأن استرقاق السود هو الأمر الطبيعي الذي يناسب تكوينهم ويجعل الطاعة العمياء هي فضيلتهم الأسمى، ولهذا لا نتوقع فيما يتعلق بنا أن يقول الغربيون إننا أشرار ونريد إلحاق الأذى بنهضة الشرق لكي لا يعيش أهله في تبات ونبات، بل نتوقع كثيرا من المبررات والمقدمات الخيرية والإنسانية بل والعلمية أيضا والتي لن تفضحها إلا الحقائق والمفارقات على الأرض، ومع ذلك لن يخلو الأمر من اعترافات صريحة في بعض لحظات التجلي ووقوف ساسة الغرب أمام الحقيقة المجردة وبخاصة بعدما جعلت الحضارة الغربية الحديثة المنفعة الأنانية حافزا مشروعا لسلوك الإنسان.

ومن استقراء المحاولات النهضوية السابقة نجد أن الخلاف بين مصالح الغرب وبروز قوة شرقية عربية أو إسلامية، مهما كان توجهها نحو الغرب، هو السبب في الدمار الذي ساقه الغربيون لهذه المحاولات، ولم يكن العداء للغرب هو الذي ساق الغربيين للهجوم عليها، أو تهديد مصالحه المشروعة في التبادل المتكافئ، ولكن كما قال المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري إن هناك فرقا بين المصالح المجردة وتشخيص المرء مصالحه حسب رؤيته وميوله،(28) وربما كانت مصلحة الإنسان في جهة بينما يرى هو أنها في جهة مختلفة فيتصرف على أساس تشخيصه لا على أساس المصلحة المطلقة، وقد شخص الغرب مصالحه في بلادنا على أساس الهيمنة لا المعاملة المتكافئة، واستبعد القبول بأية حالة مستقلة فيها، ولهذا نرى دفاعه دائما منصبا على الحفاظ على سيطرته بغض النظر عن مصالح أصحاب البلاد، وإن غلف سعيه هذا برايات الحضارة والتمدن بل وربما الحرص على الشعوب، ولكنه كالحرص على مصلحة الأفارقة باستعبادهم، وسنسمع في بعض اللحظات الإدراكية، كما يسميها المسيري رحمه الله، الحقيقة المجردة، وقد وصف الدكتور جيرمي سولت هذه النظرة الغربية القائمة على نظريات عرقية نبعت من غطرسة التاريخ التوسعي الامبريالي: “نحن نهاجم وأنتم المهجوم عليكم، نحن نجتاح وأنتم من يتعرض للاجتياح، نحن نحتل وأنتم من تحتل بلادكم، نحن نهدد وأنتم ترتعبون، نحن نحاضر وأنتم تستمعون، نحن نقتل وأنتم القتلى”.(29)

1- مشاريع مصر:

ولو بدأنا بمشروع محمد علي باشا لوجدناه استفتح بالحرص على الاتفاق مع أوروبا، وبخاصة بريطانيا وفرنسا، وكان هو في تلك اللحظات موضع القبول والرضا بل والتشجيع ولم يثر في وجهه أي من الاعتراضات التي يسطرها المتغربون اليوم في دفاعهم عن مواقف أسيادهم النهائية من مشاريع نهوضنا، وكان مراد أوروبا من دعمه بداية هو شطر الدولة العثمانية إلى شطرين، ولكنه عندما أفصح عن أهدافه النهائية إلى القناصل طالبا بسذاجة عون أوروبا – بدل التنسيق مع السلطان العثماني الأقرب وصاحب المصلحة المباشرة- في “إيقاظ طاقة الأمة الإسلامية الراكدة وإلى إقامة الإمبراطورية العثمانية على أسس جديدة”(30) انقلب الدعم إلى إعاقة والصداقة إلى عداوة، ولم يكن السبب في ذلك الخشية من أن يقوم محمد علي بغزو بريطانيا مثلا بل بسبب الأوضاع التي ستنشأ بعد قيام دولة قوية ترفض تسليم مواردها إلى النهب الأجنبي الذي كان قائما في ظل الإدارة العثمانية الضعيفة، أي أن بريطانيا ومن خلفها أوروبا خشيت أن يستولي الباشا “على عرش العثمانيين عزيز الجانب موفور الهيبة”(31) في منطقة حساسة تقع على طريقها إلى الهند وتتمتع فيها بامتيازات تجارية واسعة لن تقبل بها حكومة قوية، وتحت شعار الحفاظ على سلامة الدولة العثمانية، أهمل الأوروبيون كل التقارير التي تحدثت عن التطور في إدارة الوالي والتحسينات التي دخلت على أراضيه ونسوا كل تبجحاتهم التي كانت تتحدث عن جلب الحضارة للمتخلفين، ولم تنفع كل التنازلات التي بذلها لمصالحهم تحت سلطته – كتيسير الحج المسيحي وتسهيل أعمال الإرساليات والموافقة على تنازلات اقتصادية- في قلب الموقف لأن التناقض كان موضوعيا وليس شخصيا، ووقفوا يتفرجون على السباق بينه وبين السلطان العثماني محمود الثاني ثم عبد المجيد الأول في بذل التنازلات لكسب التأييد الغربي لأحدهما ضد الآخر، وحرصوا على الإمساك بخيوط التفاوض وعدم السماح باتفاق الطرفين وعلى تأجيج الصراع بينهما حسب القاعدة اللازمة لأي استعمار وهي فرق تسد، وحتى فرنسا التي دعمته بقوة فضلت التناغم مع أوروبا على متابعة مصالحها مع الوالي منفردة، وأُعلنت الحرب الشاملة ضد الباشا ورفعت شعارات تناسب الموقف كتحرير الأهالي من “النير المصري”، إلى أن قلصت سلطته إلى حكم مصر وحدها ودُمر الأساس الاقتصادي لنهضته(32) وفي لحظة هزيمة مشروعه نشأت لدى بريطانيا فكرة الوطن اليهودي في فلسطين ليكون حائلا ضد أية مخططات “خبيثة” في المستقبل لمحمد علي أو لخلفائه بإقامة دولة تحكم مصر والشام والجزيرة العربية،(33) وهكذا ولدت مصلحة قديمة مصلحة جديدة، والكل نابع من الحتميات الجغرافية والاستيراتيجية، والجيولوجية فيما بعد بظهور النفط، والتي ولدت المصالح الاقتصادية والسياسية.

وتحولت مصر إلى ولاية ضعيفة ما لبثت أن وقعت في فخ الديون التي بذلها الأوروبيون للخديو إسماعيل بكل سخاء حتى إذا أفاق وحاول استدراك ما فاته بالحد من تدخلهم تحول إلى عدو قاموا بشيطنته وعملوا على إقصائه بعدما جاروه في خططه للاستقلال عن الدولة العثمانية في عملية إحياء الخطة التي جربوها مع جده ولكنها لم تنفعهم آنذاك بسبب طموحات محمد علي وقوته، أما إسماعيل فكان ضعيفا ولم يزده “استقلاله” إلا ضعفا، إذ انفرد الأوروبيون به وشجعوه على هذا الاستقلال الذي يكشفه أمامهم، ومع أنه لم يجد من يقف إلى جانبه من شعبه أو الدولة العثمانية صاحبة السيادة التي تبنى صدرها الأعظم خير الدين التونسي عملية عزله وأيده السلطان في ذلك،(34) فإننا يجب أن نفرق بين دوافع كراهية الغرب له وكراهية العثمانيين والمصريين له، ففي الوقت الذي عاداه مواطنوه بسبب أخطائه ولم يغفروا له توريط مصر بشباك الأوروبيين، ورأوا في رحيله إنجازا، كان الغرب يعاديه بسبب لحظات الإفاقة الأخيرة التي لم يضمن فيها مصالحه وكان يرغب في استمرار الغيبوبة التي كرّهت المصريين والعثمانيين في إسماعيل، وبكلمات أخرى لقد كره المصريون والعثمانيون إسماعيل بسبب التدخل الغربي وكرهه الغربيون بسبب محاولته وقف هذا التدخل، أي أن هناك تضارب مصالح موضوعي بين مشاعر الشرقيين والغربيين وإن اتفقوا في لحظة غفلة على فعل عابر، وبهذا أصبح إسماعيل في عيون الغربيين مستبدا لا لأنه أرهق فلاحيه – وهو أمر كانوا يقبلون به ما دام متماشيا مع مصالحهم المالية- بل لأنه استعمل حقه في إقالة الوزارة المصرية التي يشترك الأوروبيون فيها، أي أنه لم يقل وزارة أوروبية في أوروبا بل أقال تدخلا أوروبيا في مصر، وعند إقالته لم يضع الأوروبيون مشروع دستور مصري على قائمة أولوياتهم وعاد توفيق بن إسماعيل إلى الحكم المستبد الذي لم يكن “إلا استبداد الماليين الأوربيين” كما يقول تيودور رتشتين ويعلق قائلا: “ذلك هو الشكل الذي تأخذه عادة غيرة أوربا على الإصلاح إذا ما تأثرت بعوامل الربح والمنفعة”،(35) ولكن بما أن معارضة إسماعيل زالت فإن اللورد كرومر لا يرى استبدادا إلا فيه وليس في نفسه، كما رأى اعتزاله “إيذانا بالقضاء على حكومة الفرد المطلقة في مصر”.(36)

ولما قام الجيش المصري بزعامة أحمد عرابي بالثورة على استبداد الخديو سنة 1882، ثورة بدأت بالمطالبة بحقوق محدودة ثم اتسعت للمطالبة بحقوق المصريين كافة، لم تتلقاها أوروبا بالترحيب، وليس سبب ذلك ذاتيا، فقد طمأن عرابي باشا الغربيين على أنفسهم وحقوقهم، بل كان لديه ثقة في رئيس الوزراء البريطاني غلادستون واعتقاد بحب الإنجليز الحرية وأنهم إذا اطلعوا على الحقائق سيقفون إلى جانب المصريين،(37) وهو اعتقاد سيتكرر عند ساستنا وثوارنا كثيرا فيما بعد، ولكن المشكلة أن التناقض كان موضوعيا للخلاف على تحديد هذه الحقوق: هل هي فقط الأموال التي أقرضتها أوروبا لمصر أم أنها تشمل هيمنة الغربيين عليها والذين سمح لهم ضعفها باتباع سياسات السلب والنهب؟ هذا بالإضافة إلى موقع مصر وقناة السويس على طريق الهند الذي تعده بريطانيا حقا من حقوقها المكتسبة، وقد تنبه صاحب تاريخ المسألة المصرية إلى هذا التناقض الموضوعي بين مصالح مصر التي يمثلها أي حكم وطني والمصالح التي يرى الغربيون أنها من حقوقهم وهي ليست كذلك، فقال: “مهما حسنت نيات القائمين بالحركة الوطنية (تجاه أوروبا) فإنهم لا بد أن يمسوا مصالح الأوربيين الكثيرة التي تمثلها الرقابة الأوربية وكثرة الموظفين الأوربيين والمزايا الكثيرة التي يتمتع بها الأوربيون بعبثهم بالامتيازات الممنوحة لهم، وكانت أوربا تعلم حق العلم أن مصالحها في مصر قائمة على النهب والسلب، وأنه إذا استقلت مصر واشتد ساعدها عاجلا أو آجلا فلا بد أن يضحى بهذه المصالح من أجل ما هو أهم منها ألا وهو مصالح الأمة المصرية”،(38) ولهذا لم تنفع كل جهود عرابي في طمأنة الغربيين كما لم تنفع من قبل طمأنة محمد علي إياهم، كما لم ينفعه تصديق الوعود الفرنسية وعدم المبادرة إلى الهجوم على الجيش البريطاني في إثبات نواياه السلمية مع أن الإنجليز محتشدون أمام سواحل مصر وليس أمام سواحل بريطانيا،(39) وفشل الفرنسيون في الالتزام بوعدهم بالتصدي للإنجليز إذا لم يبدأ الجيش المصري بالهجوم،(40) وهذا الموقف السياسي سيتكرر في مواجهاتنا مع الغرب فيما بعد وبخاصة سنة 1967، وهجم الإنجليز على مصر مرتكبين القتل والقصف والذبح، بحجة الدفاع عن النفس، مع أن الجيش المصري لم يغز لندن! وسنسمع حجة الدفاع عن النفس هذه كثيرا بعد ذلك منهم ومن ورثتهم الأمريكان في بلادنا، وحجة مناصرة السلطة الشرعية الممثلة بالخديو، ونسوا كل دروسهم المضادة للاستبداد كما تجاهلوا المحاولات المستميتة التي بذلتها السلطة الشرعية ممثلة بالدولة العثمانية صاحبة السيادة على مصر لدرء كل محاولات التدخل الأجنبي، وأسلوب “المساعدة” الإجبارية هذا ليس غريبا عمن كانوا يجلبون التحضر لشعوب بإبادتها، ووقعت مصر كغيرها في أسر الاحتلال البريطاني الذي ادعى أنه أتى مرغما! وسيظل مؤقتا، بل لقد نفى رئيس الوزراء البريطاني أن تكون حرب قد قامت أصلا في مصر!،(41) وبذل الإنجليز العشرات من وعود الجلاء واحترام الاستقلال، تماما كما سيحترم الأمريكان فيما بعد سيادة العراق واستقلاله في نفس الوقت الذي كانوا يغزونه فيه، ولم ينفذ شيئ من وعود الإنجليز،(42) حتى خرجوا من مصر مرغمين ولكن بإرغام يختلف عن الإرغام الذي دخلوا به!؟ أما عن حصيلة هذا الاحتلال الذي جاء إلينا مرغما ليمدننا فيقول المؤرخ هرشلاغ الذي لا يكن عداء للظاهرة الاستعمارية ويعدد منجزاتها وإخفاقاتها بحياد بارد بعيدا عن مفهوم الاستقلال القومي ويرفض تحميل الاحتلال وزر تحطيم إنجازات حكام مصر، يقول: “على الأكثر يمكن أن يقال أنه، فيما عدا المجال المالي والنقدي، فإن الحكم الإمبريالي البريطاني، بمراعاته مصالحه الأنانية لم يبذل أية محاولة جدية لإصلاح الضرر الذي وقع على البلاد على أيدي حكامها، بمن فيهم محمد علي، ولا أن يمنح مصر الدفعة الكبيرة نحو انطلاق صناعي حديث”،(43) ولسنا في مجال مناقشة رأيه أو إثبات أنه حتى المجال المالي والنقدي كان من المصالح الأنانية للاحتلال ولكن يكفي أنه حتى من لم ير إجراما في هذا الاحتلال لا يستطيع الدفاع عن إنجازاته فضلا عن إثبات أنه قام بمهمته التمدينية، وفي هذا دليل آخر على تباين المصالح بيننا وبين الغربيين الأمر الذي لا ينتج النهايات السعيدة المرجوة من أي التقاء مصالح بين الطرفين، وبسبب الميل الكبير في ميزان القوى لصالح الغرب، لسنا بحاجة إلى منجم يكشف لنا عن الطرف الفائز في أي لقاء من هذا النوع

ولما قام الجيش المصري بثورة يوليو 1952 لم تكن قيادة الثورة تحمل عداوة إلا للمحتلين بلادها من الإنجليز، ولم يكن لديها تصور عام عن معاداة الغرب، بل إن الرئيس جمال عبد الناصر يسرد للكاتب الفرنسي بنو ميشان عن إعجابه الابتدائي بالثورة الأمريكية وإنجازات التجربة الأمريكية، إعجابا يذكرنا بإعجاب عرابي بالحرية الإنجليزية: “وبكل سذاجة كنت مقتنعا بأن الأمريكيين هم أعداء الاستعمار”(44) كما قال بنفسه، بل إن الثورة في البداية ظنت إمكان الالتفات إلى علاج وتطوير الشأن المصري الداخلي في وجود عدو كإسرائيل على الحدود،(45) وعندما أعلن أنتوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني مبادرة سنة 1955 لتسوية النزاع العربي الصهيوني وفق قرارات الأمم المتحدة، “لم يلبث جمال عبد الناصر أن أعلن أنها فكرة جديرة بالنظر وأنه سيقوم بدراستها”(46) كما يتذكر وزير الخارجية المصري السابق محمد إبراهيم كامل، والمراد من هذه الشواهد إثبات حسن النية لدى قيادة الثورة ابتداء والظن أنها من الممكن أن تترك وشأنها لتحسين شئون بلدها، ولكننا نعود مجددا إلى التناقض الموضوعي الذي لا يعتمد على النوايا الذاتية والذي تحدث عنه تيودور رتشتين زمن الثورة العرابية، وهو ما يجب أن يستفيد منه دعاة الانكفاء على القضايا المحلية في يومنا هذا، فالكيان الصهيوني لم يكن في تلك الفترة، كاليوم تماما، راغبا في أي سلام قد يفتح ملفات حدوده الممتدة خلف خطوط التقسيم أو مسألة اللاجئين وهما قضيتان علق قبول الكيان في الأمم المتحدة على القبول بقراري 181 و194 بشأنهما، ولهذا أعلن بن غوريون رفضه مبادرة إيدن التي”لايبررها القانون ولا الأخلاق ولا المنطق”!،(47) وهو درس كان ينبغي على كل المعتدلين من أنصار قرارات الأمم المتحدة الاعتبار به منذ تلك اللحظة، وظل الصهاينة يصعدون التوتر الذي وصل ذروته باحتلال منطقة العوجة والغارة على غزة سنة 1955 مما جعل الرئيس عبد الناصر يعيد حساباته بشأن حقيقة “إسرائيل” واكتشف أنها ليست حدودا مسروقة خلف خطوط الهدنة فقط وإنما هي في حقيقة أمرها رأس حربة للاستعمار، كما قال في خطابه يوم 22 يوليو 1957، أما الولايات المتحدة، فبعيدا عن دعمها المطلق للكيان الصهيوني، قد عاملت قيادة الثورة، التي ابتدأت معجبة بإنجازات في التجربة التاريخية والحضارية الأمريكية، بالغطرسة الاستشراقية المعروفة التي لا تقبل إلا أن يكون الغربي سيدا والآخرون أتباعا(48) بعيدا عن أي تكافؤ في العلاقة، وقد فوجئ الأمريكيون من رفض الرئيس ناصر عرض نفسه للبيع “وأيدت السي آي إيه حملة طويلة وبطيئة من الإفساد ضد مصر” كما أفادت وثائق المخابرات الأمريكية،(49) وظل الخلاف يتصاعد إلى أن ضربت التجربة النهضوية برمتها سنة 1967 بعد الركون إلى طلب مشابه للطلب الذي قدم لأحمد عرابي بألا يكون البادئ بالهجوم، وكان الخلاف الأمريكي الصهيوني في هذه الحرب خلاف أشقاء رغم ما حدث للسفينة الأمريكية ليبرتي، الأمر الذي يختلف عن التناقض الذي حدث بين الطرفين أثناء العدوان الثلاثي سنة 1956، وهو ما منح الصهاينة حرية الحركة هذه المرة دون التخوف من رد فعل أمريكي حاسم،(50) وفي لحظة صراحة تدل على ثقة مطلقة بالنفس المتغطرسة أمام هزيمة ضحيتها، اعترف الإرهابي الذي اعتلى سلطة الكيان الصهيوني مناحيم بيغن بحقيقة الموقف آنذاك عندما قال في سنة 1982 وهو يتحدث عن الحروب التي خاضها كيانه: “كان لدينا الخيار أيضا في يونيو 1967، فتجمعات الجيش المصري في ممرات سيناء ليست برهانا على أن ناصرا كان في الحقيقة على وشك أن يهاجمنا، ولنكن صادقين مع أنفسنا، لقد قررنا نحن أن نهاجمه”.(51)

لا نسوق هذه الأمثلة الآن لنثبت حسن نوايانا وبياض صفحتنا أو نستخرج شهادة حسن سلوك دولي لأنفسنا، وهذا لسبب بسيط هو ثبات عقم هذه السياسة التي جربت على مدار عشرات السنين وفي حوادث كثيرة وفشلت في إحداث أي تقدم لنا، وثبت فيها أن التناقض الموضوعي بين مصالح أمتنا والمصالح كما يحلو للغرب أن يراها غير قابل للتقريب بين وجهتي النظر على قاعدة التكافؤ بين طرفين متعادلين يسعيان لتبادل المنافع، وأنه ما دام في المعادلة قوي وضعيف وما دام الغرب متمسكا بوجهات نظره المتعلقة بالمصالح المهيمنة وبالنظرة الدونية إلى غيره فلا أمل في التفاهم إلا على قاعدة الاستتباع الذي يقبل التابع فيها أن يكون منفذا لما يؤمر به من برامج المتبوع على حساب مصالحه العليا وأهدافه البعيدة ويمكن له أن يقنع في ظل هذا الظرف بأن يعيش آكلا شاربا نائما في حياة استهلاكية تختلف درجاتها حسب الظرف ويعيش فيها العاجل على حساب الآجل كالعجل الذي يسمّن ليؤكل ولا يكون له أي دور في التقرير الحقيقي لمصيره ومصير أجياله.

*****

الهوامش

1- الدكتور علي محافظة، بريطانيا والوحدة العربية 1945- 2005، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص31- 32.

2- الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، هيئة الموسوعة الفلسطينية، بيروت، 1990، المجلد السادس، دراسة الدكتور عبد الوهاب المسيري: الصهيونية، ص334.

3- الدكتور علي محافظة، ص45.

4- نفس المرجع، ص195.

5- الدكتور جوزف حجار، أوروبا ومصير الشرق العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1976، ترجمة: بطرس الحلاق وماجد نعمه، ص29 و32.

6- Resat Kasaba، The Ottoman Empire and the World Economy، State University of New York، 1988، p. 52.

7- إريك هوبزباوم، عصر الثورة: أوروبا 1789- 1848، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ترجمة: فايز الصياغ، ص212.

8- إريك هوبزباوم، عصر رأس المال: 1848- 1875، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008، ترجمة: فايز الصياغ، ص215.

9- إريك هوبزباوم، عصر الإمبراطورية 1875- 1914، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011، ترجمة: فايز الصياغ، ص164.

10- دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700- 1922، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004، ترجمة: أيمن أرمنازي، ص161.

11- مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال، كلمة وكلمات عربية، أبو ظبي والقاهرة، 2008، ترجمة: آسر حطيبة، ص335.

12- Resat Kasaba، p. 54..

13- السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية 1891- 1908، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص96.

14- Phillip Knightley and Colin Simpson، The Secret Lives of Lawrence of Arabia، McGraw- Hill Company، New York، 1969، p. 60- 61.

15- نفس المرجع، ص70- 71.

16- نفس المرجع، ص66.

17- Morris Jastrow، The War and the Bagdad Railway، BiblioLife، Charleston، p. 118.

18- وليد الخالدي، فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية والنادي الثقافي العربي، بيروت، 2009، ص255- 256.

19- أكمل الدين إحسان أوغلى (إشراف)، الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، إستانبول، 1999، ترجمة: صالح سعداوي، ص736- 741. وأيضا:

– Jonathan S. McMurray، Distant Ties، Praeger، London، 2001، p. 123.

20- روجر آلن (تحرير)، إبراهيم المويلحي: الأعمال الكاملة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007، ص29. وأيضا:

– أكمل الدين إحسان أوغلى، ج1ص429.

21- دونالد كواترت، ص238.

22- الياس توما، التطورات الاقتصادية والسياسية في الوطن العربي منذ سنة 1950، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، 1987، ترجمة: عبد الوهاب الأمين، ص63و260.

23- مايكل أورين، ص409.

24- وليد الخالدي، ص288.

25- حمدان حمدان، الخليج بيننا، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، 1993، ص الغلاف الخلفي.

26- نفس المرجع، ص684- 685.

27- فردريك معتوق، مرتكزات السيطرة الغربية، المجلس الأعلى للثقافة، 2009، ص55.

28- الدكتور عبد الوهاب المسيري، أسرار العقل الصهيوني، دار الحسام، القاهرة، 1996، ص3- 4.

29- د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط، دار النفائس، دمشق، 2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل، ص450.

30- الدكتور جوزف حجار، ص96.

31- نفس المرجع، ص162.

32- ز. ي. هرشلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، دار الحقيقة، بيروت، 1973، ترجمة: مصطفى الحسيني، ص119.

33- – رفيق شاكر النتشة، الاستعمار وفلسطين، دار الجليل للنشر، عمّان، 1984، ص177.

34- الصادق الزمرلي، أعلام تونسيون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986، ص106- 107.

35- تيودور رتشتين، تاريخ المسألة المصرية 1875- 1910، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1950، ترجمة: عبد الحميد العبادي ومحمد بدران، ص107.

36- نفس المرجع نقلا عن كتاب مصر الحديثة لكرومر.

37- ألفريد سكاون بلنت، التاريخ السري لاحتلال انجلترا مصر، مكتبة الآداب، القاهرة، 2008، ص 285.

38- تيودور رتشتين، ص 135.

39- ألفريد سكاون بلنت، ص 286.

40- نفس المرجع، ص 287.

41- د. جيرمي سولت، ص 58.

42- القضية المصرية 1882- 1954، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1955، ص 21- 28.

43- ز. ي. هرشلاغ، ص 166.

44- بنوميشان، ذكريات سياسية 1957- 1958، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2002، ص 25.

45- جوناثان ديمبلبي ودونالد ماك كوين، الفلسطينيون، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ص 114.

46- محمد إبراهيم كامل، السلام الضائع في اتفاقيات كامب ديفيد، الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، ص 53.

47- الدكتور علي محافظة، بريطانيا والوحدة العربية 1945- 2005، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص 145.

48- بنو ميشان، ص 25- 26.

49- تيم واينر، إرث من الرماد، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2011، ترجمة: أنطوان باسيل، ص 181- 182.

50- د. جيرمي سولت، ص 279. وأيضا:

– مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال، كلمة وكلمات عربية، أبو ظبي والقاهرة، 2008، ص 511. وأيضا:

– دوجلاس ليتل، الاستشراق الأمريكي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009، ص198

51- بول فندلي، الخداع، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1993، أشرف على الترجمة: الدكتور محمد يوسف زايد، ص85.


سؤال من وحي استمرار نكباتنا: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا؟ (2) شعبان الصوان

9 يونيو 2015

2- المشروع العراقي:

ودارت الأيام ليقع العراق في نفس المعضلة بين طموحه نحو مكان لائق بين الأمم ورغبة غربية جامحة للهيمنة على هذه البلاد، وبدأ كما بدأت غيره من القيادات الثورية، راغبا في علاقات متوازنة مع الغرب أو كما قال الوزير سعدون حمادي لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر سنة 1975: “العراق ليس مغلقا بوجه الولايات المتحدة

وليس هناك اعتراض على تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة على المستويين الاقتصادي والثقافي، ولكن فقط على أساس عدم التدخل في الشئون الداخلية”،(1) ويجب ملاحظة أن هذا الكلام كان أثناء انقطاع العلاقات السياسية بسبب الكيان الصهيوني وحرب 1967، وقد استعان العراق في بناء نهضته بجهات غربية مختلفة(2) لم تبطئ في المساعدة وبخاصة أثناء المواجهة العراقية الإيرانية التي كرر الغرب فيها موقفه من المواجهة المصرية العثمانية زمن محمد علي باشا حين منع الغربيون اتفاق الطرفين وصبوا الزيت على نار الحرب بينهما، وهذا لا يبرئنا من التبعة أو يعفينا من المسئولية التي يجب أن تتوجه نحو تحديد أكثر دقة للأعداء وتوجيه أكثر فاعلية للقدرات، وقد أدركت القيادة العراقية هذه الحقيقة عندما كشر الغربيون عن أنيابهم فحاولت مد الجسور مع إيران لمواجهة العدو المشترك منذ الغزو الصهيوني للبنان سنة 1982 ثم جددت محاولتها بعد اندلاع أزمة الخليج سنة 1990، ولكن لم يشخص الطرف الإيراني مصالحه بنفس الاتجاه مع الأسف وفضل التعامل مع العراق بمنطق الثأر حتى لو أدى هذا إلى الاصطفاف مع الشيطان الأكبر ومردته الصغار، وقد أثبتت وثائق المخابرات الأمريكية أن السي آي إيه حاولت العمل مع أول رئيس حكومة في إيران بعد الثورة، كما حاولت التأثير فيه “وتعبئته ضد صدام حسين” و”إنه تم إجراء محادثة ما حساسة، وحساسة جدا وسرية على مستوى رئيس الوزراء، وبلغنا في الواقع حد الجلوس معهم وإعطائهم معلومات استخباراتية سرية للغاية عن العراق” كما أفاد القائم بأعمال السفارة الأمريكية في طهران بروس لينغن،(3) والغريب أن تتبع القيادة الإسلامية فيما بعد خطى القيادات التي وصفتها بالعلمانية والخيانة وأقصتها من مناصبها بعد كشف صلاتها وتخابرها مع الأمريكان، واستمرت حرب طويلة وطاحنة مع العراق أهدرت فيها الأرواح الغالية والإمكانات الثمينة، ولما خرج الطرفان ضعيفين من المعركة سنحت الفرصة للغربيين للاستفراد بكل واحد منهما على حدة لمنع طموحاته الضارة بالهيمنة الغربية، وقد نجحت هذه السياسة حتى الآن لسوء حظنا.

وقد انتهت سياسة غض النظر الغربي عن النهضة العراقية مع بداية أزمة الخليج سنة 1990 التي نظر إليها الغربيون من زوايا النفط والكيان الصهيوني وامتلاك أمتنا ناصية قوة غير موجهة من البعد الغربي، أما موضوع الكويت فلسنا بحاجة لكثير من التأمل لنعرف أنه لم يكن على قائمة الاهتمامات الغربية إذا تذكرنا السخرية التي تحفل بها الثقافة الغربية عموما بشخصية العربي وردائه التقليدي وسلوكه الترفي وغناه المالي واستهتاره الخلقي والتي صنعت إسقاطا نموذجيا لرؤاها الاستشراقية هذه على الفرد الخليجي، وقد دلت بعض المواقف النادرة في صراحتها على هذه الأمور.

أما زاوية النفط فقد سبق مبدأ كارتر سنة 1980 أزمة 1990 بجعل تهديد الخليج ونفطه تهديدا للولايات المتحدة، ومع أن العراق لم يمنع النفط فإن الرؤية الأمريكية تعارض امتلاك جهة واحدة في بلادنا الناصية النفطية وتفضل التعامل مع شراذم متفرقة من الباعة، وقد جاء في تقرير لجنة الطاقة والموارد الطبيعية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 1979/11/7 المقدم إلى الرئيس كارتر: “يجب ألا نسمح بظهور دولة عربية قوية سياسيا واقتصاديا قد تفرض سياسات وطنية على دول الخليج وترفع من أسعار النفط، كما يجب ألا نسمح باستقرار الأحوال السياسية والعلاقات العربية- العربية”،(4) ولهذا صرح الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون قبل اندلاع الحرب سنة 1991 بأيام بحقيقة الموقف لصحيفة الهيرالد تريبيون وفند الأقوال المرائية بشأن الدافع الأمريكي: “إنه من الرياء الإيحاء بأننا نأمل بهذا الأمر إقامة الديمقراطية في الكويت… كذلك كون صدام قائدا مستبدا لايبرر تدخلنا… إن الولايات المتحدة تجيء إلى الخليج لسببين رئيسين: الأول أن لصدام أطماعا غير محدودة في السيطرة على أهم المناطق الاستيراتيجية في العالم، وإذا كان السيناتور بول قد قال بأن النفط هو سبب مجيئنا إلى الخليج وعد وزير الخارجية بيكر أننا في الخليج لأداء واجبنا، وإذا كان قد جرى انتقادهما لتبريرهما تصرفاتنا على أسس أنانية، فإنني أقول إنه ليس علينا أبدا الاعتذار لدفاعنا عن مصالحنا الاقتصادية الحيوية، إننا لا يمكن أن نسمح لصدام حسين بأن يبتزنا ليكرهنا على القبول بغاياته وتركه يمسك بصمام الطريق الحيوية لنفطنا”،(5) ويتضح من هذا الكلام أن الغرب يعارض أية حالة تمسك فيها جهة محلية واحدة صمام “نفطه”! وهذا ما يعيدنا إلى التعارض الموضوعي بين مصالحنا في التجمع والنهوض ومصالحهم في شرذمتنا ونهبنا متفرقين.

وأما الزاوية الصهيونية في الحرب فقد عبر عنها قائد قوات التحالف الجنرال شوارتزكوف حين قال في حديث مع مراسل إذاعة الجيش الصهيوني في واشنطن: “لقد قدمت إسرائيل لنا مساعدات قيمة وهامة جدا في حربنا ضد صدام حسين، ولا أريد الكشف عن تفاصيل مثيرة ولكني أقول إن إسرائيل قدمت لنا أكثر بكثير مما طلبنا منها… إن الحرب التي خاضها رجالنا في منطقة الخليج ضد صدام حسين كانت من أجلكم… من أجل إسرائيل، وقد عمل الرجال على تحطيم عدوكم، العدو الرئيسي لكم في المنطقة”،(6) أما زاوية رفض امتلاكنا ناصية قوة ما فقد استبق الكيان الصهيوني الموقف الغربي عندما دمر المفاعل النووي العراقي سنة 1981 أما بعد ذلك فإنه لا تحرير الكويت ولا حماية جيران العراق كان يتطلب إرجاع العراق إلى عصر ما قبل الصناعة كما هدد جيمس بيكر، وتم تنفيذه في حرب 1991 وما بعدها، ولكن ما يتطلب ذلك هو ما كان تعلنه وتطبقه دول الغرب بكل وضوح ودون مواربة من ضرورة احتفاظ الكيان الصهيوني بالتفوق النوعي على مجموع العرب، مع الحفظ في الذاكرة الدور الأمريكي في صب الزيت على نار الحرب العراقية الإيرانية بأسلحتها التي مُنحت للطرفين، كما صرح الرئيس بوش في يوم 2 نوفمبر 1990 أثناء احتدام الأزمة في الخليج: “إننا نسعى إلى إزالة خطر القوة العراقية من المنطقة أساسا… وإن هذا الهدف لن يتغير حتى إذا قرر صدام أن يسحب قواته من الكويت”.(7) ويجب أن نتذكر هذا دائما وأن إنقاذ الكويت ليست من أولويات الرئيس كما يصرح بنفسه لأن عينه كانت على صمام “نفط الغرب”! كيف لا وأدبيات الأصولية المسيحية تدخل الكويت ضمن الأرض الموعودة التي تضمها حدود إسرائيل الكبرى وتنادي بذلك أمام الملايين(8) ولا يعترضها أحد هناك، فهل كان الرئيس الأمريكي سيهب لنجدة الكويت لو كان الصهاينة هم الذين احتلوها بأمر التوراة؟؟ أم “سيسارع المعلقون إلى القول بأن صيانة مملكة شرق أوسطية من طراز القرون الوسطى في بلد اقتطعه السادة البريطانيون الاستعماريون من العراق، قضية غريبة جدا لا تستدعي المخاطرة بالأرواح الأمريكية” كما تخيل الاقتصادي الأمريكي لستر ثورو تسلسل الأحداث لو وقعت أزمة الخليج بظروف مختلفة عما حدث فعلا.(9)

تكشفت العوامل السابقة بشكل واضح بعد خروج القوات العراقية من الكويت ومع ذلك استمرت الحرب بقصف الجيش المنسحب واستمرار الحصار والقصف بعد ذلك لمدة ثلاثة عشر عاما تحسنت أثناءها علاقة العراق بمعظم جيرانه الذين يدعي الأمريكان الحرص عليهم ورفض غالبيتهم المشاركة في غزوه في سنة 2003 على الأقل بالكلام مما يؤكد عدم شعبية التعاون مع أمريكا آنذاك، وسقطت معظم الأقنعة ومنها قناع القرارات الدولية التي كانت ضد احتلال الكويت فإذا بها تضفي الشرعية على احتلال العراق ولم يبق في الساحة سوى العوامل الحقيقية في تدمير النهضة العراقية وهي العامل الصهيوني والنفط وعرقلة قوة عربية إسلامية يمكن أن يتفاقم أمرها في مسار مضاد للهيمنة الغربية الساحقة، أي المجالات التي سيتخذ أي نظام محلي مستقل إجراءات فيها ضد المصالح الغربية كما شخصها الغربيون وهذا ما أسميناه التعارض الموضوعي الذي ينشأ بين المصالح الشرقية والغربية ولا يعتمد على النوايا الذاتية.

استمر العامل الصهيوني نشطا أثناء فترة الحصار، ويجب الإشارة هنا إلى أن فكرة حصار العراق نشأت قبل أحداث الكويت وحض عليها زعيم الأقلية الجمهورية آنذاك في مجلس النواب الأمريكي نيوت غينغريتش، صاحب المواقف الصهيونية الشهيرة والمستمرة إلى اليوم، في مؤتمر اللوبي الصهيوني، الإيباك، في يونيو 1990 وطلب من اللوبي “حث الكونغرس والإدارة الأمريكية على فرض حصار اقتصادي وسياسي شامل ضد العراق “لأن” العدو الأول والأخير لإسرائيل هو العراق” كما جاء في تقرير الصحفي تمام البرازي من الاجتماع،(10) بل إننا نجد أن تقسيم العراق وإضعافه كان بندا رئيسا على جدول “خطة إسرائيل في الثمانينات” كما نشرت في الكيان الصهيوني سنة 1982 قبل الخلاف على الكويت بزمن طويل.(11)

ولما استمر الحصار بعد انتهاء مشكلة الكويت ظل الصهاينة يحاولون جر العراق إلى حظيرتهم، ويكشف الناشط الحقوقي إسرائيل شاحاك في مقال نشر في 21/2/ 1994 أنه بعد نهاية الحرب سنة 1991 تألف في الكنيست الصهيوني ائتلاف واسع من الاتجاهات السياسية كافة يقترح الاعتماد على الخيار العراقي وذلك خشية قيام امبراطورية شيعية تمتد من إيران إلى الأراضي المحتلة ونقل عن معلقين محاولة الكيان الصهيوني استغلال نفوذه في واشنطن لإقناع الولايات المتحدة بالموافقة على الخطة،(12) أي محاولة تكرار مناخ الحرب العراقية الإيرانية ثانية، وترافق ذلك مع طرح مشروع توطين لاجئي لبنان الفلسطينيين في العراق منذ سنة 1993 مقابل الحصول على مساعدة اللوبي الصهيوني في رفع الحصار عنه،(13) ورغم ما في هذه العروض من بريق ذهبي لقيادات عربية أخرى، سابقة وحالية، تحس بنشوة مسكرة لو تطلع الأمريكي أو حتى الصهيوني إليها بعين القبول وتستميت لنيل الرضا الغربي وتتحرق للقيام بخدمات للصهاينة فقد جاء رفض القيادة العراقية آنذاك قاطعا في رسالة نشرها الدكتور خير الدين حسيب، رغم أنه ممن لحقهم الأذى من حكم البعث، في كتابه العراق من الاحتلال إلى التحرير ص 462 وتاريخ الرسالة 15/5/1994 أي بعد طرح مشروع التوطين سنة 1993 وبعد كتابة مقال الدكتور شاحاك عن المحاولات الصهيونية لاستخدام العراق ضد إيران، وقد جاء في رد الرئيس صدام خطيا على كل ما سبق: “ضياع في وهم التصور أن هناك إمكانية لتغيير موقفنا من الصهيونية تحت التلويح بإمكانية أن يأتي الفرج عن طريقهم ألا خسئوا وخابوا… ولذلك يعتبر هذا الباب مغلقا إلا إذا حاول شقيق بطرس (غالي) فتحه فلا مانع من اللقاء به ولكن بشرط عدم طرح موضوع اللوبي الصهيوني معنا أبدا” أي أن القيادة مستعدة لبحث رفع الحصار دون التطرق للوبي الصهيوني الذي كان يعول على الخيار العراقي لصد التوسع الشيعي كما سبق ذكره وكان من الممكن أن يجد استجابة من قيادات عربية كثيرة أخرى، ولو قدرت إيران آنذاك هذا الموقف العراقي لما كنا اليوم قد سقطنا في هوة الفتنة المذهبية التي حفرها الغربيون لنا.

وقد استمر الإصرار الأمريكي الصهيوني على طرح موضوع التوطين والانضمام إلى عملية السلام بصفتهما شرطين من شروط رفع الحصار إلى سنة 1998، ولكن القيادة العراقية استمرت بالرفض مدعومة برفض القيادة الفلسطينية آنذاك،(14) مما جعل بعض الباحثين يربطون بين عدوان ثعلب الصحراء على العراق في ذلك العام وحنق الإدارة الأمريكية على موقفه من التوطين،(15) والغريب أن محاولات الضغط الصهيونية استمرت على الرئيس صدام حتى بعد أسره والحكم عليه وعرضت عليه تخفيف حكم الإعدام مقابل التخلي عن الدفاع عن القضية الفلسطينية ولكنه رفض بكل إباء كما يؤكد محاميه بديع عارف.(16)

التناقض الموضوعي ينفي أوهام التقاء المصالح:

ربما اتصفت القيادات العربية الثورية بالفردية كما اتصفت بذلك قيادة الخديو إسماعيل ومن قبله محمد علي باشا، وهي فردية اقتضتها ظروف البناء السريع الذي حاولت هذه الأنظمة إنجازه،(17) ولهذا فإننا يجب أن نفرق جيدا بين مآخذ شعوبنا ومآخذ الغرب على تلك القيادات، فكما نقل الكاتب الصهيوني تسفي بار إيل عن جهات في الاستخبارات الأمريكية والصهيونية في صحيفة دافار 24/7/1994 إن سعي الولايات المتحدة إلى تغيير النظام في العراق لم يكن بسبب ما نسب إليه من خرق لحقوق الإنسان، بل لأنه يمثل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط،(18) وهذا ما يجب أن نعيه جيدا: الغرب يغضب من إيجابيات حكامنا في حين أن شعوبنا تغضب من السلبيات، وهذا ليس غضبا مشتركا لأن أي نظام محلي مستقل سيقدم على ما أقدمت عليه تلك القيادات لمصلحة شعوبها وأمتها وضد مصالح الغربيين، الذين يطمعون في الهيمنة ومصادرة الموارد لصالحهم، وهو ما لن تقبل به شعوبنا وأي نظام ينبثق من اختياراتها الحرة ويكون أكثر التصاقا بالجماهير ممن سبقه، ولهذا فإن أي تعاون بتوهم التقاء المصالح محكوم عليه بالفشل كما فشل فيما سبق كل من حاول التعامل مع الغرب بتكافؤ بدءً من محمد علي وأحمد عرابي وإلى اليوم، وسينتهي طريق التعاون إلى مفترق بين اثنتين، بين الذلة والسلة، ومن يرفع شعار هيهات منا الذلة ستكون أمامه المقصلة الغربية، ومن يرضى بالذلة فلن يضيف إلى تاريخ أمتنا إلا رقما جديدا في لائحة ملوك الطوائف وإن تمتع أياما معدودة على عرش مزيف.

لقد دمر الغرب محاولاتنا النهضوية لابسبب فردية حكامنا، فقد كانت الحجج الاستشراقية تدور مع المصالح حيث دارت: فإذا كان الزعيم هو الذي يضر بمصالح الغرب، فالغرب حينئذ ضد الدكتاتورية والفردية والاستبداد ومع الديمقراطية، فيصبح الرئيس جمال عبد الناصر من هذا المنظور هتلر النيل والرئيس صدام حسين أسوأ من هتلر… إلخ، وليس للغرب عداء مع الشعوب، ولكن في الحقيقة يداس الشعب كما يقاتَل رئيسه ويصبح قتل مئات الآلاف مبررا للتخلص من الرئيس كما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، وكأن هذه الآلاف ليست من الشعب الذي يدعون حمايته والحرص عليه!، وإذا كان الشعب هو الذي يقف في وجه هذه المصالح، فإنه يصبح شعبا شرقيا متخلفا غير خليق بمُثل الغرب وديمقراطيته كالشعب الفلسطيني الذي رصد للإبادة والتهجير، في نفس الوقت الذي يدعي الغربيون الصهاينة حرصهم عليه وعدم معاداته، ولكن الوقائع تكشف حقيقة الموقف، بل ربما وقف الغرب إلى جانب المستبد الدكتاتور في وجه الشعب المطالب بالحرية المناقضة للمصالح الغربية كما حدث مع الخديو توفيق والشعب المصري وتجارب أخرى إلى هذا اليوم حين دعم الغرب استبداد مبارك لعشرات السنين انتهت ببكاء ديمقراطيي الصهيونية عليه بحرقة شديدة لما خلع، وقد دافع كيسنجر في مقاله آنف الذكر (في الجزء الأول من هذه الدراسة) عن هذه الممارسة الغربية والأمريكية في “التعاون مع أنظمة غير ديمقراطية في المنطقة من أجل أهداف أمنية” وذلك لأنها أحدثت “تحولات استيراتيجية حاسمة”، للغرب طبعا وليس لنا، كتخلي مصر عن تحالفها مع الاتحاد السوفييتي ثم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وتذوب حينئذ كل دعاوى الحرية ودروس الديمقراطية، ولا يخلو الجراب الاستشراقي من حجج تبرر المصالح حتى لو كان اللجوء إلى الكذب الصريح كما فعلت أمريكا قبل احتلال العراق عندما ألقت الإدارة الأمريكية ما يقارب 935 بيانا كاذبا كما أكدت دراسة لمركز السلامة العامة في واشنطن،(19) وقد صنف ثلاثة من المؤلفين الأمريكيين هذه الأكاذيب تحت خمسة عناوين وألفوا فيها كتابا مستقلا هو كذبات بوش الخمس الكبيرة التي أخبرنا بها عن العراق،(19) وهذا استمرار للأكاذيب التي أطلقها الأمريكيون منذ أزمة 1990 وأُنفق عليها الملايين فكان لها أثر حاسم في مجرى الأحداث، ورغم أنها فضحت رسميا فإن هذا حدث بعد فوات الأوان كالعادة ودون أي اعتذار أو تراجع عما جنته هذه الأكاذيب علينا، ككذبة الصور المزورة عن وجود الحشود العراقية على الحدود السعودية التي جُلبت القوات الأجنبية إلى المنطقة بموجبها، وكذبة حاضنات الأطفال التي هيأت الكونجرس والرأي العام الأمريكي لفكرة شن الحرب على العراق، وكذبة التلوث في الخليج التي شيطنت القيادة العراقية أمام الرأي العام إلا من اكتشف أنها صورت طيورا لا تعيش في منطقتنا أصلا، وهكذا بنى الغرب مشروعه التدميري في بلادنا على الكذب علينا مما يؤكد تناقض الرؤى والمصالح بين الطرفين.

وليس هناك ما يدل على أن الساسة الغربيين يقيمون وزنا لشعوب المنطقة أكبر من الوزن الذي أقاموه للشعب الفلسطيني لما اقتضت المصالح الغربية إبادته وتهجيره وسلبه لزرع الصهاينة مكانه، وإذا كان شعب فلسطين هو الأكثر تضررا، فهذا لا يعني عدم سريان المصالح الغربية بأشكال مختلفة على بقية الشعوب كما دلت على ذلك الأشكال المختلفة من الاحتلال والانتداب والتجزئة والحصار والحروب ونهب الثروات والديون ودعم المستبدين وتدمير الإنجازات وعرقلة النهوض، والاستتباع وتقييد الاستقلال وغير ذلك، كما لا يوجد ما يدل على اختلاف النظرة الغربية عن النظرة الصهيونية التي ترى مصلحتها في تفتيت بلادنا وإضعافها،(21) يثبت ذلك الموقف الغربي من تقسيم السودان بالإضافة إلى إحياء النعرات التي قد تتبعه بتقسيمات جديدة فيه وفي بلاد أخرى، أو كما علق بن غوريون يوما على بيان لأحد الفلسطينيين في سنة 1949 يطالب بوحدة الأمة وتعزيز الصناعة والتعليم وتوحيد الجيوش وفتح مصانع الأسلحة وتنظيم الدعاية، فقال في يوميات الحرب: “هذا هو الطريق الذي ينشده العرب، وأنا أتخوف من أن يقوم زعيم عربي بقيادة العرب على هذا الطريق”،(22) ويلاحظ أن الزعيم الصهيوني يعترف في هذه الملاحظة بالتناقض الموضوعي لا مع قائد بعينه لدكتاتوريته أو استبداده أو دمويته كما حاول إسحق شامير أن يخدع الوفود العربية في مؤتمر مدريد، بل بتناقض مشروعه مع الطريق الذي “ينشده العرب”، ولتذهب الديمقراطية إلى الجحيم إذن مادامت ضد مصلحة قومه، كما لا يوجد دليل على مناهضة غربية جدية لمشاريع التفتيت الصهيونية التي تمارس ضدنا بدعم أية حركة انفصال، إن لم يكن هناك دعم غربي ظاهر لهذه الخطط كما حدث في السودان، ولا ننسى أن الكيان الصهيوني هو ممثل الحضارة الغربية في بلادنا وسلوكه هو سلوك غربي وسياسته مكون رئيس من مكونات السياسات الغربية تجاهنا بل هي مؤشر للإرادة الغربية التي لا يحيا الكيان الصهيوني بلا دعمها، وللغرب السبق في فصل أجزاء أمتنا عن بعضها مما لا نزال نعيشه إلى اليوم، والخلاصة أن هناك تعارضا موضوعيا بين مصالح أمتنا ومصالح الغرب كما يراها ولن يتغير الموقف ما لم يغير القوي الغربي صاحب الإرادة والمبادرة رؤيته للآخر وتشخيصه مصالحه أو يتغير ميزان القوى فيصبح الضعيف اليوم قويا غدا والقوي ضعيفا، ولن يتحول الشيطان إلى ملاك بين عشية وضحاها.

ولهذا فإن أية تجربة جديدة تنطلق من حسن النوايا بالغرب والولايات المتحدة خاصة، سيكون مصيرها الفشل وذلك لأنها ستجرب المجرب ولن تعتبر بالماضي المرير، فلن تقبل أمريكا يوما بالعلاقات المتكافئة، ولن ترضى بالتبادل على قدم المساواة، ولن تقبل أن تتركنا وشأننا، ولن تتردد في استعمال القوة باختلاف أنواعها حسب الحالة ضد من لا ينصاع لإرادتها، ولكنها تقبل أن تستغل من يثق فيها ويصدق شعاراتها لتصل إلى تحقيق أهدافها، فهي لا تعرف الصداقة مع من هو أضعف منها، فإما أن يكون عميلا لها أو يكون عدوا ضدها، وعلينا ألا نقع في الفخ من جديد بعد الأهوال التي مرت بنا والخسائر التي دفعنا ثمنها، لأن المشكلة ليست مشكلة أشخاص جانحين في الولايات المتحدة، بل هي مشكلة “نظام لا يملك إلا أن يسير في هذا الطريق، لأنه هكذا بدأ، وهكذا نما وتوسع، وهكذا يتحتم عليه أن يسير”(23) كما يقول الدكتور فؤاد زكريا.

مؤامرة؟

يجدر بنا تسجيل ملاحظة مهمة كي لا يغضب منا أعداء نظرية المؤامرة، فتكرر ظاهرة تدمير المحاولات النهضوية لا تستلزم وجود مؤامرة أزلية غربية ضدنا، ونلجأ في هذا المجال إلى تفريق المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري بين المؤامرة والمخطط، فالمؤامرة كما يشرحها هي خطة سرية يضعها في الظلام أفراد دوافعهم شريرة ويحاولون الحفاظ عليها طي الكتمان، أما المخطط فهو خطة تعبر عن مصالح دولة أو دول وتتبدى من تكرر ظاهرة لها مسار يعبر عن منطق داخلي يمكن فهمه والتصدي له،(24) ورغم حضور المؤامرات السرية في تاريخ تعاملنا مع الغرب في أكثر من حادثة، كاتفاقية سايكس- بيكو السرية سنة 1916 والاتفاق بين أطراف العدوان الثلاثي سنة 1956، فإن المخطط هو الحاضر الدائم الذي يكرر التاريخ في مسار واحد في كل مواجهة لأنه يعبر عن منطق المصالح الغربية كما تصورها أصحابها، ولهذا فإن إنكار وجود المؤامرة لا يستدعي إنكار وجود المخطط كما يقول المسيري رحمه الله، فمحاولة أي نظام حاكم في موسكو سواء كان قيصريا أم شيوعيا الوصول إلى المياه الدافئة لا يعني وجود مؤامرة أزلية بهذا الخصوص بل وجود مصالح مستمرة بالوصول إلى تلك المياه نتيجة الحتمية الجغرافية التي أحاطت روسيا بمياه متجمدة معظم أيام السنة مما يدفع أي نظام مستقل ومسئول للتعبير عن هذه المصالح باستمرار المحاولات للوصول إلى البحار الدافئة، ونفس الكلام ينطبق على الغرب معنا، فإدانة الغرب في موضوع أزمة 1990 مثلا لا تستلزم أن يكون مجموعة من الأشرار الغربيين قد اجتمعت في غرفة مظلمة لتوريط العراق مع الكويت ثم الهجوم عليه وتدميره، ولسنا أيضا في حاجة للدخول في متاهة تصريحات السفيرة الأمريكية في بغداد، التي اكتشفت بعد ثمانية عشر عاما من الأزمة أنها يجب أن تغير أقوالها الموثقة فتنفي اليوم،(25) بعد صمت طويل، ما تواتر عنها في الأمس،(26) أي استدراج العراق لدخول الكويت، إذ يكفينا الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع حدث الخلاف بين الطرفين لفضح نواياها المدمرة، وكيف سدت، أمام عيون العالم كله، كل منافذ الحلول العقلانية – بما فيها الاقتراحات التي نبعت من دول مؤيدة للكويت مثل السعودية كمبادرة الأمير سلطان- بغطرسة لا يفتقدها أي باحث في يوميات الأزمة وذلك بسبب واضح هو أنها لم تكن تبحث عن إقرار السلام بل عن المصالح التي شخصتها بالسيطرة على النفط وتدمير قوة عربية إسلامية والحفاظ على الكيان الصهيوني، كما جاء في اعتراف كيسنجر، ولهذا قامت أيضا بقصف الجيش المنسحب وفرض حصار قاتل ثم احتلال العراق نفسه مما لا علاقة له بسيادة الكويت وتحريرها بل يناقض المنطلق الذي جيّش العالم سنة 1990 ضد احتلالها ثم ما لبث “المحرر” أن قام بعملية احتلال بنفسه سنة 2003!، إن الخلافات تحدث يوميا بين الدول المختلفة في العالم، ولكن الطريقة التي يعالج بها أي خلاف هي التي تئده أو تنميه حسب مصالح الأطراف المعنية، ووأد الخلاف العراقي الكويتي، وإن كان في صالحنا، فإنه لم يكن في صالح الغرب وبخاصة الولايات المتحدة كما دلت على ذلك سياستها التصعيدية منذ 2 أغسطس على الأقل، هذا إذا أهملنا المقدمات الاستفزازية الواضحة قبل ذلك كما مر في أقوال سيء الذكر غينغريتش.

هذا المخطط الأمريكي الذي كفانا كيسنجر عبء إثباته، ليس من الضروري أن ينطبق على جميع دول العالم، فما هو متبع مع اليابان قد يختلف عما هو متبع مع الهند أو الصين وعما هو متبع مع البرازيل وغيرها من القوى الصاعدة كل حسب ظروفه الاستيراتيجية ووزنه في ميزان المصالح الأمريكية، مع التسليم بأن السياسة الأمريكية تسعى للبقاء في موقع القطب الأوحد دون منافسة حتى من شركائها الأوروبيين والحؤول دون ظهور أية أقطاب جديدة بعد زوال الخطر السوفييتي.(27)

الخلاف بين الغربيين داخلي وأخوي ولا ينال عناصر الإجماع وبخاصة في أزمان الأزمات:

ليس الغرب كتلة واحدة بالطبع، وهناك تعدد في الآراء داخل معسكره، ولكن هذا يجب ألا يضيعنا في دوامة اختلاف الآراء طمعا في مكسب لديهم، فما يجب أن نعيه، أن الخلاف بين الغربيين داخل الدولة الواحدة لا يؤثر على التزامهم جميعا المصلحة العليا للبلاد، ففي الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) اختلفت دوائر الحكومة البريطانية على السياسة واجبة الاتباع تجاه العرب، فالبعض يفضل التعامل معهم والبعض يراهم غير أهل للثقة، وهو ما تجسد في الخلاف بين وزارة الهند ووزارة الخارجية،(28) ولكن كما هو واضح ليس الخلاف على تجسيد المصالح البريطانية بالهيمنة العالمية بل على طريقة الوصول إلى هذه الهيمنة، وهذا الكلام يقال عن الخلاف على سياسة أوباما الحالية التي يمثل كيسنجر الرأي المناقض لها، فهل الخلاف بين الرأيين على فكرة الهيمنة من أساسها أم على الوسائل لتحقيق التفوق الأمريكي المطلق الذي لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب الآخرين؟ ويمكننا أن نضع في هذه الخانة أيضا معارضة بريجينسكي مستشار كارتر للأمن القومي لاحتلال العراق لأن هذا الاحتلال أثبت ضرره على الزعامة الأمريكية، وهي ليست موضع خلاف عنده، أما الأصوات المثالية والإنسانية فلا قيمة لها في السياسة وليس أمام أصحابها سوى الاستقالة تاركين عجلة القتل تدور بلا منغصات كما فعل وزير الدفاع الفرنسي زمن عدوان 1991 أو وزير الخارجية البريطاني زمن عدوان 2003 وكما استقال قبل ذلك وزير الخارجية البريطاني زمن العدوان الثلاثي وقبله الوزير جون برايت من وزارة غلادستون عندما ضربت الاسكندرية في بداية الاحتلال سنة 1882، وقد نسمع نغمات المعارضة المثالية من سياسيين خارج المنصب ولكنهم ما أن يباشروا مهامهم الرسمية حتى تتغير وجوههم وتزول أقنعتهم، مثلما فعل اللورد كرومر الذي كان في بداية حياته السياسية مناصرا الديمقراطية في المستعمرات فلما تسلم حكم مصر صار مستبدا أوحد،(29) ولعل الرئيس أوباما أقرب مثل على ذلك عندما صور نفسه أمام العالم في بداية أمره بصورة المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملأها أسلافه ظلما وجورا، وخدع العالم بمكر إلى درجة أن حصل على جائزة نوبل لأول مرة في تاريخها على مجرد أقوال ووعود وليس أفعالا وإنجازات، ولكنه ما لبث أن سار على سيرة أسلافه ناكثا وعوده زائدا في ظلمه، ومثله رئيس الوزارة البريطانية زمن الاحتلال البريطاني سنة 1882 وليم غلادستون الذي كان يعارض التدخل المسلح في مصر ولكنه تنازل عن رأيه أمام ضغط الوزارة إبقاء على منصبه،(30) وهناك أصوات يصحو ضميرها بعد ترك المناصب وزوال المسئولية، ولا ندري أين كانت عندما كان الحل والعقد بيدها ولماذا لم تنفذ شيئا مما أصبحت تبشر به فيما بعد، فهل كانت اتفاقيات كامب ديفيد التي عقدت تحت رعاية الرئيس كارتر تمهد فعلا لمشروع السلام في فلسطين وإزالة التفرقة العنصرية الذي ينادي به اليوم؟ وهل يكفي اعترافه بعد خروجه من الحكم بعدم تنفيذ الصهاينة وعودهم بشأن فلسطين في الاتفاقية لتبرئة ساحته من جريمة تمكينهم من ذلك وهو في سدة السلطة؟ وهل لو عاد إلى السلطة سيحتفظ بآرائه الأخيرة أم ستعود حليمة إلى عادتها القديمة؟

كما ثبت لدينا في الصراع مع الكيان الصهيوني عقم المراهنة على الخلافات الداخلية بينهم لأنها لا تمس ما يطلق عليه المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري الإجماع الصهيوني على عدة عناصر كوحدة “الشعب اليهودي” وحقه في “أرض إسرائيل” والهجرة إليها وعرضية الوجود الفلسطيني فيها ووجوب اتباع سياسة الأمر الواقع مع العرب ومكانة القدس الموحدة بصفتها عاصمة أبدية وأهمية الدعم الغربي وغير ذلك من العناصر التي قد يختلفون في وسائل تحقيقها ولكنهم لا يختلفون فيها، كما قد تهتز هذه العناصر في مواجهة المقاومة ولكنها تظل رؤية الغالبية العظمى من سكان الكيان.(31)

أما فيما بين الدول الغربية فلم يصل الخلاف يوما إلى حد التصادم فيما بينها لأجلنا ولإنقاذ مشروع من مشاريعنا، فماذا فعلت فرنسا لأجل مشروع محمد علي باشا الذي ساندته في البداية بقوة ثم تغير موقفها في مواجهة الإجماع الأوروبي ضده؟ نعم اصطدم الغربيون فيما بينهم، ولكن على اقتسام الغنائم المادية وليس على حماية المبادئ الإنسانية، وهذا ما حصل في الحربين الكبريين (العالميتين) وفي العدوان الثلاثي سنة 1956، وهي على كل حال مراحل انتهت بمعرفة كل دولة غربية حدودها وإمكاناتها في مواجهة القطب الأوحد، وهذا ما حدث فيما بعد: فماذا فعلت المعارضة الأوروبية لاحتلال العراق؟ وماذا فعلت المعارضة الفرنسية لفرض مناطق حظر الطيران فوق العراق قبل احتلاله؟ وماذا فعلت الولايات المتحدة لثني الصهاينة عن ضرب مصر سنة 1967؟ وذلك رغم تعهداتها السابقة بعدم القبول بتغيير حدود الدول في “الشرق الأوسط”؟ ورغم تظاهرها بمعارضة الحرب وتوسطها لنزع فتيل الأزمة فإن الرئيس جونسون نظر إلى الكيان الصهيوني كما ينظر أب فاسد بعجز وقبول ضمني إلى ابنه المدلل وهو يسيء الأدب في حق الآخرين: “لقد فشلت، سيفعلونها، سيبدءون الهجوم ولا يمكننا القيام بشيء إزاء ذلك”،(32) وحتى عندما ضربت السفينة الأمريكية ليبرتي “تدافعت المقاتلات الأمريكية من حاملات الطائرات في الأسطول السادس، ثم أُمرت بالانسحاب عندما تحقق للأمريكان أن الزوارق والطائرات المهاجمة كانت إسرائيلية”!!(33) وماذا فعلت لنا بريطانيا عندما اصطدمت سياسة الوطن القومي بأطماع الصهاينة المدعومة أمريكيا بالتفرد في فلسطين؟ وهل أزعجت نفسها بالوقوف إلى جانبنا في الوقت الذي كان فيه الصهاينة يقتلون جنودها ويعلقونهم على الأشجار؟ ألم تقلّ فترة “حردها” عن سنة واحدة امتنعت أثناءها عن الاعتراف بالكيان الصهيوني الوليد ثم ما لبثت أن سلمت بالأمر الواقع(34) وانسجمت معه إلى حد التحالف؟ وماذا فعلت المعارضة الأمريكية لانتشار أسلحة الدمار الشامل في “الشرق الأوسط” وهي ترى النشاط الصهيوني في هذا المجال منذ ستينات القرن العشرين، ماذا فعل الأمريكيون إزاء ذلك غير محاولات مستمرة لإرضاء وطمأنة الصهاينة بسيل دافق من الأسلحة التقليدية ليقتلوننا بها؟ نعم هكذا يحلون خلافاتهم على حسابنا: فإذا أراد الأمريكيون دفع الصهاينة للمفاوضات فإنهم لا يملون عليهم ما يجب فعله بل يسلكون معهم سبيل الإرضاء بتزويدهم بالأسلحة حتى يصبح كيانهم قويا ولا يخشى التفاوض، ولكن ليس قويا إلى الحد الذي يغنيهم عن المفاوضات،(35) فأي دلال هذا وإلى أي حد يختلف عن سياسة الإملاء العنيف علينا؟ وإذا أرادت الولايات المتحدة لجم الاندفاع الصهيوني لضرب إيران فرضت العقوبات على إيران، لإرضاء الصهاينة وإشباعهم، وليس على الكيان الصهيوني حتى لو كانت مختلفة معه، وذلك لأن الأمريكيين يعاملون نظراءهم من “السادة المحترمين” معاملة تختلف عن تعاملهم مع من يرونهم مخلوقات من الدرجة الثانية ليست جديرة سوى بالتبعية وتلقي الأوامر، ولهذا ردوا على احتلال الكويت، الذي لم يأمروا به، بالطائرات والقنابل خلافا لردهم على احتلال الأراضي العربية – الذي ارتكبه أبناؤهم المدللون- بعمليات سلام لانهائية تهتم بإرضاء الجاني أكثر من إنصاف المظلوم، وذلك رغم تشابه الحالتين من منظارهم القانوني، وتعاملوا مع شبح أسلحة الدمار الشامل في العراق بالاحتلال والقصف خلافا لتعاملهم مع وجودها فعلا لدى الصهاينة بالدلال الذي لا يعرف حدودا، ثم ألم نعتبر من مصير كل المراهنات الفاشلة على توتر العلاقات بين أجزاء الغرب وبخاصة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني(36) في كل مرة تعود العلاقات أكثر التصاقا وحميمية بعد سحب الصيف العابرة التي كنا ننتظر سيولها الجارفة؟ ألم نلحظ أنهم يحلون الخلافات فيما بينهم على حسابنا وبضربنا بدل ضرب بعضهم بعضا كما يحدث في الأفلام الفكاهية عندما يضرب متنازعان قويان طرفا ثالثا ضعيفا بينهما ربما لم يكن أكثر من عابر سبيل ساقه حظه العاثر إلى طريق الذئاب؟

الهزيمة ليست قدرا أبديا

رغم كل ما سبق من هزائم حاقت بنا، فإنه باستلهام تجارب غيرنا يمكننا القول إن الهزيمة لن تكون قدرنا إذا أحسنا التصرف وتعلمنا من التجارب وبخاصة في ظروف ثورات شعوبنا التي يمكن لها أن تتواصل وتمتد لتصل إلى رأس الأفعى الغربية التي تحاول أن تجير ما يحدث لصالحها كما تدخلت من قبل بعنف كاسح ضد الثورة البلشفية لنصرة النظام القيصري ولكن مقاومة الشعب العنيدة التي اتخذت عمقا جغرافيا واسعا استطاعت صد الهجمة الغربية وقام نظام مهما قيل فيه فلا يمكن إنكار أنه نقل البلاد السوفييتية إلى دولة عظمى في مدة قياسية اعترف فيها حتى ألد أعداء ستالين، وهو الثائر ليون تروتسكي، بأهمية الإنجازات التي حصلت تحت حكمه(37) (وهو درس في المعارضة الشريفة التي تهدف للحصول على الأفضل لبلادها بغض النظر عن الأشخاص)، كما لا يمكن إنكار أن روسيا التي انقلبت على الشيوعية مازالت تتمتع بالإنجازات العلمية التي وصل إليها الحكم الشيوعي، ولولاه لكانت روسيا اليوم مثل تركيا التي قامت الثورة الكمالية فيها في وقت مقارب لقيام الثورة البلشفية ومن موقع كانت فيه الدولة العثمانية قريبة من موقع روسيا في الاعتماد على الاقتصاد الزراعي، والتخلف الصناعي وكون البنية التحتية في بدايتها، وفي الوقت الذي انشغلت فيه الثورة الكمالية الاجتماعية بتوافه الأمور، كإحلال القبعة مكان الطربوش، وركزت على تبديل الهوية التركية أكثر من التركيز على الإنجاز المادي مستخدمة العنف كنظام ستالين ولكن لأهداف مختلفة، كما تخلت عن القاعدة الجغرافية العثمانية العريضة، انشغل السوفييت بالعمل والمقاومة وبناء الذات وتوسيع القاعدة الجغرافية فكان شتان بين النتيجتين، فقد جعل العنف الستاليني الاتحاد السوفييتي دولة عظمى ترعب الغرب، ولم تحصل تركيا حتى على درجة ذيل لأوروبا حتى اليوم.

وقد عانت الثورة الصينية سنة 1949 من الغرب أيضا ولكنها فرضت نفسها باعتمادها على عمقها وبنت دولة أصبحت اليوم كابوسا يؤرقه، وهذا القول ينطبق على الثورة الكوبية والثورة الفيتنامية التي لا يمكن إنكار إنجازاتها لبلادها رغم العوائق العالية ورغم تراجع الاشتراكية.

الخلاصة:

تغيرت المصالح الغربية في منطقة الشرق العربي الإسلامي على مر السنين، ولكن ذلك لم يؤد إلى فقدانها أهميتها، بل إن ما حدث هو تطور وزيادة في تشبث الغربيين بها، وإذا قبلنا المبدأ القائل إن المصالح هي التي تدير السياسة وتوجهها، فيمكننا القول جازمين بأن الغرب لا يرى مصلحة له في نهضة بلادنا كما تدل على ذلك سياسته في العصر الحديث الذي ضربت فيه جميع محاولاتنا النهضوية، وذلك لأن هناك تعارضا موضوعيا وبعيد المدى بين مصالح بلادنا في استثمار مواردها الاقتصادية والاستيراتيجية والجغرافية بطريقة تساعدها على الخروج من حالة التخلف الحضاري أو على الأقل بطريقة تحفظ لها حقها في التصرف بعوائدها وبين المصالح الغربية التي تسعى للهيمنة على هذه الموارد وعوائدها مع استمرار تصريف صناعاتها بيننا، كما يوجد تناقض بين مصلحة أمتنا في الخروج من حالة الفرقة والتبعية والاستغلال إلى حالة تشبه بقية أحوال الأمم المتكتلة وبين سياسة الغرب تجاهنا والتي تسعى لإدامة التجزئة واستحداث المزيد منها لكي لا يعترض كيان قوي منا على نهب ثرواتنا واحتلال أرضنا في فلسطين أو في أية بقعة تجثم عليها قاعدة أجنبية أخرى، كما يرفض الغرب تمسكنا بحقنا في مقاومة احتلاله أرضنا ويصر على دعم كيان غاصب يستولي على حقوقنا ويقف لحراسة مصالح غيرنا في بلادنا، فيقوم المسئولون الأمريكيون خاصة والغربيون عامة بمواصلة الإعلان عن تمسكهم بالتفوق الصهيوني النوعي على مجموع الدول العربية ضمانا لأمن الكيان، وفي هذه السياسة وحدها إقرار غربي جماعي بالسعي الدءوب لإبقاء بلادنا ضعيفة متخلفة.

ولا يخفى كذلك التناقض الواضح بين الحضارة الغربية بأبعادها المادية الداروينية وما يسميه الدكتور المسيري رحمه الله العلمانية الشاملة التي تفصل القيم عن الحياة وبين الحضارة الإسلامية القائمة على الإيمان والتي تقيم الحياة على أساس القيم التي تحتقرها حضارة الغرب، ومهما قيل عن صراع بين الحضارات عموما فمن الواضح أن إرث حروب الفرنجة الصليبية مازال حيا كما أثبت لنا اللنبي عند دخوله القدس في الحرب الكبرى الأولى وغورو عند دخوله دمشق بعدها بقليل وبوش عند احتلاله كابول وبغداد في بداية هذا القرن ومازال هذا الإرث مهيمنا على العقلية الغربية بعد تخليها عن المسيحية التقليدية وتبنيها الصيغة المهوّدة منها وأن عداء مراكز اتخاذ القرار في الغرب تجاه الحضارة الإسلامية، بكل مكوناتها الديمغرافية بما فيها المسيحية الشرقية التي نالت حصتها من الاحتقار الغربي الاستشراقي، لا تدانيه نظرتها المتحفية تجاه البوذية أو الطاوية أو الكونفوشيوسية أو الهندوسية أو السيخية مثلا والدليل على ذلك أن عالم الإسلام هو الذي ورث العداء الذي كان موجها للمد الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولن يتغير هذا التناقض مادام القوي مصرا على الهيمنة والضعيف متمسكا بحقه رغم كل التدخلات الغربية المسلحة التي حالت حتى الآن دون تبوء بلادنا المكانة التي تتيحها لها إمكاناتها المادية والمعنوية.

*********

الهوامش (تابع هوامش الجزء الأول)

1- الدكتور خير الدين حسيب، العراق من الاحتلال إلى التحرير، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص460.

2- حمدان حمدان، العراق وثمن الخروج من النفق، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 2004، ص161- 168.

3- تيم واينر، إرث من الرماد: تاريخ السي آي إيه، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2011، ص499.

4- الحرب على العراق: يوميات- وثائق- تقارير (1990- 2005)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص711.

5- حمدان حمدان، الخليج بيننا، ص55.

6- محمود أمين العالم ومصطفى بهيج نصار، ياسر عرفات: أزمة الخليج، قضية فلسطين، الأمن العربي، دار العالم الثالث، القاهرة، ص108- 109.

7- حمدان حمدان، الخليج بيننا، ص387.

8- رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم، مكتبة الشروق، القاهرة، 2001، ص121.

9- لستر ثورو، مستقبل الرأسمالية، دار المدى، دمشق، 1998، ترجمة: عزيز سباهي، ص176.

10- تمام البرازي، كيف دخل عرفات البيت الأبيض، المكتبة الثقافية، بيروت، 1997، ص925.

11- مجلة الثقافة العالمية ملحق العدد12 سبتمبر1983، الكويت، ص17.

12- إسرائيل شاحاك، أسرار مكشوفة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1998، ص102، مقال بناء الائتلاف المناهض لإيران، 21/2/1994.

13- الدكتور عادل سمارة، اللاجئون واستدخال الهزيمة، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2001، ص39و94. وأيضا:

– Laura Drake, The Future of Palestinian Refugees in Lebanon, In: Joseph Ginat and Edward J. Perkins (Ed) , The Palestinian Refugees: Old Problems- New Solutions, University of Oklahoma Press, Norman, 2001, p. 206.

14- Laura Drake, p. 206- 207.

15- الدكتور عادل سمارة، ص39.

16- صحيفة القدس العربي23/4/2010.

17- منير شفيق، النظام الدولي الجديد وخيار المواجهة، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، تونس، 1992، نسخة إلكترونية من موقع الموقف على الإنترنت، ص46.

18- إسرائيل شاحاك، ص115.

19- صحيفة القدس العربي25/1/2005.

20- كريستوفر شير وروبرت شير ولاكشمي شاوذري، كذبات بوش الخمس الكبيرة التي أخبرنا بها عن العراق، دار الكتاب العربي ونينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2004، ترجمة: محمود علي عيسى.

21- أ. د. أحمد سعيد نوفل، دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2010.

22- وليد الخالدي، خمسون عاما على حرب1948، دار النهار، بيروت، 1998، ص152.

23- الدكتور فؤاد زكريا، العرب والنموذج الأمريكي، مكتبة مصر، القاهرة، 1991، ص87.

24- د. عبد الوهاب المسيري، في الخطاب والمصطلح الصهيوني، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص203- 204.

25- مقابلة مع صحيفة الحياة اللندنية نشرت على يومين 15و16/3/2008.

26- الدكتور سامي عصاصة، هل انتهت حرب الخليج، مكتبة بيسان، بيروت 1994، ص89، نقلا عن كتاب الملف السري لحرب الخليج لبيير سالنجر الذي كان متحدثا باسم البيت الأبيض ورئيسا لشبكة تلفزيون ABC ومصدر محضر الاجتماع بين الرئيس صدام والسفيرة الأمريكية والذي سلمه إلى صحيفة الواشنطن بوست ونشرته في 24/9/1990 ص 19 وينقل الدكتور عصاصة عن السيد سعد البزاز الذي شغل منصب المدير العام للإذاعة والتلفزيون في العراق ومؤلف كتاب “حرب تلد أخرى”، أن بلاده هي التي سربت محضر الاجتماع بواسطة الدكتور سعدون حمادي إلى سالنجر شخصيا، ولكن الغريب في الأمر أن تصمت السفيرة ثمانية عشر عاما قبل أن تفكر بدحض الرواية بعد وفاة محدثها وأسر ومرض الرجل الذي اتهمته بتزوير الحديث وهو الوزير طارق عزيز الذي لم يعد يملك آلة إعلامية ضخمة ترد على الادعاءات الطنانة للسفيرة التي صحت متأخرا رغم الأهوال التي نتجت عن الأزمة وارتبطت بالمحضر المسرب مما يلقي بظلال من الشك على نفيها المشبوه، في تأجيله على الأقل، هذا إذا غضضنا النظر عن المصالح المرتبطة به والتي تحتم ظهوره الآن لتبييض الصفحات السوداء، ويمكننا أن نضيف أيضا استحالة أن يسرب العراق أثناء الأزمة محضرا مزورا وذلك لسهولة افتضاح الكذبة بقيام المتهمة بتكذيب ما جاء فيه، أما وإن هذا التكذيب لم يصدر إلا بعد وفاة الطرف الآخر في الحديث وهو الرئيس صدام – الذي أصر حتى لحظاته الأخيرة على “أن أمريكا كانت تبعث لنا برسائل شفوية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق الوسطاء الذين حاولوا حل الأزمة بين العراق وأمريكا قبل دخولنا الكويت، تؤكد بأنها لن تتدخل في قضايانا العربية، لكنها نكثت بوعودها وغدرت بنا”كما جاء في رواية المحامي خليل الدليمي، صدام حسين من الزنزانة الأمريكية: هذا ما حدث، دار الواضح، دبي، 2010، ص125- فمن حقنا حينئذ أن نشك برواية السفيرة المتأخرة وبخاصة أن المنطق يحتم صدق رواية الرئيس لأنه من غير المعقول أن تكون الولايات المتحدة قد اتخذت موقفا واضحا، كما ادعت السفيرة بعد موت محدثها، ثم يقدم العراق على موقف انتحاري بمواجهتها مواجهة تؤدي إلى هزيمة حتمية مع ما عرف عن القيادة العراقية من اهتمامها الشديد بتحقيق الانتصارات، فلا بد أن تكون هذه القيادة قد تحسبت من الموقف الأمريكي مسبقا في قضية الكويت الحساسة جدا عند الأمريكان- بسبب النفط كما هو معلوم للجميع فضلا عن كبار الساسة- وجاءتها طمأنة ما، بل تطمينات عديدة إن لم تكن عمليات تحريض، ليمضي العراق قدما إلى الكويت غير ملتفت وراءه، هذا هو التسلسل الطبيعي والمنطقي للأحداث وليس ادعاءات السفيرة الاستعراضية: “لا تحتل الكويت”!!، والتي ظهرت بعد فوات الأوان، وهو أمر يجب أن يعيد التفكير فيه كل من ظن وقوف أمريكا إلى جانبه وتدخلها لنصرته في الوقت الذي كانت تتاجر به فيه، وتتخذ من جماجم العرب جميعا، حلفاء وأعداء، سلما لمصالحها المادية، ومن الجدير بالذكر أن اعتراف العراق بوقوعه بالفخ الأمريكي لم يكن من صالحه طبعا – وهو ما يضفي على المحضر مزيدا من الصدق والثبوت- ولكنه حاول درء العدوان عليه سنة 1990 باتباع أخف الضررين، ولو كان فيه أي شك لقرعت الإدارة الأمريكية وقتها كل نواقيس الإعلام لكشف “أكاذيب صدام”، ومما يؤكد حرج العراق مما جرى في الاجتماع أنه بعد وقوع الكارثة سنة 1991 عاد الوزير طارق عزيز، شفاه الله وفك أسره، محاولا التخفيف من وطأة هذا الاعتراف قبل غزو 2003 بالقول إن لقاء الرئيس بالسفيرة كان لقاء دبلوماسيا لم تبحث فيه قضايا حاسمة، مستدلا على ذلك بحدوثه أثناء الإجازة الأسبوعية في الدوائر الأمريكية مما يعني عدم وجود اتصال بين السفيرة وواشنطن لتلقي تعليمات معينة، وهو ما يدل على أن الاعتراف بالفخ لم يكن مصلحة عراقية وأن العراق عندما أقدم عليه كان يحاول فقط درء مصيبة أكبر، وأن مصلحته في الإخفاء وليس في اختلاق أحداث تحرجه قبل أن تدين عدوه، ولما لم يعد هناك أهمية للإخفاء فضح الرئيس صدام أمريكا في حديثه الأخير لعل هناك من يفيق ويعتبر، وتسلسل الأحداث وصمت المتهمة يثبت المحضر كما مر.

27- منير شفيق، ص 8.

28- Phillip Knightley and Colin Simpson, p. 65.

29- روجر أوين، اللورد كرومر: الإمبريالي والحاكم الاستعماري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005، ترجمة: رءوف عباس، ص 17.

30- ألفريد سكاون بلنت، ص 194.

31- عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، 1999، المجلد 7 الجزء الأول ص19- 20.

32- مايكل أورين، ص 511.

33- د. جيرمي سولت، ص 282.

34- الدكتور علي محافظة، ص 77 و421.

35- دوجلاس ليتل، ص 207.

36- نفس المرجع، ص 210- 218.

37- ليون تروتسكي، الثورة المغدورة: نقد التجربة الستالينية، دار الإلتزام للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1991، ترجمة: رفيق سامر، ص 10.


آثار التغريب السياسي على المجتمع الإسلامي: التحدي والاستجابة (1) شعبان الصوان

9 يونيو 2015

المجتمع الإسلامي بين المركزية والتفتيت

حقيقة الاستبداد الشرقي

إن عبارة “الاستبداد الشرقي” التي دأب الأدب الاستشراقي على إلصاقها بأنظمة الحكم غير الغربية وبخاصة في الحضارة الإسلامية،

هي عبارة تسربت إلى جمع من المثقفين العرب الذين بنوا مشاريعهم الفكرية الضخمة على التصديق المطلق بمضمونها ووجوب إنقاذ مجتمعاتنا من براثنها التي غرست في جسدها لقرون طويلة آن أن تنتهي بالحرية والديمقراطية، وهذه العبارة توحي بملوك فراعنة يتشبهون بالآلهة ويتحكمون حتى في دبيب النمل تحت سلطانهم، ورغم ذلك فإننا عند التطبيق التاريخي العملي نجد صورة مغايرة للحكم الإسلامي حتى لو استندنا إلى مصادر خارجية.

وفي هذا السياق يقول المؤرخ شارل عيساوي واصفا الحكم العثماني عند بداية القرن التاسع عشر: “كانت سلطة السلطان العثماني محصورة في منطقة صغيرة حول استانبول رغم ضخامة الدولة التي كانت بقيتها تُحكم بواسطة باشاوات وأعيان وزعماء قبليين مستقلين استقلالا ذاتيا”[1]، كما يشير المؤرخ دونالد كواترت إلى مبالغة بعض الباحثين في تقدير الدور الذي قامت به السلطة المركزية العثمانية في إدارة الدولة مؤكدا أن قوة السلطان لم تكن مستمدة من الجيش وحده بل أيضا “من تواصل السلالة الحاكمة مع القوى السياسية والشعبية أيضا”، مقدما أمثلة تاريخية للاستقلال الذاتي الذي تمتعت به قوى محلية إلى درجة أن “أصبحت لا تقيم وزنا لأوامر وتعليمات الباب العالي” وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أما في القرن الثامن عشر فإن السلطة المركزية “لم تعد بيد السلطان أو كبير وزرائه (الصدر الأعظم) بل أصبحت قائمة على التراضي والمساومة بين مختلف القوى من جهة والسلطان من جهة أخرى”، وقبل ذلك كان “القرار السياسي في الحقبة 1550- 1650 أصبح إلى حد بعيد خارج إرادة السلطان” و”أن عناصر جديدة أخذت تشاطر السلطان الحكم لا بل تنوب عنه أحيانا”[2].

ويقول المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي الذي وصف بأنه أكبر اختصاصي سوفييتي في مجال تاريخ البلاد العربية الحديث والمعاصر: “بينما كانت الإمبراطورية العثمانية تبدو في الظاهر دولة مركزية، كانت في الواقع دولة لا مركزية”[3]، ويقول المؤرخ المعاصر زين نور الدين زين إن البلدان العربية “لم تكن تحكم إداريا وبصورة مباشرة من القسطنطينية” مستدلا على ذلك بدراسة الملفات الرسمية وقوائم تقدير الواردات الخاصة بسوريا والعراق ومصر، كما أشار إلى أن الأمراء الإقطاعيين والزعماء المحليين في البلاد العربية مُنحوا “استقلالا داخليا يكاد أن يكون استقلالا ناجزا”[4]، وأكد الدكتور محمد أنيس هذه الحقائق مشيرا إلى أن المركزية لم تكن مباشرة ولا شاملة وذلك في حديثه عن خصائص الحكم العثماني للشرق العربي حتى نهاية القرن الثامن عشر[5].

إجراءات التغريب السياسي

أدت ظروف الضعف والهزيمة التي أحاطت بالدولة العثمانية منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلى البحث عن مخرج بالسير على نهج أوروبا مما هو مفصل في دراسة سابقة (الأثر الاقتصادي للتغريب الرأسمالي على المجتمع الإسلامي: التحدي والاستجابة)، وكان التوجه نحو المركزية من الإجراءات التي قامت بها السلطنة العثمانية ضمن الإصلاحات التي نفذتها لتحقيق مزيد من السيطرة على موارد الدولة لاستخدامها في تنفيذ برامج دعم القوة العسكرية، وكان من أشهر خطواتها القضاء على الجيش الإنكشاري الذي كان بمثابة حزب معارضة تمكن من تغيير سياسة عدة سلاطين بل وتمكن من خلع بعضهم وتنصيب آخرين، فجاء قضاء السلطان محمود الثاني عليه سنة 1826 ليخلص مؤسسة الحكم من هذه المعارضة وليسهل عملية السير في طريق التغيير العسكري وتركيز السلطة بيد السلطان الذي شن أيضا حملات عسكرية على قوى الأعيان المحليين وتمكن من انتزاع مصدر قوتهم بمصادرة أراضيهم أو بإلغاء نظام الإقطاع العسكري الذي يستندون إليه[6] ثم بمحاولة فرض رقابة الدولة على تسجيل الأراضي وجمع الضرائب كما حدث عندما سن قانون الأراضي سنة 1858، وتأكد هذا التوجه بقانون الولايات سنة 1864 بصفته خطوة أخرى في دعم مركزية السلطة إذ قسمت أراضي الدولة إلى ولايات وتوابعها يحكمها موظفون تعينهم العاصمة، ثم تأسست إدارة الديون العمومية سنة 1881 لتشرف على بعض موارد الدولة حفظا لحقوق الدائنين بعد إعلان الإفلاس سنة 1875، وقد انتزعت هذه الإدارة الدولية من الأعيان عملية جمع الضرائب ففقدوا بذلك مصدر قوّتهم.

وكان صدور فرمان الكلخانة سنة 1839 بعد اعتلاء السلطان عبد المجيد العرش خلفا لوالده محمود الثاني ثم صدور الفرمان الهمايوني سنة 1856 بعد حرب القرم مما أعطى التوجه الغربي المركزي في الدولة العثمانية صفة الالتزام الدولي في معاهدة باريس التي أعقبت الحرب، ولكن فترة حكم السلطان عبد المجيد لم تكن بنفس الدرجة من المركزية التي حكم بها والده السلطان محمود، ثم توجت انتصارات رجال التغريب في الدولة بصدور دستور سنة 1876 بعد اعتلاء السلطان عبد الحميد العرش، وقد منح هذا الدستور الدولة الصفة التمثيلية البرلمانية في خطوة كان القصد منها إرضاء الدول الأوروبية لتكف عن التدخل في شئون الدولة العثمانية كما ظن ولاة الأمر يومئذ[7].

وقد استمرت عملية تركيز السلطة في عهد السلطان عبد الحميد رغم تراجعه عن تبني الأساليب الغربية في الحكم، وفضل أسلوب جده محمود على أسلوب والده عبد المجيد[8]، وكان هدفه الحفاظ على سلامة أراضي الدولة[9]، ووقف التدخلات الأجنبية[10]، وتحقيق الوحدة الإسلامية[11]، ولما قامت ثورة الاتحاد والترقي عليه سنة 1908 اتبعت نهج إطلاق الحريات لبرهة لنفس السبب السابق وهو الحفاظ على أراضي الدولة ولكن استنادا إلى مبادئها التغريبية النابعة من مبادئ الثورة الفرنسية والتي أملت شعارها الثلاثي (حريت، مساوات، عدالت) شديد الشبه بشعار الثورة الفرنسية المتضمن الحرية والإخاء والمساواة، ولما رأت الجمعية أن الشعوب البلقانية تحاول استغلال الوضع الدستوري الجديد للانفصال عن الدولة وأن المشكلة القومية لم تحل بتطبيق الدستور كما كانوا يظنون، فرض عليهم الحرص على سلامة أراضي الدولة نهجا مركزيا جديدا[12] مستمدا من تجربة الثورة الفرنسية أيضا[13] فأصبحوا يرون أن المساواة لا يمكن تطبيقها قبل فرض الانسجام بين عناصر الدولة وذلك بفرض التتريك عليها جميعا لتصبح ذات هوية موحدة[14]، وهو أسلوب لجأت إليه الثورة الفرنسية- مثلهم الأعلى- من قبل، كما كانت الأفكار القومية التي تبناها تيار في المجتمع التركي نتاجا أوروبيا بلوره مجموعة من المفكرين والمستشرقين الغربيين الذين أحيوا الاهتمام باللغة والتاريخ للعرق الطوراني الذي منحته هذه الأدبيات هذا الاسم، وقد كان قسم كبير من أولئك العلماء من اليهود وهي ظاهرة ملفتة[15].

منابع التغريب السياسي الأخرى

وقد واجه المجتمع الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أفكارا تغريبية من غير المؤسسة الحاكمة إذ تبنت دول الغرب على عادتها في تشجيع النزعات الاستقلالية خارج دولها، تبنت أفكارا سياسية إسلامية وقومية وقُطرية بهدف تفتيت الوحدة التي كانت تلم المجتمع العثماني، وقد تنوعت هذه الأفكار بين وجوب عودة الخلافة للعرب لبث الفرقة بين عنصري الدولة الرئيسين، واستقلال ولايات لتسهيل ابتلاعها على المعتدي الغربي.

أهداف الغرب وتبعية المتغربين والفوضى الخلاقة المبكرة

ساندت أوروبا النهج المركزي العثماني لأنه “كان من الأسهل والأربح السيطرة على سوق الإمبراطورية من خلال الامتيازات والتنازلات من جانب إدارة عثمانية مركزية واحدة مما ستكون عليه الحال من خلال العديد من الحكام والأعيان في الولايات الذين جعلت كياناتهم المتفرقة التجارة أصعب في أثناء القرن الثامن عشر. وهكذا، سمحت القوى الأوروبية باستمرار الدولة المركزية العثمانية وشجعت البيروقراطية الناشئة على توسيع مجال نشاطها ونطاقات مسئولياتها”[16]، وأصبحت هناك”مودة واضحة بين السفارات الأوروبية والبيروقراطية الإصلاحية”وتنامى نفوذ الحكومات الأوروبية في الإدارة اليومية للدولة العثمانية[17]، حتى أن مدحت باشا الذي وصل منصب الصدارة العظمى في الدولة ووصف في الأدبيات النهضوية بأنه من زعماء الإصلاح في العصر الحديث وأنه “أبو الدستور”و”أبو الأحرار”و”أبو الإصلاح”كان كما تصفه وثيقة بريطانية “صنيعة لدائرة خارجيتنا”[18] أي عميلا لوزارة الخارجية البريطانية، إذ تعاون مع الإنجليز في أخطر سياسات الدولة مثل خلع وتولية السلاطين[19]، ولجأ إليهم في أشد ساعات الأزمة[20]، ولكن لم تتحقق آمال المصلحين رغم كل ذلك وكانت النتيجة الفعلية لهذا الارتباط هو أن”دفع جهاز الدولة المركزية ثمن التأييد الأوروبي”كما يقول المؤرخ دونالد كواترت[21]، كما أدت سياسة الاسترضاء إلى زيادة التوحش الإمبريالي الغربي كما يقول الباحث أحمد صلاح الملا[22].

ومنذ البداية لم يهتم الغرب بسلامة الدولة العثمانية بصورة مطلقة، إذ شجع النزعات الانفصالية قبل وبعد وفي نفس الوقت الذي كان يوقع الاتفاق على المحافظة على أراضيها كما تشهد بذلك عمليات استقلال صربيا (1812) واليونان (1828) والاحتلال الفرنسي للجزائر (1830) ثم الاحتلال البريطاني لقبرص (1878) ومصر (1882) والاحتلال الفرنسي لتونس (1881) وغير ذلك من أمثلة تؤكد أن أوروبا لم تكن لها سياسة إلا مصالحها، تدعم مركزية الدولة عندما يروق لها ذلك وتحارب هذه المركزية عند اللزوم.

وعندما انتقل الغرب، وبخاصة بريطانيا، من مبدأ المحافظة على أراضي الدولة العثمانية إلى التنازع على تقسيمها بعد مؤتمر برلين (1878) اقتطع بعض ولاياتها كما مر ذكره، ثم تطورت السياسة الأوروبية إلى العمل على القضاء على هذه الدولة بإثارة نعرات التجزئة الداخلية التي كتب عنها رينيه بينون سنة 1908: “إن القومية العربية وما لقيته في أوروبا الغربية من دعاية وإعلان لم تكن من الحوادث الطارئة المنفصلة بعضها عن بعض، بل إنها، على وجه التحديد، مرتبطة بحركات الاستقلال التي ظهرت في الجزيرة العربية، تلك الحركات التي كانت بريطانيا تعضدها علنا وترجو لها النجاح”[23]، وقد اتخذت الأفكار الانفصالية أحيانا شكل الدعوة إلى الخلافة العربية بدلا من الخلافة العثمانية استنادا إلى أحكام فقهية تشترط النسب القرشي في الخليفة، وهي دعوة بدأها ساسة إنجليز كما يقول الزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي نقل عن كتاب المستر ولفرد بلنت (مستقبل الإسلام) بيتا من الشعر يشير إلى أن فوضى هدم الدولة العثمانية لن تعود بالضرر على المسلمين بل ستتطور إلى الأفضل:

لا تقنطوا فالدر ينثر عقده… ليعود أحسن في النظام وأجملا

وهو أمر يذكر بفكرة الفوضى الخلاقة التي يبدو أنها ليست محدثة، كما يدعو إلى السخرية لأن بريطانيا تريد العقد في جيدها لا في جيد الإسلام[24]، ومن السذاجة أن نظن أنها حريصة على تطبيق الشريعة الإسلامية بأدق تفاصيلها (!) وقد كشف جنرال فرنسي حقيقة النوايا البريطانية في مقال كتبه عن موقف الحلفاء في الشرق في بداية العشرينات فقال: “وقد سعت إنكلترا إلى القضاء على تركيا وخليفتها وإزالة الإسلام وحكمه مع دولته التركية من الوجود والاستعاضة عنه بإسلام عربي تكون مكة مركزه ولندن المسيطرة عليه”[25]، وقد تبنى مجموعة ممن وصفوا برواد النهضة العروبيين والسلفيين هذه الفكرة البريطانية (*) في وقت كان المجتمع الإسلامي يواجه عدوانا غربيا سافرا ولا يخدمه أفكار تزيد انقساماته وتناحره، مما دعا مصطفى كامل إلى التحذير من حملة لواء هذه الفكرة بالقول إن بريطانيا رأت أن خير وسيلة تضمن بقاءها في مصر هي هدم السلطنة العثمانية ونقل الخلافة الإسلامية إلى رجل يكون تحت وصاية الإنجليز ولذلك خرجوا بمشروع الخلافة العربية مؤملين به استمالة العرب، وقال أيضا: “وإني أعرف كذلك أن في مصر جماعة يسعون لحل المملكة العثمانية وإقامة خلافة عربية تكون ألعوبة في أيدي إحدى الدول الأجنبية، فهؤلاء وأمثالهم هم أعداء الدولة والملة وأضر على الإسلام من أعدائه الظاهرين، ولا عجب إذا نبذتهم الأمة المصرية بأسرها واحتقرتهم…. “[26].

ولم يكن هذا الهجوم فريدا ومقصورا على زعيم الحركة الوطنية، إذ شارك فيه نخبة من أهل مصر كعبد الله النديم وحافظ إبراهيم وغيرهما من الأدباء[27] لتباعد أولئك اللاجئين عن القضايا التي تهم شعب مصر وفي مقدمتها مقاومة الاحتلال، وقد كان أولئك النهضويون يسيرون وفق البوصلة البريطانية، إذ يطالب أحدهم وهو ولي الدين يكن بالدستور والحرية في الدولة العثمانية ويهرب من استبداد السلطان عبد الحميد لاجئا إلى كنف الاحتلال البريطاني في مصر حيث يعارض هو نفسه هناك مطالب الشعب المصري بالدستور والحرية ويهزأ بالمصريين ومطالبهم[28]، وآخر هو عبد الرحمن الكواكبي ينظّر للحرية ومقارعة الاستبداد العثماني ولا يتكلم كلمة واحدة في آثاره الخالدة ضد استبداد الاحتلال البريطاني الذي كان يحميه ويئن تحت وطأته في نفس الوقت ملايين المصريين وهو ما يثبت نظرية الزعيم مصطفى كامل عن انفصال أولئك المفكرين عن هموم مجتمعاتهم العربية والإسلامية التي كانت تفكر بطريقة معاكسة، إذ طرحت الجماهير قضية الانفصال عن الدولة العثمانية لما ظنت أنها ستقع تحت الاحتلال نتيجة الهزيمة في الحرب مع روسيا (1877- 1878) [29]، و”لم يكن عرب 1908 في وارد التفكير بالانفصال عن إسطنبول، خاصة في ظل المخاطر الأوروبية التي تهدد الجميع”[30]، كما كانت الجماهير تتنادى للجهاد من كل صوب إذا تعرض قطر للاحتلال الأجنبي كما حدث زمن الحملة الفرنسية على مصر[31]، فلم تكن الشعوب تطيق الاحتلال الأجنبي ولهذا تعلق قطاع عريض من الحركة الوطنية المصرية بالدولة العثمانية بعد دخول الاحتلال البريطاني سنة 1882، وكان معظم المصريين أثناء الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) “يتمنون أن يخلّص العثمانيون البلاد من الحكم البريطاني”كما كتب أحد موظفي الحكومة البرطانية[32]، أما بعض ساسة ومثقفي النهضة فكان ارتباطهم بالمصالح الأجنبية يصل- كما فعل نجيب عازوري- حد تبرير الاحتلال الأجنبي لبعض أقطار العرب التي يخرجها من دائرة العروبة التي يتحدث عن نهضتها ويجمّل الدوافع الاستعمارية التي قادت إلى احتلالها، سواء كان هذا الاحتلال بريطانيا يستبد بمصر أو فرنسيا يرتكب الأهوال في الجزائر، وينفي- كما فعل ولي الدين يكن- عن أهل مصر القدرة على حكم أنفسهم “فلم يختلف، في هذا الحكم، لا عن كرومر الإنكليزي ولا عن محمي كرومر، البروتستانتي فارس نمر”كما يقول الدكتور محمد الناصر النفزاوي[33]، وربما كنا سنجد تفسيرا لهذه النزعات التغريبية في يأس عازوري وإحساسه بالتراجع والفساد الذي أصاب الدولة العثمانية مما دفعه للجوء إلى الحل الخارجي كما فعل بعض المعاصرين الذين ضاقوا بالاستبداد العربي، إلا أن هذا التفسير سرعان ما يتبدد حين نراه يسحب إعجابه بالغرب على عدوانه التاريخي الذي أجمعت الأمة على إدانته وذلك حين قال: “تقدم فرنسا من بين كل الدول الأوروبية، المساعدة الأسخى والأكثر عفوية للمظلومين والتعساء، فالأمة الفرنسية بجوهرها أمة الفروسية، وهي التي بادرت إلى الحملات الصليبية الخطيرة التي عادت نتائجها بفوائد على العالم بأسره”[34] (!)، ولهذا لم يكن من المستغرب أن تصبح أفكاره بشأن نبذ الرابطة الدينية وإحلال رابطة العنصر محلها أفكارا “بعيدة وغريبة عن البلاد العربية حتى سقوط حكم السلطان عبد الحميد”[35].

المجتمع الشرقي بين ماضيه الإسلامي وحاضره التغريبي

سجل ضابط بحري بريطاني اسمه أدولفوس سليد والذي زار الدولة العثمانية ابتداء من سنة 1829 ملاحظات مهمة على عملية التغريب التي كانت قد بدأت في ذلك الوقت، ومما قاله في المقارنة بين ما قبل التغريب وما بعده: “إلى هذا اليوم تمتع العثماني عرفيا ببعض أعز مزايا الرجال الأحرار التي ناضلت الأمم المسيحية من أجلها زمنا طويلا: إنه لا يدفع شيئا إلى الحكومة أكثر من ضريبة معتدلة للأرض… كما لا يدفع شيئا للمؤسسة الدينية لأن الأوقاف كافية لإعالة علماء الإسلام، وهو يرحل أينما يريد دون جوازات سفر ولا ضابط جمارك يدس عينيه وأصابعه القذرة في متاعه، ولا شرطة تراقب تحركاته أو تتنصت على كلامه، بيته مقدس الحرمة وأبناؤه لا يؤخذون منه ليصبحوا جنودا إلا إذا دعتهم الحرب… ومن أدنى الأصول يمكنه الطموح إلى منصب باشا دون تجاوز، وإذا كان يعرف القراءة يمكنه أن يصبح صدرا أعظم… أليست هذه الميزة مهمة جدا للأمم الحرة؟ ألم يؤد استبعاد الناس من مناصب الشرف إلى الثورة الفرنسية؟…. وفي مقابل هذه الحرية والقدرة على تحقيق أوسع الآمال، ماذا قدم السلطان (بعملية المركزة)؟ يمكن القول لاشيء”، ويعلق المستشرق برنارد لويس بالقول إن نقده الرئيس للمصلحين أنهم دمروا النظام القديم الذي لم يكن شرا في حد ذاته، بل على العكس تضمن كثيرا من الأشياء المرغوبة جدا[36].

ويذكر عادل مناع أنه بعد إقامة النظام المركزي في الدولة العثمانية صار بإمكانها تطبيق ما تشاء من إجراءات دون مواجهة مقاومة على عكس ما كان يحدث سابقا “حين كان الأهالي يثورون من حين إلى آخر ضد الحكام الذين يفرضون سياسة غير مقبولة”[37].

ومع ذلك فإن المركزية لم تكن آنذاك كما قد يتبادر للأذهان بعد تجاربنا مع مركزية الدولة القُطرية، فيذكر المؤرخ زين نور الدين زين أن “مصائب العرب، حتى في عهد السلطان عبد الحميد، لم تكن متأتية من شدة الحكم التركي وقسوته بقدر ما كانت نتيجة لعدم سطوة الحكم التركي وقدرته على إثبات وجوده”[38].

ومن الدلائل الهامة ما يتعلق بالفكر السياسي الإسلامي في تلك المرحلة والذي عبر عنه ابن عابدين الذي استقرت الفتوى في المذهب الحنفي عليه في حياته وبعد وفاته، مع العلم أن هذا المذهب هو المذهب الرسمي في الدولة آنذاك، وقد عبر عن الموقف الإسلامي من الحكم في حاشيته الشهيرة المسماة رد المحتار على الدر المختار التي وضعها بين عامي 1815- 1820 [39]، ورد فيها في بحث الأشربة على من قال بحرمة الدخان لنهي السلطان عنه بقوله كما ينقل الكوثري عنه: “إن ولي الأمر لا شأن له في التحليل والتحريم، كيف وقد قال فقهاؤنا: من قال لسلطان زماننا عادل فقد كفر، حيث يكون اعتقد الظلم عدلا”[40]، ومع ذلك لم يتعرض أحد للشيخ بسوء ولم تسحب جنسيته ولم يجرجر في دهاليز المخابرات ولم تنصب له المقصلة مع جرأة ما أفتى به في عصر المركزية وظل في منصب الإفتاء في عموم الدولة، فماذا سيقول ابن عابدين أو الكوثري رحمهما الله إذا رأيا أن الحلال والحرام وقد أصبحا اليوم من شأن الدول الغربية الكبرى التي لا تجد الدولة القُطرية حرجا من إطلاعها على شئون دينها لنيل رضاها عنه (**)، هذا فضلا عن الفتاوى التي طالما شرعت التدخل في بلادنا وتدميرها خدمة للمصالح الغربية الكبرى، مما يصدق قول أمير الشعراء شوقي حين تنبأ بحال الأمة والدين بعد سقوط الخلافة في قصيدة رثائها بقوله:

ولتشهدن بكل أرض فتنة… فيها يباع الدين بيع سماح

يفتى على ذهب المعز وسيفه… وهوى النفوس وحقدها الملحاح

ومن الطريف في شأن ابن عابدين أن “أحد المخذولين من كبار موظفي وزارة المعارف في الآستانة”، كما يصفه الكوثري، قدم تقريرا لمنع تداول الحاشية بسبب العبارة السابقة، فاستاءت الأوساط العلمية وتدخلت لدى السلطان عبد الحميد نفسه ووضحت له أن المسألة التي منع الكتاب بسببها موجودة في كل كتاب فقهي، فصدر أمره بإعادة تداول الكتاب، والأهم من ذلك “نفي ذلك الموظف الكبير الذي قدم ذلك التقرير إلى إحدى الولايات الشرقية البعيدة ليكون مستخدما بسيطا في إحدى البلديات”[41]، فأين هذا من استبداد دول الاستقلال والتجزئة التي لا يمكن أن تكون فيها عاقبة النفاق المرذول كمصير ذلك “المخذول”، ورغم تراجع السلطان شخصيا عن قرار منع تداول حاشية ابن عابدين فقد استخدم الحدث لتشويه صورته ودارت الأيام وأصبح حذف مسائل مهمة من كتب الشرع ومنع تداولها من التهم التي ألصقت بالسلطان وأدرجت في فتوى خلعه بناء على تحريف مضمون ذلك الحدث[42]، وهو ما يلقي ضوءا على الطريقة المشوهة التي وصلتنا بها أحداث تلك الفترة.

ويقودنا هذا الحدث إلى الإنجازات الثقافية للدولة المركزية في عهد السلطان عبد الحميد والتي لحقها كثير من الافتراء السخيف والذي وصل حد الادعاء بأنه حظر تداول اسم قصره يلدز وترجمته أي كلمة نجم وهمّ بحذفها وغيرها من القرآن الكريم[43] مع أن الحقيقة تؤكد أنه تطوع بطبع صحيح البخاري وتوزيعه على الأقطار الإسلامية مع احتوائه على هذا اللفظ في تفسير سورة النجم دون اللجوء إلى هذا الإجراء الملفق في كتاب للحديث فضلا عن القرآن الكريم[44]، وما زالت الطبعة السلطانية تشكل أساسا للطبعات المتداولة في يومنا هذا لأنها أصح نسخة وأجلها كما يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في مقدمة طبعته، ولن نعجب أن مصادر تلك الأخبار والافتراءات كانت من متنوري شبان الأتراك[45].

وعلى الجهة المقابلة يقول المؤرخان شو: “ساهمت زيادة المعرفة بالقراءة والكتابة في عهد عبد الحميد في نمو النشاط الثقافي، وقد بني الكثير من المكتبات العامة، وازدهرت الطباعة العثمانية بآلاف الكتب والصحف والمجلات والكتيبات التي غمرت جمهورا متلهفا”، ويتحدثان عن الرقابة في ذلك العصر بالقول إن “كثرة المطبوعات أربكت الرقابة كثيرا مما أدى إلى جعل تطبيق قوانينها متقطعا، ورغم أنه كان ثقيل الوطأة وتحكميا بلا ريب فإنه افتقر إلى الفعالية التي ميزت الرقابة في جميع أنحاء العالم حديثا…. وإن معظم الكتّاب تمكن من تلبية حاجات القراء دون انتهاك القانون ونتج عن ذلك عدد ضخم من الروايات والمقالات والكراريس وكتب أخرى شملت مواضيع عديدة ومختلفة مما جعل هذه الحقبة من أكثر الفترات حيوية ثقافية في التاريخ العثماني حتى ذلك الوقت”[46].

ويسرد كل من المؤرخين عادل مناع وروجر أوين أمثلة تشير إلى نفس النقطة وهي أن المركزية التي طبقت في عصر التنظيمات العثمانية كانت تختلف عن المركزية التي طبقتها فيما بعد دول الاستقلال والتجزئة[47]، وقد تحدى السلطان عبد الحميد في مذكراته أن يؤتى بدليل واحد على أنه أمر بإغراق أي شخص من معارضيه كما أشيع عنه[48] وكما جاء في فتوى خلعه، وصدق هذه الإشاعات شاعر النيل حافظ إبراهيم في أحد أبياته، وواصل التحدي أحد كتّاب قصر يلدز بعد زمن من عزل السلطان ووفاته، وذلك في أربعينات القرن العشرين في زمن كثرت فيه الاتهامات للزمن العثماني فلم يظهر دليل واحد يؤكد الإشاعات[49]، فهل نعجز اليوم مثلا عن توثيق جرائم حكام التجزئة ولو بعيدا عن القضاء الفاسد؟ وقد تطرقت إلى بعض النماذج التوضيحية عن المركزية الحميدية في التعامل مع المعارضة السياسية في دراسة (المدخل الصهيوني لتدجين الفكر السياسي الإسلامي).

الجاسوسية العثمانية: بقية الصورة

وهذا يقودنا إلى الحديث عن نظام التجسس في عهد السلطان عبد الحميد والذي كثر الحديث عنه وقالت فيه دائرة المعارف الإسلامية مثلا: “فضل السلطان عبد الحميد أن يستبد بالحكم كأسلافه، وقل اهتمامه بنقل أساليب الحكم الغربية ووجه همه إلى الاحتفاظ بمكانة السلطان وتقوية نفوذه فتوسل إلى هذا بتنمية ذلك النظام المرذول، نظام الرقابة والتجسس الذي جعل هذه الأيام تعرف في تاريخ تركية باسم “دور استبداد”… “[50]، وما أريد توضيحه أن هذا النظام لم يكن موجها لتلمس مواطن المعارضة بين الرعية فقط كما حدث في دول التجزئة التي كانت مع تشددها على رعاياها الذين تحصي أنفاسهم شديدة الانكشاف أمام أعدائها من الغربيين والصهاينة حتى وصل الأمر بزعيم دولة كبيرة يستعجب من تجسس الصهاينة على بلاده لا غضبا لحرمتها وكرامته بل لأنه لا يخفي شيئا يستحق التجسس عليه (!)، أما نظام الجاسوسية في الدولة العثمانية فيمكن أن نتتبع كثيرا من مواطن عمله في الوثائق المختلفة التي كانت تشير إلى التجسس على أعداء الدولة كالوثيقة التي كتبها ثلاثة مخبرين من بيروت وعكا وحيفا يفضحون فيها تواطؤ بعض المسئولين في بيع الأراضي لليهود سنة 1890، وهو ما “يخالف رضا مولانا السلطان”[51]، والوثيقة التي كتبها أحد أبناء البوسنة والهرسك الذين لجئوا إلى قيسارية في فلسطين يفضح فيها نشاطات أثرياء اليهود وتعاون الموظفين الفاسدين في تمليكهم الأراضي[52]، وتزخر المذكرات السياسية للسلطان عبد الحميد بالإشارة إلى المعلومات الداخلية والدولية التي استقاها من شبكة التجسس عنده كتلقي بعض كبار الموظفين هدايا ثمينة جدا في قضية إنشاء سكة حديد بغداد “وواضح ألا تكون هذه الهدايا إكراما لسواد عيونهم”، وكمنح أذونات زيارة لولايات العراق لضباط إنجليز يخططون لأهداف سياسية ينكرونها في العلن وتتصل بالاستيلاء على البصرة، كما نجد متابعة صحف أوروبية تكتب في شئون الدولة العثمانية كالجزيرة العربية والقضية الأرمنية والعلاقات مع ألمانيا[53]، وهذه الأمثلة تؤكد ما جاء في مذكرات السلطان عبد الحميد عن مضار التدخل الأجنبي بصفتها سببا لإنشاء شبكة التجسس[54]، كما توجب رؤية أوسع لطبيعة المركزية في آخر مراحل الدولة العثمانية والبعد عن التعميمات التي لا تستند إلى أدلة موثقة.

علاقة القمة بالقاعدة زمن المركزية العثمانية

ويسرد الشيخ كامل الغزي- الذي عاصر السلطان عبد الحميد وتقلد المناصب في عهده وفي ما تلاه- الصورة العامة لعلاقة الدولة المركزية في ذلك الزمن بالقاعدة الشعبية فيقول في ذكره شيئا من سيرة هذا السلطان: “كانت الطبقة الدنيا والوسطى من الرعية على اختلاف عناصرها تخافه وتحبه: تخافه لقوة بطشه وعظيم دهائه وتمكنه من الاطلاع على أحوال رعاياه… وتحبه رعاياه لأنه كان لا يحب أن يبهظهم بالضرائب، فكان الرخاء في أيامه شاملا والرعية راتعة في بحبوحة التنعم والرفاهية، وكان عظيم العناية بكل ما يرضي رعاياه لا سيما البسطاء منهم، غير متوان عن الإتيان بكل ما ينطبق على رغائبهم، خصوصا بما كان له علاقة بالدين كخدمة شعائره وإعمار المعابد…. وكان من أجلّ آثاره وأكبر حسناته وأقواها اجتذابا لقلوب المسلمين عامة وقلوب رعيته خاصة سكة الحديد الحجازية فإنه وحده الساعي بإنشائها وبسعيه المشكور تم أمرها”[55]، وسيأتي أن السياسة التي اتبعتها السلطة المركزية في ذلك الزمن تتماشى مع هوية الجماعة وتطلعاتها.

نتائج التنظيمات الخيرية والإجراءات التغريبية

لقد تمكنت الدولة العثمانية في ظل المركزية من تحقيق إنجازات تحديثية سيأتي ذكرها قبل أن يقطع الغرب طريقها وينقل هذه المركزية إلى دول أكثر تفاهما مع مصالحه ومخططاته في بلادنا، وإن الدولة المركزية التي انقلبت فيما بعد ضد شعوبنا وطالما اشتكى أنصار التغريب منها ونسبوا إليها جل أمراضنا ليست وليدة تراث استبدادي شرقي كما حاولوا إيهام مجتمعاتنا، بل هي وليدة مرحلة من التغريب أو كما يقول المؤرخ رشاد قصبة إن المركزية البيروقراطية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر فُرضت وتأسست تحت رعاية المراكز الرأسمالية والسياسية للاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهي بعيدة كل البعد عن كونها امتدادا للميراث العثماني، كما أن ضعف المجتمع المدني في أواخر سني الدولة وبداية عهد الجمهورية التركية نشأ من وضع خاص بظروف الاقتصاد الرأسمالي العالمي وليس امتدادا لثقافة شرقية كونت أسس المؤسسات العثمانية التقليدية[56].

ومن اللافت للنظر أن دستور رجال التنظيمات التغريبية نص في مادته الخامسة على أن “حضرة السلطان مقدس وغير مسئول”وهي مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية كانت جمعية الاتحاد والترقي تتمسك بها[57] رغم أن الجمعية في الحقيقة وضعت السلطان على الرف وحكم مستبدوها بإسمه بشكل أقسى من الاستبداد الفردي الذي نسبوه للسلطان عبد الحميد، وقد اتخذ الكماليون من هذا النص الدستوري تشنيعا على الخلافة ثم أسسوا استبدادا تغريبيا دمويا أعتى من استبدادها وأمرّ، وسارت الاستبداديات العربية العلمانية على منوالهم.

وأدت إجراءات التنظيمات الإدارية الأخرى إلى نتائج سياسية أيضا مازلنا نعاني من آثارها إلى اليوم، فقد أدت زيادة الملكيات الواسعة التي سهلها قانون 1858 إلى سهولة تسرب هذه الأراضي إلى المهاجرين الصهاينة في فلسطين عن طريق شرائها من كبار الملاك الذين كان كثير منهم يقيمون بعيدا عن أراضيهم ومن ثم لم يكن لديهم مانع من التخلص منها لصالح من يدفع سعرا مغريا وهم في هذه الحالة اليهود الصهاينة الذين كانوا يحظون برعاية القناصل الأجانب، ودعم ذلك قانون سنة 1867 الذي سمح بتملك الأجانب العقارات في الدولة، وهذا الموضوع سيكون له حديث خاص بإذن الله.

وفي سنة 1916 انقضت الثورة العربية بدعم من الحلفاء في الحرب الكبرى الأولى على الرابطة الإسلامية والعثمانية التي كانت تجمع سكان الدولة العثمانية وذلك ردا على التعصب الطوراني لجمعية الاتحاد والترقي وسياسة التتريك التي انتهجتها واستفزت القوميات غير التركية، وكانت الثورة العربية محاولة لإقامة الخلافة العربية التي طالما منى الإنجليز بها ساسة العرب ونشرت السلفية حلم العودة إليها في توافق مع رغبات غربية لم يكن يتيما في تاريخنا الحديث، ولكنه لم يؤت الثمرة المرجوة عربيا بعد أن اغتر قادة العرب ب”التيجان الموهومة والأماني البالية”كما يقول نقيب الأشراف الذي عاصر الأحداث محمد أديب آل تقي الدين الحصني في كتابه منتخب التواريخ لدمشق، ج1ص309، إذ لم يعترف الحلفاء بخلافة مفجر الثورة العربية وتخلصوا منه بعدما أدى دوره واستقر رأيهم على تفتيت الدولة العربية الموعودة، فلم تعد لنا خلافة أو وحدة عربية ولا تركية، وقد كانت الثورة العربية تتويجا لجهود غربية استمرت عشرات السنين لاصطناع المبررات لانتزاع أجزاء استيراتيجية من جسم الدولة العثمانية لصالح الدول الاستعمارية، وهي جهود وجدت ضالتها في فكرة استقلال الأقاليم التي احتفى بها في نفس الوقت ولاة ذوو نزعات غربية- حضارية أو سياسية- ظنوا أن الخير في استقلالهم عن الجسم الأكبر الذي يضم معظم الشرق العربي الإسلامي، وبهذا ولدت الهويات الفرعية التي ظلت تتشعب حتى وصل عدد الدول “المستقلة” التي قامت على مساحة الدولة العثمانية إلى أكثر من ثلاثين دولة[58] رسمت الدول الكبرى حدودها ونصبت زعماءها وتدخلت حتى في تصميم أعلامها التي يبجلها أبناؤها[59]، والطريف أن تكون هويات الاستقلال قد نشأت في البداية لأسباب استعمارية تضر بأصحاب تلك الهويات الذين اعتنقوها فيما بعد في غفلة عن هذه الأسباب وعن ضرر التجزئة ذاتها التي ولدها هذا الاستقلال فجعل تلك البلدان مشرذمة وضعيفة أمام غيلان الغرب الكبرى وعاجزة عن الدفاع عن أنفسها ومن ثم مضطرة لسلوك نهج التبعية للتعلق بمن هم أقوى منها لضمان وجودها واستمرارها، ويرجع الدكتور برهان غليون صنمية الدولة العربية القطرية في الزمن المعاصر إلى ظروف حديثة متصلة بفشلها في تحقيق المواطنة نتيجة ضعفها وهزالها وعدم قدرتها على زرع الانتماء إليها، وكان إظهار قوتها وبطشها ملازما هشاشتها المعنوية والأخلاقية والسياسية[60].

وتقول دائرة المعارف الإسلامية”إن عهد التنظيمات كان عاملا فعالا في انحلال الدولة مثله في ذلك مثل المصالح السياسية للدول الأجنبية”[61].

هويات التغريب أضرت بأصحابها

وليس هذا مجال استعراض المصالح الغربية التي اقتضت احتلال البلاد العربية، فالمهم فيما يتعلق بموضوعنا أن فكرة الاستقلال عن الكيان الجامع كانت هي الممهد لاحتلال هذه البلدان ولذلك ليس من الغريب أن تحظى منذ نشوئها عند أحد الولاة مثلا بالتشجيع الغربي وأن يكون هذا الوالي ذا نزعة تغريبية ومن المفارقات ألا يظهر ميوله الاستقلالية إلا في مواجهة أخوته في العقيدة والانتماء في الوقت الذي تذوب شخصيته أمام الأجنبي الغربي.

وفي الوقت الذي كانت أوروبا تدعم التغريب المركزي في الدولة العثمانية، شجعت كل من بريطانيا وفرنسا الباي التونسي ماديا لدفعه بعيدا عن المركز العثماني[62]، ودافعت فرنسا عن فكرة استقلال تونس عن الدولة ممهدة الطريق لاحتلالها العسكري بعد إصلاحات تغريبية قام بها الباي بتشجيع أوروبي مهد الطريق للاستعباد المالي الذي استدعى الاحتلال الفرنسي[63]، وسنجد الدفاع عن النزعات الاستقلالية عن الجسم الأكبر نموذجا متكررا في السياسة الاستعمارية يخفي وراءه رغبة جامحة في السيطرة على الأقاليم التي تستقل عن الكيان الأكبر.

وكانت الرغبة في بسط الحماية الفرنسية على مصر هي السر في تشجيع الفرنسيين ولاة مصر على التحرر من السلطة العثمانية[64]، كما دعمت بريطانيا الميول الاستقلالية لورثة محمد علي ابتداء من عباس باشا الذي ساندته ضد تطبيق القوانين العثمانية في مصر[65] بعد أن استفادت من المركزية العثمانية نفسها في تحطيم تجربة جده النهضوية التي استفادت منها بدورها مع بقية أوروبا في “زعزعة أركان الدولة العثمانية وفي رفع مستوى تدخلها المباشر في شئون السلطان العثماني”[66]، ومن العجيب أن عباس باشا “كان يحتقر جهارا الثقافة الغربية ويمقت الأوروبيين، إلا أن هذا لم يعفه عن الخضوع إلى التعليمات الواردة من إنكلترا”[67]، التي مهدت الطريق بكل ذلك لاحتلال مصر عسكريا مستفيدة بصورة خاصة من النزعة الاستقلالية عند الخديو إسماعيل بالإضافة إلى نزعته التغريبية التي نفرته من العثمانيين وقربته من أوروبا وجعلته يقوم ب”إصلاحات”تغريبية أوقعته في فخ الاستعباد المالي الأوروبي قبل الاحتلال، ولما قامت الحرب الكبرى الأولى سنة 1914 قامت بريطانيا بإعلان الحماية على مصر رسميا وقطعت علاقاتها الاسمية حتى ذلك الوقت بالدولة العثمانية وسخرت جميع الإمكانات المصرية وأنهكتها في سبيل الحرب[68] التي لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل، ومن ذلك أنها خلعت الخديو عباس حلمي الذي شاكس المحتلين ونصبت عمه حسين كامل سلطانا على مصر ليناوئ ويقارع بهذا اللقب منصب السلطنة العثمانية التي كانت في حرب مع الحلفاء، وقد عبر المصريون عن رفضهم لوضع السلطان الألعوبة، الذي يستمد سلطته من الإنجليز بعدما كان الخديو يستمدها من الخليفة، بمحاولة اغتياله مرتين بالإضافة إلى محاولة اغتيال رئيس وزرائه وأحد وزرائه أيضا[69]، كما أطلقوا على كثير من مواليد سنوات الحرب أسماء الزعماء الأتراك أنور وجمال وطلعت (وكان من هؤلاء المواليد رئيسا مصر فيما بعد وشقيق أحدهما)، ومن الطريف أن منصب السلطان المصري هذا الذي أعلنه الإنجليز منحوه صلاحيات أقل من صلاحيات منصب الخديو[70] رغم التفخيم اللفظي، وهي سمة لازمت دول الاستقلال والتجزئة التي أصبحت ألقاب حكامها ألقاب مملكة في غير موضعها كالقط يحكي انتفاخا صولة الأسد كما يقول الشاعر ابن عمار الأندلسي، وخلاصة الأمر أن ترفيع مصر إلى مقام السلطنة كان غطاء لاحتلالها وتسخيرها لحاجات بريطانيا الحربية، ولما انتهت الحاجة منها ألغيت هذه السلطنة في نفس العام الذي ألغيت فيه السلطنة العثمانية (1922) لتقوم بدلا منها المملكة المصرية غطاء لشكل جديد من الهيمنة البريطانية تحت عنوان مزيف هو الاستقلال المتحفظ عليه!

كما بذل الإنجليز جهودا كبيرة في الدفاع عن استقلال الكويت عن الدولة العثمانية ليمنعوا وصول سكة حديد بغداد إليها مع أنها كانت ستحول الإمارة إلى محطة نهائية لطريق تجاري عالمي يقطعه قطار الشرق السريع من برلين مرورا بعواصم أوروبا ثم استانبول فبغداد فالكويت مما كان سيمنح ميناء الكويت أهمية اقتصادية كبيرة قبل ظهور النفط بعشرات السنين، وما يؤكد ذلك ما جاء في تقرير مؤسسة ماكينزي الاستشارية لسنة 2008 عن الإصلاح الاقتصادي في الكويت: “التجارة من العراق وإليه عبر الكويت تصل قيمتها إلى 40 مليار دولار (سنويا)، وحتى يكون ذلك لا بد من السكك الحديدية”، هذا ما ستصنعه سكة محدودة، مع العلم أن مجمل التجارة الكويتية بلغت حتى ذلك العام 70 مليار دولار (سنويا) [71]، فما هي قيمة التجارة لو كانت الكويت محطة نهائية لطريق عالمي كسكة تمتد عبر القارات من برلين إلى بغداد ومنذ مائة عام؟ وهو أمر تحاول العودة إليه اليوم ولو بصورة جزئية بواسطة مشاريع السكك الحديدية الإقليمية التي مازالت في عالم التخطيط، فكان هذا الاستقلال المحتفى به من مستلزمات المصالح الغربية على حساب مصالح السكان المحليين وإن صورت السياسة عكس ذلك.

كما كان ابتداع الخريطة الفلسطينية الحالية وخلق الهوية الفلسطينية المستقلة عن جوارها السوري من مستلزمات منح هذه الأرض للوطن القومي اليهودي الذي فصّلت بريطانيا هذه الخريطة وفق مصالحه كما أملتها مصالحها الإمبراطورية يومئذ، وأثبتت الأيام أن هذه الخريطة ما رسمت إلا لتسلم للصهاينة وتصبح كيانا صهيونيا استعماريا ولم يستفد أهلها من هويتهم المستقلة سوى أنها أصبحت مبررا لحصر القضية داخل حدودهم ولتخلي إخوانهم عنها بصفتها صراعا بين الفلسطينيين وحدهم والإسرائيليين ولا شأن لمن هم خارج هذه الحدود الفلسطينية بهذا الصراع، وجل ما يتفضل به بقية العرب والمسلمين- الذين استبعدوا رسميا من المواجهة بحكم هوياتهم الإقليمية المغايرة- هو القبول بما يقبل به الفلسطينيون الذين أصبح لهم كيان خاص، ولكنه ضعيف أيضا لا يقدر وحده على مواجهة الدعم الغربي الشامل للصهاينة في الوقت الذي يُنكر فيه على الفلسطيني تلقي بندقية من أخيه، وأصبح القبول بما يقبل به الفلسطيني مبررا تحت شعارات عدم التدخل في الشئون الداخلية والقرار الوطني المستقل، ولكن هذا القبول ترجم عمليا بالقبول فقط باستسلام الفلسطينيين للصهاينة إذ عندما يقومون بالمقاومة والمواجهة لا يُقبل منهم ذلك ويُدفعون إلى عملية السلام الفاشلة دفعا ويُتركون فرادى لمصيرهم لو أصروا على القتال، وبهذا تحولت الهوية المستقلة المصابة بالعجز البنيوي إلى تبرير للاستسلام وضياع حقنا في فلسطين.

وخلاصة الحديث أن هوياتنا المستقلة نشأت لاحتضان المصالح الاستعمارية وأحيانا كان الاستقلال شعارا رفع للإضرار بأصحابه الذين نالوا “استقلالهم” ولكن على حساب مقومات وجودهم الحقيقية.

استهانة التغريب بمجتمعاتنا وتلاعبه بها

وقد بلغت الاستهانة التي عامل بها الغرب هوية مجتمعاتنا حدا جعل حاكما استعماريا مستبدا كاللورد كرومر يظن أن بإمكانه أن يمنح مصر هوية جديدة يختلقها من العدم، وذلك حين فكر بدمج جميع العناصر التي تقطن وادي النيل بما فيها من أوروبيين توافدوا على مصر في القرن التاسع عشر في ظل تشجيع محمد علي باشا وخلفائه وبلغ عددهم أكثر من مائتي ألف في زمن ابتكار كرومر الفكرة الجديدة (2% من السكان في سنة 1907) [72] ليصنع من هذا الخليط أمة مصرية ذات هوية لا علاقة لها بالجامعة الإسلامية، ويصف المؤرخ روجر أوين هذه المحاولة بأنها فكرة جديدة تماما على الرأي العام المصري، ودليل على القطيعة التامة بين كرومر والمجتمع الذي يحكمه، وممارسة غريبة وطائشة يلفت النظر أكثر من زيفها جنون العظمة الذي ارتبط بها[73]، وعلى كل حال فإن كان الاستعمار فشل في ذلك فقد نجح في تكريس الهويات القُطرية التي أصبحت خنادق يتترس فيها أبناء الأمة الواحدة ضد بعضهم بعضا.

التغريب كان علاجا لأمراض مغايرة لما كنا نعانيه في ذلك الوقت

لقد ظن أصحاب مدرسة النقل العام عن الغرب أن الحياة الدستورية البرلمانية التي توصل الغرب إليها نتيجة تطورات داخلية تدريجية امتدت لمئات السنين، أن هذه الخلاصة هي الدواء العام الشامل لجميع الأمراض التي كانت تنتاب حياة المجتمع العثماني في القرن التاسع عشر[74]، وهي الكفيلة بانتشاله من تخلفه ووضعه ثانية بين دول الدرجة الأولى، ويمكننا أن نجد وجهة النظر المقابلة عند السلطان عبد الحميد الذي ابتدأ عهده بتطبيق الدستور ثم علقه طيلة حكمه إلى أن أجبرته ثورة الاتحاد والترقي على إعادة العمل به سنة 1908، إذ كان يرى أن ما هو مناسب لدول تتمتع بالوحدة القومية والدينية قد لا يكون مناسبا لدول تتصف بالتنوع السكاني ولا تقبل طوائفها بتبني لغة واحدة أو التنازل عن استقلالها الذاتي مما سيجعل من تطبيق المساواة المطلقة يعني انقساما وفوضى وقتالا، فالدواء قد يتحول إلى سم زعاف لو وضع في غير موضعه أو استخدمه غير المختص، وليس أي دواء يصلح لأي مرض، والمطالبون العثمانيون بالدستور يقلدون الغرب من غير إدراك للظروف المختلفة بين تطبيق الديمقراطية في بريطانيا حيث لا يوجد في البرلمان الإنجليزي ممثل واحد عن الهند أو مصر، وما يراد للدولة العثمانية التي تحوي قوميات متعددة سيكون تمثيلها جميعا في الوقت الذي تتدخل فيه الدول الكبرى لحمايتها وبالا على الدولة وعنصرها الإسلامي، وكان يرى اتفاقا بين الدول الغربية الكبرى- بما فيها حليفته الظاهرية ألمانيا- على تقسيم الدولة العثمانية، وهي المشكلة الرئيسة التي كانت تواجه بلاده[75]، ولم يكن يعتقد أن تطبيق الدستور سيحول دون وقوع هذه الكارثة أو سيكون علاجا لها[76].

وقد أثبتت الأيام صحة نظرته فسجل موقفه بعد عزله وقال: “ماذا حدث بعد إعلان المشروطية (أي الدستور الذي يقيد سلطة الحاكم ويجعلها مشروطة)؟ هل انخفضت ديون الدولة؟ هل كثرت الطرق والموانئ والمدارس؟ هل أصبحت القوانين الآن أكثر تعقلا ومنطقا؟ هل ازدادت الحقوق الشخصية عما قبل؟ هل الأهالي الآن أكثر رفاهية؟ هل تناقصت الوفيات وزادت المواليد؟….. “[77]، وقد كانت النتيجة الأوضح أن الدستور في ذلك الوقت لم يكن العلاج الشامل لجميع أمراض المجتمع وأنه ليس صمام الأمان المرتجى، وقد قال السيد تقي الدين الحصني نقيب الأشراف في أواخر الزمن العثماني والذي سبق ذكره في المقارنة بين الزمن الحميدي وزمن الاتحاد والترقي إنه”قد ثبت لدى أكثر المفكرين بأن الفكرة التي كانت في مخيلة السلطان عبد الحميد بأن الشعب ليس عنده قابلية للحكم الدستوري قد أظهر أثرها عند تولي أمر الحكومة لأناس كانوا هم أعظم وأشد استبدادا من ذاك السلطان فكان الناس برجل واحد يستبد برأيه فانقلب ذلك لآراء جمعية عظيمة مختلفة المشارب متفاوتة المآرب….. وكان بسوء إدارتهم انسلاخ أكثر البلاد عن حكم هذه الدولة في هذه الآونة”[78].

ولم تكن عامة الناس تدرك أبعاد الثورة الدستورية، ويصف المؤرخان شو حالة الجماهير عندما أعلن الدستور بقولهما كما ينقل الأستاذ سعد محيو: “نساء ورجال تحركوا على متن موجة واحدة من الحماس، ضاحكين، باكين، في خضم حالة عاطفية…. قال الجمهور: تهتفون من أجل ماذا؟ أخبرونا، ماذا يعني الدستور؟ يرد خطيب بسرعة: الدستور شيء عظيم إلى درجة أن من لا يعرفه منكم يكون حمارا”[79]، وقد سعت الدولة بخطى حثيثة نحو نشر التعليم كما سيأتي لجسر هذه الهوة على عكس القوى الاستعمارية التي كانت تصر على إبقاء شعوبنا متخلفة جاهلة لتتمكن من الهيمنة عليها بسهولة. (ملاحظة: لا صلة بين هذا الموضوع وأية أحداث معاصرة في البلاد العربية قد تشاركه المفردات ولا يلمح إليها من قريب أو بعيد، إنما هو عبرة تاريخية تخص التغريب في الزمن المشار إليه في المتن).

والطريف أن تيودور هرتزل مؤسس الكيان الصهيوني، أو الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، كان في الزمن الذي أتحدث عنه ضد الديمقراطية ومشهرا بسيئاتها كما كتب في يومياته، وذلك لأنه “كان يسعى- مسبقا- إلى التمييز الذاتي لليهود عن بقية الأقليات وبقية المواطنين”ويرفض المساواة لأنها تساعد في اندماج اليهود في المجتمعات الرأسمالية وهو ما ينافي آماله الدينية وأفكاره الذاتية عن تميز اليهود كما يقول الأستاذ كامل زهيري في تحليل مواقفه، وينقل عن هرتزل قوله: “وأنا ضد الديمقراطية لأنها متطرفة فيما ترضى عنه وفيما لا ترضى عنه، وتشجع الهدف البرلماني…. إن أمم الوقت الحاضر لا تلائمها الديمقراطية في الحكم، وأنا أعتقد أنها ستزداد عدم ملاءمة يوما بعد يوم”، ويقول أيضا عن كيانه المرجو: “سنقمع كل معارضة بالإقناع الحبي، أو بالقوة إن لزم الأمر”[80].

وخلاصة القول أن مؤسس الديمقراطية الوحيدة في الشرق كان ضد الديمقراطية لأنها تخالف ما تصوره هو مصلحة لشعبه وتعيق تقدمه نحو آماله، وهو يسحب هذا الحكم على جميع الأمم التي عليها أيضا نبذ الديمقراطية وليس على شعبه وحده فقط، والغريب في الأمر أن الديمقراطية الوحيدة في الشرق لم تر في هذا عيبا على مؤسسها ومازالت ترفع صوره في كل مكان في الأراضي التي احتلتها وقامت عليها وعدت هذا الموقف مرحلة من مراحل بنائها دون انتقاص أو خجل، أما نحن فمازلنا نندب حظنا الذي ابتلانا بالاستبداد الحميدي ونحمل تلك الفترة أوزار الثقلين إلى يومنا هذا ولم نعتبر بإنجازات كبرى صنعها غيرنا ممن انطلقوا من أوضاع شبيهة بأوضاعنا بعد انتهاء الحرب الكبرى الأولى (1918) ومع ذلك تمكنوا في برهة قصيرة من الوصول إلى قمة العالم كالروس السوفييت الذين انحدروا بعدها إلى الدرجة الثانية ونحن ما نزال في مكاننا نولول من الطغيان العثماني ولم ننظر إلى إنجازات أخرى صنعت في ذلك العهد ولم نتمكن من البناء عليها أو حتى المحافظة عليها لأن دول الاستقلال والتجزئة كان من طبيعتها البنيوية عدم استيعاب الإنجازات التي صنعتها دولة الوحدة ومن ثم هدمتها وأوضح مثل على ذلك سكة حديد الحجاز أو حرية التنقل للمواطن العربي أو الاكتفاء الذاتي الغذائي أو القدرة على رفض الإملاءات الغربية وغير ذلك.

التغريب سلاح يشهره ضدنا الغرب الذي يقول ما لا يفعل

وفي الوقت الذي كان الغرب عموما وبريطانيا خصوصا تحتضن المعارضين العثمانيين المطالبين بالحياة الدستورية في الدولة العثمانية وتوفر لهم ملجأ في القاهرة المحتلة فضلا عن عواصم أوروبا، كان الاحتلال البريطاني ينكر على المصريين الحياة الدستورية ويقمع مطالبهم بها ويبرر ذلك بالقول إنهم لا يستطيعون حكم أنفسهم لأنهم لا يدركون مصالحهم الحقيقية المتطابقة مع المصالح البريطانية التي يخدمها هذا الاحتلال، وكان المتغربون يسايرون هذا التوجه الاستعماري- كما مر- إما تصريحا وإما بالصمت عن الاستبداد الاحتلالي مع الإصرار على عدم رؤية استبداد إلا عند العثمانيين، وإذا كان الجهل والأمية هما العقبة أمام تطبيق الحكم الدستوري، فإن الفرق بين الدولة العثمانية والاحتلال البريطاني أنها كانت جادة في السير على طريق التعليم وكانت الإنجازات العثمانية في هذا الحقل ملحوظة عند كثير من المؤرخين الذين أشاروا إلى الطفرة التعليمية التي قامت بها الدولة في أواخر القرن التاسع عشر والتي كانت “على الرغم من كل شيء أهم الإنجازات التي تمت في ذلك العصر”[81] وذلك إلى درجة جعلت المؤرخيْن شو يصفانها بأنها كانت تفجرا تعليميا[82]، وبخاصة مقارنة بالإمكانات الضئيلة التي توفرت للعثمانيين آنذاك، وفي نفس الوقت الإهمال الذي عانى منه التعليم تحت سلطة الاحتلال البريطاني الذي تميز بإهمال هذه الناحية و”تمسكه بالسياسة الرامية إلى الحد من عدد الخريجين من المتعلمين المصريين”[83]، وهي سياسة اتبعت في فلسطين أيضا حيث حكم الانتداب بدستور فرض من الأعلى لتسهيل تطبيق وعد بلفور ولم يكن لأهل البلد كلمة فيه كما أرسى أول مندوب بريطاني سام”قاعدة مهمة في فرض السيطرة الصهيونية على فلسطين عن طريق التشكيك الدائم في التمثيل العربي، بينما كانت مسألة التمثيل اليهودي في فلسطين ترسخ وتخطو خطوات حثيثة إلى الأمام”، وبينما وضعت القيود على تطور مؤسسات الحكم الذاتي العربية، أولى الانتداب رعاية للمؤسسات اليهودية[84]، ولم يحاول تأسيس قاعدة للحكم العربي إذ “بخلت الحكومة على حاجات ذات أهمية حيوية أكبر مثل التعليم”كما جاء في عريضة اللجنة التنفيذية العربية لوزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرتشل في سنة 1921[85]، كما أنشأ الانتداب جامعة عبرية ورفض إنشاء جامعة عربية وترك غالبية الناس في جهل رغم الإمكانات الواسعة للإمبراطورية البريطانية التي تنفق منها نسبة عالية للتعليم في مركزها[86]، وذلك مع زعمها أنها جاءت حاملة لواء الحضارة إلى الجهلة والمتخلفين، هذا في حين كانت الحكومة العثمانية قد عملت “على توفير أكبر قدر من المدارس للسكان العرب حسب إمكاناتها”[87]، وكانت قدرتهم على الصعود في السلم التعليمي في الدولة أكبر مما صارت إليه زمن الانتداب، إذ كانت نسبة المجاورين منهم لرواق الشام في الأزهر مثلا أكثر من النصف (135 من 222 في بداية القرن العشرين) [88]، فلا عجب بعد ذلك أن يفضل أهل فلسطين الاستبداد العثماني على الديمقراطية البريطانية وأن يواجهوا وزير المستعمرات البريطاني منذ البداية بأنهم يتحسرون “على زوال أيام العثمانيين حين كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم عن طريق برلمان، مضيفين أن المسئول التركي الوحيد بين ظهرانيهم كان الوالي أو المتصرف الذي كان له مجلسه الاستشاري المنتخب من أهالي البلد لمساعدته…. لقد تغير كل هذا الآن، فليس لنا صوت ولا رأي في حكومة البلد”[89]، حتى ظهر اتجاه فلسطيني ينادي بالعودة إلى العثمانيين ويطالب بالاستقلال في ظل انتداب تركي[90] وذلك بعد انتصارات مصطفى كمال على الحلفاء وزيادة شعبيته بين المسلمين قبل إلغاء السلطنة والخلافة وإعلان الجمهورية.

الغرب يقطع الطريق على مسيرة التحديث

لم تكن الدولة المركزية في آخر العهد العثماني منفصلة عن هوية الأمة وتطلعاتها، وتمكنت من إحراز إنجازات ضخمة وبخاصة لو حسبنا قلة الإمكانات وتكالب الأعداء، ويلخص المؤرخ الأوروبي نيكولاس دومانيس هذه الإنجازات بقوله إن خسارة البلقان لصالح الإنفصاليين المسيحيين بعد الحرب الروسية (1878) جعل الهوية العثمانية تتخلى عن مكانها للهوية الإسلامية وأصبح النظام الحاكم يركز اهتمامه على رعاياه المسلمين كالأتراك والعرب والألبان والشركس والأكراد بصفتهم قاعدة لتجديد الدولة، واستمرت عملية التحديث مع تركيز السلطة وتمكن السلطان عبد الحميد من السيطرة على موارد الدولة البشرية والمادية أكثر من أي من أسلافه، كما أرسيت دعائم الجيش والإدارة والتعليم والمواصلات (السفن البخارية والسكك الحديدية والطرق والبرق الكهربائي) بالإضافة إلى إدارة القصر على أسس عقلانية، كما شهد المجتمع العثماني واقتصاده تحقيق سمات الحداثة المميزة كالقطارات والسفن البخارية التي طغت على وسائل النقل القديمة، ونمت استانبول وبيروت وسالونيكا نموا ضخما، وزاد سكان المدن نتيجة نمو الزراعة التجارية والنمو الخيالي للتجارة الداخلية والخارجية، ورغم معاناة الصناعة العثمانية من منافسة البضائع الأوروبية الرخيصة فقد شهدت هذه الصناعة انبعاثا هاما في العهد الحميدي وتكاثرت المصانع حول المراكز الحضرية كاستانبول وإزمير وبيروت وسالونيكا كما تكاثرت المنظمات العمالية، وفي نهاية عهد السلطان كان في استانبول 285مطبعة، وصحافة نابضة بالحياة[91]، ويعلق المؤرخ دونالد كواترت على مسيرة الإصلاح العثماني بالقول إننا “لانستطيع التكهن بما كان سيحدث لو كُتب لمسيرة الإصلاح أن تمضي قدما”و”أن المجتمع العثماني خلال القرن التاسع عشر كان يعيش فترة تطور لم تكتمل نتيجة لزوال الدولة سنة 1922″[92].

أوروبا تحطم آمال تطبيق الديمقراطية وتقدم مصالحها الأنانية على حساب الآخرين

وماذا كان موقف أوروبا عندما وصل أنصار الحكم الديمقراطي إلى الحكم بعدما نالوا من الرعاية والتأييد والإيواء من الأوروبيين وهم في صفوف المعارضة ضد السلطان عبد الحميد؟ ماذا كان موقف بريطانيا التي وصفها طلعت باشا في خطاب إلى نائب بريطاني بقوله: “إذا كان الزعماء (عندما قمنا بالثورة) قد أحبوكم فإن الجماهير كادت أن تعبدكم…. إننا نحن، تركيا الفتاة، قدمنا لكم تركيا على طبق ولكنكم رفضتم التقدمة”[93].

يقول المؤرخان شو تعليقا على سياسة التدخل الأوروبي في الدولة العثمانية إن الدول الكبرى تطالب دائما بالإصلاحات حينما تكون بعيدة عن المس بمصالحها، ولهذا عندما قامت الثورة الدستورية ضد حكم السلطان عبد الحميد “تحطمت إمكانات تطبيق الديمقراطية في الدولة نتيجة الجشع الذي أبداه جيرانها والدول الكبرى الذين أثبتوا طمعهم في أراضي الحكام الديمقراطيين الدستوريين من ثوار تركيا الفتاة بنفس القدر الذي طمعوا فيه بأراضي المستبد عبد الحميد”إذ استفادوا من فراغ السلطة الذي نشأ عن اندلاع الثورة سنة 1908فانقضت النمسا على مقاطعة البوسنة والهرسك وألحقتها وأعلنت بلغاريا استقلالها التام وقامت اليونان بإلحاق جزيرة كريت، ولم تُجدِ كل الاعتراضات العثمانية أمام الدول الكبرى الموقعة على ضمانات مؤتمر برلين (1878)، واتضح للرأي العثماني العام خطأ الرأي الذي قال إن الدستور هو الذي سينهي جهود أوروبا لتفتيت الدولة العثمانية التي خسرت في غضون فترة قصيرة من الحكم الدستوري أكثر مما خسرته أثناء الحكم الحميدي منذ احتلال مصر سنة 1882[94]، وكانت نتيجة ذلك توجه الحكم الدستوري الجديد نحو المركزية وسياسة التتريك مما أجهض محاولة تطبيق النموذج الديمقراطي الغربي في الدولة العثمانية.

تحطيم الكيان الجامع مهما كانت هويته سياسة غربية رئيسة وفكرة تغريبية أساسية

1- الوحدة في الفكر السياسي الإسلامي

إن وحدة جماعة المسلمين المستمدة من أصول شرعية كثيرة هي جوهر الفكر السياسي الإسلامي، فعلى مر العصور كانت وحدة الخلافة تمثل وحدة الأمة حتى في أزمان الانقسامات السياسية ولم يكن تعددها في مرحلة تالية إلا تعبيرا عن الرغبة في توحيد الأمة حول رمز جديد (الخلافة الفاطمية) أو التمسك بشرعية سابقة (الخلافة الأموية في الأندلس) أما جوهر الوحدة فلم ينازع فيه أحد حتى مع وجود عدد كبير نسبيا من الحكام المسلمين الأقوياء المستقلين الذين لقبوا أنفسهم بألقاب الإمامة والخلافة في مراحل متأخرة، ولم يعن ذلك غياب وحدة الأمة الإسلامية عن عقول المسلمين[95]، ولهذا ظلت نوازع الوحدة تعمل ضد التجزئة كلما أمكن ذلك، ولم يتم الإجماع على خلافة فعلية إلا لمن أدى وظائفها، إذ “ليس المقصود من الخلافة ذات الخليفة أو رجلا معينا من أسرة مخصوصة يسمى بهذا الاسم (ويتبرك) به أو يرثها كالعقار، وإنما المقصود منها ثمراتها التي هي القوة بحماية البيضة الإسلامية ونفاد الأوامر الدينية والنواهي وحمل الكافة على اتباع منهج واحد وقانون واحد ينطبق على مصالحهم في دينهم ودنياهم مع حفظ كيانهم، وإذا فقدت هذه الثمرات فلا معنى للخلافة ولا فائدة للمسلمين من الخليفة”[96]، ولهذا ظل الكيان الإسلامي الموحد كيانا قويا في الميزان العالمي، ولذلك أيضا لم يكن من العجيب أن تسلم الأمة للعثمانيين بالخلافة بعدما أثبتوا جدارتهم في هذه الوظائف رغم عدم قرشيتهم، إذ جعلت انتصاراتهم “الأمة العربية متعاطفة مع الدولة العثمانية، وراضية بوضع الخلافة بين يديها، ناسية أو متناسية الشرط الديني المعروف بأن يكون الخليفة عربيا وقرشيا وهاشميا، فإن الانتصارات التي حققها العثمانيون تحت راية الجهاد لم تترك مجالا للنقاش حول شروط الخلافة ومؤهلات الخليفة”كما يقول الأستاذ أحمد الشقيري في كتاب علم واحد وعشرون نجمة[97].

2- العمل الغربي على تمزيق الوحدة وقبول المتغربين بالدور الوظيفي في ذلك

وقد رأينا أن أوروبا الصاعدة سعت دائما- ضمن محاولاتها لإخضاع العالم والقضاء على المنافسين- لتمزيق الثوب العثماني الموحد حتى عندما دعمت المركزية التي كانت تريدها مجرد أداة في خدمة هيمنة الغرب ولهذا كانت تشجع النزعات الانفصالية باستمرار، ولهذا فقد دخلت الدولة العثمانية الحرب الكبرى الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا على أمل استعادة ما فقدته من بلاد على أيدي الحلفاء وكانت استعادة الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي هي الهدف العثماني من دخول هذه الحرب في الوقت الذي تبدت فيه مخاطر الخلفاء على أراضي العثمانيين: الروس يطالبون بالمضائق والإنجليز بالعراق ونفطه والفرنسيون بسوريا[98]، ولما بدأت الحرب أصبح القضاء على الدولة العثمانية هدفا معلنا للحلفاء كما صرح بذلك”بيان عن السياسة الخارجية مرفوع إلى المجلس الحربي الملكي” الذي قام اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني وصاحب الوعد المشئوم ورئيس البعثة البريطانية الخاصة الذي كان في زيارة للولايات المتحدة بتسليم نسخة منه إلى وزير الدولة الأمريكي وجاء في هذا البيان الصادر في سنة 1917: “لاشك أن القضاء على الامبراطورية العثمانية قضاء تاما هو من أهدافنا التي نريد تحقيقها، وقد يظل الشعب التركي، ونأمل أن يظل، مستقلا أو شبه مستقل في آسيا الصغرى، فإذا نجحنا فلا شك أن تركيا ستفقد كل الأجزاء التي نطلق عليها عادة اسم الجزيرة العربية (Arabia) وستفقد كذلك أهم المناطق في وادي الفرات ودجلة، كما أنها ستفقد استانبول، أما سوريا وأرمينيا والأقسام الجنوبية من آسيا الصغرى فإنها، إن لم تضم إلى الحلفاء، فمن المرجح أنها ستبقى ضمن حكمها”[99]، هذا بالإضافة إلى وثائق كتبها لورنس العرب أثناء الثورة العربية واستعرضتها في دراسة (سؤال من وحي استمرار نكباتنا: لماذا يحطم الغرب نهضاتنا/1) تحت عنوان (اعترافات رسول العناية البريطانية لبلادنا في بداية القرن العشرين)، وكان المصير الذي تعرضت له الدولة العثمانية التي ساحت جيوش المحتلين في أراضيها يختلف عما نال ألمانيا التي لم تحطم في نهاية الحرب، ولم تخف هذه المفارقة عن ملاحظة المؤرخين: “إن الامبراطورية العثمانية لم (تنهار). هذا تعبير شديد السلبية. لقد مزقوها إربا مثلما تخلع مفاصل الدجاجة قبل الأكل، حتى ألمانيا نفسها لم تتكبد تقطيع الأوصال وانتزاع الأحشاء”كما يقول المؤرخ جيرمي سولت[100].

ولهذا فإن ما قام به مصطفى كمال عندما ألغى السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية يلتقي موضوعيا مع أهداف الحلفاء الغربيين ولم تخرج إنجازاته الجغرافية عما رسمه بلفور أمام الأمريكيين، وقد أوضح كمال للأوروبيين أهدافه بالقول “إنكم تستطيعون أن تنالوا سوريا وبلاد العرب، ولكن كفوا أيديكم عن تركيا، فنحن نطالب بحق كل شعب داخل حدود بلاده الضيقة”[101] وهو ما يتفق مع المخطط الأوروبي السابق، ولهذا لم يمانع الحلفاء في إلغاء معاهدة سيفر المذلة (1920) بعدما منحهم النظام الكمالي في معاهدة لوزان (1923) تطبيق تلك المعاهدة السابقة فيما يتعلق بكل البلاد غير التركية والذي قامت به الدول الأوروبية بموافقة عصبة الأمم التي جعلت هذه البلدان خاضعة للانتداب[102]، واستثنيت تركيا من ذلك، ولهذا”تجاوبت الدول الأوروبية كلها مع نظرية مصطفى كمال بشأن الإمبراطورية العثمانية، وحمدوا له نظرته المختلفة تماما عمن سبقوه في اعتبار مشاكل الإمبراطورية عبئا ثقيلا على كاهل الأتراك ينبغي عليهم أن يتخلصوا منه ليتفرغوا لحركتهم الوطنية القومية”[103]، والغريب أن لا تنصح الإمبراطوريات الغربية أنفسها بنفس النصيحة فتتخلص من الأعباء الإمبراطورية وتتفرغ لشئونها القومية (!).

ويظل النقاش بعد ذلك على ما سمي شروط كيرزون الأربعة الخاصة باشتراط إلغاء الخلافة في مؤتمر لوزان سنة 1923ومحاولة إثباتها مقابل نفيها مما لا طائل منه، لأن مصطفى كمال تشرب الأهداف الغربية وتبناها- كما فعل غيره من دعاة النهوض عن طريق استرضاء الغرب- ونفذها من تلقاء نفسه ولا حاجة لإثبات أنه تلقى أمرا بذلك في عرض مسرحي أو لم يتلق، فما هو مثبت أنه تبني وجهة نظر العدو وهذا أسوأ من تنفيذ أوامره بالإكراه، وهو وصف ينسحب على دعاة التغريب المعاصرين الذين يتمسكون بالدولة القُطرية انسجاما مع متطلبات السياسة الدولية التي يتحكم الغرب بها، فإذا ذكرت فكرة الخلافة التي تمثل الوحدة الإسلامية هاجوا وماجوا وتحججوا بعدم الواقعية وحقائق السياسة الدولية، وهو ما يؤكد أن الغرب- ومن خلفه أنصار التغريب- لا يريد لنا ما يريده لنفسه، إذ أن هذه السياسة الدولية تتقبل كل الكيانات المندمجة كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الروسي والاتحاد الكندي وغيرها من بلاد تمتد على مساحات واسعة وتضم شعوبا متباينة في كل شيء هذا إضافة إلى الكومنولث البريطاني والمنظمة الدولية للفرانكوفونية، كل هذا مقبول وواقعي ومرغوب، أما الوحدة الإسلامية أو حتى الوحدة العربية الأصغر فهي التاريخية والعاطفية المخالفة للواقعية، كما يمكن أن تضم كل من الصين والهند ما يزيد عن المليار نسمة في كل منهما، فهذا واقعي ومقبول، أما الوحدة الإسلامية المشابهة فهي المثالية والمستحيلة، وعندما يوحد كيان مصطنع كالكيان الصهيوني سكانا من جميع شعوب الأرض ويحيي فيهم عظام لغة من الرميم فهذا تقدم يثير إعجاب المنبهرين لأنه دليل قوة حضارية تتفوق علينا، وعندما نريد تطبيق الأمر ذاته على الشعوب الإسلامية فهو رجعية تثير سخرية العقلاء أو شفقة الحكماء ويتفنن المكتشفون في إيجاد العوائق والصعاب التي تحول دون ذلك ويُنسى الدرس الذي كنا نتلقاه عن وجوب التعلم من الصهاينة وكأنه أُلقي منذ البداية بهدف إثارة الإعجاب بهم ومن ثم الاستسلام لهم فقط وليس التعلم من تجربتهم للاستفادة مما ينفعنا فيها كواقع الحال في التغريب عموما.

3- رفض الغرب أي مشروع وحدوي حتى لو كان استرضائيا تجاهه

والسر في كل تلك المواقف هو الموقف السياسي لدول الاستعمار الكبرى التي تحتكر الوحدة لأنفسها وترفض وحدتنا رفضا مطلقا، كما ظهر موقفها من الوحدة العربية زمن محمد علي باشا رغم سياسة استرضاء الغرب التي اتبعها، أو الوحدة المصغرة والمحافظة على مصالح الاستعمار زمن الشريف حسين بعد الحرب الكبرى الأولى حين قسمتها الدول الغربية إلى دويلات فسيفسائية، والغريب أن يردد المتغربون هذه الحجج المتعلقة بالواقعية والعقلانية فلا يطالبون- كما يُفترض بالتغريب- بالسير على خطى الغرب بما فيه صالح بلادهم بل يطالبون بالسير وفق أوامر الغرب التي تناقض ما يراه الغربيون في صالحهم، والأغرب أن يتشرب الإسلاميون هذه الهزيمة فيتخلون بخضوع عن وحدة الأمة في استسلام مطلق لمشيئة الغرب يضاهي التسليم بمشيئة الله، رغم أن الوحدة فريضة شرعية وركن الاجتماع الإسلامي قبل أن تكون ضرورة بشرية وركن القوة السياسية، وقد سبقتنا أجيال في السير على طريق استرضاء الغرب بالتنازلات المستمرة فلم تنل غير الفشل الذريع والتراجع السريع في وقت كنا فيه في عداد الدول العظمى فكيف بنا اليوم ونحن في عداد الأموات.

4- اعتراضات الغرب ليست قضاء لا مرد له

إن الوحدة ليست مستحيلة كما تثبت الكيانات الموحدة في التاريخ المعاصر، وكون الدول الكبرى تقف اعتراضا على وحدتنا لا يجعلها مستحيلة كما أثبتت تجربة الثورة البلشفية التي تمكنت من تحقيق الوحدة السوفييتية رغم التدخل المسلح للدول الكبرى، أما كونها لم تستمر فهذه مسئولية نظامها فيما بعد، المهم أن إرادة الجماهير يمكنها أن تحطم أية معارضة دولية تقف في وجه مصالحها الحقيقية.

مقاومة التغريب السياسي

ذكرت فيما سبق أن السلطان عبد الحميد استخدم المركزية التي جلبها التغريب في العمل على وقف التدخلات الغربية والحفاظ على سلامة أراضي الدولة وتحقيق الوحدة الإسلامية حول مركز الخلافة الإسلامية في مواجهة الاعتداءات الأوروبية، ولهذا استخدم فكرة الجامعة الإسلامية لمقاومة الانقسامات القومية والمذهبية في دولة تعج بالتنوع كالدولة العثمانية، وفيما يتعلق بالشعب العربي، تجمع المراجع التاريخية أن فكرة الانفصال القومي عن الدولة لم تولد إلا بعد عزل هذا السلطان الذي كانت سياسته الإسلامية قد كسبت ولاء الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة العربية حتى حدوث الانقلاب عليه[104]، وينطبق هذا على الأكراد أيضا[105] الذين ثاروا على الحكم الكمالي بعد إلغاء الخلافة ورشحوا أحد أبناء السلطان عبد الحميد ليكون ملكا على كردستان[106].

الخلاصة

لقد أدت الأفكار السياسية الغربية التي دخلت المجتمع الإسلامي إلى عدة ظواهر سلبية أثرت على استقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، ومن هذه الأفكار فكرة الدولة المركزية التي تغولت في عهد الدولة القطرية إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ الإسلامي، والانقسامات القومية التي تكاثرت فأصبحت انقسامات قُطرية والتي تكاثرت أيضا داخل الأقطار ذواتها لتصبح طائفية ومذهبية وجهوية وقبلية وحزبية فتم القضاء على الكيان الواحد الذي كان يجمع الشرق العربي الإسلامي كله لتواجه كياناته المحدثة أعداءها ضعيفة لأنها مشتتة ومنقسمة ومشرذمة ومتحاسدة ومتنابذة ومتنافسة على التعلق بالدول الكبرى التي تضمن بقاءها وتدافع عن وجودها الهزيل، ويلاحظ أن نتائج الفكر الغربي في بلادنا تختلف عن نتائجه في بلاد الغرب حيث لم تنتج هناك الفرقة والتشرذم بل بنت دولا كبرى تمتد أراضيها على مساحات واسعة وتلم شعث شعوبا مختلفة وتمتلك إمكانات ضخمة، ولا عجب في مثل هذه المفارقة لأن التغريب في بلادنا نشأ عن اتباع الأوامر الغربية وليس النموذج الغربي كما طبق في بلاد المنشأ، ولهذا كان من نتائج ذلك أيضا تسرب الهجرات الأوروبية التي كانت تتخلص منها أوروبا إلى بلادنا ومنها الهجرة الصهيونية التي تطورت في عهد الانتداب والاستقلال إلى كيان صهيوني سلب فلسطين وهجر أهلها وتغلب على كل كيانات الاستقلال والتجزئة، والسؤال بعد كل هذه الآثار السلبية: فما هي فوائد الأفكار الدستورية والبرلمانية والديمقراطية والحقوقية وغيرها من الأفكار التي يمن بها الغرب علينا إذا كانت مقترنة بالتجزئة وما ترتب عليها من تبعية وضعف سياسي ونهب اقتصادي، وبالاحتلال وما نتج عنه من قتل وتهجير وسلب، وبكلمة مختصرة ما هي فوائد التغريب إذا لم ينتج لنا ما أنتجه لأصحابه؟

وقد قاوم الكيان الإسلامي الجامع عوامل الهدم واستخدم بعض أدوات التغريب كالدولة المركزية- المسلحة بفكرة الجامعة الإسلامية- ضد بعضها الآخر كعوامل الانقسام والتشتت وتمكن من الصمود في وجهها عقودا[107] لولا أن تسربت أفكار الانقسام الغربية إلى مركز الدولة في عهد جمعية الاتحاد والترقي، ومن المفارقات أن هذا حدث فيما يفترض أنه رد على الهجمة الغربية على نموذج الحكم الدستوري البرلماني الغربي في الدولة العثمانية، أما في عهود الاستقلال والتجزئة- بشكل عام- فلم تعد مقاومة التمدد الغربي أو الوحدة أو حماية الأرض والعرض أو تحقيق التنمية المستقلة وغيرها من الأهداف الحيوية- للحكم والأمة فيما مضى وللأمة وحدها اليوم- تحظى بالقدرة ولا بالرغبة الرسمية للسير في طريقها، واتخذت مركزية الدولة منحى جديدا، فبدلا من استخدامها في سياسة مستمدة من هوية الأمة وتعمل لصالح مجموعها، وتحظى بقبول عامتها كما حدث في الزمن الحميدي[108]، أصبحت المركزية سيفا يسلطه حلفاء الغرب لتنفيذ برامجه المتناقضة مع صالح الأمة رغم رفضها وممانعتها مما أدى لزيادة الهوة بين الحاكم المتغرب- سياسيا أو حضاريا أو كلاهما- والمنفصل فكريا وشعوريا عن شعبه، والأمة المتمسكة بشخصيتها وهويتها في مواجهة العدوان الغربي المستمر، وزيادة ارتماء هذا الحاكم في الأحضان الغربية الحامية له من شعبه الذي لم يعد راغبا في زعامته لأنه لايراه ممثلا لتطلعاته وآماله، وهناك أمثلة عديدة في التاريخ المعاصر ينطبق عليها هذا الوصف، بل لعلها أكثرية النماذج التي حكمت بلادنا.

وللهجرة الصهيونية ومقاومتها بقية الحديث إن شاء الله.

الهوامش

************

[1] Charles Issawi, An Economic History of the Middle East and North Africa, Routledge, London, 2010, pp. xii- xiii.

[2] دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700- 1922، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004، ترجمة: أيمن أرمنازي، ص173 و178و198 و88 و82 و83.

[3] لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، دار الفارابي، بيروت، 2007، ص29.

[4] زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1979، ص33- 34.

[5] الدكتور محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي1514- 1914، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1993، ص142- 143.

[6] Resat Kasaba, The Ottoman Empire and The World Economy: The Nineteenth Century, State University of New York, Albany, 1988, p. 64.

[7] مجموعة من المستشرقين، دائرة المعارف الإسلامية، دار الشعب، القاهرة، 1969، ج10ص81. وأيضا:

– ز. ي. هرشلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، دار الحقيقة، بيروت، 1973، ص50.

[8] كتاب عصر السلطان عبد الحميد وأثره في الأقطار العربية 1876- 1909، المكتبة الهاشمية، دمشق، ص401.

[9] زين نور الدين زين، ص82.

[10] عادل مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700- 1918: قراءة جديدة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1999، ص199. وأيضا:

– Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Cambridge University Press, 2002, Vol. 2, p. 243.

وأيضا:

– Jonathan S. McMurray, Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway, Praeger, London, 2001, p. 58.

[11] دائرة المعارف الإسلامية، ج2ص201.

[12] زين نور الدين زين، ص82- 83.

[13] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، دار العلم للملايين، بيروت، 1978، ترجمة: الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور إحسان عباس، ص182.

[14] زين نور الدين زين، ص84.

[15] قيس جواد العزاوي، الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، الدار العربية للعلوم، بيروت، ومركز دراسات الإسلام والعالم، فلوريدا، 1994، ص127- 134.

[16] خليل إينالجيك ودونالد كواترت (تحرير)، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2007، ترجمة: د. قاسم عبده قاسم، ص492.

[17] Resat Kasaba, p. 56.

[18] ج. ج. لوريمر، دليل الخليج: القسم التاريخي، قسم الترجمة بمكتب أمير قطر، الدوحة، ج4ص2123.

[19] محمد كرد علي، خطط الشام، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 2007، ج3ص98- 99.

[20] الدكتور محمد حرب (تقديم وترجمة)، مذكرات السلطان عبد الحميد، دار القلم، دمشق، 1991، ص102- 103 و111.

[21] خليل إينالجيك ودونالد كواترت، ص493.

[22] أحمد صلاح الملا، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة: رشيد رضا ومجلة المنار 1898- 1935، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2008، ص20.

[23] زين نور الدين زين، ص195 هامش رقم12.

[24] مصطفى كامل باشا، المسئلة الشرقية، مطبعة اللواء، القاهرة، 1909، ج1ص27- 28.

(*) يتهم السلطان عبد الحميد في مذكراته جمال الدين الأفغاني بالتورط في التخطيط لهذا المشروع البريطاني بقوله: “وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنجليزي يدعى بلنت قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك. واقترحا على الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين”ص148، وقد توقف بعض الباحثين حائرين أمام هذا التصريح دون اتخاذ موقف، ولكننا لو قمنا بتفكيك هذا الخطاب لوجدنا أن جميع ما فيه من معلومات يمكن إثباتها من مصادر أخرى، فعلاقة الأفغاني بويلفرد بلنت مشهورة منذ البداية فقد كان بلنت يدعم مجلة العروة الوثقى ماليا “آملا في تحول القائمين عليها من موقف معاداة السياسة البريطانية”ويذكر في رسالة إلى الشيخ محمد عبده: “لأنني أرى في صداقة إنجلترا خير أمل للمسلمين” (النفزاوي ص226)، كما أن الأفغاني يثني على بلنت في العروة الوثقى بصفته مشهورا “بمحبة المسلمين والمدافعة عن المصريين” (السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، الآثار الكاملة، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2002، ج1 العروة الوثقى ص303)، أما الأهم من ذلك وهو علاقة بلنت بالخارجية البريطانية فموثقة في مؤلفه (التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر، مكتبة الآداب، القاهرة، 2008) الذي يذكر فيه تكليفه بالقيام بمهمة رسمية في مصر لصالح وزارة الخارجية (ص90 و142)، كما كان “وسيطا في المفاوضات التي دارت بين السير أوكلند وعرابي” ومهمات أخرى لصالح بريطانيا نقلها تيودور رتشتين عن كتاب بلنت آنف الذكر في كتابه الذي قدم له بلنت شخصيا (تاريخ المسألة المصرية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1950، ص145 و204)، أما الدعوة للخلافة العربية فقد كانت في صلب كتاب بلنت “مستقبل الإسلام” الذي صدر سنة 1881 بتأثير من الشيخ محمد عبده تلميذ الأفغاني المخلص في ذلك الزمن (النفزاوي، ص225)، أما الأفغاني نفسه فقد”رشح القاهرة أن تكون عاصمة للخلافة الإسلامية، فقال بعد أن عدد مزايا مصر: إن عاصمتها (القاهرة) لا بد أن تصير في وقت قريب أو بعيد كرسي مدينة لأعظم الممالك الشرقية، بل ربما كان ذلك أمرا مقررا في أنفس جيرانها من سكان البلاد المتاخمة لها، وهو أملهم الفريد كلما ألمّ خطب أو عرض خطر” (أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، المجلد الثالث: الكتب والدراسات القومية/1، ص2641 نقلا عن جمال الدين الأفغاني: الأعمال الكاملة، ص50، 74 و466) ومما هو معروف أن القاهرة كانت إحدى محطات دعوة الخلافة العربية (نفس المرجع) رغم أن الخديو ليس عربيا (!)

وقد استمرت ظاهرة الإنسانية البريطانية التي مثلها بلنت والتي تخدم في المحصلة الأهداف السياسية الاستعمارية، وقال فيها الأستاذ أحمد الشقيري وكأنه يتحدث عن بلنت بدقة: “وكان عدد من الشخصيات البريطانية، في الوطن العربي، التي “تتعاطف” مع القضية العربية، وتبدي “أسفها”لما حل بالشعب الفلسطيني “وندمها” على صدور وعد بلفور وما خلف من مآس وكوارث. وكانت هذه الشخصيات دائمة الالتصاق بالشخصيات العربية الرسمية، تحثها على الدوام أن تكون مواقفها السياسية هادئة ومرنة وإيجابية، وأنه يجب مخاطبة الرأي العام الدولي باللغة الدبلوماسية العاقلة الرشيدة، تماما كما يجري هذه الأيام مع”أصدقائنا” الأمريكان، واستجابتنا لنصائحهم بأن تكون سياستنا عاقلة وهادئة، وبذلك تتحقق مطالبنا المعروفة” (نفس المرجع، المجلد الرابع: الكتب والدراسات القومية/2، ص3145)، فهل من عبرة بعد حصاد الهشيم؟

[25] محمد أديب آل تقي الدين الحصني، كتاب منتخب التواريخ لدمشق، دار البيروتي، 1979، ج1ص328.

[26] كتاب مصطفى كامل باشا في 34 ربيعا، مطبعة اللواء، القاهرة، 1910، ج9ص200.

[27] الدكتور محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، مكتبة الآداب، القاهرة، ج1ص205- 209.

[28] نفس المرجع، ج1ص95 و125.

[29] زين نور الدين زين، ص66- 67.

[30] سعد محيو، مأزق الحداثة من احتلال مصر إلى احتلال العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010، ص97.

[31] الدكتور محمد أنيس، ص265.

[32] دكتور عبد اللطيف بن محمد الحميد، البحر الأحمر والجزيرة العربية في الصراع العثماني البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، مكتبة العبيكان، الرياض، 1994، ص177.

[33] د. محمد الناصر النفزاوي، التيارات الفكرية السياسية في السلطنة العثمانية 1839- 1918، دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع، صفاقس، وكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية، تونس، 2001، ص291.

[34] نجيب عازوري، يقظة الأمة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ترجمة: د. أحمد بوملحم، ص115.

[35] عادل مناع، ص247.

[36] Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey, Oxford University Press, 2002, pp. 125- 126.

[37] عادل مناع، ص197.

[38] زين نور الدين زين، ص27.

[39] الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة بالقانون، دار البشائر، دمشق، 2006، ج2ص666و933,

[40] الشيخ محمد زاهد الكوثري، مقالات الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، 1994، ص198. وأيضا:

– خاتمة المحققين محمد أمين الشهير بابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ج10 كتاب الأشربة ص43.

(**) جاء في صحيفة الوطن الكويتية في عدد يوم 12نوفمبر 2007 في الصفحة رقم 21 العنوان التالي: “الأوقاف أطلعت سفارتي بريطانيا وأمريكا على نهجها في نشر الوسطية”، وتكرر الحدث مرة أخرى في 30 إبريل 2008 الصفحة رقم 10 من الصحيفة ذاتها ولكن مع الجانب الأمريكي والجانب الألماني هذه المرة مع تقديم الشكر للأمريكيين لدعمهم المشروع الوسطي.

[41] الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص198- 199.

[42] الأمير شكيب أرسلان، تاريخ الدولة العثمانية، دار ابن كثير، دمشق وبيروت، ودار التربية، دمشق وبيروت، 2001، ص337.

[43] كامل البالي الحلبي، كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب، دار القلم العربي، حلب، 1993، ج3ص389.

[44] صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج6ص175كتاب التفسير/ سورة والنجم.

[45] كامل البالي الحلبي، ج3ص390.

[46] Shaw & Shaw, pp. 251- 252.

[47] روجر أوين، الشرق الأوسط في الإقتصاد العالمي 1800- 1914، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1990، ترجمة: سامي الرزاز، ص112. وأيضا:

– عادل مناع، ص331 هامش رقم 32.

[48] محمد حرب (تقديم وترجمة)، مذكرات السلطان عبد الحميد، دار القلم، دمشق، 1991، ص168.

[49] محمد مصطفى الهلالي، السلطان عبد الحميد الثاني بين الإنصاف والجحود، دار الفكر، دمشق، 2004، ص153.

[50] دائرة المعارف الإسلامية، ج2ص199.

[51] موقع مؤسسة فلسطين للثقافة/وثائق/ترجمة حرفية لوثيقة عثمانية تحكي على لسان ثلاثة مخبرين للدولة العثمانية تفاصيل تواطؤ بعض المسئولين الأتراك في فلسطين عام 1890 في بيع أراضي تمتد بين حيفا ويافا للمستوطنين اليهود.

http://www. thaqafa. org/Main/default. aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx% 2fVDUOFo92b21m% 2bfG1DBlB9XEqGdrE7NZgHCq79p% 2b1s8aegT% 2fl1h% 2fLXxeHcg6DwZHjv39mkBvGObSWSuCrjjyt% 2bf% 2fMsJKGDYIjsegceasnDaqQnPR68% 3d

[52] موقع مؤسسة فلسطين للثقافة/وثائق/مهاجر بوسني إلى فلسطين يحذر من الحراك الصهيوني قبل النكبة

http://www. thaqafa. org/Main/default. aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx% 2fVDUOFoKTRVSsoOMIsmemCzpWg7oVlaTvh8g% 2ftVFBh6po2Ha0fuFss6yudYyL1WauEnb1RTGJQ1mNi80AtcF1v0CvHBZeOOh0FrRs5Wogf0% 2bmgDWQI% 3d

[53] السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص43 و50 و81 و134 و140.

[54] مذكرات السلطان عبد الحميد، ص159.

[55] كامل البالي الحلبي، ج3ص382.

[56] Resat Kasaba, p. 115.

[57] الدكتور محمد محمد حسين، ج2ص66 و77.

[58] دونالد كواترت، ص16.

[59] عوني الجيوسي، انتحار المفارقة ومصرع السخرية: هل صمم مارك سايكس علم العرب؟، صحيفة القدس العربي25/11/2006.

[60] برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2004، ص206- 212.

[61] دائرة المعارف الإسلامية، ج2ص199.

[62] سعد محيو، ص77.

[63] لوتسكي، ص203- 204.

[64] تيودور رتشتين، تاريخ المسألة المصرية 1875- 1910، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1950، ترجمة: عبد الحميد العبادي ومحمد بدران، ص6.

[65] الدكتور محمد أنيس، ص225.

[66] نائلة الوعري، دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840- 1914، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان ورام الله، 2007، ص34.

[67] لوتسكي، ص171.

[68] نفس المرجع، ص407- 410.

[69] نفس المرجع، ص411. وأيضا:

– الدكتور محمد محمد حسين، ج2ص6- 7.

[70] دكتور عبد اللطيف بن محمد الحميد، ص152.

[71] صحيفة الوطن الكويتية، 17/2/2008، ص26.

[72] Charles Issawi, p. 80.

[73] روجر أوين، اللورد كرومر الإمبريالي والحاكم الاستعماري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005، ترجمة: رءوف عباس، ص144و442.

[74] Shaw & Shaw, Vol. 2, p. 273.

[75] مذكرات السلطان عبد الحميد، ص80- 81 و131 و144- 145 و182.

[76] Marvin Lowenthal (ed) , the diaries of Theodor Herzel, The Universal Library, New York, 1962, p. 152.

[77] مذكرات السلطان عبد الحميد، ص197.

[78] محمد أديب آل تقي الدين الحصني، ج1ص284.

[79] سعد محيو، ص92.

[80] كامل زهيري، في الفكر الصهيوني المعاصر، مجلة الهلال، مايو 1968، عدد خاص عن فلسطين، ص27- 28.

[81] أكمل الدين إحسان أوغلي (إشراف وتقديم)، الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، استانبول، 1999، ترجمة: صالح سعداوي، ج1ص115، دراسة الدكتور كمال بكديللي، الدولة العثمانية من معاهدة قينارجة الصغرى حتى الانهيار.

[82] Shaw & Shaw, Vol. 2, p. 255.

[83] روجر أوين، 2005، ص475. وأيضا:

– ز. ي. هرشلاغ، ص154.

[84] سحر الهنيدي، التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي: فترة هربرت صامويل 1920- 1925، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2003، ص155.

[85] نفس المرجع، ص256.

[86] يمكن الحصول على تفصيلات عن الإنفاق السنوي البريطاني على بند التعليم وغيره من البنود من هذا الموقع http://www. ukpublicspending. co. uk/.

[87] الدكتور عمر جميل نشوان، التعليم في فلسطين منذ العهد العثماني وحتى السلطة الوطنية الفلسطينية، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمّان، 2004، ص60.

[88] عادل مناع، ص226- 227.

[89] سحر الهنيدي، ص160- 161.

[90] نفس المرجع، ص213.

[91] Robert Aldrich (ed) , The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007, p. 39.

[92] دونالد كواترت، ص324.

[93] زين نور الدين زين، ص218 هامش رقم16.

[94] Shaw & Shaw, Vol. 2, pp. 276- 277.

[95] نيقولاي إيفانوف، الفتح العثماني للأقطار العربية 1516- 1574، دار الفارابي، 2004، ترجمة: يوسف عطا الله، ص52.

[96] محمد أديب آل تقي الدين الحصني، ج1ص239.

[97] أحمد الشقيري، المجلد الثالث: الكتب والدراسات القومية/1، ص2531.

[98] Jonathan S. McMurray, pp. 112- 113.

[99] زين نور الدين زين، ص125- 126.

[100] د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي، دار النفائس، دمشق، 2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل، ص97.

[101] د. تهاني شوقي عبد الرحمن، نشأة دولة تركيا الحديثة 1918- 1938، دار العالم العربي، القاهرة، 2011، ص 190.

[102] ز. ي. هرشلاغ، ص300.

[103] د. تهاني شوقي عبد الرحمن، ص174، نقلا عن حلمي أحمد عبد العال شلبي، إنهاء الخلافة العثمانية، رسالة ماجستير جامعة عين شمس، أكتوبر1977، ص207.

[104] عادل مناع، ص246.

[105] د. عبد الرءوف سنو، النزعات الكيانية الإسلامية في الدولة العثمانية 1877- 1881، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، 1998، ص128.

[106] ديفيد مكدول، تاريخ الأكراد الحديث، دار الفارابي، بيروت، 2004، ترجمة: راج آل محمد، ص305.

[107] عادل مناع، ص212.

[108] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث في تاريخ العرب الحديث 1514- 1914، مكتبة المحتسب، عمّان، 1983، ص90- 91.


آثار التغريب السياسي على المجتمع الإسلامي: التحدي والاستجابة (2) شعبان الصوان

9 يونيو 2015

الهجرة الصهيونية بين دعم الغرب وتبعية التغريب والمقاومة الرسمية والاجتماعية

الأهداف الغربية من دعم الهجرة اليهودية

أدى شعور بريطانيا بالخطر الموضوعي الذي شكلته نهضة محمد علي باشا على مصالحها في الشرق إلى تبنيها الحل الصهيوني في فلسطين لردع أية محاولة جديدة يقوم بها الوالي المصري أو أحد خلفائه وذلك رغم الجهود الاسترضائية التي بذلها الباشا لطمأنة المصالح الغربية التي لم تكن تتفق بحال مع وجود كيان موحد قوي في الشرق العربي الإسلامي مهما قدم لها من تنازلات، وقد حظيت الهجرة اليهودية إلى فلسطين بدعم أوروبي مثّله القناصل الأجانب فيها والذين كانوا يتدخلون لحماية المهاجرين اليهود والالتفاف على القوانين التي تحظر عليهم الإقامة في البلد، وقد حصلت الهجرة على دفعة قوية بعد محاولة اغتيال القيصر الروسي سنة 1881 والتي اتهم اليهود بتدبيرها فأعقبها عمليات اضطهاد واسعة نالتهم في روسيا وجعلتهم يبحثون عن ملاجئ لهم خارجها مما التقى مع مصالح بريطانية بمحاولة دعم الوجود العثماني بتطعيمه بعنصر نشط اقتصاديا ليساعده على مقاومة التمدد الروسي[1] وذلك قبل أن تتغير السياسة البريطانية تجاه الدولة العثمانية وتفضل تقسيمها والحصول على محطات من أراضيها لحراسة طريقها إلى الهند وهو ما كان الحل الصهيوني حاضرا فيه أيضا رغم تناقض الأهداف الجديدة مع القديمة، ثم قامت بريطانيا بمنح وعد بلفور لكسب الدعم اليهودي في الحرب الكبرى الأولى وتلا ذلك التأسيس لقيام الوطن القومي اليهودي لحماية المصالح البريطانية في الشرق العربي وهي تثبيت الوجود البريطاني في مصر وحراسة قناة السويس والطريق إلى الهند والشرق الأقصى ومناوأة الأطماع الفرنسية في سوريا ولبنان وإقامة جسر يربط البحر المتوسط بحقول النفط العراقية.[2]

دور التغريب السياسي في دعم الأهداف الغربية وتسهيل الاستيطان الصهيوني

وأدت إجراءات التنظيمات الخيرية التي فصلتها في الجزء الأول من هذه الدراسة والتي كانت جزءا من عملية التغريب إلى نتائج سياسية ربما لم تخطر ببال القائمين عليها، فقد أدت زيادة الملكيات الواسعة التي سهلها قانون 1858 إلى سهولة تسرب هذه الأراضي إلى المهاجرين الصهاينة في فلسطين عن طريق شرائها من كبار الملاك الذين كان كثير منهم يقيمون بعيدا عن أراضيهم ومن ثم لم يكن لديهم مانع من التخلص منها لصالح من يدفع سعرا مغريا وهم في هذه الحالة اليهود الصهاينة الذين كانوا يحظون برعاية القناصل الأجانب، ودعم ذلك قانون سنة 1867 الذي سمح بتملك الأجانب العقارات في الدولة.

موقف محمد علي باشا من المشروع الصهيوني

في البداية أبدى محمد علي باشا “اهتماما كبيرا” بعروض السير البريطاني اليهودي موسى مونتفيوري لكن “دون أن يلتزم بشيء” كما يقول الدكتور جوزيف حجار،[3] إلا أن المؤرخ اليهودي ليفي أبو عسل يقول إن منتفيوري حصل من مفاوضاته المباشرة مع الباشا على وعد بامتياز استئجار أراض في فلسطين مدة خمسين عاما تعفى أثناءها من الضرائب ويحق لليهود استثمارها وإرسال الخبراء لتدريب المستوطنين على الزراعة، وأن فشل الحملة المصرية على بلاد الشام هو الذي عطل المشروع،[4] وتذهب مراجع أخرى إلى أن الباشا هو الذي رفض ذلك، وعموما فإن الزمن الذي عُرض فيه المشروع كان زمنا مضطربا في بلاد الشام (1838) عشية الانسحاب المصري وفشل مشروع الدولة الكبرى ولهذا السبب لم يتأكد الموقف من العرض الصهيوني، إلا أن ما لا تنكره المراجع وتجمع عليه هو جهود محمد علي الحثيثة لاسترضاء الغرب ومنحه تسهيلات وامتيازات للجمعيات التبشيرية والبعثات القنصلية وفتح الأبواب أمام الأقليات الدينية للحصول على الحماية الأجنبية وذلك لإثبات أهليته وصواب رؤيته لبناء دولة حديثة،[5] وكأن إقامة دولة موحدة قوية هو الهدف الغربي في بلادنا.

تبعية رواد النهضة التغريبية لأهداف السياسة الغربية

وكما تبنى النهضويون الأهداف الغربية في تفتيت وحدة الأمة كما فصلت ذلك في الجزء الأول من هذه الدراسة، فمن رجال النهضة أيضا مَن قبِل بالمشروع الصهيوني مثل مدحت باشا أبو الدستور العثماني الذي تولى ولاية سوريا والصدارة العظمى وخير الدين التونسي الذي تولى الصدارة العظمى أيضا في الدولة وغيرهما من كبار المسئولين[6] الذين فتنتهم عروض لورانس أوليفانت المالية والسياسية في بداية عهد السلطان عبد الحميد الذي كانت معارضته الشخصية هي السبب الوحيد في تعثر المشروع في هذا البحر المتلاطم الذي نتج عنه أن أصبح السلطان نفسه هدفا لتهم التقصير والتواطؤ وتم نسيان كل هؤلاء ومن سيأتي ذكرهم من المنسجمين مع هذا المشروع بالفعل، ومن رجال العروبة من دعا إلى معاملة الهجرة اليهودية بصفة شريك في الوطن كما فعل رئيس المؤتمر العربي الأول الشيخ عبد الحميد الزهراوي ومجموعة من أعضاء المؤتمر[7] الذي استضاف مندوبا صهيونيا [8] أكد له الزهراوي “أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ليست أمرا مرغوبا به فحسب بل وضروري أيضا”،[9] كما أحجم المؤتمرون عن التعرض بسوء للهجرة اليهودية إلى فلسطين[10] رغم أن القضية اتخذت أبعادا جديدة في ذلك الزمن وأثارت النواب العرب في البرلمان العثماني، وقد أثار موقف المؤتمر العربي استياء صحف فلسطين واستنكارها، كما انتقدت هذه الصحافة أصحاب المواقف المتخاذلة من الحركة الصهيونية كشبلي شميل ويعقوب صروف وفارس نمر ورفيق العظم،[11] ثم أكمل قادة الثورة العربية الكبرى سنة 1916 النهج الودي تجاه الصهاينة ودعوا إلى استقبال الهجرة اليهودية بالكرم العربي[12] وتوج هذا التوجه باتفاق فيصل- وايزمان الشهير.

ومن المفكرين النهضويين من احتفى بالهجرة اليهودية كشبلي شميل الذي يحتفى بفكره العلمي والعقلاني كثيرا ومع ذلك كان “شديد الإعجاب بالصهاينة” ويرى أنهم “يستردون الأرض بغير القتال والدماء والنزاع العسكري” وهو ما ستثبت الأيام كذبه ابتداء من أسطورة العودة إلى أسطورة عدم استعمال العنف الذي أصبح شعار الصهيونية عندما تمكنت، مما يبين مدى فدح مصابنا بالنظرة الوردية الخادعة التي كان – ومازال- رواد التغريب يصرون على رؤية الاستعمار بها خلافا لواقعه المرير، فوفقا للشميل فإن معيار الحق في امتلاك الأرض هو القدرة على إعمارها كما يفعل الصهاينة في فلسطين، وذلك بعيدا عن كل المعايير الوطنية والقومية،[13] ولا ننسى في هذا المقام حضور أستاذ الجيل الليبرالي أحمد لطفي السيد حفل افتتاح الجامعة العبرية (نعم العبرية وليس العربية) سنة 1925 ممثلا عن جامعة القاهرة إلى جانب عتاة الاستعمار والصهيونية مثل اللورد بلفور صاحب الوعد المشئوم وهربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني اليهودي في فلسطين والجنرال اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر الذي أعلن نهاية الحروب الصليبية عند دخوله القدس في الحرب الكبرى وحاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية وأول رئيس للكيان الصهيوني فيما بعد، وقد احتفل أستاذ الجيل مع هؤلاء في الوقت الذي كانت فيه الجماهير في فلسطين وسوريا ولبنان تشتعل إضرابا ومظاهرات ومصادمات احتجاجا على زيارة بلفور حتى اضطر إلى اختصار زيارته والفرار إلى بيروت للعودة إلى بلاده،[14] وهو موقف يدل على الهوة الفاصلة بين جماهير الأمة ونخبة التغريب التي كانت تعول على جلب الحضارة الغربية بأساليب الاستعمار.

الهجرة اليهودية في صالح الدولة العثمانية!

رغم أن الغرب وبخاصة بريطانيا عرض على الدولة العثمانية استقبال الهجرة اليهودية بصفتها دعما للمصالح العثمانية المهددة من مغامرات قد يقدم عليها محمد علي باشا أو أحد خلفائه، فإن السلطان عبد المجيد (1839- 1861) لم يبلع هذا الطعم الغربي رغم العداء مع الوالي المصري والتخوف منه ورغم الميول التغريبية الواضحة عند السلطان، فقد رفض مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين والذي عرضه وزير الخارجية البريطاني ثم رئيس الوزراء اللورد بالمرستون بعد هزيمة محمد علي ثم جمد مشروع السير مونتفيوري بعدما منحه إذنا بشراء أراض قرب القدس ويافا،[15] وهذا ما أحب لفت النظر إليه دائما من فرق بين التغريب المستقل الذي يعمل لما يتصوره صالح الذات مما يؤدي لاصطدامه بالتربص الغربي بهذه المصالح والتغريب التابع الذي يعمل على خدمة مصالح الغرب حتى ولو تناقضت مع الفكر الغربي ومصالح الذات مما يجعله مجرد أداة بيد سادته فلا يقدم تطورا لأمته، وتشير إحدى الوثائق العثمانية الصادرة في 4 مارس 1846 إلى قرار السلطان عبد المجيد المرسل إلى متصرف القدس يأمره فيها باستعادة أرض اشتراها يهودي بريطاني وذلك لأن تملك اليهود الأجانب ممنوع وغير قانوني كما سبق صدور القوانين بذلك.[16]

أما في زمن خلفه السلطان عبد العزيز فقد كان الموقف الرسمي العثماني من الهجرة اليهودية متساهلا ويعزو الدكتور حسان حلاق ذلك إلى أنها لم تكن في البداية تشكل خطرا على فلسطين بالإضافة إلى عدم وضوح الهدف البعيد لها في ذلك الزمن والظن أنها تساعد على التطوير الاقتصادي في الدولة العثمانية،[17] ولكن في آخر عهد هذا السلطان تم فصل متصرفية القدس عن ولاية سوريا وربطها بالعاصمة العثمانية مباشرة في سنة 1874 لأسباب منها تزايد عدد الحجاج واليهود الروس.[18]

ومن ضمن العروض الغربية الحريصة على “المصلحة العثمانية” مشروع السياسي والدبلوماسي وعضو البرلمان البريطاني لورانس أوليفانت (1829- 1888) الذي كان مقتنعا بضرورة دعم الدولة العثمانية لتتمكن من التصدي للتوسع الروسي وذلك بإدخال عنصر اقتصادي نشط فيها فوضع مشروع شركة استيطانية لتوطين اليهود في فلسطين برعاية بريطانيا وتمويل خارجي ويكون مركزها العاصمة العثمانية استانبول ونشر تفاصيل ذلك في كتابه أرض جلعاد (1880)، وقد حظي هذا المشروع بتأييد أوساط عثمانية عليا من رجال حسبوا على المعسكر التغريبي كما مر، مع عدم التشكيك في نزاهة بعضهم على الأقل، ولكن الموقف الصلب الذي اتخذه السلطان عبد الحميد من المشروع الذي لم يجد فيه مصلحة كما رآها آخرون أدى إلى فشله قبل أن تغير بريطانيا موقفها من الحفاظ على بقاء الدولة العثمانية وسلامة أراضيها كما غيرت موقفها من المشروع الصهيوني مؤقتا أيضا، وأدى موقف السلطان إلى غضب أوليفانت الذي صار يهاجمه وينشر الإشاعات ضده مما أدى إلى طرده من استانبول ولم يتراجع السلطان رغم تدخل الوزير الأمريكي المفوض في العاصمة العثمانية.[19]

الاضطهاد الروسي والموقف الأوروبي من اليهود

أدى اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني سنة 1881 والاضطهاد الذي لحق اليهود في روسيا بعده إلى تدفق هجراتهم إلى خارجها وظهور فكرة الحل الصهيوني في فلسطين بينهم، ومن هنا أرخت بداية الهجرة الصهيونية إليها في سنة 1882، وقد كان للدولة العثمانية منذ بداية هذه الهجرة موقفا معارضا بحزم إذ أصدرت قرارا ردا على طلب من يهود روس بالهجرة بإعلامهم جميعا أنه من غير المسموح لهم الاستقرار في فلسطين مع السماح لهم بالاستقرار في أي إقليم آخر مع حمل تابعية الدولة والخضوع لقوانينها (إبريل 1882)، وتأكد المنع في شهر يونيو ببرقيات إلى السلطات في القدس وحيفا وبيروت واللاذقية لمنع أي يهودي من روسيا أو رومانيا أو بلغاريا من وطء أرض فلسطين،[20] ويجب أن نتوقف هنا للتأكيد على أن الشعور العثماني بالخطر الصهيوني واكب الأحداث كما وقعت وليس كما يريدها الخطاب العاطفي في يومنا هذا حين اختلفت الظروف جذريا من حيث التغول الصهيوني، فالمراجع تجمع على أن الهجرة في ذلك الوقت بدأت من شرق أوروبا ولهذا صدرت قرارات المنع بخصوصهم ومن المزايدة غير المنطقية أن تطالَب الدولة بإصدار قرار في تلك المرحلة المبكرة يشمل جميع يهود العالم وذلك لسبب بسيط أنهم لم يكونوا قد انخرطوا في ذلك الوقت في المشروع الصهيوني فضلا عن أن يكونوا خطرا داهما، وفي هذا تقول الباحثة نائلة الوعري إن الباب العالي كان مهتما بالدرجة الأولى بمنع استقرار اليهود الروس في فلسطين “أما اليهود القادمون من بلاد أخرى فكانوا يصلون بأعداد أقل ولم يثيروا كثيرا من المشاكل”،[21] ورؤية الحوادث بغير هذا المنظار التاريخي يخرج التاريخ عن بشريته ويخرج المسلمين عن طبيعتهم التي لم تعرف المعاداة الدينية لمن لا يظهرون عداء لهم.

ويقول المؤرخ ستانفورد شو إن روسيا حثت الدولة العثمانية على عدم السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين كي لا تفسد التوازن الديني فيها والذي تأسس بعد حرب القرم (1853- 1856)، كما يقول إن بريطانيا وفرنسا ضغطتا في نفس الاتجاه كي لا يكون حضور اليهود الروس عاملا في زيادة النفوذ الروسي على حساب نفوذهما في الشرق،[22] ولكن يجب عدم تعميم هذا الموقف إلى النهاية، إذ أن روسيا وجدت في الصهيونية ما يتفق مع مصالحها ولم تعارض في رعاية مصالح اليهود الروس في فلسطين[23] مادام ذلك لصالحها وهم بعيدون عن أراضيها، كما استطاعت بريطانيا – بعد رفض السلطان عبد المجيد مشروع بالمرستون للاستيطان اليهودي في فلسطين- [24] احتواء المهاجرين اليهود الروس الذين تسقط جنسيتهم الروسية بحمايتها الرسمية بالإضافة إلى حماية مواطنيها من يهود بريطانيا وأوروبا أيضا[25] وتبنت تثبيت وجودهم في فلسطين بواسطة قناصلها[26] وبخاصة أنها كانت تعمل على إبعاد سيل الهجرة اليهودية عن أراضيها،[27] كما قامت فرنسا أيضا برعاية الوجود اليهودي في فلسطين بين 1882- 1914 بواسطة قناصلها هناك والذين ساهموا في شراء الأراضي ومساعدة اليهود على العمل فيها،[28] ويشير الدكتور أمين محمود إلى أن هذا الحذر الأوروبي كان موجها ضد مشروع صهيوني ترعاه ألمانيا،[29] أي أن كل دولة أوروبية تعارض تحول اليهود إلى أدوات بيد غيرها ولا تعارض فكرة الاستيطان في فلسطين من حيث المبدأ.

ومن الدول التي تدخلت لحماية الهجرة الصهيونية الولايات المتحدة التي حددت هذه الهجرة إلى أراضيها سنة 1882 ولكنها حثت العثمانيين على استقبال اليهود في نفس الوقت،[30] وندد دبلوماسيوها بما وصفه المؤرخ الأمريكي مايكل أورين بالقيود التعسفية المتشددة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن غريب غطرستهم أن تصل الجرأة بهم إلى إدانة الإجراءات العثمانية لأنها “ضد الدستور الأمريكي تماما”، وكأنه من حقهم إلزام من يشاءون بدستورهم الخاص، ولكن “كل ذلك لم يجد نفعا”، فالعثمانيون عارضوا الطلب الأمريكي معارضة صريحة ولم يسانده الأوروبيون في ذلك الوقت مساندة صريحة.[31]

حجم الهجرات اليهودية إلى فلسطين في العهد العثماني

تجمع المراجع المختصة على أن قرارات الحظر العثمانية لم تؤت الأكل المرجو منها لعدة أسباب أهمها النفوذ الأجنبي الذي كان يتعلق بنظام الامتيازات الأجنبية الذي منحته الدولة العثمانية للرعايا الأوروبيين في عهد قوتها لأسباب تجارية وسياسية جلبت لها المكاسب في البداية ولكنها انقلبت من منحة وصدقة إلى قيد يكبل استقلال الدولة وقراراتها في زمن الضعف، والسبب الثاني لعرقلة قرارات حظر الهجرة هو الفساد الإداري الذي استشرى في الأجهزة الرسمية العثمانية وكانت الرشوة أبرز مظاهره فأجاد اليهود استعمالها والوصول إلى مآربهم في فلسطين بواسطتها، كما كانوا يتحايلون على الأنظمة بطلب جنسية بريطانية أو أمريكية والتخلي عن الجنسية الروسية والنزول في موانئ سورية بعيدة والزحف برا إلى فلسطين.[32]

أما عن أعداد اليهود التي وصلت إلى فلسطين في تلك الفترة فتختلف المصادر حولها ولا تقدم إلا أرقاما تقريبية لأن الهجرة اكتسبت طابع عدم الشرعية في معظمها وكانت الإحصاءات العثمانية لا تعترف إلا بالمقيمين بوجه شرعي وتعد بقية المهاجرين مقيمين غير شرعيين وممنوعين من الإقامة، أما الإحصاءات الصهيونية فاكتسبت الطابع الدعائي الذي يحاول تضخيم التوق اليهودي للعودة إلى أرض الميعاد، وتشجيع المتبرعين على دفع الأموال لمساعدة المهاجرين بواسطة المبالغة في تصوير الإنجازات وزيادة الأعداد، أما تقديرات القناصل والرحالة الأوروبيين فلا تخلو أيضا من العيوب السابقة ويمكن وصفها بعدم الصحة وعدم الدقة إلى حد بعيد كما يقول الدكتور حلاق، ولهذا فإننا نفتقر إلى تحديد دقيق لأعداد المهاجرين اليهود في الفترة العثمانية المتأخرة،[33] ولكن لا مانع من الاستناد إلى الأرقام التي توردها المراجع التي استندت إلى الأرقام الصهيونية من باب إلزام الخصم بما ألزم به نفسه.

تشير المراجع الغربية إلى أن عدد اليهود في فلسطين قبل بدء الهجرات المكثفة من روسيا وشرق أوروبا كان حوالي 25 ألف يهودي، وأنه وصل قبل اندلاع الحرب الكبرى الأولى سنة 1914 إلى 85 ألف يهودي، وهو عدد يشكل ما يقارب 11- 12% من مجموع سكان فلسطين آنذاك الذي بلغ سبعمائة ألف نسمة، فإذا طرحنا الزيادة الطبيعية للسكان اليهود المحليين أصبح لدينا خمسون ألف مهاجر، وهم أقل من ذلك أيضا في تقدير الدكتور وليد الخالدي،[34] كان معظمهم يقطنون في المدن وهي القدس ويافا وصفد والخليل وحيفا بالإضافة إلى عشرات المستعمرات (47 مستعمرة) التي يقطن فيها أقلية من الشباب، وقد تمكنوا من إقامة مؤسسات اجتماعية واقتصادية كما حاولوا إنشاء جامعة ففشلوا وحاولوا أيضا إثبات أنفسهم سياسيا أيضا ولكن المحاولة لم تتمكن من الاستمرار،[35] ومن ضمن جميع المقيمين اليهود لم تكن السلطات العثمانية تعترف إلا بأقل من 6% من مجموع السكان رغم كل إجراءات تصحيح الأوضاع التي تمت بضغوط من النفوذ الأجنبي.

الإجراءات العثمانية التي واكبت الزيادة اليهودية في فلسطين ومدى نجاحها

1877- 1889 ولاية رءوف باشا على متصرفية القدس قام أثناءها بجهود حثيثة لمنع استقرار المهاجرين اليهود في فلسطين بالإضافة إلى جهوده العمرانية الكثيرة.

1884 تحديد مدة زيارة اليهود إلى فلسطين بمدة ثلاثين يوما.

1887 بعد احتجاج الدول الغربية على الإجراء السابق مددت مدة الزيارة إلى ثلاثة أشهر على أن تطبق على جميع المهاجرين اليهود فكان ذلك في رأي الدكتور عوض “أول قرار جدي تفرضه الدولة لوضع حد لتيار الهجرة اليهودية.. بعد أن تحقق الباب العالي من الخطر” وبموجب ذلك أرسلت التعليمات إلى سلطات سنجق القدس بمنع جميع اليهود الأجانب من الإقامة في القدس وفلسطين بعد فترة الحج.[36]

1888 إجبار اليهود القادمين على حمل جوازات سفر توضح عقيدتهم وعدم السماح لمن لم يحصل على تأشيرة دخول من القنصل العثماني في بلده بدخول فلسطين،[37] وضغوط غربية على الدولة العثمانية تؤدي إلى قصر الحظر فيما يتعلق باليهود الإنجليز على من يأتون على شكل جماعات وليس على الأفراد مع التشبث بقرارات منعهم.[38]

1891 زيادة حدة الهجرة اليهودية بعد معارضة الولايات المتحدة وبريطانيا دخول اليهود إليهما بأعداد كبيرة مما يؤدي إلى احتجاجات فلسطينية وعرائض مقدمة إلى الصدارة العظمى تنتهي بصدور فرمان سلطاني يمنع اليهود العثمانيين والأجانب من تملك الأراضي الأميرية الأمر الذي يثير اعتراضات اليهود العثمانيين التي تبعها تدخلات أجنبية للتقليل من فاعلية القرار “إلا أن السلطات أصرت هذه المرة على عدم الاستجابة لكل طلباتهم وأبقت على بعض القيود بشكل دائم” كما يقول صبري جريس في تاريخ الصهيونية،[39] والسلطان عبد الحميد يدرك الخطر اليهودي فيكتب فرمانات متوالية بخط يده، ليحول دون الاستيطان وتكوين حكومة يهودية في فلسطين[40] (ملاحق أرقام 1 و2 و3).

1896 الدولة العثمانية تجيز لليهود المستوطنين قبل 1893 تملك العقارات الثابتة وتتمسك بمنع الشركات اليهودية الخارجية من شراء الأراضي ونقل الملكية إليها.[41]

1897 السلطان عبد الحميد يبدأ بتعيين سلسلة من الكتاب المقربين إليه من القصر السلطاني متصرفين على القدس، “وقد لجأ السلطان إلى هذا الإجراء رغبة منه في تعيين من يثق فيهم ويعتمد عليهم لمواجهة تيار الهجرة اليهودية والذي زاد تدفقه… وقد حقق بعضهم رغبة السلطان عبد الحميد في وقف الهجرة”.[42]

1898 تعليمات جديدة بمنع اليهود الأجانب من دخول فلسطين دون التمييز بين الجنسيات ما لم يدفعوا تأمينا ويقدموا تعهدا بالمغادرة في غضون شهر.[43]

1898- 1899 هرتزل يوسط الوزير الأمريكي المفوض في العاصمة العثمانية للحصول على امتيازات لليهود مثل حرية التنقل للمبشرين وعدم التمييز بين المسيحيين واليهود من الأمريكيين والسماح لليهود منهم بالسفر إلى سوريا وفلسطين، الحكومة توافق، ثم يبرق الوزير العثماني المفوض في واشنطن إلى السلطان يعلمه بالاتفاق على عدم السماح للمبشرين اليهود بدخول سوريا وفلسطين، السلطان يبلغ الوزير الأمريكي الذي يسارع بالاستفسار من وزارته التي تنفي وجود أي اتفاق من هذا النوع، الوزير الأمريكي يطلب من السلطان عزل الوزير العثماني ولكن السلطان يرفض بأدب ماكر، فينصرف الأمريكي يائسا وقد ضاعت الامتيازات والانتصارات “مما أدى إلى توتر العلاقات الأمريكية العثمانية” ومغادرة الوزير الأمريكي المفوض استانبول.[44]

1900 حملة احتجاجات فلسطينية واسعة شملت تقديم العرائض ضد شراء اليهود للأراضي الزراعية، والدولة تصدر “القوانين المتعلقة بالزوار اليهود للأراضي المقدسة” وأبرز ما تضمنته منح الجواز الأحمر لكل يهودي يدخل فلسطين تمهيدا لإبعاده بعد ثلاثة أشهر من الدخول، وقد أصدرت سلطات الانتداب البريطاني بعد هيمنتها على فلسطين تذكرة الهجرة البيضاء نكاية بالجواز الأحمر.[45]

1901 انعقاد أول مؤتمر صهيوني في فلسطين في محاولة لنقل مركز الثقل إليها بدلا من العواصم الأوروبية ولكن الدولة العثمانية تنتبه للخطر وتمنع انعقاده مرة أخرى هو ولجانه، مما يعيد الصهاينة إلى عقد مؤتمراتهم خارج فلسطين ثانية.[46]

1902 السلطان عبد الحميد يرفض مشروع إنشاء الجامعة العبرية الذي تقدم به هرتزل.

1903 افتتاح البنك الإنجليزي الفلسطيني وهو أول مؤسسة صهيونية في فلسطين، وذلك بعد تدخل السفارة البريطانية لصالحه لدى الباب العالي الذي أدرك مراميه رغم محاولات التغطية فجعل معاملاته تقتصر على الجوانب التجارية.[47]

1904 الحكومة العثمانية تعيد العمل بمنع بيع الأراضي والعقارات في فلسطين لليهود من جميع الجنسيات.[48]

1906 عزل رشيد باشا متصرف القدس بعد شكاوى عربية من سياسته الممالئة لليهود، وكان قد تولى منصبه في سنة 1904، وخلفه في المنصب علي أكرم بك ابن الشاعر المعارض المعروف نامق كمال، “وقد طبق القيود بحماس واندفاع ضد اليهود إلى أن قامت ثورة تركيا الفتاة في تموز عام 1908 حين نقل بعدها إلى بيروت”، وقد كتب الدكتور محمد عيسى صالحية آخر بحوثه رحمه الله عن إنجازات علي أكرم بك بصفته آخر متصرفي القدس في العهد الحميدي وكيف تشدد مع الهجرة اليهودية ومحاولته تلافي كل العيوب التي شابت تطبيق القوانين الرسمية والفرمانات السلطانية وكيف حاول تطوير مدينة القدس بأعمال عمرانية تنموية جادة ومواجهته المعارضة الشرسة من جميع المنتفعين من الهجرة الصهيونية سواء كانوا من اليهود أو الموظفين الفاسدين أو الملاك الجشعين أو القناصل الأجانب.[49]

1907 الباب العالي يصدر أمرا بمنع نقل ملكية الأراضي الأميرية لليهود العثمانيين، كما ترفض السلطات العثمانية السماح بإجراءات نقل الملكية حتى لو كان البائع والشاري من غير التبعية العثمانية.[50]

1908 الثورة على السلطان عبد الحميد وعزل علي أكرم بك في نفس الوقت عن متصرفية القدس، “وفي آخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني وضعت السلطات المحلية العثمانية صعوبات أمام تملك رعايا الدول الأجنبية، ومنعت انتقال الأراضي إلى الأجانب حتى ولو كان البائع أجنبيا، بسبب رغبة الدولة في منع إقامة المستعمرات اليهودية في فلسطين”.[51]

اكتشاف “الحل الإمبريالي” للمسألة اليهودية على يد هرتزل

تتلخص أهمية مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل في أنه اكتشف ما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري “الحل الإمبريالي” للمسألة اليهودية،[52] أو كما قال رحمه الله في أنه أدرك ضرورة وضع المشروع الصهيوني – الذي كانت ملامحه قد تبلورت قبل هرتزل- موضع التنفيذ بالاستعانة بدولة استعمارية كبرى تدعم وترعى هذا المشروع، ودون هذه الرعاية ما كان للمشروع أن يتحقق، وقد استفادت صهيونية هرتزل السياسية من التجربة الفاشلة لتأسيس مستعمرات زراعية في فلسطين بين عامي 1882- 1897 “رغم الإعانات المادية السخية التي قدمها أغنياء اليهود في أوروبا”، ولهذا رفض هرتزل الانتقال إلى الاستيطان العملي قبل تأمين الاعتراف الرسمي والحصول على براءة الاستيطان،[53] وقد أكدت الأحداث صواب رأيه فعلى مدى أكثر من ثلاثين عاما من الهجرة اليهودية المكثفة إلى الدولة العثمانية ووصول ما يقارب مائة ألف مهاجر إليها لم يتبق في البداية منهم في فلسطين إلا نصفهم ليغادر بعد اندلاع الحرب الكبرى ثلاثون ألفا آخرون نتيجة عوامل الطرد وعدم الترحيب العثماني فبقى ما مجموعه أقل من ستين ألفا من اليهود في فلسطين بمن فيهم اليهود الفلسطينيون القدماء، وهو عدد يقل عن عدد اليهود في مدينة عثمانية واحدة يكثرون فيها هي سالونيك آنذاك،[54] أما في ظل الرعاية البريطانية فقد تضاعف هذا الرقم أكثر من عشرة أضعاف في غضون مدة أقصر ليصل إلى 650 ألف يهودي يشكلون ثلث السكان بعدما كانوا أقل من العُشر، وليقفز عدد المستعمرات من 47 في سنة 1914 إلى 324 عشية النكبة سنة 1948،[55] والمقارنة بين نتائج الحل الإمبريالي البريطاني والحل التسللي في الزمن العثماني تؤكد ما ذهب إليه المسيري رحمه الله من أن هذا الحل هو السبب في نجاح هرتزل فيما أخفق فيه آخرون وهو السبب في استمرار مشروعه وتحوله إلى واقع ملموس حيث أخفقت مشاريع أخرى.[56]

هرتزل وألمانيا: الصهيونية في صالح الدولة العثمانية، مرة أخرى!

وبعدما اكتشف هرتزل هذا الحل بدأ بالطواف على القوى الكبرى لعرض مشروعه عليها، وكانت ألمانيا هي البلد الأول الذي اتجه إليها وحصل من مسئوليها على وعد بأن يناقش الإمبراطور القضية الصهيونية مع السلطان عبد الحميد، وكان الامبراطور الألماني هو الزعيم الأول الذي قابله هرتزل وحاول الحصول على وساطته لحمل العثمانيين على القبول بالمشروع الصهيوني، وقد حدثت المقابلة الأولى في استانبول أثناء زيارة الامبراطور الثانية للدولة العثمانية (1898) وقدم هرتزل مشروعه لولهلم الذي رأى فيه “نعمة وازدهارا لا مثيل لهما للأرض المقدسة وإحياء وتطورا لآسيا الصغرى مما سيجلب الملايين لجيب الأتراك وسيساعد تدريجيا على إنقاذ الرجل المريض من الإفلاس”،[57] “ورغم وعود القيصر ورغم حرصه على تبني المشروع الصهيوني، فإنه لم يكن مدركا مدى عمق الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول، ولذا فحينما تم اللقاء (مع هرتزل) في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يصدر القيصر وعده البلفوري العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى”كما يقول الدكتور المسيري، إذ أن السلطان يرفض زيادة مشاكل الأقليات التي تحميها الامتيازات الأجنبية مشكلة جديدة والدولة تبدي سعادتها بعرض تسوية الديون وتستعد لاستقبال اليهود ولكن ليس في فلسطين، وفي الحقيقة أن المصالح العثمانية الألمانية كانت كبيرة ومهمة للجانبين، كما أن ألمانيا كانت ترى في الحركة الصهيونية مصلحة لها وكان لها تاريخ في دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين بواسطة قناصلها هناك رغم عدم الإعلان رسميا عن هذا الدعم[58] ولكن مما لا شك فيه أن القناصل الرسميين لا يتفقون على سياسة مخالفة لسياسة دولهم، ورغم رؤية الامبراطور الخاصة لمصالح ألمانيا الصهيونية فإنه لما لمس الرفض العثماني نأى بنفسه عن تأييد الحركة الصهيونية ووجد أن صداقة الدولة العثمانية وخلفها جميع مسلمي العالم أفضل لبلاده من صداقة الصهاينة، ولهذا فإنه قام بالرد على طلب هرتزل بتصريح دبلوماسي “ليس فيه أي كسب للقضية الصهيونية” كما يقول الدكتور حسن صبري الخولي.[59]

عروض هرتزل على السلطان عبد الحميد

ثم اتجه هرتزل بشكل مباشر إلى إقناع السلطان العثماني صاحب السيادة على فلسطين في ذلك الوقت، وزار استانبول لهذه الغاية خمس مرات في الفترة الممتدة بين عامي 1896- 1902 تمكن أثناءها من الاجتماع مرة واحدة – وفق معظم الروايات- بالسلطان عبد الحميد الثاني في مايو 1901، ولا يمكن في دراسة كهذه استيعاب ما جرى في كل المفاوضات ولكن يمكن تلخيص عروض هرتزل مقابل السماح بالاستيطان اليهودي في فلسطين مع عدم التصريح بما أضمره في ذلك الوقت من رغبات توسعية تتعداها، بل إن استعمال عبارة الوطن القومي في المؤتمرات الصهيونية الأولى بدلا من الدولة كان هدفه عدم إثارة العثمانيين، وقد عرض هرتزل على السلطان تسوية المالية العثمانية المثقلة بالديون، والتدخل لوقف الحملات الإعلامية الغربية على العثمانيين فيما يتعلق بالأزمة الأرمنية التي كانت محتدمة في سنة 1896 وهي السنة التي زار فيها استانبول للمرة الأولى، بل التدخل لإنهاء التمرد الأرمني نفسه، والعمل على كبح جماح المعارضة التي تمثلها تركيا الفتاة، ولإبعاد الشباب العثمانيين عن الأفكار الثورية عرض تأسيس جامعة عبرية تغني الطلاب العثمانيين عن السفر للغرب والتأثر بأفكاره، كما عرض إعادة جزيرة قبرص التي احتلتها بريطانيا سنة 1878 مقابل الحصول على فلسطين، كما تنازل عن مدينة القدس وعرض أن يكون المستوطنون اليهود تابعين للدولة العثمانية ويرتبطون بالولاء للسلطان على غرار الولايات ذات الاستقلال الذاتي في الدولة، وسيجلب هؤلاء المستوطنون الازدهار لهذه المنطقة وفق الوعود المقدمة، وحذر صهاينة آخرون كذلك من نشوب ثورة عربية ضد العثمانيين وعرضوا أن يتصدى الكيان اليهودي لها إن قامت، وهذا هو مجموع ما عرضته الحركة الصهيونية في مناسبات مختلفة وفقا للمصادر المختصة.

لماذا فشلت المفاوضات؟

وهذه العروض بالطبع تتضمن ما هو أكبر من إمكانات الحركة الصهيونية في ذلك الوقت، ولكن المهم أن هرتزل كان بحاجة لوعد من السلطان على غرار وعد بلفور ليتمكن من جمع المال الذي سيسوي المشاكل المالية العثمانية، وكان جوابه لترجمان السلطان عندما طالبه بالمال: “أعطني الاستيطان غير المقيد وسوف تحصل على المليون في وقت قصير، أستطيع أن أعدك بذلك رأسا لأن من أجله جئت”،[60] ويؤكد هرتزل هذه الحقيقة في مذكراته بالقول إنه كان بحاجة لموافقة السلطان على العرض وبهذا يمنحه السلة التي سيتمكن من ملئها بالمال،[61] إذ سيكون بيده وطن حقيقي للشراء، ولهذا فإن القول بأن المفاوضات فشلت بسبب عدم توفر المال هو قول غير دقيق لأن السلطان رفض منذ البداية منطلق هرتزل وهو الحصول على فلسطين، ويقول الدكتور عبد العزيز عوض في ذلك: “وإذا كان السلطان قد اضطر تحت وطأة الدين ومشاكل الدولة المالية للدخول في مفاوضات طويلة مع هرتزل استمرت من1897- 1903 لكنها انتهت بالفشل بسبب تشبث السلطان في موقفه المعارض لفكرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين”،[62] أما الدور الذي قامت به تحويلات المهاجرين الصهاينة في تعديل الموازنة المالية العثمانية وبخاصة بعد سنة 1890،[63] فلم يكن له أثر في تغيير الموقف العثماني الذي ظلت مقاومته تتصاعد إلى نهاية عهد السلطان عبد الحميد على الأقل.

ولم يكترث السلطان ببقية العروض، فلم يهتم بتحسين صورته في الإعلام الغربي على عكس ساسة العرب في زمننا المعاصر الذين يسفحون حقوق بلادهم وشعوبهم لمجرد أن يراهم الغرب بصورة تحسن في عينيه ويحظون بنظرة استحسان أو كلمة ثناء أو ابتسامة رضا من هنا أو هناك، كما لم يبهره عرض الجامعة العبرية وما فيه من إغراءات ظن هرتزل أنها لا تقاوم ولكن السلطان رغم اهتمامه بإبعاد شبابه عن التأثيرات الغربية فقد “رأى أن الغاية من إنشاء هذه الجامعة سياسية واستيطانية أكثر منها ثقافية”كما يقول الدكتور حلاق،[64] ولهذا رفض بناءها في الوقت الذي احتفى فيه أستاذ الجيل الليبرالي أحمد لطفي السيد بافتتاحها إلى جانب عتاة الاستعمار والصهيونية في زمن الانتداب كما مر، وبدلا من الوقوع في الفخ الخارجي الذي يعمل على تفريق الأمة الواحدة، لم يقبل السلطان رؤية الخطر من الجانب العربي، وذكر لهرتزل تضحيات العرب مباهيا بها وعمل على تقريبهم وجمعهم حول راية الجامعة الإسلامية.

عروض السلطان المضادة

وقد قدم السلطان بدوره عروضه لهذه المفاوضات فبعد رفض الهجرة إلى فلسطين قبل بهجرة يهودية مراقبة ومتفرقة إلى الأناضول أو العراق، حيث إمكانات ذوبان المهاجرين بين كثرة السكان كبيرة وحيث لا يشكلون كتلة سكانية واحدة قد تخلق للدولة مشكلة أقلية جديدة تكون مدخلا للتدخل الأجنبي، يتضح ذلك من تصريحه بالحرص على بقاء العنصر العربي غالبا في فلسطين حتى لا يجني على إخوانه في الدين (ملحق رقم 5)، ولهذا على المهاجرين إلى الأماكن المقترحة التخلي عن جنسياتهم وحمل الجنسية العثمانية والالتزام بقوانين الدولة، وظل على هذا الموقف إلى آخر عهده وتشكل الإجراءات العملية التي اتخذها والسياسات التي اتبعها المستند الأساس لتقويم رأيه، بل يمكننا القول أنه لم يندم على هذا الموقف إلى آخر عمره كما تفصح بذلك الوثائق التي كتبها بيده بعد عزله من الحكم كرسالته إلى شيخه محمود أبي الشامات التي يقول فيها أنه عُزل بسبب رفضه ضغوط جمعية الاتحاد والترقي التي طلبت منه المصادقة على تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين، هذا بالإضافة إلى مذكراته الشخصية التي أملاها في فترة العزل وتطرق فيها إلى المسألة اليهودية بسرعة أرسل فيها موقفه منها إرسال المسلمات ولا يظهر فيها أي تغير من جهته (ملحق رقم 8)، وكان إملاؤها في سنة 1917 قبل وفاته بقليل رحمه الله.

كان هذا هو رد السلطان وهو ما فهمه هرتزل جيدا وما رفضه في نفس الوقت لتشبث الصهيونية بفلسطين، وهو ما فهمه غير هرتزل أيضا، فقد اقترح القنصل العثماني العام في فيينا على هرتزل في سنة 1904 قبل وفاته بقليل مشروعا لا يمكن للصهيونية أن تنال هدفها دونه: الإبحار إلى البوسفور بسفينتين ونسف قصر السلطان عبد الحميد والقبض عليه وإقامة سلطان آخر مكانه بعد تعيين حكومة مؤقتة تعطي اليهود امتياز الاستيطان في فلسطين! وهو ما رفضه هرتزل خوفا من تبعاته الخطيرة.[65]

ونتيجة لهذا الموقف السلطاني الصارم قرر هرتزل أن يتجه إلى بقية الدول الكبرى وكان من ضمن طلباته إلى وزير الداخلية الروسي ثم إلى الملك الإيطالي التدخل لدى السلطان ليقبل المشروع الصهيوني، وقد ذكر له الملك الإيطالي أن السلطان قد يقبل الهجرة ولكنه لا يطيق سماع كلمة الاستقلال، والحقيقة أن الهجرة إلى فلسطين كانت مرفوضة لاقترانها بالاستقلال اليهودي كما صرح السلطان في مذكراته السياسية، ولهذا عرض على هرتزل قبول هجرة بشروط وفي أماكن أخرى يستحيل تحقيق استقلال يهودي فيها، كما طلب هرتزل من الإنجليز موطئ قدم في العريش بسيناء ولكن الحكومة البريطانية وجدت الأمر لا يتفق مع مصالحها وكان مما احتجت به موقف الرفض العثماني لأن هذا المشروع “على الأقل لا يتفق مع مصالح السلطان صاحب السيادة في مصر”،[66] ويقول الدكتور حلاق إن اللورد كرومر والحكومة المصرية تخوفا من غضب الباب العالي وعملا على عدم إثارته في هذا الموضوع، وأن موقف السلطان من الحركة الصهيونية كان له أكبر الأثر في المعارضة البريطانية لمشروع سيناء،[67] ولهذا قال الدكتور عبد العزيز الشناوي إن من خدمات الدولة العثمانية للإسلام والعروبة منع اليهود من الاستيطان في سيناء وهي سياسة اتبعتها مع محاولاتهم منذ عهد السلطان سليم الأول (1517)، وإن الحكومة المصرية في زمن الاحتلال البريطاني هي التي تساهلت وسمحت لبعثة صهيونية باستكشاف أوضاع سيناء سنة 1902 استجابة”للنصائح” البريطانية التي لم تستطع التمرد عليها وإلا عُدّ المتمرد من الوزراء متنحيا من منصبه.[68](*)

هل راجع السلطان نفسه فيما بعد؟

تبين فيما سبق أن السلطان ظل وفيا لموقفه حتى آخر حياته، ولكن هناك من ادعى أنه قابل هرتزل مرة ثانية في يونيو 1902 بصورة غير رسمية رغم أن هرتزل نفسه لا يأتي على ذكر شيء من هذا في يومياته المفصلة قط، ورغم أن المدعين يقولون أنه حصل على إذن بنشر جواب السلطان الذي لم يكن يزيد عما وصفوه بأنه ما يسمى في اللغة: نعم السلبية، أي نعم دبلوماسية يراد منها الرفض، ويقول أصحاب هذه الرواية أنه فكر بمراجعة هرتزل فيما بعد ولكنه لم يفعل، ومن الصهاينة من اقتطع بعض الأحاديث الجانبية المنقولة عنه بطرق غير مؤكدة وحاول بث الشك في الموقف السلطاني بعد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين دون الرجوع إلى مجمل المواقف والوثائق، وكل ما وصل إليه هو ضرورة زيادة البحث في الوثائق العثمانية، ومن مراجعة هذه الأحاديث التي تعزى إلى ما بعد الثورة الدستورية عليه ويرى أصحابها أنها تظهر تفكيرا جديدا للسلطان، فإن كل ما يتبين فيها بوضوح أنه فضل معالجة الدين الكبير لدولته وكان قد دخل في مفاوضات لم تنته مع رجل ذي ثقافة (هو هرتزل) حاول شراء أراض قرب يافا والقدس، والمهم في المحادثة أن السلطان يعيد التأكيد على أنه “وضع لهم بعض الشروط” دون أن يذكر أي تراجع عنها وقد سبق توضيحها وسبق ذكر ما أملاه السلطان بعد ذلك، كما قال أنه يعتقد أن اليهود بإمكانهم الآن (الحديث يجري بعد اندلاع الثورة وتسلم جمعية الاتحاد والترقي الحكم) أن يشتروا ما أرادوه، وأنه يعتقد أن مالهم سيقنع الدول الكبرى بمشروعهم رغم قدسية القدس لأصحاب الديانات السماوية، وأن أملهم وهدفهم سيتحقق في المستقبل [69]، وهو تصريح ليس بالجديد فقد قال من قبل لهرتزل أنه بإمكان اليهود الحصول على فلسطين مجانا وتوفير أموالهم بعد زوال الدولة العثمانية ولكنه لن يسمح بتشريح الجسد العثماني وهو مازال حيا (ملحق رقم 6).

وسيلة سلطانية منسية لمقاومة الاستيطان الصهيوني

يقول الباحث أمين أبو بكر في دراسته عن أملاك السلطان عبد الحميد في فلسطين، إن وضع اليد على الأرض وتحويلها إلى ملكية سلطانية (جفتلك)، من الأساليب التي اتبعها السلطان عبد الحميد ووكلاؤه في مقاومة الحركة الصهيونية والقوى الأجنبية المتنافسة على تملك الأراضي في فلسطين، وإن سياسة إلجاء المزارعين (وضع أراضيهم في حمى السلطان الذي يشتريها بأثمان رمزية ويحصل على نسبة من المحصول مقابل امتيازات مهمة للمزارعين)، بالإضافة إلى سياسة الإعمار في المقاطعات الفلسطينية كانت ترمي إلى غايات بعيدة هدفها إنقاذ الأراضي التي تواجه مواقف حرجة، وذلك لمنعها من الوقوع فريسة بأيدي القوى الاستعمارية والصهيونية، وضرب مثلا لذلك بوضع السلطان يده على أراضي رفح،[70] والمعلوم أنه قد تعرض لهجوم بسبب سعة أملاكه ولم يُنظر للجوانب الإيجابية والخدمات الوطنية التي نتجت عنها، وبغض النظر عما يقوله المعارضون، فإنه من المفيد جدا ويا ليت أن يضع حكامنا وأثرياؤنا مصالحهم الشخصية في خدمة قضايا الأمة على هذا الغرار، وألا يكون تشخيصهم لهذه المصالح متناغما مع المصالح الخارجية المعادية.

موقف جمعية الاتحاد والترقي: هل فقد السلطان عرشه من أجل فلسطين؟

هذا ما يقوله بنفسه في رسالته الشهيرة لشيخه محمود أبي الشامات (ملحق رقم 7)، وهناك أدلة تؤكد ما ذهب إليه السلطان في رسالته، منها الرسالة التي أرسلها رجل الأعمال الإنجليزي ج. بولنغ في نوفمبر 1908 إلى الحكومة العثمانية قبل خلع السلطان بأشهر قليلة يعرض فيها على الحكومة السنية الإفادة من النفوذ المالي اليهودي “الذي يعترف به العالم أجمع” والموافقة على الاستيطان اليهودي في فلسطين ويقدم نفسه وسيطا لهذه المباحثات،[71] وتشير الدلائل إلى الارتياح اليهودي والصهيوني لخلع السلطان عبد الحميد،[72] بل الارتياح الغربي عموما،[73] وإلى مشاركة دولية ويهودية فاعلة في الثورة عليه،[74] ومن أبرز أدلة الحضور اليهودي وجود يهودي ماسوني من سالونيك هو عمانويل قراصو ضمن الوفد الرباعي الذي أبلغ السلطان قرار العزل ثم نفي السلطان نفسه إلى سالونيك حيث سجن في قصر يملكه أحد اليهود الاتحاديين،[75] وقد ابتهجت الصحف اليهودية هناك للتخلص من “مضطهد إسرائيل”،[76] وتجمع المراجع على أن موقف الدولة العثمانية من الهجرة اليهودية تغير بعد عزله، وأن اليهود اتخذوا مواقع فعالة في الحكومة وصلت إلى أربع وزارات فيها،[77] وأن جمعية الاتحاد والترقي اتبعت سياسة أكثر ودا تجاه هذه الهجرة، حتى من تحفظ على اتهام الجمعية لم ينف أنها “قلبت الموازين ودفعت بقوة باتجاه الوقوف إلى جانب اليهود في تحقيق أطماعهم الاستيطانية وإقامة دولتهم”،[78] وكان ذلك في البداية طمعا في المال اليهودي لإنقاذ خزينة الدولة الخاوية، ولم تختلف في ذلك الحكومات التي تعاقبت على الوزارة سواء اتحادية أم ائتلافية،[79] وفي هذه الفترة دخل بعض العرب والأتراك في سباق لنيل الاتفاق مع الصهاينة كل طرف منهما لكسب تأييدهم لقضيته، فالعرب يطمعون بنيل تأييدهم في مواجهة الاتحاديين،[80] وكانت التهمة التي وجهها المعارضون العرب للحكومة المركزية هي التراجع عن القوانين والقيود التي فرضها السلطان عبد الحميد على الهجرة، والمطالبة بتفعيلها ثانية،[81] ثم طمع الاتحاديون في التأييد اليهودي في الحرب الكبرى الأولى (1914)، وكانت ألمانيا حليفة العثمانيين مركزا للنشاط الصهيوني في بداية الحرب،[82] ولكن الموقف تغير بعد وقوف الصهيونية إلى جانب الحلفاء مما استدعى موقفا عثمانيا متشددا في سنة 1916 [83] أدى لرحيل آلاف اليهود من فلسطين، ثم انقلب الموقف مرة أخرى عندما حاول طلعت باشا الصدر الأعظم وأحد أركان الاتحاديين ومضطهد الأرمن أن يتفق مع الصهاينة بواسطة قراصو آنف الذكر وبحضور الحكومة الألمانية قبل نهاية الحرب والانسحاب العثماني من فلسطين على أساس أن بريطانيا تعد بما لا تملك في الوقت الذي يمكن للدولة العثمانية تنفيذ ما تقوله لأنها مازالت صاحبة السيادة على سوريا وفلسطين.[84]

وكما يسرد السلطان أنهم عرضوا المال عليه، وكانوا قد عرضوا ذلك عليه في السابق بشهادة هرتزل نفسه،[85] هناك أدلة مستقلة على أنهم عرضوا المال على جمال باشا أحد أركان الاتحاديين الثلاثة ولكن الصفقة لم تتم لأنه رفض إعطاءهم عهدا مكتوبا بالموافقة على مطالبهم،[86] أما المبلغ الذي يذكره السلطان وهو مائة وخمسون مليون ليرة إنجليزية ذهب، فهو حجم الديون العثمانية[87] التي سبق للصهاينة تكرار عروضهم بتسويتها إذا تحققت مطالبهم، أي أن كل ما يقوله السلطان في رسالته يمكن العثور عليه من مصادر مستقلة وليس هناك ما يتعارض مع الوثائق الأخرى والأحداث التاريخية في شهادته الشخصية، أي ليس ثمة ما يدعو لردها.

الفرق بين عهد السلطان عبد الحميد وما بعده

في تقويمه لسياسة السلطان عبد الحميد وما اعتراها من ثغرات مقارنة بما حدث بعده يقول الأستاذ عوني فرسخ في كتابه إن التمايز بين موقف السلطان وموقف غلاة الطورانيين كيفي بسبب تناقض برنامجه القائم على الرابطة الإسلامية التي أعطت العرب مكانا واسعا بين أركان حكومته وبطانته، مع برنامج الاتحاديين العنصري الذي جعل موقفهم العدائي تجاه العرب يمتد إلى الإسلام فتنتفي علاقة التناقض العدائي مع الحركة الصهيونية، “ولاخلاف أن الاتحاديين تراجعوا أكثر من مرة عن تساهلهم تجاه النشاط الصهيوني… ولكن هذا التراجع مختلف كيفيا عن مواقف عبد الحميد الثاني” فتراجع جمعية الاتحاد والترقي عن التأييد الاستيراتيجي للصهيونية كان تراجعا تكتيكيا أمام الاحتجاجات والضغوط العربية والإسلامية، أما الموقف الحميدي الاستيراتيجي فهو معارض للصهيونية من حيث المبدأ وتراجعه عن ذلك كان موقفا تكتيكيا أمام مداخلات السفراء والقناصل الأجانب،[88] أي أن التكتيك الحميدي كان استيراتيجية الاتحاد والترقي وتكتيكهم كان استيراتيجية السلطان عبد الحميد.

تقويمات تاريخية محايدة أخرى

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري من مجمل الموقف العثماني أن المستوطنين الصهاينة كان معروضا عليهم دائما الحصول على المواطنة العثمانية والاستقرار بفلسطين بصفتهم عثمانيين وليسوا عنصرا تابعا لدولة غربية، وأن قضيتهم لم تكن قضية آلاف من المضطهدين لا وطن لهم ويبحثون عن مأوى، وإنما هي “قضية غرس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات توجه غربي استعماري استيطاني رفض هذا الحل”.[89]

يقول الأستاذ عادل مناع إن السلطان عبد الحميد اشتهر برفضه الحازم لمساعي هرتزل السياسية، وأنه علينا ألا ننسى في المقابل استمرار الهجرة اليهودية طوال حكمه لأسباب تتعلق بالضغوط الأوروبية وفساد الإدارة العثمانية، وقد اقتنع هرتزل بعد مقابلاته مع السلطان ومقربيه بأنه لن يحصل على ما يبتغي لذا انتقل إلى المحطة التالية وهي بريطانيا.[90]

ويقول الدكتور عبد العزيز محمد عوض إن السلطان عبد الحميد ظل طيلة سنوات حكمه عقبة كأداء في وجه المشاريع الصهيونية وذلك بتأثير من سياسته الإسلامية ورجاله المقربين من العرب إضافة إلى شكوكه الذاتية في النوايا الصهيونية، ولا يرى غرابة في رفض السلطان كل ما عرض عليه من مال وتقدم اقتصادي وثقافي وغير ذلك من عروض رغم حاجة الدولة إليها، لأن الثمن المطلوب كان مستحيلا، لأنه لا توجد حكومة متحضرة تقبل أن تمنح أشخاصا تابعين لدول أخرى ويقطنون أقطارا أجنبية امتيازات خاصة في أرض تتبعها ويسكنها رعاياها، كما خشي السلطان من انفصال فلسطين عن الحكم العثماني لو قام فيها ملك يهودي.[91]

ويقول جورج أنطونيوس إن الجهود الصهيونية في الميدان السياسي تركزت على إقناع حكام الدولة العثمانية بمختلف الوسائل ليمنحوا اليهود مزيدا من حق الاستيطان في فلسطين، ولم تلاق تلك الجهود نجاحا “إذ خذلها عبد الحميد دون مواربة”، أما رجال تركيا الفتاة فإنهم كانوا ميالين للإصغاء للمقترحات الصهيونية نتيجة قوة اليهود في جمعية الاتحاد والترقي، ثم وجدوا من الحكمة في النهاية أن يرفضوها بعد احتجاج النواب العرب في مجلس المبعوثان واتجاه الصهاينة للحلفاء في الحرب الكبرى.[92]

ويقول الدكتور وليد الخالدي إن الحدث الفصل في الفترة الممتدة بين بداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين واندلاع القتال بعد صدور قرار التقسيم (1947) هو انتقال السيادة على فلسطين من الدولة العثمانية التي كان انهيارها زلزالا يضاهي نكبة 1948 ونكسة 1967، إلى بريطانيا حاضنة المشروع الصهيوني.[93]

الهجرة الصهيونية إلى الدولة العثمانية في سياقها التاريخي

يجب الإشارة في هذا المقام إلى مجموعة من الحقائق تضع الأحداث في سياقها التاريخي الذي يجب تصوره قبل أن نبالغ في وصف الإجراءات العثمانية بالعجز رغم أن نتيجتها النهائية كانت دون طموحاتنا اليوم:

1- يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في موسوعته النفيسة إن عدد اليهود الذين هجروا روسيا وبولندا ورومانيا والنمسا منذ بداية الهجرة الكثيفة (1882) إلى بداية الحرب الكبرى (1914) بلغ أربعة ملايين نسمة،[94] أي أن نسبة الهجرة إلى فلسطين إلى الهجرة اليهودية عموما لا تتجاوز واحدا ونصف في المائة حتى لو زدنا عدد المهاجرين إلى ستين ألفا وليس خمسين ألفا فقط، ولو أخذنا بأرقام الدكتور حلاق التي تقل عن الأربعة ملايين فإن النسبة تقترب من الاثنين ونصف في المائة فقط،[95] أي أن نسبة الهجرة إلى فلسطين كانت منخفضة جدا مقارنة ببقية بلدان الهجرة كالولايات المتحدة وكندا والأرجنتين، ومن أسباب ذلك القيود التي فرضتها الدولة العثمانية على الهجرة كما تبين الحقيقة التالية.

2- لم يستقر كل اليهود المهاجرين إلى فلسطين فيها، ويقدر الدكتور عوض عدد المهاجرين الإجمالي في الفترة بين بداية الهجرة واندلاع الحرب الكبرى بأكثر من مائة ألف مهاجر “خرج نصفهم ثانية بعد إقامة قصيرة بسبب صعوبة الظروف المحلية والإجراءات التي اتخذتها السلطات العثمانية لمنع الهجرة إلى فلسطين”.[96]

3- لم تكن الدولة العثمانية وحدها التي تعاني من عدم إحكام قبضتها على مجالها في مسألة الهجرة، ويقدر الدكتور المسيري عدد يهود دولة كبرى ذات إمكانات تقنية أوسع هي إنجلترا في سنة 1853 بنحو 25 ألفا، وفي سنة 1880 بنحو ستين ألفا، ثم وصل العدد إلى 242 ألفا عام 1910: أي بزيادة نحو عشرة أضعاف خلال ستين عاما في مجتمع متجانس مثل المجتمع الإنجليزي” ثم وصل العدد سنة 1914 إلى ما بين 250- 300 ألف “رغم صدور تشريعات تحد من هجرتهم”،[97] وبعملية حساب بسيطة نرى أن عدد اليهود الذين دخلوا بريطانيا في الفترة بين 1880- 1914 رغم عوائق البحر والطرد الاجتماعي والقانوني وصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف من تسربوا إلى فلسطين رغم ضعف الإمكانات العثمانية مقارنة بإمكانات بريطانيا.

4- كان للاحتجاجات الشعبية الفلسطينية دور مهم في توجيه السياسة العثمانية الرافضة للاستيطان اليهودي في فلسطين، وفي هذه يقول المؤرخ شو: “إن قدرا كبيرا من موقف السلطان السلبي من خطة هرتزل أتى من الاحتجاجات العنيفة على الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين والتي كانت تصل قصره من السكان غير اليهود”،[98] ويؤكد الدكتور حلاق هذه الحقيقة بالقول إنه “كان لردود الفعل العربية الأثر الواضح في إصدار مجموعة من القرارات والقوانين العثمانية الخاصة بمنع المهاجرين اليهود من الاستيطان في فلسطين”، ويقدم أمثلة من العهدين الحميدي والدستوري ما يؤدي إلى “دحض الاتهامات الصهيونية القائلة إن الفلسطينيين لم يكونوا يؤثرون في مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل الدولة العثمانية، فالواقع يثبت غير ذلك تماما فالأمر لم يقتصر على استمتاع المواطنين العرب – ومنهم الفلسطينيون- بحقوق معينة لاسيما فيما يتعلق بالتمثيل النيابي، بل قد اشتركوا فعليا في إدارة البلاد…”.[99]

5- علينا أن ننظر إلى الخطر الصهيوني وفق حجمه في ذلك الزمن وإلا فإننا سنخرج بأحكام تعسفية وغير تاريخية حينما نرى على سبيل المثال زعيما وطنيا مصريا كبيرا ومعاديا للاستعمار بشدة مثل مصطفى كامل باشا يجتمع مع هرتزل مرتين[100] ويثني على إخلاص اليهود للدولة العثمانية وهدوئهم مقابل الاضطرابات التي كان يثيرها عناصر أخرى في الدولة، ويصور حالهم كما كان آنذاك قائلا: “وهاهم اليهود لا يثورون ولا يهيجون ولا يشتكون ولا يتألمون بل يحمدون الدولة ليلا ونهارا في السراء والضراء ويسبحون في كل آونة بنعمها عليهم وحسن رعايتها لهم، وما ذلك إلا لأنه لا يوجد في الدول الأوروبية دولة تدعي الدفاع عنهم والعمل لمصالحهم فهم ليسوا بآلات في الدولة ضد الدولة بل هم يعرفون من أنفسهم أنهم عثمانيون ممتعون بكل الحقوق العثمانية، وأما العناصر التي كالأرمن تستعملها بعض الدول كإنكلترا فهي تثور بعوامل الدين ودسائس دينية”،[101] وبالطبع لو عاش ذلك الزعيم في زمننا لما أقدم على هذا التصرف ولكن في زمنه كانت الصهيونية شيئا مختلفا ومحصورا في منظمة سياسية وكان زعيمها مجرد صحفي بارز يمكن كسبه إلى جانب قضايانا ليتبناها إعلاميا، وليس رئيس دولة عدوانية تحتل بلادنا وتشرد أهلنا وتؤلب العالم علينا، والباشا لم يدع إلى زيادة الهجرة واستقبالها كما فعل غيره من زعماء العروبة، وكل ما قاله يندرج في ظروف طبيعية في زمنها كما هو حال كل من تعامل مع هذه الظاهرة بحجمها يومذاك، فنلاحظ مثلا أنها لم تأخذ حيزا كبيرا في مذكرات السلطان عبد الحميد رغم رفضه إياها، خلافا لظواهر ألحت كثيرا في زمنه كالقضية الأرمنية أو التآمر البريطاني أو معارضة تركيا الفتاة أو العلاقات مع ألمانيا وغير ذلك، وهذا الوضع يختلف عمن رحبوا بالهجرة اليهودية وأرادوا لها أن تتضخم أو باعوا لها أملاكهم أو عملوا وسطاء لتجارها لتأخذ حيزا أكثر مما كانت فيه، ومن العجيب أن يسترسل أصحاب الأحكام غير التاريخية في اتهاماتهم فيجعلون العثمانيين “أول من فتح أبواب الشرق على مصراعيها للمهاجرين من اليهود من أوروبا”[102] وذلك لأنهم استقبلوا اللاجئين من الاضطهاد الأوروبي بعد سقوط الأندلس في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في زمن يختلف جذريا عن زمننا، وفي وقت يرحبون هم بالاستيطان الصهيوني الحديث يلومون العثمانيين على سياسة لا علاقة لها بما حدث بعد مئات السنين، وهو ربط غير تاريخي يسمى مفارقة تاريخية تشبه مفارقة أخرى أسقطت تطورات حديثة جدا على الماضي وانتقدت السلطان سليم الأول العثماني الذي عاش في بداية القرن السادس عشر – أي قبل خمسمائة سنة- لأن حكمه لم يكن برلمانيا!، وذلك كما ينقل الدكتور عبد العزيز الشناوي.[103]

6- يقول المؤرخ اليهودي المعارض إيلان بابه في معرض تقويم تطور الاستيطان الصهيوني إن المجتمع الفلسطيني الريفي لم يشعر بآثار الصهيونية إلا بعد الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) رغم إحساس بعض القيادات المحلية بهذا الخطر منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، وإن الصهيونية كانت زوبعة في فنجان لمعظم السكان الفلسطينيين، فقد كانت المستعمرات قليلة، وقلة من القرى احتكت بها، ولم يكن قبل الحرب والحملات الكبرى لشراء الأراضي أن شهد الفلاح الفلسطيني أحداثا ستغير حياته جذريا،[104] بل وجدنا من يرى (1912) أن الصهيونية جلبت التقدم لفلسطين وأنها في صالح أبناء البلد،[105] ومن لم يدرك عداوة الانتداب البريطاني من الزعماء إلا متأخرا، وعُدت ثورة الشيخ عز الدين القسام (1935) إدراكا مبكرا لحقيقة بريطانيا مع أن الوقت كان متأخرا في حسابات إنجاز المشروع الصهيوني، وهناك من تورط في بيع الأراضي والسمسرة لصالح الصهاينة مع كونهم من الوجهاء، ولم يكن أصحاب تلك الرؤية وهذه الممارسات يدركون أبعاد ما أدركه غيرهم منذ البداية ومن المؤكد أنهم لم يكونوا يساعدون ويثنون على من سيطردهم من بلادهم بعد قليل، أو من يخطط في أفضل الأحوال لجعلهم أقلية غريبة فيها.

7- ومن ضمن ظروف ذلك الزمن أن يهود فلسطين لم يكونوا كتلة واحدة ظاهرة الخطر، بل ساد الاختلاف والصراع بل الحروب الصغيرة فيما بينهم كما يقول المؤرخ اليهودي إيلان بابه، فقد كان اليهود الموجودون قبل الهجرة يختلفون عن الصهاينة القادمين، إذ لم يكونوا يعتنقون أفكارا ثورية، ويشعرون بالأمان في ظل التنظيمات الخيرية التي طبقتها الدولة العثمانية وساوت بها بين مواطنيها، وقد ازدهرت معيشتهم في ظل السلطان عبد الحميد ثم تحت حكم جمعية الاتحاد والترقي، وكانوا ينظرون إلى الصهيونية بصفتها هرطقة تهدد الأخلاق اليهودية بتبنيها العلمانية التي تسبب الانحطاط الأخلاقي للمهاجرين كما رآهم هؤلاء المواطنون القدامى،[106] ولهذا لا يمكننا عند سرد الأرقام أن نجعل عدد اليهود في خانة الصهيونية ونحن مازلنا في ظل دولة حاكمة غير يهودية.

ومع ذلك فإن المؤرخ مايكل أورين يقول إن السلطات التركية لم تكن تفرق بين الجالية اليهودية القديمة والجالية الجديدة من الصهاينة، وكانت تظن أن كل اليهود يتآمرون للانفصال عن الدولة العثمانية ويخططون لتكوين دولة مستقلة، لذلك عمل الباب العالي على تقليص هجرة اليهود وشرائهم الأراضي في فلسطين مما عدته الولايات المتحدة سياسات عنصرية، وأن هذه السياسات المعادية لليهود استمرت إلى قيام الحرب الكبرى.[107]

8- هذا الحكم غير اليهودي الذي كانت فلسطين في ظله جعل من السيطرة على عدد اليهود تابعة لقرار سياسي في أية لحظة خطر، كما حدث بعد اندلاع الحرب الكبرى وتصنيف الصهاينة في خانة الدول المعادية للعثمانيين مما أدى إلى خروج أعداد كبرى منهم من فلسطين وصلت في بعض المراجع إلى نصف اليهود فيها[108] وتقول بعض المراجع أنه لم يتبق من 85 ألفا عند بداية الحرب إلا 56 ألفا[109] أو 60 ألفا في نهايتها في مراجع أخرى،[110] وهو ما يقل عن يهود مدينة سالونيك وحدها، وعموما لا خلاف بين المؤرخين على حدوث خروج يهودي جماعي بلغ عدد أفراده آلافا عديدة في تلك الفترة، وفي هذه اللحظة كانت الأحداث مفتوحة على احتمالات عديدة ولم يكن تأسيس الوطن القومي مسارا حتميا آنذاك، ومن هنا يمكن القول إن مشاركة غير العثمانيين في صناعة الأحداث بعد انتهاء العهد العثماني هو الذي جعل الموقف العثماني ليس بمستوى الطموح في نظرنا اليوم[111] فلو اقتصر تطور هذه الأحداث على استمرار العهد العثماني لطويت صفحة الهجرة الصهيونية دون نتائج كارثية حتى في ظل تنازلات طلعت باشا سنة 1918 التي يقومها الدكتور المسيري تقويما ليس في صالح الصهيونية لأن العثمانيين “لم يتحمسوا قط للمشروع الصهيوني، بل كانوا يرونه جزءا من المحاولة الغربية لتفتيت حكمهم ودولتهم” وكانت خطوتهم الأخيرة اضطرارية،[112] وقد أفشل العثمانيون محاولات استيطانية أوروبية وأمريكية أثقل وزنا سياسيا من الاستيطان الصهيوني إذ كانت تقف خلفها دول عظمى كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وحتى حليفة العثمانيين ألمانيا، وكما رأينا أن نتائج الهجرة اليهودية في زمن الحرب كانت سلبية والتجمع اليهودي متجها نحو الاضمحلال.

9- وفي تقويم يهودي معاصر للأحداث يرى رائد الصهيونية الروحية آحاد هاعام (1856- 1927) بعد زيارة للاستيطان اليهودي في فلسطين سنة 1890 أن الأتراك عقبة أمام تحقيق المشروع الصهيوني السياسي، وأنه رغم قوة نفوذ البقشيش التي لا يقاومها أعظم رجال الدولة، فإنهم سينفذون واجبهم بأمانة وإخلاص بسبب اهتمامهم بالأراضي المقدسة، وأنه لا يجب الاستهانة بمشاعرهم ولن يستطيع شيء التأثير عليهم، وهم يعارضون الاستيطان اليهودي في فلسطين وتزداد معارضتهم كلما زاد عدد المهاجرين، وأن الإفراط في الاعتماد على القناصل الأجانب سيكون له تأثير عكسي.[113]

10- أخذ البعض على السلطان عبد الحميد دخوله في مفاوضات مع هرتزل ومنحه وساما رفيعا واستنتجوا أنه كان مستعدا للبيع، وهو ما تبين النتائج العملية عدم دقته، ويا ليت جميع مفاوضاتنا تسير في نفس المسار الذي سار فيه السلطان وتخرج بنفس النتيجة الصلبة في مواجهة جشع الأعداء وصلفهم، فليس في فكرة التفاوض ما يشين وبخاصة لو كان صاحب الحق يعرف ما يريد ولا يخضع حقوقه لأهواء أعدائه، أما الوسام فهو مسألة شكلية لعله قصد منها الحصول على مكاسب منه – وهو كان يأمل ذلك كما مر- كما فعل مع غيره من السياسيين الذين كان يرجو استمالتهم ووقف بعضهم ضده في نهاية المطاف بشكل صريح كما فعل شيخ الكويت مبارك الصباح الذي انحاز إلى الجانب البريطاني بعد حصوله على وسام مشابه من السلطان وكذلك القول في الشريف حسين أمير مكة.

11- يقوّم الدكتور عوض إنجازات الحركة الصهيونية حتى سنة 1907 بالقول إنها لم تحقق نجاحا عمليا كبيرا بعد عشر سنوات من تأسيسها، ولم تخط خطوات كبيرة لدفع عملية الاستيطان إلى الأمام، وفي المجال السياسي كانت جهودها أقل نجاحا فقد فشلت الحركة في الحصول على تسهيلات حكومية أو ضمانات دولية، ومع بداية الحرب الكبرى “لم تحقق الصهيونية غير نجاح محدود”، ولهذا تخلى الصهاينة عن مشروع البراءة لفترة وتبنوا الحل التسللي البطيء إلى أرض فلسطين مرة جديدة لعل ذلك يشكل ضغطا على السلطات الحاكمة لو زاد عددهم، ولكنهم عادوا إلى البحث عن التأييد الدولي الذي نتج عنه وعد بلفور والتبني البريطاني لهم في صك الانتداب.

12- جاء رفض السلطان عبد الحميد للعروض اليهودية في زمن تهافتت فيه قوى عظمى على كسب التأييد اليهودي، لا لاستخدام اليهود مجرد أدوات لحراسة المصالح الغربية في الشرق وحسب، ولا لمجرد التخلص من الفائض السكاني اليهودي أيضا، بل للحصول على مكاسب من النفوذ اليهودي المالي والسياسي الذي راجت أسطورته آنذاك ودفعت دولا كبرى لإصدار ما سماه الدكتور المسيري وعودا بلفورية، أي وعودا على غرار وعد بلفور بتأييد الأطماع الصهيونية، وكان ذلك قبل صدور الوعد الأخير، ومن الدول التي أقدمت على هذا ألمانيا التي رأى قيصرها سنة 1898 أن بلاده “ستستفيد غاية الاستفادة لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا”، رغم ما في التعامل مع “قتلة المسيح” من صدمة للشعب الألماني،[114] ثم تنافست كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أثناء الحرب الكبرى لاكتساب ود اليهود بأقصى جهدها لتحقيق الانتصار، وقامت فرنسا بإصدار تصريح كامبو في 4 يونيو 1917بالعطف على الأماني الصهيونية قبل أشهر معدودة من صدور وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 [115] الذي تبعه أيضا تصريح من ألمانيا بتأييد أماني الصهاينة والهجرة غير المقيدة إلى فلسطين وذلك بعدما أعطى طلعت باشا الصدر الأعظم العثماني الضوء الأخضر لألمانيا وأصدر تصريحا يتعهد فيه بتحقيق أماني اليهود في فلسطين ويكفل رضاهم التام ونسق مع النائب اليهودي قراصو لإنشاء شركة تتولى تطبيق الحكم الذاتي حيث يقيم اليهود كما أصدر تصريحا مماثلا لوعد بلفور في يوليو 1918 كما مر، وكان ذلك بسبب تدهور الوضع العسكري على جبهات القتال وفقدان معظم فلسطين واعتقاد الدولة العثمانية التي يحكمها الاتحاديون أن الاستجابة لمطالب الصهاينة قد يحسن موقفهم في مؤتمر الصلح.[116]

13- وممن تبنى مطالب الصهاينة في فلسطين طمعا في استغلال نفوذهم لصالحه، الخديو السابق عباس حلمي الثاني الذي كان البريطانيون قد عزلوه عن العرش سنة 1914 بسبب مواقفه المناوئة للاحتلال في مصر، فكان ممنوعا من دخول بريطانيا، وقامت الحكومة المصرية ببيع أملاكه بأسعار زهيدة، ولكن يبدو أن أمرا بدا له في سنة 1930، فبعد تدخل اليهود لإصلاح علاقته بالإنجليز مقابل تأييد الصهيونية، سافر إلى لندن وتدخلت بريطانيا لدى الحكومة المصرية لتعويضه عن خسائره، فأصبحت تدفع له راتبا سنويا قدره ثلاثون ألف جنيه، واتخذ الخديو السابق موقفا جديدا دعا فيه أهل فلسطين إلى التصالح مع اليهود والنزوح إلى شرق الأردن وترك فلسطين للصهيونية التي لا قبل لهم بمقاومتها، وحاول الخديو في هذا الإطار الضغط على الأمير شكيب أرسلان بما له من حضور فاعل في الساحة العربية الإسلامية ليتخذ موقفا مشابها ويسعى لإقناع زعماء فلسطين بموقف الخديو الذي استغل الضائقة المالية التي كان يمر الأمير بها وهدده بقطع الراتب الذي يقدمه له شهريا وهو ثلاثون جنيها، ولكن أمير البيان استهجن موقف الخديو وعنفه متسائلا كيف يقوم أمير مسلم بالسعي لإخراج المسلمين من فلسطين، “أبهذه المبادئ يرجو أفندينا أن يكون له شأن في بلاد الإسلام؟ “وقطع علاقته به ولم يبال بانقطاع الراتب ولم يستجب للوساطات التي بعثها الخديو في سبيل إعادة العلاقة معه.[117]

14- يمكننا قياس أهمية الإجراءات العثمانية ومعرفة موقعها من مؤشرين دالين: أولهما موقف الفلسطينيين الذي تحسروا على زوال أيام العثمانيين[118] وعقدوا مقارنات عديدة بين أوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ظل الحكم العثماني ثم في ظل الانتداب البريطاني مما ذكرت بعض أمثلته في دراسة سابقة (في ذكرى وعد بلفور: موقع الديمقراطية في السياسات الخارجية الغربية) تحت بند (ج- إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين)، أما المؤشر الثاني فهو موقف الانتداب البريطاني الذي عمد إلى إلغاء الإجراءات العثمانية بخصوص الهجرة اليهودية كقوانين الحد منها وقوانين منع انتقال الملكية، وفرض الجواز الأحمر، بالإضافة إلى إلغاء الإنجازات العثمانية كالمصرف الزراعي العثماني، وهو فرع من الأصل الذي تأسس في استانبول سنة1888 وأصبح له أكثر من أربعمائة فرع في أنحاء الدولة العثمانية،[119] وكان الفرع الفلسطيني يقدم التسهيلات للمزارعين الفلسطينيين ووصفه الدكتور صالحية بأنه بنك الفلاحين العرب الذي يقدم القروض الميسرة، وكان إلغاؤه من أوائل الإجراءات التي اتخذها المندوب السامي البريطاني اليهودي هربرت صامويل وذلك في مارس 1921، لصالح مصرف الرهونات والقروض العامة اليهودي كما قال القائم بأعمال القنصل الأمريكي في رسالة لوزير خارجيته، ويستنتج صالحية من ذلك أن الهدف من الإلغاء كان حرمان الفلاح العربي من خدمات المصرف العثماني وتسهيلاته، والتضييق عليه، وإجبار المضطرين إلى اللجوء إلى المصارف والمرابين اليهود،[120] وفي شهادة معاصرة لنتائج الحدث قال موسى العلمي الذي عمل في الهيئة القضائية الانتدابية إن أثر الإلغاء كان تشجيع اليهود وإلحاق الأذى بالعرب.[121]

فارس الخوري يلخص حكايتنا مع التغريب السياسي الحائر بين الديمقراطية والصهيونية

قال السلطان عبد الحميد في مذكراته التي كتبها في الأسر: “والذين أعلنوا أني أعظم مناصر للحكم الاستبدادي، وأني أكبر مستبد في العالم، لا شك أنهم سيعترفون بالحقيقة بعد موتي، وسيتراجعون عن موقفهم تجاهي”،[122] وفعلا تحققت نبوءته في أكثر من مثل تاريخي يهمنا منها في هذا السياق ما يتصل بالوطن القومي اليهودي وأوضح أمثلته الأستاذ فارس الخوري.

والأستاذ فارس الخوري (1877- 1962) مواطن وأديب وسياسي عربي ولد في لبنان وعاصر العهد العثماني منذ زمن السلطان عبد الحميد، وعهد الانتداب، وعهد الاستقلال والتجزئة، وانتخب نائبا عن دمشق في مجلس المبعوثان العثماني في العهد الدستوري ثم شغل مناصب أدبية وأكاديمية وحقوقية وتولى منصب الوزارة في سوريا في عهد الانتداب الذي اضطهده ثم انتخب رئيسا لمجلس النواب السوري أكثر من مرة ثم تولى رئاسة الوزراء في عهد الرئيس شكري القوتلي كما مثّل سوريا في الأمم المتحدة،[123] وقد احتفى هذا الرجل بزوال عهد السلطان عبد الحميد وتحمس للثورة عليه وقال قصيدة طويلة في هجاء استبداده بعد عزله جاء فيها:

لقد هوى اليوم صرح الظلم وانتقضت **** أركانه وتولت أهله النقم

ملكتنا فشهدنا منك طاغية **** لم يلق ندا له المشهود والقدم

ففي هبوطك عاد الملك مرتفعا **** وفي هلاكك كل الخلق قد سلموا

وبعد تتابع الأحداث وتوالي الكوارث على بلادنا قال يوما لمحمد الفرحاني وفقا لما جاء في كتاب “فارس الخوري وأيام لا تنسى”: “لم أندم في حياتي على شيء ندمي على القصيدة التي نظمتها إثر إعلان الدستور العثماني وهجوت بها السلطان عبد الحميد الثاني، حيث تأكد لي فيما بعد بما لا يقبل الجدل أن هذا الخليفة الإسلامي قد راح ضحية ثأر اليهودية العالمية التي ساءها رفضه لاقتراح تيودور هرتسل واتخاذه مختلف الوسائل لمنع اليهود من الهجرة إلى فلسطين ووضعه قانون الجواز الأحمر الخاص بكل يهودي يدخلها للسياحة والزيارة، ومنعه إياهم من تملك الأراضي، مما أدى لحنقهم عليه وشروع منظماتهم بالعمل مع الدول الاستعمارية على مناوأته شخصيا وعلى كيان الدولة العثمانية”.[124]

الخلاصة والاستنتاج: النموذج الصهيوني خلاصة التغريب السياسي ودفعه معلق بوجود الكيان الجامع

استعمل الغرب الهجرة اليهودية لتحقيق مصالحه في الشرق العربي الإسلامي، وقد سهلت عملية التغريب الرسمية هذه الهجرة بطريقة غير مباشرة في الوقت الذي وقفت الدولة العثمانية ضد هذه الفكرة حتى بسلاطينها المتغربين، وذلك لأن منطق الدولة العظمى الذي فرض نفسه على هذه الدولة وضع حدا لعملية الاستتباع للغرب ولم يقبل لها أن تكون تابعة وفقا لمنطق الحضارة الغربية الحصري المستمد من مبدأ المنفعة الذي لا يقبل بمعاملة الآخر كما تعامل الذات، وقد استعمل السلطان عبد الحميد مركزية الدولة ضد قبول الهجرة الصهيونية، واتخذ إجراءات تطورت مع زيادة الشعور تدريجيا بالخطر، وليس من المنطقي ولا التاريخي مطالبته بالشعور بخطر الكيان الصهيوني الذي قام سنة 1948 ثم تغول تغولا عالميا فيما بعد، من قدوم أول مهاجر لاجئ من روسيا سنة 1882، ورغم أن النتيجة النهائية لم تكن بمستوى طموحاتنا اليوم بعدما ابتلينا بهذا الكيان الغاصب الذي احتل بلادنا وشرد أهلنا وقتل أبناءنا ونهب ثرواتنا، فإن هذه النتيجة لم تكن حتمية في ظل بقاء الدولة العثمانية التي أفشلت مشاريع استيطان أقوى من ذلك ولم يكن للهجرة الصهيونية مستقبل واعد في ظلها وكان نجاح الوطن القومي معلقا بالحل الإمبريالي الذي طبقته بريطانيا، تماما كما أن أعداد المقيمين الآسيويين مهما زادت في بلاد الخليج في أيامنا غير مرشحة للتحول إلى كيانات سياسية هندية أو فليبينية في ظل السيادة العربية إلا لو حدث تحول سياسي من الخارج وقامت الهند مثلا باحتلال عسكري لدعم الوجود الهندي في بلد خليجي، وحينئذ لا يمكننا لوم أول من استقدم عاملا أو تاجرا من الهند إلى الخليج لأن الظرف التاريخي كان مختلفا، وقد رفضت الدولة العثمانية المشروع الصهيوني في وقت أعجِب فيه بعض مشاهير التيار التغريبي ورحبوا بالصهاينة وتسابقت قوى التغريب العربية، الفكرية والرسمية والقومية، بالإضافة إلى قوى التغريب الطورانية، والغرب الاستعماري نفسه على تأييد الحركة الصهيونية لكسب دعمها في الزمن الذي لم يأبه به السلطان عبد الحميد وفرض منطق الخلافة الإسلامية نفسه على قراراته بهذا الشأن رغم أنه حاول الاستفادة من الدعم المالي اليهودي أو نفوذ اليهود الإعلامي ولكن بشروط حاسمة لم يقبلها الصهاينة ولا هو تنازل عنها رغم الثمن الكبير الذي دفعه وظل ثابتا على هذا الموقف حتى آخر حياته، وإن نجاح الغرب في زرع الكيان الصهيوني فيما بعد صوّر خلاصة النوايا الغربية السياسية الإقصائية تجاه المجتمع الإسلامي والمدى الذي يمكنها الوصول إليه في عملية الإضرار بأبناء هذا المجتمع في سبيل تحقيق مصالحها التي لا يمكننا مقاومتها بفعالية إلا تحت راية جامعة تلم شعث كيانات التجزئة، ولهذا لم يكن من العجيب أن تتمحور معارك البناء والوحدة والتحرر في أمتنا حول مواجهة هذا الكيان الغاصب الذي يمثل إرادة الغرب القوي في إبقائنا متخلفين مشرذمين وخاضعين.

*****

ملاحق: أبرز تصريحات السلطان عبد الحميد بشأن فلسطين والصهيونية منذ البداية إلى النهاية

● فرمانات متوالية كتبها بخط يده:

1- 28/6/1891: “إن قبول المطرودين من كل حدب وصوب في البلاد السلطانية غير جائز، لأن ذلك قد يؤدي إلى تشكيل حكومة يهودية في القدس في المستقبل. والبلاد السلطانية ليست أراض غير مأهولة، لذا ينبغي سوقهم إلى أمريكا،… وينبغي إعادتهم فورا إلى سفنهم وإرسالهم إلى أمريكا، وعلى مجلس الوزراء اتخاذ قرار قطعي بهذا الخصوص وعرضه عليّ، وإذا كانت أوروبا المتمدنة تمتنع عن قبولهم وتجلوهم عن بلدانها، فلم نقبلهم نحن؟..”.[125]

2- 5/7/1891: “إن قبول هؤلاء اليهود والسماح باستيطانهم هما في غاية الخطورة. لذا ينبغي عدم قبولهم، لأن ذلك قد يؤدي إلى بروز مسألة تأسيس دولة يهودية في المستقبل، لذا ينبغي عرض الموضوع على مجلس الوزراء اليوم بأسرع ما يمكن..”.[126]

3- 6/7/1891: “إن الدول المتمدنة (أي روسيا) التي طردت هؤلاء اليهود من أراضيها والدول الأخرى التي لم تقبل بهم، لم تلق أي اعتراض ولم تتعرض إلى الانتقاد، فبأي حق تبدي هذه الدول اعتراضاتها وتتخذ من عدم قبولنا اليهود حجة علينا، وإذا كان هناك ثمة حق للاعتراض فليوجه نحو الدول المعنية، وعليه فأينما سكن اليهود أو اتخذت التدابير اللازمة بشأنهم، فإنهم وكما يبدو سيغزون فلسطين عازمين في نهاية المطاف وبتشجيع الأوروبيين ورعايتهم على تشكيل دولة يهودية فيها، وإن هؤلاء اليهود لايمارسون العمل في الزراعة والفلاحة بل ينوون العمل على إلحاق الأضرار بالأهالي كما فعلوا في البلدان التي طُردوا منها، ونظرا إلى أنهم كانوا يزمعون الهجرة إلى أمريكا فمن المناسب أن يواصلوا هجرتهم إليها..”[127]

● تصريح موجه لرئيس الحاخامين الذي التقاه مناشدا منح اليهود أراض وامتيازات في فلسطين:

4- 1893: “إن اليهود يعيشون في ظل النظام والعدالة والرفاهية كباقي المواطنين ولا أوافق على منحهم أي امتياز خاص”.[128]

● من مذكراته السياسية:

5- 1895: “لليهود قوة في أوروبا أكثر من قوتهم في الشرق، لهذا فإن أكثر الدول الأوروبية تحبذ هجرة اليهود إلى فلسطين لتتخلص من العرق السامي الذي زاد كثيرا. ولكن لدينا عدد كاف من اليهود، فإذا كنا نريد أن يبقى العنصر العربي متفوقا، علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين المهاجرين في فلسطين وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضا تملكوا كافة قدراتها في وقت قصير، وبذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت المحتم. لن يستطيع رئيس الصهاينة”هرتزل” أن يقنعني بأفكاره، وقد يكون قوله: ستحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده، صحيحا، إنه يسعى لتأمين أرض لإخوانه اليهود، لكنه ينسى أن الذكاء ليس كافيا لحل جميع المشاكل. لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أمورا أخرى مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين، إنني أدرك أطماعهم جيدا، لكن اليهود سطحيون في ظنهم أنني سأقبل بمحاولاتهم، وكما أنني أقدر في رعايانا من اليهود خدماتهم لدى الباب العالي فإني أعادي أمانيهم وأطماعهم في فلسطين”.[129]

● رد على عروض هرتزل بواسطة الصحفي البولندي نيولنسكي

6- 18/6/1896: “إذا كان هرتزل صديقك بقدر ما أنت صديقي، فانصحه ألا يسير خطوة أخرى في هذه القضية، إنني لا أستطيع أن أبيع شبرا واحدا من هذه الأراضي، لأن هذا الوطن ليس ملكي وإنما هو ملك شعبي الذي أقام هذه الإمبراطورية بإراقة دمائه، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا، لقد حاربت الكتيبتان السورية والفلسطينية في بلافنا (ملحمة وقعت في البلقان أثناء الحرب مع روسيا سنة 1877) واستشهدوا هناك واحدا بعد الآخر لأن أحدا منهم لم يرض بالاستسلام وفضلوا أن يموتوا في ساحة القتال، إن الإمبراطورية العثمانية ملك للعثمانيين، ولا أستطيع أن أمنح أي جزء منها، فليحتفظ اليهود ببلايينهم (أو ملايينهم)، فقد يستطيعون الحصول على فلسطين دون مقابل إذا ما قسمت الإمبراطورية ولكن جثثنا فقط هي التي يمكن تقسيمها، ولن أسمح بتشريح جسدنا ونحن على قيد الحياة”.[130]

وقد علق هرتزل على هذا الرد بقوله إنه تأثر بكلمات السلطان الشامخة رغم أنها وضعت حدا لجميع آماله، وأن هناك جمالا مأساويا في هذه القدرية التي تتنبأ بالموت والتمزق ومع ذلك تقاتل إلى النفس الأخير رغم النتيجة السلبية لهذه المقاومة.[131]

ملاحظة: استخدم هرتزل في نقل الرواية عن السلطان تعبير الإمبراطورية التركية بدلا من العثمانية والشعب التركي بدل العثماني وذلك لأن اللفظين مترادفان في الغرب أما في الشرق فكان استعمال كلمة عثماني يختلف عن استعمال كلمة تركي إلى أن تغير الحال بدخول الأفكار القومية التي قمعها السلطان عبد الحميد[132] وكان هو يعبر عن أهل بلاده بتعبير الأمة العثمانية[133] وليس التركية والأرجح أنه استخدم هذا اللفظ لا ما نقله هرتزل عن نيولنسكي.

● رسالة إلى الشيخ محمود أبي الشامات في السنة التالية لعزل السلطان عن الحكم:

7- 1910: “إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما سوى أنني بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة بإسم جون تورك وتهديدهم اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة الإسلامية. إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف. وأخيرا وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبا فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بالجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فضلا عن مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي. لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين. لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضا. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك فقبلت بهذا التكليف الأخير، هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين، وقد كان بعد ذلك ما كان، ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال…”.[134]

● من مذكراته بعد عزله وهي تختلف عن المذكرات السياسية أثناء حكمه:

8- 1917: “انتظم اليهود وسعوا عن طريق المحافل الماسونية للعمل في سبيل الحصول على “الأرض الموعودة” وجاءوا إليّ بعد فترة وطلبوا مني أرضا لتوطين اليهود في فلسطين مقابل أموال طائلة، وبالطبع رفضت”.[135]

ويلاحظ على مواقف السلطان المتتالية ما يلي:

1- ثبات الموقف من البداية إلى النهاية.

2- اطلاع جيد على جذور المسألة اليهودية التي تلخصت في زيادة أعداد اليهود ومحاولة الغرب التخلص منهم.

3- كشف الازدواجية الغربية التي تنادي بالحرص على اليهود في الوقت الذي تمنع فيه دخولهم بلادها.

4- الحرص على غلبة “العنصر العربي” في أرضه بشكل تجاوز العصبيات والانقسامات التي أصابت حكامنا بعد ذلك، وتقدير تضحيات هذا العنصر في معارك الدولة وعدم التفريط فيها مقابل الأموال الطائلة، “وبالرغم من استبدادية السلطان عبد الحميد فإنه لا يمكن اتهامه بالتعصب القومي التركي” كما ينقل الدكتور وميض نظمي عن الوثائق البريطانية.[136]

5- عدم وجود كراهية دينية تجاه اليهود، وهو ما أكده المؤرخ شو والموسوعة اليهودية أيضا [137]، وتقدير خدماتهم مع الفصل بين هذا الأمر وإنشاء حكومة خاصة بهم.

*************

الهوامش

[1] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، 1999، المجلد السادس ج 2 ص166.

[2] أ. د. محمد عيسى صالحية، مدينة القدس: السكان والأرض (العرب واليهود) 1858- 1948، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2009، ص63.

[3] د. جوزف حجار، أوروبا ومصير الشرق العربي: حرب الاستعمار على محمد علي والنهضة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1976، ترجمة: بطرس الحلاق وماجد نعمة، ص233.

[4] نائلة الوعري، دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840- 1914، دار الشروق، عمّان، 2007، ص184.

[5] نفس المرجع، ص104. وأيضا:

– عادل مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700- 1918 (قراءة جديدة)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1999، ص186.

[6] لورانس أوليفانت، أرض جلعاد: رحلات في لبنان وسورية والأردن وفلسطين 1880، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمّان، 2004، ترجمة: د. أحمد عويدي العبادي، ص430 و462 و484.

[7] د. محمد الناصر النفزاوي، التيارات الفكرية السياسية في السلطنة العثمانية 1839- 1918، دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع، صفاقس، وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2001، ص413 و469.

[8] نفس المرجع، ص412- 413.

[9] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث، 1831- 1914، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1983، ص153.

[10] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث في تاريخ العرب الحديث 1514- 1914، مكتبة المحتسب، عمّان، 1983، ص54.

[11] نفس المرجع، ص54- 58.

[12] أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ج2 المذكرات/2- على طريق الهزيمة مع الملوك والرؤساء، ص1395.

[13] حلمي النمنم، التاريخ المجهول: المفكرون العرب والصهيونية وفلسطين، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007، ص146- 170.

[14] د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي، دار النفائس، دمشق، 2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل، ص153- 154.

[15] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص69.

[16] عيسى القدومي، الأرشيف العثماني وكنوز تاريخ القدس، مجلة بيت المقدس للدراسات، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، نيقوسيا- قبرص، العدد الخامس، شتاء 2008، ص41- 42

[17] دكتور حسان حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897- 1909، دار النهضة العربية، بيروت، 1999، ص80.

[18] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث…، ص22.

[19] دكتور حسان حلاق، ص90.

[20] دكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف، القاهرة، 1973، ج1ص12 (من مقدمة الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي).

[21] نائلة الوعري، ص194.

[22] Stanford J. Shaw، The Jews of the Ottoman Empire and the Turkish Republic، New York University Press، New York، 1991، pp. 214- 215.

[23] نائلة الوعري، ص125.

[24] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص43.

[25] نائلة الوعري، ص107- 108 و139 و146- 147 و158- 159. وأيضا:

– د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص43.

[26] نائلة الوعري، ص136- 148.

[27] دكتور حسان حلاق، ص87.

[28] نائلة الوعري، ص149- 154.

[29] د. أمين عبد الله محمود، مشاريع الاستيطان اليهودي في مرحلة التكوين، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2011، ص132- 134.

[30] دكتور حسان حلاق، ص90.

[31] مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال: أمريكا في الشرق الأوسط منذ عام 1776 حتى اليوم، كلمة، أبوظبي، وكلمات عربية، القاهرة، 2008، ص277.

[32] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث…، ص31.

[33] أ. د. محمد عيسى صالحية، ص43- 44. وأيضا:

– دكتور حسان حلاق، ص104- 105.

[34] وليد الخالدي، فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، والنادي الثقافي العربي، 2009، ص290.

[35] أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ج2ص991- 998.

[36] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة….، ص50.

[37] دكتور حسان حلاق، ص96.

[38] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة….، ص51.

[39] رفيق شاكر النتشة، السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين: السلطان الذي خسر عرشه من أجل فلسطين، دار الكرمل، عمّان، 1984، ص152.

[40] نائلة الوعري، ص199.

[41] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص 88- 89.

[42] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث…، ص24.

[43] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص53.

[44] دكتور حسان حلاق، ص151- 152.

[45] أ. د. محمد عيسى صالحية، ص76.

[46] أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، ج2ص991- 993.

[47] نفس المرجع، ج2ص993. وأيضا:

– نائلة الوعري، ص205.

[48] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص89. وأيضا:

– الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث…، ص33.

[49] د. محمد عيسى صالحية، سياسات وإجراءات علي أكرم بك (متصرف القدس) حيال الهجرة والاستيطان اليهودي في مدينة القدس، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 4 المجلد 38، إبريل- يونيو 2010، ص131- 164.

[50] نائلة الوعري، ص206.

[51] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص89.

[52] الدكتور عبد الوهاب المسيري، مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي، دار الفكر، دمشق، 2002، ص82.

[53] نفس المرجع، ص75- 77.

[54] Stanford J. Shaw، p. 208.

وأيضا:

– دكتور حسان حلاق، ص285.

[55] وليد الخالدي، ص317.

[56] د. عبد الوهاب المسيري، الصهيونية وخيوط العنكبوت، دار الفكر، دمشق، 2006، ص102.

[57] Stanford J. Shaw، pp. 212- 213.

[58] نائلة الوعري، 172- 173.

[59] دكتور حسن صبري الخولي، ج1ص79.

[60] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص55.

[61] Marvin Lowenthal (ed)، The Diaries of Theodor Herzl، The Universal Library، New York، 1962، p. 334.

[62] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص61.

[63] Sevket Pamuk، The Ottoman Empire and European capitalism، 1820- 1913، Cambridge University Press، 1987، p. 213.

[64] دكتور حسان حلاق، ص184.

[65] دكتور حسان حلاق، ص199.

[66] د. خيرية قاسمية، قضية الحدود بين فلسطين ومصر وأثرها في جذور الصراع العربي- الصهيوني، مجلة تاريخ العرب والعالم، دار السياسة للصحافة والنشر، بيروت، العدد الخامس، مارس 1979، ص20.

[67] دكتور حسان حلاق، ص188- 189.

(*) ومع كل هذا نسمع من يقول إن السلطان عبد الحميد عرض سيناء على الصهاينة ليقيموا فيها الوطن القومي بدلا من فلسطين، مع أنه لم يعارض المشروع الصهيوني فيها وحسب بل حاول إنقاذها من الاحتلال البريطاني أيضا عندما حاول مرتين (1892و1906) استبعادها من سلطة الخديو – بسبب وقوعها تحت الاحتلال لا رغبة في انتقاص أرض مصر التي كانت بريطانيا هي مصدر أذاها- وحاول ضم أي جزء ممكن من شبه الجزيرة لأملاك الدولة مما أثار حفيظة الليبرالية المصرية التي تفضل أن يكون الوطن محتلا بكامله على أن يحرر الإخوة ولو جزءا منه، وهذا هو دائما منطق الوطنية الوظيفية لا الوطنية النظيفة التي مثلها تيار الزعيم مصطفى كامل باشا والتي فهمت الأبعاد الحقيقة للمشكلة وفضلت أن يحرر العثمانيون سيناء من براثن الاحتلال على أن تظل تحت سلطة كرومر الذي يدافع عن اتساع مساحة الاحتلال وليس عن سلامة الأراضي المصرية التي انتهكها احتلاله من حيث المبدأ، فتصوير المشكلة بأنها بين مصالح عثمانية ومصرية واستبعاد البعد الاحتلالي البريطاني منها قصور واضح في فهم الواقع يؤدي إلى الاصطفاف البائس مع المحتل وتصويره بصورة المدافع عمن يحتل هو أرضهم ويسبب المشكلة الرئيسة لهم.

[68] أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، ج2ص966- 972.

[69] Moshe Ma’oz (ed)، Studies on Palestine During the Ottoman Period، The Hebrew University، Jerusalem، 1975، pp. 190- 197.

[70] أمين أبو بكر، ملكية السلطان عبد الحميد الثاني في فلسطين (1876- 1937)، مجلة جامعة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية، نابلس، المجلد17 (1)، 2003، ص232- 233.

[71] جوني منصور، الخط الحديدي الحجازي: تاريخ وتطور قطار درعا- حيفا، مؤسسة الدراسات المقدسية، القدس، 2008، ص174- 175.

[72] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص135.

[73] باميلا آن سميث، فلسطين والفلسطينيون 1876- 1983، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، 1991، ترجمة: إلهام بشارة الخوري، ص25.

[74] د. حسان حلاق، دور اليهود والقوى الدولة في خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش 1908- 1909، دار بيروت المحروسة للطباعة والنشر، بيروت، 1993.

[75] حنا بطاطو، العراق (الكتاب الأول): الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1990، ترجمة: عفيف الرزاز، ص323- 326.

[76] دكتور حسان حلاق، 1999، ص319.

[77] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص57.

[78] نائلة الوعري، ص252.

[79] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص59. وأيضا:

– الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث…، ص47.

[80] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص153.

[81] الدكتور عبد العزيز محمد عوض، بحوث…، ص44.

[82] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، دار العلم للملايين، بيروت، 1978، ترجمة: الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور إحسان عباس، ص365.

[83] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص61.

[84] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السادس، ج1ص43. وأيضا:

– أ. د. محمد عيسى صالحية، مدينة القدس، ص72. وأيضا:

– رفيق شاكر النتشة، ص112.

[85] دكتور حسان حلاق، 1999، ص115.

[86] مذكرات محمد عزة دروزة1887- 1984، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1993، ج1ص244.

[87] قيس جواد العزاوي، الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، الدار العربية للعلوم، بيروت، 1994، ص74.

[88] عوني فرسخ، التحدي والاستجابة في الصراع العربي- الصهيوني: جذور الصراع وقوانينه الضابطة (1799- 1949)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008، ص223- 224.

[89] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السادس، ج1ص43.

[90] عادل مناع، ص235- 236.

[91] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص56- 57.

[92] جورج أنطونيوس، ص365.

[93] وليد الخالدي، ص256 و288و296.

[94] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السابع، ج2ص90- 91.

[95] دكتور حسان حلاق، ص103.

[96] د. عبد العزيز محمد عوض، مقدمة…، ص47. وأيضا:

– دكتور حسان حلاق، 1999، ص78.

[97] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد الرابع، ج3ص320.

[98] Stanford J. Shaw، p. 214.

[99] دكتور حسان حلاق، 1999، ص234 و293و256

[100] نفس المرجع، ص237- 239.

[101] مصطفى كامل باشا، المسئلة الشرقية، مطبعة اللواء، القاهرة، 1909، ص8.

[102] شاكر النابلسي، عصر التكايا والرعايا: وصف المشهد الثقافي لبلاد الشام في العهد العثماني (1516- 1918)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999، ص178.

[103] أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، ج3ص1478.

[104] Ilan Pappe، A History of Modern Palestine، Cambridge University Press، 2006، p. 56.

[105] دكتور حسان حلاق، 1999، ص325.

[106] Ilan Pappe، p. 53.

[107] مايكل أورين، ص347.

[108] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السابع، ج2ص90- 91.

[109] الدكتور ماهر الشريف، تاريخ فلسطين الاقتصادي- الاجتماعي، دار ابن خلدون، بيروت، 1985، ص93.

[110] Ilan Pappe، p. 69.

[111] أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، ج2ص999.

[112] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السادس، ج1ص44.

[113] د. أمين عبد الله محمود، ص112.

[114] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السادس، ج1ص39- 41.

[115] دافيد فرومكين، سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط 1914- 1922، رياض الريس للكتب والنشر، لندن- قبرص، 1992، ترجمة: أسعد كامل الياس، ص328. وأيضا:

– Tom Segev، One Palestine Complete: Jews and Arabs under the British Mandate، Henry Holt and Company، New York، 2000، p. 41- 43.

[116] عبد الوهاب المسيري، الموسوعة، المجلد السادس، ج1ص44.

[117] ظاهر محمد صكر الحسناوي، شكيب أرسلان: الدور السياسي الخفي، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2002، ص121و132- 133 هامش رقم 126.

[118] سحر الهنيدي، التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي: فترة هربرت صامويل (1920- 1925)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2003، ص160.

[119] Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw، History of the Ottoman Empire and Modern Turkey، Cambridge University Press، 2002، Vol. 2، p. 231.

[120] أ. د. محمد عيسى صالحية، مدينة القدس…، ص68و98 هامش رقم26.

[121] سحر الهنيدي، ص274.

[122] محمد حرب، ص86.

[123] عبد الوهاب الكيالي (محرر)، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1990، ج4ص445- 446.

[124] كوليت الخوري (تحقيق)، أوراق فارس الخوري، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، 1989، ج1ص404.

[125] فاضل بيات، دراسات في تاريخ العرب في العهد العثماني، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2003، ص452.

[126] نفس المرجع، ص453.

[127] نفس المرجع، ص453.

[128] نفس المرجع، ص457.

[129] السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص34- 35.

[130] العلاقات العربية التركية: حوار مستقبلي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995، ص548- 549 (دراسة الدكتور إبراهيم الداقوقي، نحو خطة جديدة للتحرك على المستوى الإعلامي والتربوي لتغيير صورة العرب في الكتب المدرسية ووسائل الإعلام التركية). وأيضأ:

– Marvin Lowenthal، p. 152.

[131] نفس المرجع، ص152.

[132] Shaw & Shaw، Vol. 2، p. 262.

[133] السلطان عبد الحميد الثاني، ص113.

[134] سعيد الأفغاني، سبب خلع السلطان عبد الحميد: وثيقة بتوقيعه، فريدة مجهولة تصرح بالسبب، مجلة العربي، وزارة الإعلام بحكومة الكويت، العدد 169، ديسمبر1972، ص155- 156.

[135] محمد حرب، ص141.

[136] الدكتور وميض جمال عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986، ص86.

[137] دكتور حسان حلاق، 1999، ص304. وأيضا:

– Stanford J. Shaw، p. 212.


أدوات الاستئصال المعرفي: كيف يؤدي الاستشراق وظيفته التحريفية؟ شعبان الصوان

9 يونيو 2015

“استئصال” عام لجميع السكان الأصليين وليس مجرد علم محايد عن الإنسان (أنثروبولوجيا) أو استشراق خاص بالشرق وحده

تحدث كثير من منتقدي الاستشراق عن دوره في تشويه صورة الشرق،

موضع دراسته أو ضحيته، للتمهيد للسيطرة عليه وتبرير التحكم فيه، وقد وجدت في دراسات سابقة عن التاريخ الأمريكي أن ما انطبق على الشرق عموماً، انطبق أيضاً على غير الشرقيين من السكان الأصليين الذين احتك الغربيون بهم ودخلوا في صدام معهم خارج المنظومة الجغرافية التي تقع إلى الشرق من أوروبا، مثل السكان الأصليين في الأمريكتين، وهو أمر يعم إفريقيا جنوب الصحراء وأستراليا أيضاً، فعن كل تلك القارات نشأت علوم اجتماعية منها ما سمي تأدباً وتمويهاً بالأنثروبولوجيا أو علم الإنسان، ولكنها مارست على السكان الأصليين في تلك القارات ما مارسه الاستشراق علينا من تشويه وتبرير العدوان، ويقول جيرار لكلرك إن الأنثروبولوجيا نادراً ما أعادت النظر بمعطيات الاستعمار ودوافعه “بل لقد قدمت على الدوام للاستعمار حجة من الطراز الأول، فإذا امتاز الاستعمار بالعنف، والنهب، فهو عنف “معقلن” أي أنه شرعي وضروري، وإذا كان العالم قد عرف الاستعمار منذ القدم (الفينيقيون، اليونان، إلخ) فإن ميزة الاستعمار الحديث ليس التعالي، بل إنه حدث يسوغه تفوق المجتمع العلمي خاصة في مجال العلوم الاجتماعية”،[1] وعن معاناة السكان الأصليين في الولايات المتحدة من هذا الاستعمار الثقافي يقول أحد وجوههم البارزة وهو الأكاديمي فاين ديلوريا الصغير إنه منذ حصر الهنود في المحميات كان علماء الأنثروبولوجيا وراء كل السياسات التي ابتليت بها القبائل، وضرب مثلاً للمفارقة التي يجسدها هذا العلم الذي يستهدف حل مشاكل الصراع البشري في الظاهر في الوقت الذي يؤلف هو مشكلة جديدة في حد ذاته، فقال إن أحد العلماء قام بدراسة إحدى القبائل التي يبلغ عدد أفرادها ألف شخص، فاستغرقت دراسته عشرين عاماً وأنفق عليها عشرة ملايين دولار لو أنها أنفقت في تحسين أوضاع القبيلة بالبناء والعمل لما ظلت هنالك مشكلة للدراسة أصلاً(!).[2]

وقد عمت الممارسة الاستشراقية جميع السكان الأصليين خارج أوروبا الغربية واستهدفت العدوان عليهم حتى قبل أن تنشأ الأنثروبولوجيا رسمياً في القرن التاسع عشر، فعمليات التنميط والتشويه والتحريف ترجع زمنياً إلى الوراء أبعد من ذلك أي منذ بدايات الاحتكاك، الأمر الذي يعطيها بجدارة اسماً ذا معنى مزدوج هو “الاستئصال”، أي دراسة المواطن الأصلي على غرار ما يفعله الاستشراق بالشرق من جهة، وذلك لنفس الغرض الذي يستهدفه الاستشراق من جهة أخرى وهو التحكم بهذا المواطن لسلبه أو اقتلاعه أو إبادته، وهو ما تؤديه كلمة الاستئصال: 1- المشتقة من كلمة أصل المتعلقة بالسكان الأصليين، 2- والمستمد معناها من العدوان.

وقد وضح الأثري الأمريكي ألكسندر برادفورد سنة 1841 الربط بين مختلف السكان الأصليين في المخيلة الغربية في عصر الهجمة الغربية على العالم عندما قال إن تحطيم الهنود في أمريكا ليس إلا تحطيماً لحضارة شرقية على يد الحضارة المسيحية الأنجلو- أوروبية،[3] وطالب السياسي البريطاني لورانس أوليفانت صاحب واحد من أوائل المشاريع الصهيونية في فلسطين والأردن (1880) بوضع العرب هناك في محميات على غرار النظام “الذي تبنيناه بنجاح في كندا مع القبائل الهندية في شمال أمريكا الذين احتفظوا بمحمياتهم، ويعيشون بسلام فوق أديمها في وسط السكان (البيض) الزراعيين المستقرين”،[4] وهو الحل الذي مازال الكيان الصهيوني يعمل على تطبيقه في فلسطين بواسطة زرع الاستيطان في الضفة الغربية.

وعمم الباحثان ضياء الدين سردار وميريل وين ديفيز ذلك بتتبع هذه الظاهرة والقول إن الأفكار التي ظهرت في أوروبا أثناء حربها المقدسة ضد الإسلام ومواقف الحط من قيمة المسلمين الناجمة عنها انتقلت فيما بعد لتصنع الأفكار التكوينية للولايات المتحدة والتي أسست طريقة التعامل مع سكانها الهنود الأصليين، وبعد الانتهاء من مواجهتهم انتقلت هذه الأفكار مرة أخرى إلى ساحة جديدة حيث أصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى بقية سكان العالم كما نظرت في السابق إلى الهنود الحمر،[5] وهو ما يؤكده المؤرخ الأمريكي ألفن جوسيفي الصغير بالقول إن استمرار الاعتقاد الأمريكي بجاذبية الثقافة الأمريكية يؤكد أن دروس المواجهات مع الهنود لم يتم استيعابها وهو ما أدى إلى دروس أكثر إيلاماً في فيتنام والعالم الإسلامي وأماكن أخرى.[6]

المصالح وأدواتها المعرفية

وأشار منتقدو الاستشراق كذلك إلى أن هذا التشويه الذي قام به نبع من كونه تلبية لحاجات غربية داخلية ولم يكن مجرد حقل اهتمام علمي محايد، فمن الحاجة إلى مرآة لتحديد الهوية الغربية الذاتية وتحديد ما يريده الغرب وما لايريده مروراً بتبرير العدوان على الشرق والتحكم فيه وصولاً إلى تلبية ميول وغرائز مكبوتة في أوروبا،[7] ولأجل كل ذلك استخدم الاستشراق خاصة و”الاستئصال” عامة عدة أدوات للانقضاض على الضحية وتشكيلها بما يناسب هذه الأهداف:

1- التمركز حول الذات الأوروبية المولِّد تعالياً على الآخرين: ظهر الاستشراق مع ظهور الإسلام بصفته إجابة عن التحدي الذي فرضه الدين الجديد على العالم المسيحي، ومن الطبيعي أن ينظر هذا العالم إلى الوافد الجديد المختلف عنه، رغم ما قدمه الإسلام من اعترافات بأهمية المسيحية، نظرة سلبية ومتعالية نابعة من الاختلاف الديني والحضاري أيضاً،[8] ولكن هذا لم يمنع الصلات الحضارية واقتباس ما أنجزته الحضارة الإسلامية عند نقاط الاحتكاك المباشر، وعندما تحول ميزان القوة العلمية لصالح الغرب الأوروبي صار عنده سبب مادي لازدراء عالم الإسلام وغيره أيضاً، ففي القرن التاسع عشر “كان الفرنسيون والإنكليز ينظرون إلى العثمانيين باستصغار على أنهم عرق متخلف يعمه في عاداته وتقاليده المتحجرة” وكان شعورهم مماثلاً تجاه الهنود والصينيين[9] وذلك لأن القوة والهيمنة والتوسع توجد عند الجماعة القائمة بها إحساساً بالتفوق والتميز والاستعلاء وتصبح واضعة حدوداً فاصلة تحول بين اندماجها بالجماعات الأخرى المغلوبة التي تصبح مطيعة ممتثلة ولكن القوي يرفض ذلك ويؤصل انفصاله بالعودة إلى أساطير التقسيم العرقي القديمة مع إضفاء مسحة علمية عليها،[10] وبهذا يصبح النظر إلى المسلمين نظرة دونية تملي على الضعفاء تقديس صاحب التفوق التقني[11] الذي أصبح هو وعالمه معياراً لكل شيء كما يقول الدكتور نصر محمد عارف: فالأعراق الإنسانية مختزلة في ضدين، نحن وهم، والتاريخ البشري مقسم إلى قديم ووسيط وحديث وفقاً للتطور الأوروبي الذي لا يراعي تواريخ الآخرين، وعلم السياسة لا يعترف إلا بالدولة ومؤسساتها ووظائفها وفقاً للتجربة الأوروبية، وتطور المجتمعات محصور في التقسيمات الأوروبية الخطية المتصاعدة على اختلاف العلماء في ذلك والذين اتحدوا في إسقاط التجربة الاجتماعية الغربية على العالم كله، والمثل الأوروبية وأشهرها الوفرة والاستهلاك جعلت غايات للعالم أجمع، وأصبح قياس النماذج البشرية يتم وفقاً لقربها وابتعادها عن النموذج الأوروبي: فالمسيحية هي أوج الديانات والعلمانية هي أوج المجتمعات وما لا يطابق المجتمع الأوروبي المعاصر يعد تخلفاً ورجعيةً وبدائية، وقد استلزم هذا نفي للثقافات والمؤسسات والاقتصاد التقليدي وإحلال نظائرها الحديثة محلها، وذلك رغم الحديث المتكرر والممجوج عن التعددية “لأنهم يقصدون بالتعددية معنى يقصرها على المجتمع الداخلي في إطار ثقافة وحضارة واحدة، وليس بمعنى التعدد على مستوى الحضارات البشرية، حيث لا ينظر إلى التنوع الثقافي والحضاري إلا من خلال منظور فولكلوري لإشباع الرغبة في العلو والتميز، وليس الاعتراف بشرعية وجود “الآخرين”، وحقهم في صياغة نماذج بشرية نابعة من ذواتهم”.[12]

2- علمنة نسق الماضي الديني: ظلت الذات الأوروبية متمركزة حول نفسها رغم انتقالها من عصر الإيمان إلى عصر العقل ولم يغير ذلك هويتها أو مصالحها أو مواقفها من الآخرين، بل إن اكتساب القوة التقنية وانبثاق أنظمة رأسمالية باحثة عن الأرباح أعطى دفعة دنيوية قوية للعدوان الذي أصبح يستند إلى حجج عقلية وعلمية دون غياب الظهير الديني، وما حدث هو علمنة[13] للمفاهيم المعبرة عن الذات والمصالح الغربية: فالرسالة الحضارية وعبء الرجل الأبيض والقدر الجلي ثم نشر الديمقراطية وحرية التجارة بدلاً من نشر الإيمان والدفاع عن القبر المقدس، وتحولت العنصرية إلى الانتخاب الطبيعي بدلاً من الاختيار الإلهي، واستند الخلاص إلى العمل البشري بدلاً من النعمة الإلهية (استفادت الصهيونية من ذلك)، وتحول مفهوم العالم المسيحي إلى الحضارة الغربية، وأصبح الاستيطان والاحتلال والإبادة قدراً جلياً ونشراً للحضارة ودفاعاً عنها ضد الهمجية والإرهاب بدلاً من الاستناد إلى الوعد الإلهي بأرض الميعاد.

وقد وضحت مارغريت ميسيرفي مثلاً عن التحول الذي حدث في الغرب في اللغة والفكر الدارجين في دراستها عن المؤرخين الإنسانيين الأوروبيين في عصر النهضة ونظرتهم للدول الإسلامية، فقالت إن القلق الغربي من العثمانيين استمر في القرن السادس عشر كما كان في الماضي، وكان من ضمن التغيرات التي طرأت على المفاهيم، التغير الذي حدث في هذا العصر في طرق التعبير عن هذه الهواجس إذ أصبح تناول الخطر التركي من جهة المؤسسات والثقافة العثمانية أكثر من تناوله من جهة أصول العثمانيين التي تنبئ عن “بربريتهم” وتربطهم بنسب كريه، كما جاء في حديثها عن بعض هؤلاء المؤرخين الذين أكدت على ارتباطهم وديْنهم لتراث العصور الوسطى المسيحية،[14] أي أن ما يسميه الدكتور المسيري رحمه الله الخريطة الإدراكية لم تتغير، ولعل ما حدث هو تغير الألوان التي ترسم بها.

ويلاحظ أن الدين ظل حاضراً في الميدان منذ ذلك الزمن إلى يومنا هذا، يدل على ذلك استمرار استخدام المبررات الدينية (في الحالتين اليهودية والمسيحية الصهيونيتين)، بالإضافة إلى التحالف الذي قام بين التبشير والاستعمار خارج القارة الأوروبية رغم التناقض بينهما في الداخل[15] وهو ما أعطى انطباعاً بوجود بعد ديني في صراع الغرب مع ضحاياه، ولهذا كله لم يتغير موقف الغرب من العالم الإسلامي بل استمر العدوان باستمرار المصالح وجاذبيتها، وظهرت صور استشراقية عديدة مستمدة من الروح الفرنجية الصليبية والمجازات المتعلقة بها لا سيما أثناء المواجهات المسلحة بين الغرب والإسلام (حرب بوش الصليبية مثلاً).

3- الانتقائية بين التجاهل والتضخيم: إذا كان الجهل هو وسيلة الاستشراق المبكر الذي صور الإسلام دينا وثنياً يعبد أتباعه صنماً للنبي عليه الصلاة والسلام، فإن الانتقائية طبعت الاستشراق الحديث بصورة أوضح، وهذه الانتقائية تتلازم مع التجاهل والتضخيم، لأن الذي يهمل النظر إلى مجمل الثوب ويركز نظره على بقعة ربما كانت غير مرئية ابتداء، فإنه يعمل بلا شك على تضخيم أهميتها وتجاهل بقية الثوب، وفي ذلك يقول المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون إنه حتى حينما كان الغربيون يزورون الشرق فإنهم كانوا يبحثون عن صورة رسموها مسبقاً في أذهانهم، ومن ثم “ينتقون ما يرونه بعناية ويتجاهلون كل ما لا ينسجم مع الصورة التي كونوها سابقاً”.[16]

أسطورة تفرد الغرب واستثنائيته: منذ القرن التاسع عشر يصور الغرب الأوروبي والأمريكي نفسه نسيجاً فريداً في التاريخ بنى نفسه معتمداً على ذاته فقط في خط مستقيم ومتصل منذ عهد الإغريق مروراً بالرومان والمسيحية وصولاً إلى الزمن المعاصر وليس مديناً لأي طرف خارجي فتمكن من التأثير في العالم تأثيراً إيجابياً منحه كل المبادئ المعنوية (الديمقراطية والحرية ودولة القانون وحقوق الإنسان والمساواة والفردية والعقلانية وسيادة السوق وحرية التجارة والأمم المتحدة) والإنجازات المادية (العلوم والانتصار على الأمراض والجوع والفقر وغزو الفضاء) وهي كلها استثنائية توجت بالحداثة

هذه الصورة الوردية جعلت كثيراً من الباحثين يتشككون في صدقها فلاحظوا أنها تقول الشيء ونقيضه (كالتأكيد تارة على عبقرية المسيحية وتارة أخرى على عبقرية الخروج من عالم الدين) وتهمل السلبيات الكثيرة التي حفل بها التاريخ الغربي ككوارث الإبادة في قارات عديدة والحروب الصغرى والكبرى المتتالية والرق والاستعمار والاضطهاد والاستغلال،[17] كما أنها تتجاهل الدين الكبير الذي يدين به الغرب لحضارات أخرى استعار منها الكثير، وإن تلك الأسطورة تضخم الجانب الذاتي وتتجاهل إنجازات الآخرين، ويلاحظ مارتن برنال أن إطراء العصر الإغريقي بصفته سلفاً وحيداً للغرب الحالي لم يكن نتيجة تقدم في البحث وكشف معلومات جديدة عن ذلك العصر يفسر هذا التغير في الرأي وإسقاط النموذج القديم الذي يؤكد المؤثرات الشرقية (المصرية والكنعانية والفينيقية) في اليونان، بل إن هذا الإطراء بني على تجاهل ما كتبه اليونانيون أنفسهم عن تاريخهم ليتناسب ذلك التاريخ مع النظرة العنصرية التي سادت في القرن التاسع عشر.[18]

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي ضخم الأمريكي ذاته مركزاً الضوء على إنجازاته السياسية في تاريخه ومتجاهلاً استعارته المؤكدة والموثقة من النظام السياسي لبعض قبائل السكان الأصليين التي ألهمت نموذجه الفيدرالي الذي يؤدي الاعتراف بديْنه حتى اليوم، رغم أن الكونجرس أقر بهذا الديْن الهندي سنة 1988،[19] إلى “حالة من التعصب والغضب داخل أمريكا” وصلت إلى حد وصف هذه الفكرة بأنها “حماقة بالغة” و”إلغاء الحقائق” وقتلاً لأكثر قواعد ومبادئ الحضارة الغربية مدعاة للاحترام والإجلال، وغير ذلك من ألفاظ الانتقاص والتشنج، وتعرّض مناصرو الفكرة “لإدانات حماسية في وسائل الإعلام الشعبية” مما يدعو للتساؤل بعد هذا كيف يمكن لبقية العالم أن يأمل بالدخول في حوار هادئ مع أمريكا؟،[20] ولعل الأهم من مجرد الاعتراف اللفظي والأصعب منه هو كيف ستعترف أمريكا بحقوق الشعوب الأخرى وهي ما زالت رافضة إدخال سكانها الأصليين في دائرة رعايتها وهم الذين زال خطرهم منذ أمد بعيد؟ وإذا كانت تتساءل ببلاهة عن سبب انتشار كراهيتها بين المسلمين فلماذا لا تسأل نفسها سؤالاً أعوص وهو لماذا ما زالت ترفض القيام بتنازل بسيط حين تمنع تطبيق جوهر المفاهيم الديمقراطية على القبائل الهندية رغم الإعلان الواضح في المعاهدات والسياسات الاتحادية عن حق الهنود في تقرير المصير وحكم أنفسهم والسوابق القضائية في ذلك.[21]

4- الجهل المستعين بالخيال: لم تخل صورة الشرق في الذهن الغربي من الجهل الذي كان أحد المركبات الرئيسة في تكوينها، ويذكر الباحث ضياء الدين ساردار أن هذه الصورة اعتمدت على مرجعيات لم تقم بزيارة الشرق أو التعرف إليه عن كثب، بل اتصلت به بواسطة الكتب، وأصبح من غير الضروري لمن يوصف بالرحالة أن يغادر عتبة بيته،[22] ولأن فضول الإنسان يدفعه إلى ملء الفراغ بخياله، فإن خيال الأوروبيين الواسع أكمل الفراغ بصور لها بداية وليس لها نهاية، وفي ذلك يقول المؤرخ الأمريكي زاكري كارابل إن اطلاع أوروبا على الشئون العثمانية الداخلية كان محدوداً حتى بعدما تدخل الغربيون فيها في القرن التاسع عشر، ولأن الخيال هو نتاج الجهل، فقد استحضر الغربيون صورة للعثمانيين استمدت من أنصاف الحقائق والأساطير، وأصبح هذا الخيال المحرف حقيقة واقعة استمرت أكثر من حياة الدولة العثمانية نفسها.[23]

مثال حريم السلطان: رغم كثرة الآداب والفنون الاستشراقية المتعلقة بحريم السلاطين العثمانيين وعموم الشرقيات، فإن المراجع الحديثة تؤكد أن هذه المنتجات كانت وليدة الخيال[24] لأنه لم يكن من المسموح للرجال الغرباء، فضلاً عن الأجانب، بدخول عالم النساء المسلمات عموماً ونساء السلاطين خاصة، وكان الهدف من تصويره والكتابة عنه بذلك الشكل المثير إشباع رغبات داخلية لرجال الطبقة البورجوازية في أوروبا والتعبير عن بعض مصادر القلق الاجتماعي فيها، وقد وثق الباحث ساردار بعض الدوافع الشخصية الخاصة لبعض المستشرقين وراء هذا الإنتاج،[25] ولقد كانت روايات القلة من النساء الأوروبيات اللواتي دخلن هذا العالم الخاص بالنساء المسلمات أكثر واقعية واعتدالاً وتميزاً عن روايات الرجال الخيالية وكشف بعضهن أنه “كان هنالك جنس أقل بكثير مما يُظن، وكان هناك شرب شاي وأعمال خياطة أكثر من ذلك بكثير”،[26] ولكن “من فكروا بالشرق بصورة إيجابية كانوا دائماً مهمشين”.[27]

ولم يكن الجهل دائماً على هذه الصورة المثيرة، فربما اتخذ شكلاً “علمياً” كالمثل الذي رواه لوكمان وهو مثل متكرر في الدراسات الاستشراقية حيث كانت الإحالة والعنعنة منتشرتين، فباحث غربي يحيل إلى باحث غربي آخر، وباحث غربي ثالث يروي عن باحث غربي رابع، وهكذا، والشرق هو الغائب، فقد ألف ألبرت هو ليبير في سنة 1913 دراسة عن حكومة الامبراطورية العثمانية في زمن سليمان القانوني، بالرجوع إلى دراسات أوروبية سابقة ودون الرجوع إلى أية مخطوطات باللغة العثمانية رغم توافرها، وهذا ماجعل دراسته قاصرة حتى في موازين ذلك الزمن حين كان يصعب تخيل دراسة عن تاريخ فرنسا الوسيط دون الرجوع إلى المصادر الأصلية باللغات المتصلة بالموضوع، ومع ذلك فقد أصبحت دراسة ليبير مرجعاً مقبولاً ومدرساً على نطاق واسع إلى ستينيات القرن العشرين ولم يكن فشله في التعامل مع المواد الهائلة المتوفرة باللغة العثمانية مشكلة كبيرة.[28]

5- فصل الإنصاف عن السلوك: بالطبع لم يخل الأمر من احتكاك مباشر بين الغرب والإسلام يعرف فيه البعض أن الصور النمطية لا تنطبق على الواقع، “هناك أناس كثيرون في العالم المسيحي يعتقدون أن الأتراك شياطين أشرار، وهمجيون، ورجال بلا معتقد أو أمانة، لكن من عرفوهم وخالطوهم، لهم رأي آخر… فهم يقولون إنهم ورعون ومحسنون، متمسكون بدينهم”،[29] ولكن الذين تبنوا هذا الإنصاف هُمشت آراؤهم كما تهمش الآراء “المارقة” في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة دون الحاجة إلى رقابة رسمية،[30] وليس من الضروري أن يهمَّش حامل الرأي المنصف، فالمهم هو عزل الرأي نفسه وهو ما كان يحدث أحيانا بإبطاله برأي مناقض يدعي مثلاً أن الدين الذي يتمسك به العثماني بهوس هو دين باطل وليس تقوى، أو يقوم المنصف نفسه بتهميش رأيه عملياً مماشاة منه للتيار السائد، مثل الشاعر البريطاني جورج غوردون بايرون (1788- 1824) الذي عاد من زيارة الشرق سنة 1811 وتحدث أمام مجلس اللوردات عن العثمانيين قائلا: “هم ليسوا مخادعين، ولا جبناء، ولا يحرقون الهراطقة، ولا يغتالون الآخرين، ولا يدعون أياً كان يتقدم زاحفاً في اتجاه عاصمتهم، إنهم مخلصون للسلطان حتى يصبح غير صالح للحكم، ويتقون ربهم لا يشككون في قدرته، ولهذا فإن من الصعب التنبؤ إذا أُخرجوا من سان سافيا (مسجد آيا صوفيا كناية عن عاصمتهم اسطنبول)، وحل محلهم الفرنسيون أو الروس، فيما إذا كان ذلك سيكون انتصاراً لأوروبا أم لا، لسوف تكون إنجلترا بكل تأكيد هي الخاسر”، ورغم هذه الشهادة فقد كتب الحكايات التركية التي يصفها ساردار بقوله: “إنها قصائد في العنف المجاني، والانتقام غير العقلاني، والبربرية التي لا رحمة فيها، التي يتسم بها الأتراك… لكن العثمانيين الذين التقاهم بايرون كانوا من نوع مختلف تماماً”.[31]

إن الذي صنع هذه الفجوة بين الإدراك والسلوك هو أن الإدراك لا يحدد سلوك البشر كما قال الدكتور عبد الوهاب المسيري، فالحقيقة الواحدة يمكن أن تنتج نماذج مختلفة من ردود الأفعال، وضرب مثلاً لذلك بردود أفعال اليهود على الحقيقة التي صدمتهم عندما اكتشفوا أن فلسطين يسكن بها شعب وليست أرضاً بلا شعب، فمنهم من تردد في اتخاذ موقف ومنهم من حاول التفاهم مع الفلسطينيين ومنهم من زاد توحشه تجاههم، ويسجل التاريخ أن بعضهم رفض المشاركة في مهرجان الظلم من بدايته فحملوا رحالهم وغادروا هذه الأرض بكل إباء وكبرياء،[32] ولذلك ليس من العجيب أن يقود إدراك بايرون المنصف للعثمانيين إلى سلوك غير منصف فيروج في قصائده عكس ما رآه وشهد به ويقاتلهم ويموت أثناء حرب الاستقلال اليونانية ليصبح أيقونة عاطفية عظيمة في الغرب.[33]

6- إسقاط المفاهيم السلبية للواقع الغربي على الآخرين: من الوسائل التي لجأ إليها العقل الغربي في إساءة تفسير الحياة في المجتمع الإسلامي عند الجهل بها محاولة التوحيد بين عناوين مشتركة تدل على واقع متباين في كل من المجتمع الإسلامي ومجتمعات الحضارة الغربية، وفي هذا يقول الباحث إيهود توليدانو إنه في القرن التاسع عشر كان الأوروبيون والأمريكيون يحملون مفاهيم متشابهة عن الرق تنزع لتعميم ظروف العمل في مزارع العبيد في الجنوب الأمريكي ولا تترك فسحة لخيار مختلف، وإن الأبحاث الغربية لم تلتفت جيداً لمشكلة الاسم، فكان الرق خارج المجتمعات الغربية يعرض بصفات مفعمة بالمعاني السلبية المشتقة من الممارسات الغربية لا سيما في الجنوب الأمريكي،[34] وفي الوقت الذي كان الرق في الأمريكتين منزلة شديدة الانحطاط، كان ما يوصف بالرق أيضاً في المجتمع العثماني سلماً للوصول إلى أعلى المناصب التي تلي منصب السلطان نفسه مباشرة، ورغم كون الانكشارية عبيداً للسلطان، يلاحظ كارابل أنهم “على نقيض الأرقاء الأفارقة في الأمريكيتين، (كانوا) طبقة حاكمة لدولة امبراطورية، وكانوا يتمتعون بالمزايا الناجمة عن ذلك”.[35]

من هو آكل لحوم البشر: ومن أمثلة إسقاط الصفات المعيبة للغرب على ضحاياه ما فصله الباحث منير العكش عن إلصاق تهمة أكل لحوم البشر بسكان أمريكا الأصليين والذي كان على العكس من التهمة متوافراً في المجتمع الإنجليزي الذي أسقط التهمة على ضحاياه،[36] ومن الطريف أن الطرف الذي ارتكب الإبادة اتهم الضحية بالعنف والتوحش والدموية في الوقت الذي سجل المراقبون المباشرون أن الحرب بين الهنود أنفسهم قبل تدخل الرجل الأبيض كانت أقل عنفاً وشراسة من حروب الأوروبيين بل كانت شبيهة بالتسلية التي قد تستمر سبع سنوات دون أن يُقتل فيها سبعة رجال،[37] وهو أمر مشابه اليوم لقيام الامبراطوريات الغربية الكبرى والمدججة بالأسلحة المدمرة التي تخوض بها حروباً عظمى بقذف غيرها من الضعفاء بتهم العنف والإرهاب والخطر على العالم كله، وقد قالت العرب قديماً مثلاً طريفاً عن ذلك وهو: رمتني بدائها وانسلت.

مجمل الصورة الاستشراقية التقليدية

أما الصورة التي نتجت عن كل هذا الجهل والخيال وتلك الانتقائية والعلمنة وذلك الإسقاط فقد ازدهرت وظلت مدة طويلة في خيال الجمهور: “صخب في الألوان، ترف وضراوة وحشية، حريم وسراي السلطان، رءوس مقطوعة ونساء توضع في أكياس وترمى في البوسفور، مراكب وسفن شراعية يرفرف عليها علم الهلال، استدارة القبب اللازوردية والمآذن البيضاء المحلقة، وزراء ومحظيات وخصيان، ينابيع باردة قرب أشجار النخيل، كفار شقت حناجرهم، نساء أسيرات يخضعن لشهوة المنتصر النهم”، وهي صور جمعتها مجموعة فكتور هوغو الشعرية الغنائية المسماة “الشرقيات” (1825)، وقدمت في رأي رودنسون “إشباعاً رخيصاً للغرائز المتأصلة والشهوات الخفية والماسوشية والسادية اللاشعورية للبورجوازية المسالمة” وفقاً للشاعر هاينه،[38] وهو ما يؤكد أن الاستشراق لبى حاجة غربية داخلية قبل أن تكون عملية بحث علمي محايدة.

وقد وصف كارابل هذه الصورة بالقول إنها كانت “صورة للسلطان تخدمه نساء لديهن الرغبة في خدمته ويحرسه خصيان من جنوب صحراء أفريقيا، ويدافع عنه جيش من العبيد أُسروا حينما كانوا لا يزالون أولاداً صغاراً، وتم تدريبهم على حياة خشنة كمحاربين قد يموتون حالما ينبس السلطان بأوامره. وفي قاعة العرش، يجلس السلطان العثماني يلفه الغموض، ومحاطاً بالوزراء الذين يخططون للحملة المقبلة ضد الغرب. وتقليداً لملوك الشرق نادراً ما كان يسمح لزواره بالنظر إليه؛ مما عزز هالة الغموض تلك. وقد ملأ الغربيون الثغرات التي تتخلل ما يعرفونه عن السلطان بالرهبة، وحولوه إلى محارب مقدس يعمل على إهلاك المسيحية، بغية إنجاز ما بدأ به النبي محمد وانتقاماً للعالم الإسلامي لخسارته إسبانيا”.[39]

7- الجهل ينتج استشراقاً ماركسياً: ولم تسلم المدرسة الماركسية التي ظهرت لتصحح أمراض الرأسمالية من الوباء الاستشراقي الذي أصاب مجمل الباحثين الغربيين، فقد اتهمت كتابات ماركس وإنجلز “نمط الإنتاج الآسيوي” الذي أدرجت تحته دول متباينة ومساحات واسعة، بالركود وعدم التطور لمدة آلاف السنين، فحياة الفلاح في القرن التاسع عشر هي نفسها حياة أسلافه منذ عشرات القرون بسبب غياب الملكية الخاصة للأرض، ولهذا نفى ماركس أن يكون للمجتمع الهندي مثلا تاريخ حيث لا تغير ولا تجدد، وهو ما ينطبق على المجتمعات الإسلامية والعثمانية منها، مما جعل الباحث الاجتماعي البريطاني بريان تيرنر يؤكد أن نهاية الاستشراق تتطلب نهاية أشكال من الفكر الماركسي وإيجاد نوع جديد من التحليل.[40]

وقد أثبتت الدراسات الحديثة، وحتى اليسارية منها، محدودية معلومات مؤسسيْ المذهب الماركسي وعدم إلمامهما بطبيعة المجتمعات غير الأوروبية التي أطلقا أحكامهما عليها، وفي ذلك يقول المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم عن معرفة ماركس وإنجلز: “كانت سطحية تماماً حول مرحلة ما قبل التاريخ، وحول أميركا ما قبل التاريخ وكانت معدومة تماماً حول أفريقيا، ولم تكن مبهرة حول الشرق الأوسط أثناء العصور الوسطى أو القديمة، لكنها أفضل بكثير حول بعض أجزاء آسيا خاصة الهند، ولم تكن كذلك فيما يخص اليابان، وكانت جيدة حول فترة العصور القديمة والعصور الوسطى في أوروبا”،[41] ويؤكد أندرسون نقص معلوماتهما عن آسيا وحتى تخلفهما عمن سبقهما من الدارسين، وأن فكرة ركود المجتمعات الآسيوية كانت من تجليات هذا الجهل لديهما لأن غياب النموذج الأوروبي عن هذه المجتمعات “لم يكن يعني أن تطورها كان بالنتيجة راكداً أو دائرياً وقد اتسمت بدايات التاريخ الآسيوي الحديث بتقدم عظيم جداً، بالرغم من أنها لم تتطور نحو الرأسمالية، وهذا الجهل النسبي هو الذي خلق وهم الطابع الراكد والمتماثل للامبراطوريات الشرقية، في حين أن تنوعها وتطورها هما اللذان يلفتان، في الواقع، انتباه المؤرخين في الوقت الحاضر”،[42] وقد سبقت الإشارة إلى مواطن القوة والتطور في الاقتصاد العثماني في العصر الحديث في دراسة سابقة (مدى مسئولية تاريخنا الحديث عن تخلفنا المعاصر).

8- غطرسة القوة وتبعاتها: بعد تصاعد القوة الأوروبية نتيجة الثورة الصناعية ودخول القارة في عصر التوسع لم يعد مجرد الاختلاف هو الدافع لكراهية المنافسين الآخرين أو التفوق الحضاري هو الحافز على التمركز حول الذات، فقد ظهرت أفكار وفلسفات تمجد القوة المجردة وتجعلها الحكم في صراعات الحياة التي لن يفوز فيها سوى الأصلح، وذلك بدءاً من فلسفة نيتشة ومروراً بالداروينية الاجتماعية ثم النازية والفاشية – اللتين يحاول الغرب عبثاً فصلهما عن مجمل تاريخه بادعاء أنهما مجرد شذوذ وهذا ما يكذبه الواقع[43] حيث الإبادة نمط متكرر في التاريخ الغربي- [44] وصولاً إلى نهاية التاريخ وصراع الحضارات وأفكار المحافظين الجدد، وما يهمنا في كل هذا أن هذه الفلسفات ألغت دور التبرير الفكري في التعامل مع الأعداء، وهي المهمة التي كان يقوم بها الاستشراق و”الاستئصال”، ودعت إلى التعامل المباشر مع الضعفاء لاستئصالهم عملياً دون الحاجة إلى “الاستئصال” الفكري أوتبرير يصفهم بصفات سلبية تمهد لاستعمال القوة ضدهم كما كان يحدث في الماضي، إذ يكفي الآن أن تكون الدولة الغربية الكبرى قوية ليؤهلها هذا لاستعمال حق القوة مع أي طرف تراه معادياً دون الرجوع إلى قيم عالمية أو مؤسسات دولية أو أطراف حليفة وذلك في سبيل تحقيق المصالح التي يمكن وصفها حسب الرغبة صدقاً أو كذباً بشكل أحادي، فالفاعل هو مرجعية نفسه وفقاً لتعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، ويمكنه أن يستعمل قوته متى شاء دون موافقة غيره أو الحصول على إجماع من الآخرين حتى لو كانوا من الأصدقاء، وقد اتخذت هذه السياسات عنوان “القدر الجلي” في الولايات المتحدة عندما كانت تخوض صراعاً إبادياً ضد بقايا القبائل الهندية في داخل القارة في القرن التاسع عشر، ثم أخذت اسم الحرب على الإرهاب لإخضاع المتمردين في العالم الإسلامي في بداية القرن الحادي والعشرين، وهو ما يؤكد ما ذكرته سابقاً عن أسبقية التجربة الهندية التي طُبقت على بقية العالم فيما بعد.

ومع أن المراحل التاريخية تتداخل فلا يمكن الفصل بين التمركز حول الذات وغطرسة القوة فإننا يمكننا أن نفرق بوضوح بين سياسات كل منهما وانتقال التوجه العام نحو استعمال القوة المجردة كما اتسمت بذلك مرحلة حكم المحافظين الجدد زمن بوش الابن الذي أعلن مبدأه سنة 2002 بأن السيادة الأمريكية تظل مطلقة ولا مثيل لها، وسيادة الدول الأخرى تحددها الولايات المتحدة، وليس لأي دولة أخرى الحق في منطقة نفوذ حتى في محيطها، وواقع الأمر كما يراه المؤرخ أناتول ليفن أن النية هي بلوغ أمريكا حداً من القوة يمنع عن الآخرين أية خيارات سوى الحشد خلف القوة الأمريكية وتركيز حرية الحركة بيدها وحدها.[45]

وعن أثر القوة في صاحبها يقول لوكمان إن القوة المتعجرفة غالباً ما تجعل من يمارسها غبياً وتمنعه من الفهم الدقيق،[46] ومن ظواهر ذلك ما عدده المؤرخ ليفن عما يفعله القوي حين يهمل آراء كل من حوله ويغرق في تقديس ذاته والاعتقاد بحسد الجميع لنجاحه ويبالغ في الاعتداد برأيه والاعتقاد بحصرية الصواب فيه ويصر على الفوز في كل جدال مهما كان تافهاً ولا يعترف بأي خطأ ويحرر نفسه من أي مسئولية أخلاقية تترتب على أفعاله ويطلق يده لفعل ما يشاء،[47] أما الضحية ومكانها في مهرجان الاحتفاء الذاتي هذا فهو موضوع البند التالي.

9- شيطنة الضحية وصم الآذان عن آلامها: عبر الأب الروحي لمعتقدات المحافظين الجدد المستشرق الأكثر نفوذاً في إدارة بوش الصغير، برنارد لويس عن الرأي الاستشراقي المعروف القائل إن الكوارث التي حلت بالعالم الإسلامي هي نتيجة إخفاقاته الذاتية ولا يد للسياسات الأمريكية فيها، وإن هجمات المسلمين على المصالح الغربية سببها الكراهية والعداء وعدم العقلانية المتأصلة جميعها في الإسلام بطريقة غير مبررة ولا مفسرة ولا تتحمل الولايات المتحدة أية مسئولية عن ذلك بسبب أي من سياساتها المتعلقة بإسرائيل أو دعم الاستبداديات العميلة أو ممارساتها الاستعمارية وانتهاكاتها المستمرة للحقوق، وأن الإسلام ذاته هو عدو الغرب وليس شخص معين ممن أعلنت أمريكا الحرب عليهم، وقد تحول هذا الرأي إلى سياسة عامة تبناها المحافظون الجدد وعبر عنها السؤال الغبي الذي طرحوه بعد هجمات سبتمبر وهو: لماذا يكرهوننا؟ وأجاب عنه رئيسهم بغباء أكبر حين قال إن المسلمين يكرهون الحرية الأمريكية، وانطلقت أبواق السياسة والإعلام (الذي يوصف عادة بأنه إعلام تجهيلي) بفصل مقاومة المسلمين للهيمنة الأمريكية عن سياقها التاريخي والسياسي، وبدلاً من بحث أسبابها المباشرة والبعيدة، توصف بالكراهية الغبية المفتقدة للأساس العقلاني والتي تنفجر بشكل مجنون لا علاقة له بأي من السياسات الأمريكية أو حتى بإساءة تفسيرها، وأن الالتفات إلى الدوافع والمظالم ضار ولا صلة له بالموضوع.[48]

مثال من تبرئة الصهيونية في سبيل شيطنة أعدائها: ومن صور فصل الأحداث عن سياقاتها وتجهيل الناس بأسبابها رغم العلم المسبق بكل ذلك ما قام به السياسي والدبلوماسي الصهيوني أوري جو